← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.

стр. 10851

طَيِّباً) (١) . اختلف العلماء- ﵏ في معنى (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (٢) ففهم بعض منهم: أن المراد مطلق اللمس. وفهم آخرون: أن المراد به اللمس المثير للشهوة. وفهم آخرون: أن المراد به الجماع، وهذا الرأي رأي ابن عباس- ﵄. وإذا تأملت الآية وجدت أن الصواب مع مَنْ يرى أنه الجماع؛ لأن الله- ﵎ ذكر نوعين في طهارة الماء، طهارة الحدث الأصغر والأكبر. ففي الأصغر قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (٣) ، أما الأكبر فقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (٤) وكان مقتضى البلاغة والبيان أن يذكر أيضًا موجبًا الطهارتين في طهارة التيمم فقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) (٥) إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأصغر. وقوله: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (٦) إشارة إلى موجب طهارة

стр. 10852

الحدث الأكبر. ولو جعلنا الملامسة هنا بمعنى اللمس، لكان في الآية ذكر موجبين من موجبات طهارة الحدث الأصغر، وليس فيها ذكر لشيء من موجبات الحدث الأكبر، وهذا خلاف ما تقتضيه بلاغة القرآن، فالذين فهموا من الآية أن المراد به مطلق اللمس قالوا: إذا مس إنسان ذكر بشرة الأنثى انتقض وضوؤه، أو إذا مسها لشهوة انتقض، ولغير شهوة لا ينتقض. والصواب: عدم الانتقاض في الحالين، وقد روي أن رسول الله ﷺ قَبَّل إحدى نسائه، ثم ذهب إلى الصلاة ولم يتوضأ (١) ، وقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضًا. ٢- من السنة: لما رجع رسول الله ﷺ غزوة الأحزاب، ووضع عدة الحرب جاء جبريل ﵇ فقال له: إنا لم نضع السلاح فأخرج إلى بني قريظة، فامر رسول الله ﷺ أصحابه بالخروج وقال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (٢) الحديث، فقد اختلف الصحابة ﵃ في فهمه. فمنهم: من فهم أن مراد الرسول ﷺ المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلما حان وقت العصر وهم

стр. 10853

في الطريق صلوها، ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها. ومنهم من فهم: أن مراد رسول الله ﷺ ألا يصلوا إلا إذا وصلوا بني قريظة، فأخروها حتى وصلوا بني قريظة، فأخرجوها عن وقتها. ولا ريب أن الصواب مع الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا نص مشتبه. وطريق العلم أن يحمل المتشابه على المحكم، إذن من أسباب الخلاف أن يفهم الدليل على خلاف مراد الله تعالى ورسوله ﷺ . السبب الخامس: أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ، ولم يعلم بالناسخ فيكون الحد ش صحيحًا، والمراد منه مفهومًا، ولكنه منسوخ، والعالم لا يعلم بنسخه فحينئذ له العذر؛ لأن الأصل عدم النسخ حتى يعلم الناسخ. ومن هذا رأي ابن مسعود- ﵁ ماذا يصنع الإنسان بيديه إذا ركع؟ كان في أول الإسلام يشرع للمصلي التطبيق بين يديه، ويضعهما بين ركبتيه. هذا هو المشروع في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك وصار المشروع أن يضع يديه على ركبتيه. وثبت في صحيح البخاري وغيره النسخ، وكان ابن فسعود- ﵁ لم يعلم بالنسخ، فكان

стр. 10854

يطبق يديه، فصلى إلى جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على ركبهما (١) ، ولكنه- ﵁ نهاهما عن ذلك وأمرهما بالتطبيق؛ لأنه لم يعلم بالنسخ، والإنسان لا يكلف إلا وسع نفسه، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (٢) . السبب السادس: أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، بمعنى أنه يصل الدليل إلى المستدل، ولكنه يرى أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، وهذا كثير في خلاف الأئمة. وما أكثر ما نسمع من ينقل الإجماع، ولكنه عند التأمل لا يكون إجماعًا. ومن أغرب ما نقل في الإجماع أن بعضهم قال: أجمعوا على قبول شهادة العبد. وآخرون قالوا: أجمعوا على أنها لا تقبل شهادة العبد. هذا من غرائب النقل؛ لأن بعض الناس إذا كان من حوله اتفقوا على رأي، ظن أنه لا مخالف لهم، لاعتقاده أن ذلك مقتضى النصوص،

стр. 10855

فيجتمع في ذهنه دليلان: النص والإجماع، وربما يراه مقتضى القياس الصحيح، والنظر الصحيح فيحكم أنه لا خلاف، وأنه لا مخالف لهذا النص القائم عنده مع القياس الصحيح عنده، والأمر قد كان بالعكس. ويمكن أن نمثل ذلك برأي ابن عباس- ﵄ في ربا الفضل. شت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما الربا في النسيئة" (١) . وشت عنه في حديث عبادة بن الصامت وغيره: "أن الربا يكون في النسيئة وفي الزيادة" (٢) . وأجمع العلماء بعد ابن عباس ﵄ على أن الربا قسمان: ربا فضل. وربا نسيئة. أما ابن عباس ﵄ فإنه أبى إلا أن يكون الربا في النسيئة فقط. مثاله: لو بعت صاعًا من القمح بصاعين يدًا بيد. فإنه عند ابن عباس ﵄ لا بأس به، لأنه يرى أن الربا في النسيئة فقط. وإذا بعت مثلاً مثقالاً من الذهب بمثقالين من

стр. 10856

الذهب يدًا بيد فعنده أنه ليس ربا. لكن إذا أخرت القبض، فأعطيتني المثقال، ولم أعطك البدل إلا بعد التفرق فهو ربا؛ لأن ابن عباس- ﵄ يرى أن هذا الحصر مانع من وقوع الربا في غيره، ومعلوم أن (إنما) تفيد الحصر فيدل على أن ما سواه ليس بربا، لكن الحقيقة أن ما دل عليه حديث عبادة ﵁ يدل على أن الفضل من الربا لقول الرسول ﷺ : "من زاد أو استزاد فقد أربى" (١) . إذن ما موقفنا نحن من الحديث الذي استدل به ابن عباس؟ موقفنا أن نحمله على وجه يمكن أن يتفق مع الحديث الآخر الدال على أن الربا يكون أيضًا في الفضل، بأن نقول: إنما الربا الشديد الذي يعمد إليه أهل الجاهلية والذي ورد فيه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) (٢) . إنما هو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فإنه ليس الربا الشديد العظيم، ولهذا ذهب ابن القيم ﵀ في كتابه "إعلام الموقعين" إلى أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل، وليس من باب تحريم المقاصد. السبب السابع: أن يأخذ العالم بحديث ضعيف، أو يستدل استدلالاً ضعيفًا.

стр. 10857

وهذا كثير جدًا، فمن أمثلته: أي أمثلة الاستدلال بالحديث الضعيف: ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب صلاة التسبيح (١) وهو أن يصلي الإنسان ركعتين، يقرأ فيهما بالفاتحة، ويسبح خمس عشر تسبيحة، وكذلك في الركوع والسجود إلى آخر صفتها التي لم أضبطها، لأنني لا أعتقدها من حيث الشرع. ويرى آخرون: إن صلاة التسبيح بدعة مكروهة، وأن حديثها لا يصح، وممن يرى ذلك الإمام أحمد- ﵀ وقال: إنها لا تصح عن النبي ﷺ ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: إن حديثها كذب على رسول الله، وفي الحقيقة من تأملها وجد أن فيها شذوذًا حتى بالنسبة للشرع إذ أن العبادة، إما أن تكون نافعة للقلب، ولابد لصلاح القلب منها فتكون مشروعة في كل وقت وفي كل مكان، وإما ألا تكون نافعة فلا تكون مشروعة، وهذه في الحديث الذي جاء عنها يصليها الإنسان كل يوم، أو كل أسبوع، أو كل شهر، أو في العمر مرة، وهذا لا نظير له في الشرع، فدل على شذوذها سندًا ومتنًا، وأن من قال: إنها كذب، كشيخ الإسلام فإنه مصيب؛ ولذا قال شيخ الإسلام: إنه لم يستحبها أحد من الأئمة.

стр. 10858

وإنما مثلت بها لأن السؤال عنها كثير من الرجال والنساء، فأخشى أن تكون هذه البدعة أمراً مشروعًا، وإنما أقول: (بدعة) ، أقولها ولو كانت ثقيلة على بعض الناس، لأننا نعتقد أن كل من دان لله- مما ليس في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ فإنه بدعة. كذلك أيضًا من يأخذ بدليل ضعيف من حيث الاستدلال. الدليل قوي، لكنه من حيث الاستدلال به ضعيف، مثل ما أخذ بعض العلماء من حديث "زكاة الجنين زكاة أمه " (١) . فالمعروف عند أهل العلم من معنى الحديث أن أم الجنين إذا ذكيت فإن زكاتها زكاة له- أي لا يحتاج إلى زكاة إذا أخرج منها بعد الذبح، لأنه قد مات ولا فائدة من تذكيته بعد موته. ومن العلماء من فهم أن المراد بالحديث: أن زكاة الجنين كزكاة أمه، تكون بقطع الودجين وإنهار الدم- ولكن هذا بعيد، والذي يبعده أنه لا يحصل إنهار الدم بعد الموت. ورسول الله ﷺ يقول: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوه " (٢) . ومن المعلوم أنه لا يمكن

стр. 10859

إنهار الدم بعد الموت. هذه الأسباب التي أحببت أن أنبه عليها مع أنها كثيرة، وبحر لا ساحل له، ولكن بعد هذا كله ما موقفنا؟ وما قلته في أول الموضوع أن الناس بسبب وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية واختلاف العلماء، أو اختلاف المتكلمين في هذه الوسائل صاروا يتشككون ويقولون: مَنْ نتبع؟ تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراشٌ ما يصيد وحينئذٍ نقول: موقفنا من هذا الخلاف وأعني به خلاف العلماء الذين نعلم أنهم موثوقون علمًا وديانة، لا من هم محسوبون على العلم وليسوا من أهله؛ لأننا لا نعتبر هؤلاء علماء، ولا نعتبر أقوالهم مما يحفظ من أقوال أهل العلم. ولكننا نعني به العلماء المعروفين بالنصح للأمة والإسلام والعلم، موقفنا من هؤلاء يكون على وجهين: ١- كيف خالف هؤلاء الأئمة لما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟ وهذا يمكن أن يعرف الجواب عنه بما ذكرنا من أسباب الخلاف، وبما لم نذكره، وهو كثير يظهر لطالب العلم حتى وإن لم يكن متبحرًا في العلم.

стр. 10860

٢- ما موقفنا من اتباعهم؟ ومن نتبع من هؤلاء العلماء؟ أيتبع الإنسان إمامًا لا يخرج عن قوله، ولو كان الصواب مع غيره كعادة المتعصبين للمذاهب. أم يتبع ما ترجح عنده من دليل، ولو كان مخالفًا لما ينتسب إليه من هؤلاء الأئمة؟ الجواب هو: الثاني. فالواجب على من علم بالدليل ولو خالف من خالف من الأئمة. إذا لم يخالف إجماع الأمة. ومن اعتقد أن أحدَا غير رسول ﷺ كل يجب أن يؤخذ بقوله فعلاً وتركًا بكل حال وزمان فقد شهد لغير الرسول ﷺ بخصائص الرسالة، لأنه لا يمكن أحد أن يكون هذا حكم قوله إلا رسول الله ﷺ ولا أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك سوى رسول الله ﷺ . ولكن يبقى الأمر فيه نظر، لأننا لا نزال في دوامة من الذي يستطيع أن يستنبط الأحكام من الأدلة؟ هذه مشكلة؛ لأن كل واحد صار يقول: أنا صاحبها، وهذا في الحقيقة ليس بجيد، نعم من حيث الهدف والأصل هو جيد: أن يكون رائد الإنسان كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكن كوننا نفتح الباب لكل من عرف أن ينطق بالدليل، وإن لم يعرف معناه وفحواه، فنقول: أنت مجتهد تقول ما شئت، هذا يحصل فيه فساد الشريعة،

стр. 10861

وفساد الخلق والمجتمع. والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام: ١- عالم رزقه الله علمًا وفهمًا. ٢- طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحر. ٣- عامي لا يدري شيئًا. أما الأول: الذي رزقه الله علمًا وفهمًا، فإنه له الحق أن يجتهد وأن يقول، بل يجب عليه أن يقول ما كان مقتف الدليل عنده مهما خالفه من خالفه من الناس؛ لأنه مأمور بذلك، قال تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (١) وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام رسوله. أما الثاني: الذي رزقه الله علمًا ولكنه لم يبلغ درجة الأول: فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والإطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزًا في ذلك، وألا يقصر عن سؤال مَنْ هو أعلى منه من أهل العلم؛ لأنه قد يخطئ، وقد لا يصل علمه إلى شيء خصص ما كان عامًا، أو قيد ما كان مطلقًا، أو نسخ ما يراه محكمًا، وهو لا يدري بذلك. أما الثالث: وهو من ليس عنده علم، فهذا يجب عليه أن يسأل أهل

стр. 10862

العلم لقوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (١) وفي آية أخرى: (إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (٢) فوظيفة هذا أن يسأل، ولكن مَنْ يسأل؟ في البلد علماء كثيرون، وكلٌ يقول: إنه عالم، أو كل يقال عنه: إنه عالم. فمَنْ الذي يسأل؟ هل نقول: يجب عليك أن تتحرى من هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم تأخذ بقوله، أو نقول: اسأل من شئت ممن تراه من أهل العلم، والمفضول قد يوفق للعلم في مسألة معينة، ولا يوفق من هو أفضل منه وأعلم؟ اختلف في هذا أهل العلم: فمنهم من يرى: أنه يجب على العامي أن يسأل من يراه أوثق في علمه من علماء بلده؛ لأنه كما أن الإنسان الذي أصيب بمرض في جسمه، فإنه يطلب لمرضه من يراه أقوى في أمور الطب، فكذلك هنا؛ لأن العلم دواء القلوب، فكما أنك تختار لمرضك من تراه أقوى فكذلك هنا يجب أن تختار من تراه أقوى علمًا إذ لا فرق. ومنهم مَنْ يرى: أن ذلك ليس بواجب؛ لأن من هو أقوى علمًا قد

стр. 10863

لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها، ويرجح هذا القول أن الناس في عهد الصحابة- ﵃ كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل. والذي أرى في هذه المسألة أنه يسأل من يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب؛ لأن من هو أفضل قد يخطئ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية. والأرجح: أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه. وأخيرًا أنصح نفسي أولاً وإخواني المسلمين، ولاسيما طلبة العلم إذا نزلت بإنسان نازلة من مسائل العلم ألا يتعجل ويتسرع حتى يتثبت ويعلم ما يقول؛ لئلا يقول على الله بلا علم. فإن الإنسان المفتي واسطة بين الناس وبين الله، يبلغ شريعة الله، كما ثبت عن رسول الله ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء" (١) . وأخبر النبي ﷺ : أن القضاة ثلاثة: قاض واحد في الجنة، وهو من

стр. 10864

علم الحق فحكم به (١) . كذلك أيضًا من المهم إذا نزلت بك نازلة أن تشد قلبك إلى الله، وتفتقر إليه أن يفهمك ويعلمك، لاسيما في الأمور العظام الكبيرة التي تخفى على كثير من الناس. وقد ذكر لي بعض مشائخنا أنه ينبغي لمن سُئل عن مسألة أن يكثر من الاستغفار، مستنبطًا من قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)) (٢) ، لأن الإكثار من الاستغفار يوجب زوال أثر الذنوب التي هي سبب في نسيان العلم والجهل، كما قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (٣) . وقد ذكر الشافعي أنه قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بان العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي فلا جرم حينئذٍ أن يكون الاستغفار سببًا لفتح الله على المرء.

стр. 10865

وأسال الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وألاَّ يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب. والحمد لله رب العالمين أولاً وأخيرًا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 10866

حسن الخلق وأهميته لطالب العلم إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله تعالى بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منير اً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ووفق الله من شاء من عباده فاستجاب لدعوته، واهتدى بهديه، وخذل الله بحكمته من شاء من عباده فاستكبر عن طاعته، وكذب خبره، وعاند أمره، فباء بالخسران والضلال البعيد. أيها الإخوة، يطيب لي أن أتحدث إليكم عن الخلق الحسن. والخلق كما يقول أهل العلم هو: صورة الإنسان الباطنة؛ لأن الإنسان صورتين: صورة ظاهرة، وهي خلقته التي جعل الله البدن عليها. وكما نعلم جميعاً أن هذه الصورة الظاهرة منها ما هو جميل حسن، ومنها ما هو قبيح سيئ، ومنها ما بين ذلك. وصورة باطنة، منها صورة حسنة ومنها صورة سيئة، ومنها ما

стр. 10867

بين ذلك. وهذا ما يعبر عنه بالخلق. فالخُلُق إذن هو: "الصورة الباطنة التي طُبع الإنسان عليها"، وكما يكون الخلق طبيعة فإنه يكون كسباً. بمعنى أن الإنسان كما يكون مطبوعاً على الخلق الحسن الجميل قد يحصل على الخلق الحسن الجميل عن طريق الكسب والمرونة، ولذلك قال النبي ﷺ لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة. قال يا رسول الله أهما خلقان تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ قال: بل جبلك الله عليهما" (١) . فهذا دليل على أن الأخلاق الفاضلة تكون طبعاً، وتكون تطبعاً، ولكن الطبع بلا شك أحسن من التطبع، لأن الخلق إذا كان طبيعياً صار سجية للإنسان وطبيعة له، لا يحتاج في ممارسته إلى تكلف، ولا يحتاج في ممارسته إلى تصنع، ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. ومن حرم هذا، أي من حرم الخلق على سبيل الطبع فإنه يمكنه أن يناله على سبيل التطبع، وذلك بالمرونة والممارسة كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكثير من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق لا يكون إلا في معاملة الخلق دون معاملة الخالق. ولكن هذا الفهم قاصر، فإن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق يكون في معاملة الخالق.

стр. 10868

فموضوع حسن الخلق إذن معاملة الخالق- جل وعلا-، ومعاملة الخلق أيضاً. فما هو حسن الخلق في معاملة الخالق؟ حسن الخلق في معاملة الخالق يجمع ثلاثة أمور: ١- تلقي أخبار الله تعالى بالتصديق. ٢- وتلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق. ٣- وتلقي أقداره بالصبر والرضا. فهذه ثلاثة أشياء عليها مدار حسن الخلق مع الله . أولاً: تلقي أخباره بالتصديق: بحيث لا يقع عند الإنسان شك أو تردد في تصديق خبر الله تعالى، لأن خبر الله صادر عن علم، وهو أصدق القائلين كما قال تعالى عن نفسه: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (١) . ولازم تصديق أخبار الله أن يكون الإنسان واثقاً بها مدافعاً عنها مجاهداً بها، بحيث لا يدخله شك، أو تشكيك في أخبار الله وأخبار رسوله ﷺ ، وإذا تخلق بهذا الخلق أمكنه أن يدفع كل شبهة يوردها المغرضون على أخبار رسوله ﷺ ، سواء كانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه أم كانوا من غير المسلمين

стр. 10869

الذين يلقون الشبهة في قلوب المسلمين، ولنضرب لذلك مثلاً: ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء،) (١) . هذا خبر رسول الله ﷺ ، وهو ﷺ في أمور الغيب لا ينطق إلا بما أوحى الله إليه؛ لأنه بشر والبشر لا يعلم الغيب بل قد قال الله له: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (٢) . هذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن خلق، وحسن الخلق نحو هذا الخبر أن نتلقى هذا الخبر بالقبول، وأن نجزم بان ما قال النبي ﷺ في هذا الحديث فهو حق وصدق، وإن اعترض عليه من يعترض. ونعلم علم اليقين أن ما خالف ما صح عن رسول الله ﷺ فإنه باطل؛ لأن الله تعالى يقول: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (٣) . ومثال أخر: من أخبار يوم القيامة، أخبر النبي ﷺ أن الشمس تدنو من

стр. 10870

الخلائق يوم القيامة بقدر ميل (١) ، سواء كان ميل المكحلة أو ميل المسافة، هذه المسافة بين الشمس ورؤوس الخلائق قليلة، ومع هذا فإن الناس لا يحترقون بحرها، مع أن الشمس لو تدنو الآن في الدنيا مقدار أنملة لاحترقت الدنيا، فقد يقول قائل: كيف تدنو من رؤوس الخلائق يوم القيامة بهذه المسافة ثم يبقى الناس؟ فما هو حسن الخلق نحو هذا الحديث؟ حسن الخلق نحو هذا الحديث أن نقبله ونصدق به، وألاَّ يكون في صدورنا حرج منه، ولا ضيق، ولا تردد، وأن نعلم أن ما أخبر به الرسول ﷺ في هذا فهو حق، ولا يمكن أن نقيس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا لوجود الفارق العظيم. فإذا كان كذلك فإن المؤمن يقبل مثل هذا الخبر بانشراح وطمأنينة ويتسع فهمه له. ثانياً: تلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق: إن حسن الخلق في معاملة الله بالنسبة للأحكام أن يتلقاها الإنسان بالقبول والتنفيذ والتطبيق فلا يرد شيئًا من أحكام الله، فإذا رد شيئًا من أحكام الله، فهذا سوء خلق مع الله سواء ردها منكرًا حكمها، أو ردها مستكبرًا عن العمل بها، أو ردها متهاوناً بالعمل بها، فإن ذلك مناف لحسن الخلق مع الله .

стр. 10871

ولنضرب لذلك مثلاً، الصوم لا شك أنه شاق على الإنسان؛ لأن الإنسان يترك فيه المألوف من طعام وشراب ونكاح، وهذا أمر شاق، ولكن المؤمن حسن الخلق مع ربه ، يقبل هذا التكليف بانشراح صدر وطمأنينة، وتتسع له نفسه، فتجده يصوم الأيام الحارة الطويلة، وهو بذلك راض منشرح الصدر؛ لأنه يحسن الخلق مع ربه. أما سيئ الخلق مع الله فيقابل مثل هذه العبادة بالضجر والكراهية، ولولا أنه يخشى من أمر لا تحمده عقباه لكان لا يلتزم بالصيام. ومثال آخر: الصلاة لا شك أنها ثقيلة على بعض الناس، وهي ثقيلة على المنافقين، كما قال النبي ﵊: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر" (١) ، لكن الصلاة بالنسبة للمؤمن قرة عينه وراحة نفسه، قال الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (٢) . فهي على هؤلاء غير كبيرة بل أنها سهلة يسيرة، ولهذا قال النبي ﷺ : "جعلت قرة عيني في الصلاة" (٣) .

стр. 10872

فحسن الخلق مع الله بالنسبة للصلاة، أن تؤديها وقلبك منشرح مطمئن، وعيناك قريرتان، تفرح إذا كنت متلبساً بها وتنتظرها إذا أقبل وقتها، فذا صليت الفجر كنت في شوق إلى صلاة الظهر، وإذا صليت الظهر كنت في شوق إلى صلاة العصر، وإذا صليت العصر كنت في شوق إلى صلاة المغرب، وإذا صليت المغرب كنت في شوق إلى صلاة العشاء، وإذا صليت العشاء كنت في شوق إلى صلاة الفجر، وهكذا دائماً قلبك معلق بهذه الصلوات. ونضرب مثالاً ثالثاً في المعاملات: في المعاملات حرم الله علينا الربا، حرمه تحريماً صريحاً في القرآن كما قال الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (١) . وقال فيه: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (٢) . فتوعد من عاد إلى الربا بعد أن جاءته الموعظة، وعلم الحكم توعده بالخلود في النار والعياذ بالله. المؤمن يقبل هذا الحكم بانشراح ورضا وتسليم. وأما غير المؤمن؟ فإنه لا يقبله ويضيق صدره به، يتحيل عليه بأنواع الحيل لأننا نعلم

стр. 10873

أن في الربا مكسباً متيقناً وليس فيه مخاطرة، لكنه في الحقيقة كسب لشخص وظلم لآخر. ولهذا قال الله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) (١) . أمما الأمر الثالث من موضوع حسن الخلق مع الله، فهو تلقي أقداره بالصبر والرضا، وكلنا يعلم أن أقدار الله التي ينفذها في خلقه بعضها ملائم وبعضها غير ملائم. هل المرض يلائم الإنسان؟ أبداً فالإنسان يحب أن يكون صحيحاً. وهل الفقر يلائم الإنسان؟ لا. فالإنسان يحب أن يكون غنياً. وهل الجهل يلائم الإنسان؟ لا. فالإنسان يحب أن يكون عالماً. لكن أقدار الله بحكمته تتنوع، منها ما يلائم الإنسان ويستريح له بمقتف طبيعته، ومنها ما لا يكون كذلك. فما هو حسن الخلق مع الله نحو أقدار الله؟ حسن الخلق مع الله نحو أقداره أن ترضى بما قدره الله لك، وأن تطمئن إليه، وأن تعلم أن الله ما قدره لك إلا لحكمة وغاية محمودة يستحق عليه الحمد والشكر، وعلى هذا فإن حسن الخلق مع الله نحو أقداره: هو أن الإنسان يرضى ويستسلم ويطمئن. ولهذا امتدح الله تعالى الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله

стр. 10874

وإنا إليه راجعون. وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (١) . ونوجز ما سبق: نقول: إن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق يكون في معاملة الخالق. وأن حسن الخلق في معاملة الخالق هو: تلقي أخباره بالتصديق، وتلقي أحكامه بالقبول والتطبيق، وتلقي أقداره بالصبر والرضا. هذا حسن الخلق مع الله. أما حسن الخلق مع المخلوق فعرفه بعضهم، ويذكر عن الحسن البصري أنه "كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه". ثلاثة أمور: ١- كف الأذى. ٢- بذل الندى. ٣- طلاقة الوجه. ومعنى كف الأذى، أن الإنسان يكف أذاه عن غيره، سواء كان هذا الأذى يتعلق بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض. فمن لم يكف أذاه عن الخلق فليس حسن الخلق، بل هو سيئ الخلق. وقد أعلن الرسول ﷺ في أعظم مجمع اجتمع به في أمته. قال: "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا،

стр. 10875

في شهركم هذا، في بلدكم هذا، (١) . إذا كان رجل يعتدي على الناس بالخيانة، أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية، أو يعتدي على الناس في العرض، أو بالسب والغيبة. فهذا ليس بحسن الخلق مع الناس؛ لأنه لم يكف أذاه عنهم، ويعظم إثم ذلك كلما كان موجهاً إلى من له حق عليك أكبر. فالإساءة إلى الوالدين مثلاً أعظم من الإساءة إلى غيرهما، والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد، والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا جيراناً لك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه" (٢) . وفي رواية لمسلم: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" والبوائق هي الشرور. وأما بذل الندى، الندى هو الكرم والجود. يعني أن تبذل الكرم والجود، والكرم ليس كما يظنه بعض الناس هو أن تبذل المال، بل الكرم يكون في بذل النفس، وفي بذل الجاه، وفي بذل المال، إذا رأينا

стр. 10876

شخصاً يقضي حوائج الناس يساعدهم يتوجه في شؤونهم إلى من لا يستطيعون الوصول إليه، ينشر علمه بين الناس، يبذل ماله بين الناس، فإنا نصفه بحسن الخلق؛ لأنه بذل الندى، ولهذا قال النبي ﷺ : "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" (١) . ومعنى ذلك أنك إذا ظلمت أو أسيء إليك فإنك تعفو وتصفح، وقد امتدح الله العافين عن الناس فقال في أهل الجنة: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٢) . وقال الله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (٣) . وقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) (٤) . وقال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (٥) . وكل إنسان يتصل بالناس فلا بد أن يجد من الناس شيئاً من الإساءة، فموقفه من هذه الإساءة يعفو ويصفح، وليعلم علم اليقين أنه بعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنى سوف تنقلب العداوة بينه وبين

стр. 10877

أخيه إلى ولاية وصداقة. قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (١) . فما هو الأحسن، السيئة أم الحسنة؟ الحسنة. وتأملوا أنها العارفون باللغة العربية كيف جاءت النتيجة بـ (إذا) الفجائية تدل على الحدث الفوري في نتيجتها. (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ولكن هل كل أحد يوفق إلى ذلك؟ لا، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (٢) . وهاهنا مسألة: وهل نفهم من هذا أن العفو عن الجاني مطلقاً محمود ومأمور به؟ قد نفهم من هذا الكلام أن العفو مطلقاً محمود ومأمور به. ولكن ليكن معلوماً لديكم أن العفو إنما يحمد إذا كان العفو أحمد، ولهذا قال الله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى: من الآية٤٠) (٣) . فجعل العفو مقروناً بالإصلاح. وهل يمكن أن يكون العفو غير إصلاح؟ الجواب: نعم. قد يكون هذا الذي اجترأ عليك، وجنى عليك رجل شرير، معروف بالشر والفساد، فلو عفوت عنه لتمادى

стр. 10878

في شره وفساده، فما هو الأفضل حينئذٍ، أن نعفو أو نأخذ بالجريمة؟ الأفضل أن نأخذ بالجريمة؟ لأن في ذلك إصلاحاً. قال شيخ الإسلام: "الإصلاح واجب، والعفو مندوب". فإذا كان في العفو فوات الإصلاح فمعنى ذلك أننا قدمنا مندوباً على واجب، وهذا لا تأتي به الشريعة. وصدق ﵀. وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة يفعلها كثير من الناس بقصد الإحسان، وهي أن تقع حادثة من شخص فيهلك بسببها شخص آخر، فيأتي أولياء المقتول فيسقطون الدية عن هذا الجاني الذي فعل الحادث، فهل إسقاطهم محمود، ويعتبر من حسن الخلق أو في ذلك تفصيل؟ في ذلك تفصيل. لابد أن نتأمل ونفكر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث هل هو من الناس المعروفين بالتهور وعدم المبالاة؟ هل هو من الطراز الذي يقول أنا لا أبالي أن أصدم شخصاً؛ لأن ديته في الدرج. والعياذ بالله؟ أم أنه رجل حصلت منه الجناية مع كمال التحفظ وكمال الاتزان، ولكن الله تعالى قد جعل كل شيء بمقدار؟ فالجواب: إن كان من الطراز الثاني فالعفو بحقه أولى، ولكن قبل العفو حتى في الطراز الثاني يجب أن نلاحظ، هل على الميت دين؟ إذا كان عليه دين فإنه لا

стр. 10879

يمكن أن نعفو. ولو عفونا فإن عفونا لا يعتبر، وهذه مسألة ربما يغفل عنه كثير من الناس. لماذا نقول: إنه قبل العفو يجب أن نلاحظ هل على الميت دين أم لا؟ لماذا نقول ذلك؟ لأن الورثة يتلقون الاستحقاق لهذه الدية من الميت الذي أصيب بالحادث، ولا يرد استحقاقهم إلا بعد الدين؛ ولهذا لما ذكر الله الميراث قال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (١) . هذه مسألة تخفي على كثير من الناس، وعلى هذا فنقول: إذا حصلت حادثة على شخص ما، فمات فإنه قبل أن يقدم ورثته على العفو ننظر في حال المجني عليه، فإن كان عليه دَيْن لا وفاء له إلا من الدية فلا عفو؛ لأن الدين مقدم على الميراث، وإن لم يكن عليه دين نظرنا في حال الجاني، فإن كان من المتهورين فترك العفو عنه أولى، وإن لم يكن منهم نظرنا في ورثة المجني عليه فإن كانوا غير مرشدين فلا يملك أحد إسقاط حقهم عن المجني عليه، وإن كانوا مرشدين فالعفو في هذه الحال أفضل. والحاصل: أن من حسن الخلق العفو عن الناس، وهو من بذل

стр. 10880

الندى؛ لأن بذل الندى: إما إعطاء، وإما إسقاط، والعفو من الإسقاط. وأما طلاقة الوجه فهي أن يكون الإنسان طليق الوجه، وضد طليق الوجه عبوس الوجه، ولهذا قال النبي ﵊: "لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" (١) . طلاقة الوجه تدخل السرور على من قابلك. وعلى من اتجه لك، وتجلب المودة والمحبة، وتوجب انشراح القلب، بل توجب انشراح الصدر منك وممن يقابلك، وجرب تجد، لكن إذا كنت عبوساً فإن الناس ينفرون منك، ولا ينشرحون بالجلوس إليك، ولا بالتحدث معك، وربما تصاب بمرض خطير يسمى بالضغط، فإن انشراح الصدر وطلاقة الوجه من أكبر العقاقير المانعة من هذا الداء داء الضغط؛ ولهذا فإن الأطباء ينصحون من ابتلي بهذا الداء بأن يبتعد عما يثيره ويغضبه؛ لأن ذلك يزيد في مرضه، فطلاقة الوجه تقضي على هذا المرض؛ لأن الإنسان يكون منشرح الصدر، محبوباَ إلى الخلق. هذه الأصول الثلاثة التي يدور عليها حسن الخلق في معاملة الخلق.

стр. 10881

ومما ينبغي أن يعرف من حسن الخلق حسن المعاشرة بأن يكون الإنسان مع من يعاشره من أصدقاء، وأقارب، وأهل، يكون حسن العشرة معهم لا يضيق بهم ولا يُضيِّق عليهم، بل يدخل السرور عليهم بقدر ما يمكنه في حدود شريعة الله. وهذا القيد لابد منه، أعني أن يكون في حدود شريعة الله؛ لأن من الناس من لا يُسَّر إلا بمعصية الله والعياذ بالله وهذا لا يوافق عليه. لكن إدخال السرور على من يتصل بك من أهل وأصدقاء وأقارب من حسن الخلق. ولهذا قال النبي ﵊: (إن خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (١) . وكثير من الناس مع الأسف الشديد يحسن الخلق مع الناس، ولكنه لا يحسن الخلق مع أهله، وهذا خطأ وقلب للحقائق. كيف تحسن الخلق مع الأباعد، وتسيء الخلق مع الأقارب؟ فالأقارب أحق الناس بأن تحسن إليهم الصحبة والعشرة. ولهذا قال رجل: يا رسول الله: "من أحق الناس بصحابتي أو بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك. في الثالثة أو الرابعة" (٢) .

стр. 10882

والحاصل: إن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كل ذلك من حسن الخلق، وينبغي لنا في هذه المراكز الصيفية أن نستغل وجود الشباب بحيث نمرنهم على إحسان الخلق لتكون هذه المراكز مراكز تعليم وتربية؛ لأن العلم بدون تربية قد يكون ضرره أكثر من نفعه. لكن مع التربية يكون العلم مؤدياً لنتيجته المقصودة. ولهذا قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (١) . هذه فائدة العلم أن يكون الإنسان ربانياً، بمعنى مربياً لعباد الله على شريعة الله. فهذه المراكز التي نأمل من القائمين عليها أن يجعلوها ميداناً للتسابق في الأخلاق الفاضلة ومنها حسن الخلق. فحسن الخلق يكون بالطبع، ويكون بالتطبع كما تقدم. وحسن الخلق بالطبع أكمل من حسن الخلق بالتطبع. وأتينا على ذلك بدليل وهو قول الرسول ﵊: "بل جبلك الله عليهما" (٢) . وحسن الخلق بالتطبع قد يفوت الإنسان في مواطن

стр. 10883

كثيرة؛ لأن حسن الخلق بالتطبع يحتاج إلى ممارسة وإلى معاناة وإلى تذكر عند وجود كل ما يثير الإنسان، ولهذا جاء رجل إلى الرسول ﵊ وقال: يا رسول الله أوصني، قال: "لا تغضب" فردد مراراً قال: "لا تغضب" (١) ، وقال النبي ﵊: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٢) . والصرعة: هو الذي يغلب الرجال عند المصارعة. إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، الذي يصرع نفسه ويملكها عند الغضب هو الشديد. وملك الإنسان نفسه عند الغضب يعتبر من أحاسن الأخلاق، فإذا غضبت فلا تنفذ الغضب، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كنت قائماً فاجلس، وإذا كنت جالساً فاضجع، وإذا زاد بك الغضب فتوضأ حتى يزول عنك. والمقصود أننا نقول: إن حسن الخلق طبع وتطبع، وأن حسن الخلق بالطبع هو الأفضل؛ لأنه يكون سجية الإنسان ويسهل عليه في كل موطن، ولكن التطبع قد يفوته في بعض المواقف.

стр. 10884

كذلك نقول إن حسن الخلق يكون بالاكتساب بمعنى أن الإنسان يمرن نفسه، فكيف يكون الإنسان حسن الخلق؟ يكون الإنسان حسن الخلق بالأتي: أولاً: بأن ينظر في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . ينظر النصوص الدالة على مدح ذلك الخلق العظيم، والمؤمن إذا رأى النصوص تمدح شيئاً من الأخلاق أو من الأعمال فإنه سوف يقوم به. ثانياً: مجالسة الأخيار والصالحين الموثوق بعلمهم وأمانتهم، يقول النبي ﵊: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك: إما تشتريه أو لمجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة" (١) . فعليكم أيها الشباب أن تصاحبوا من عرفوا بحسن الأخلاق، والبعد عن مساوئ الأخلاق وسفاسف الأعمال، حتى تأخذوا من هذه الصحبة مدرسة تستعينون بها على حسن الخلق. ثالثاً: أن يتأمل الإنسان ماذا يترتب على سوء خلقه، فسيئ الخلق ممقوت، وسيئ الخلق مهجور، وسيئ الخلق مذكور بالوصف القبيح. فإذا علم الإنسان أن سوء الخلق يفضي به إلى هذا فإنه يبتعد عنه.

стр. 10885

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله ﷺ ظاهراً وباطناً وأن يتوفانا على ذلك، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، وألاَّ يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب.

стр. 10886

حث طلبه العلم على الالتحاق بحلقات تحفيظ القرآن الكريم الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. نعم إن خير الحديث كتاب الله تعالى؛ لأنه كلام الله ، تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين (جبريل) على قلب النبي ﷺ ، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين. وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة في فضل تلاوة القرآن والعمل به، فقال الله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (١) . وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن

стр. 10887

وعلمه، (١) متفق عليه، وعن عائشة- ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (٢) متفق عليه، وعن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ كان يقول: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب، وريحها طيب، ومثل الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر، ولا ريح لها ... " (٣) . وعن أبي أمامة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي شافعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة ويل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما" (٤) . ولما كانت تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه بهذه المثابة هب كثير من الشباب في بلادنا وغيرها إلى تلاوة الكتاب العزيز تعلماً فأنشئت في بلادنا جماعات تحفيظ القرآن الكريم في مدن وقرى كثيرة تحت

стр. 10888

إشراف ورعاية وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، والتحق بها- ولله الحمد- جم غفير من الشباب، ولم يقتصر نشاطها على الذكور، بل شمل النساء أيضاً وحصل بذلك خير كثير، حتى حفظ القرآن عن ظهر قلب كثير من هؤلاء الشباب، فالحمد لله رب العالمين. وإنني لأحث إخواني الذي من الله تعالى عليهم بالأولاد، أن يشجعوا أولادهم على الالتحاق بهذه الجماعات، وأن يتعاهدوهم حال التحاقهم، ويستعينوا على ذلك بالاتصال بالمسؤولين في هذه الجماعات للمتابعة. فإن تلاوة كتاب الله من أسباب الصلاح، وصلاح الولد خير للوالد في دنياه وبعد مماته، كما قال النبي ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١) . ولا شك أن الالتحاق بهذه الجماعات- أعني جماعات تحفيظ القرآن- يحصل به مصالح وتندرئ به مفاسد. يحصل به حفظ القرآن الكريم ومحبته والميل إليه. ويحصل به ربط الدارس ببيوت الله (المساجد) . ويحصل به استغلال الوقت بهذا الهدف النبيل.

стр. 10889

ويحصل به من حسن رعاية الطالب ما يثاب عليه أبوه أو غيره من ولاة أمره. ويحصل به ثواب المجتمعين على تلاوة كتاب الله تعالى في بيت من بيوته، فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، وكلما تحصل به هذه المصالح فإنه تندرئ به مفاسد. يندرئ به ضياع الوقت الذي هو أشد ضرراً من ضياع المال، فإن المال له ما يخلفه والوقت الذي هو أشد ضرراً من ضياع المال، فإن المال له ما يخلفه والوقت لا يخلفه فيء، فإن كل وقت مضى لا يرجع، كما قيل: أمس الدابر لا يعود. تندرئ بهم مفسدة الفراغ، فإن للفراغ مفسدة بل مفاسد كما قيل: إن الشباب والفراغ والجدة (١) مفسدة للمرء أي مفسدة فمن مفاسد الفراغ أن الشباب ينشأ على حياة ضياع لا جدية فيها. ومن مفاسد الفراغ أنه قد يكون سبباً للتخريب. ومن مفاسد الفراغ أنه يفضي إلى التسكع في الأسواق والتجول،

стр. 10890

الذي ربما يفضي إلى فساد الأخلاق. ومن مفاسد الفراغ البدني أنه يفضي إلى الفراغ الذهني فيتبلد الذهن، ويكون الشاب سطحياً، ليس عنده تفكير عميق، ولا ذهن حاد. وإني لأحث إخواني الذين من الله عليهم بالمال أن يجودوا بشيء مما من الله به عليهم، فإن بذل المال في هذه الجماعات من أفضل الأعمال لمشاركة الباذل العامل فيها في الأجر، كما جاء نحو ذلك فيمن جهز غازياً، قال النبي ﷺ : "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا" (١) . كما أحث سائر إخواني المسلمين على تشجيع هذه الجماعات بكافة أنواع التشجيع المعنوي والمادي، عملاً بقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (٢) . وأسال الله تعالى أن يجعلنا جميعاً ممن حقق ذلك بمقاله وفعاله، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والذين اتبعوهم بإحسان مدى الأوقات.
следующие страницы →