← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.

стр. 10816

عنت لك فائدة أثناء القراءة فقيدها. ٢- احرص على حفظ ما تيسر من صحيح سنة الرسول ﷺ ومن ذلك حفظ عمدة الأحكام. ٣- احرص على التركيز والثبات بحيث لا تأخذ العلم نُتَفاً من هذا شيء وهذا شي؛ لأن هذا يضيع وقتك ويشتت ذهنك. ٤- ابدأ بصغار الكتب وتأملها جيداً، ثم انتقل إلى ما فوقها، حتى تحصل على العلم شيئاً فشيئاً على وجه يرسخ في قلبك وتطمئن إليه نفسك. ٥- احرص على معرفة أصول المسائل وقواعدها وقيّد كل شيء يمر بك من هذا القبيل فقد قيل: من حرم الأصول حرم الوصول. ٦- ناقش المسائل مع شيخك، أو من تثق به علماً وديناً من أقرانك ولو بأن تقدر في ذهنك أن أحداً يناقشك فيها إذا لم تمكن المناقشة مع من سمينا. هذا وأسأل الله تعالى أن يعلمك ما ينفعك، وينفعك بما عملك، ويزيدك علماً، ويجعلك من عباده الصالحين وحزبه المفلحين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٣ رجب سنة ١٤١٢ هـ

стр. 10817

س ٢٠٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض الطلبة في الكليات الشرعية بقوم بإحراج المشايخ بطلب حذف بعض المنهج، وتجد بعض الطلبة أيضاً يفرح إذا غاب أحد الأساتذة، لأنه ينقص من المنهج حينئذٍ، فما نصيحتكم ؟ فأجاب بقوله: لا ينبغي للطالب الحازم أن يُلجئ الأساتذة إلى أمر محرج، بل عليه الأدب والابتعاد عن هذه الخصلة، ثم إن الأستاذ لا يملك أن يحذف شيئاً من المقرر، وقد جاءت الأنظمة بأن الامتحان على حسب المنهج والمقرر، ليس على حسب الدراسة. ولهذا ينبغي للأستاذ ألا يُضيّع وقت الدراسة بأمور خارجة عن الموضوع فيضيع على الطلبة مقررهم إلى أمر ليسوا بحاجة إليه، وإذا جاء آخر العام إذا بهم لم يأخذوا إلا اكثر من نصف المادة أو النصف منها فقط، فيقع المدرس في حرج أو الطلبة يقعون في حرج؛ لأن المدرس إما أن يقتصر على المقروء، وحينئذٍ يقع هو في حرج؛ لأن أنظمة المسؤولين عن التعليم تنص على أن الامتحان يكون في جميع المقرر. وإما أن يقع الطلبة في حرج فتوضع لهم أسئلة في شيء لم يقرؤه، وهذا لا شك أنه حرج. فالحاصل: أننا ننصح الطلبة ألا يحرجوا الأساتذة في هذه المسألة، وننصح الأساتذة أيضاً أن يحرصوا على إكمال المقرر بدون ضرر، وألا يشغلوا أوقات الدراسة ببحوث لا فائدة منها.

стр. 10818

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى نرجو من فضيلتكم الإجابة عن هذا السؤال: نحن- بعض المدرسات- نلاحظ على كثير من المدرسات أنهن يتأخرن عن الحضور في قاعة الدراسة في الوقت المحدد، فتتأخر المدرسة بعض الوقت، وتكون جالسة مع المدرسات في غرفتهن وليس هناك ضرورة لذلك، فما حكم ذلك؟ مع أننا سمعنا نفس المشكلة عند المدرسين وجزاكم الله خيراً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا حرام عليهن فلا يحل للمعلم ولا للمعلمة التأخر عن دخول الفصل (قاعة التدريس) من حين إعلان دخول الحصة، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (١) . وقوله: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (٢) وقوله: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٣) . أي اعدلوا، وليس من العدل أن يأخذ الموظف من معلم، أو معلمة، أو غيرهما، راتبه كاملاً، ويتساهل في أداء وظيفته التي

стр. 10819

جعل له الراتب في مقابلة القيام بها، فإن حصل ذلك منه فليتحمل الوعيد المذكور في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (١) . وفق الله الجميع للخيرات وأداء الأمانات. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٣/٥/١٤١١ هـ

стр. 10820

س ٢٠٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما توجيهكم حول ما يحصل من البعض من التفرق والتحزب ؟ فأجاب بقوله: لاشك أن التحزب والتفرق في دين الله منهي عنه محذر منه، لقوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (١) وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (٢) . فلا يجوز للأمة الإسلامية أن يتفرقوا أحزابًا، لكل طائفة منهج مغاير لمنهج الأخرى، بل الواجب اجتماعهم على دين الله على منهج واحد وهو هدي النبي ﷺ وخلفائه الراشدين الصحابة المرضيين، لقول النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (٣) . وليمس من هدي النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃ أن

стр. 10821

تتفرق الأمة أحزابًا لكل حزب أمير ومنهج، وأمير الأمة الإسلامية واحد، وأمير كل ناحية واحد، من قبل الأمير العام. وإنما أمر النبي ظَ باتخاذ أمير في السفر؛ لأن المسافرين نازحون عن المدن والقرى التي فيها أمراء من قبل الأمير العام، وربما تحصل مشاكل لا تقبل التأخير إلى وصول هذه المدن والقرى، أو مشاكل صغيرة لا تحتمل الرفع إلى أمراء المدن والقرى، كالنزول في مكان والنزوح عنه، وتسريح الرواحل وحبسها ونحو ذلك، فكان من الحكمة أن يؤمِّر المسافرون أحدهم لمثل هذه الحالات. ونصيحتي للأمة أن يتفقوا على دين الله ولا يتفرقوا فيه، وإذا رأوا من شخص أو طائفة خروجًا عن ذلك نصحوه، وبينوا له الحق، وحذروه من المخالفة، وبينوا له أن الاجتماع على الحق أقرب إلى السداد والفلاح من التفرق. وإذا كان الخلاف عن اجتهاد سائغ فإن الواجب ألا تتفرق القلوب وتختلف من أجل ذلك، فإن الصحابة الكرام- ﵃ حصل بينهم خلاف في الاجتهاد في عهد نبيهم ﷺ وبعده، ولم يحصل بينهم اختلاف في القلوب أو تفرق، فليكن لنا فيهم أسوة، فإن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها. وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه.

стр. 10822

رسالة حول الاجتماع والاختلاف وترك التفرق والاختلاف الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على نبيا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الله قال في كتابه العظيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١) فأمرنا الله أن نذكر نعمة الله علينا، إذ كنا أعداء فألف بين قلوبنا، فأصبحنا بنعمته إخوانًا، فعلينا جميعًا أن نشكر الله على هذه النعمة وأن نحرص كل الحرص على أن تكون كلمتنا واحدة. لأننا بذلك نكون أمة قوية مرموقة، وأما إذا تنازعنا وتفرقنا فإنه بلا شك سوف نفشل وتذهب ريحنا، كما قال الله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٢) والواجب على طلبة العلم خاصة، وعلى المسلمين عامة أن يدعوا

стр. 10823

الأحقاد والأضغان، وأن يكون هدفهم واحد ودعواهم واحدة، وألا يظهروا الشماتة بأنفسهم بالتفرق والتنازع، والتنابز بالألقاب، والكراهية والبغضاء، فإن ذلك أعظم سلاح فتاك يبطل هيبة المسلمين، ويوجب أن يتسلط عليهم أعداؤهم فيقفون متفرجين عليهم ينظرون إليهم وهم يتنازعون ويتخاصمون ويقولون: كفينا أن نفسد بين المسلمين. وإنه يجب على كل واحد منا أن يعذر أخاه فيما طريقه الاجتهاد، فإن اجتهاد كل واحد ليس حجة على الآخر، والحجة ما قاله الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإذا كان الخلاف سائغًا لم يظهر فيه العصيان والتعصب للنفس، فإن الواجب أن تتسع صدورنا له، ولا مانع حينئذ من المناقشة الهادئة التي يراد بها التوصل إلى الحق، فإن هذا هو طريق الصحابة ﵃، وأما أن نتخذ من الخلاف السائغ مثارًا للكراهية والبغضاء والتحزب، فإن ذلك خلاف طريق السلف الصالح، ولينظر الإنسان وليتفكر في هذه الشريعة الإسلامية فإنها جاءت بما يوجب الألفة والمحبة، ونهت عن كل ما يوجب التفرق والبغضاء، فكثير من العبادات يشرع فيها الاجتماع كالصلوات، وكثير من الأشياء نهى الله عنها لأنها توجب العداوة والبغضاء كالبيع على بيع المسلم، والخطبة على خطبته وغير ذلك.

стр. 10824

فنصيحتي لإخواني أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي أمتهم، وألا يتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم. وأسأل الله لنا جميعًا التوفيق لما يحب ويرضى. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حرر في ٢٩/٣/١٤١٦ هـ

стр. 10825

رسالة سماحة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: لا يخفى على فضيلتكم كثرة الأحزاب في الساحة، فما توجيهكم حفظكم الله تعالى؟ فأجاب بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. لا شك أن تحزب المسلمين إلى أحزاب متفرقة متناحرة، مخالف لما تقتضيه الشريعة الإسلامية من الائتلاف والاتفاق، موافق لما يريده الشيطان من التحريش بين المسلمين، وإيقاع العداوة والبغضاء، وصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، قال الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (١) . وفي الآية الأخرى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (٢) . وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (٣) . وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٤) .

стр. 10826

فاجتهدوا في جمع الكلمة، وترك التنابذ والتفرق، فإن التنازع والتفرق سبب للخذلان والفشل. أسال الله تعالى أن يصلح أمور المسلمين ويجمع كلمتهم كل الحق، إنه على كل شيء قدير. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٣ صفر سنة ١٤١٩ هـ.

стр. 10827

س ٢٠٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن حكم مشاهدة الأفلام التعليمية التي قد تكون فيها نساء وخصوصًا أفلام تعلم اللغة الإنجليزية . فأجاب بقوله: أنا أرى أن مشاهدة الأفلام التعليمية جائزة ولا بأس بها؛ لأنها مشاهدة لأمر يكون خيرًا، وإذا كان الذي يظهر من النساء والمشاهدون رجال فإن حصل تمتع بالنظر إليها، فهذا محرم، وأما إذا لم يكن ذلك فهذا محل توقف عندي، وعلى كل حال فإنني أكره ذلك لأنه يخشى على الإنسان من الفتنة إذا شاهد ذلك، وبالإمكان إذا كان الذي يتكلم في هذه الحلقة امرأة أن تضع على الشاشة غطاء حتى لا تظهر أمام الطلبة، هذا إذا اضطررنا إلى الاستماع للمرأة بحيث لا يوجد لهذا الموضوع رجل، فإن كان يوجد رجل فلا يعدل عنه إلى النساء إذا كان المتعلمون رجالاً والعكس بالعكس. س ٢٠٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز للرجل أن يدرس في جامعة يختلط فيها الرجال والنساء في قاعة واحدة، علماً بان الطالب له دور في الدعوة إلى الله تعالى؟ أفتونا جزاكم الله عنا كل خير .

стр. 10828

فأجاب بقوله: الذي أرى أنه لا يجوز للإنسان رجلاً كان أو امرأة، أن يدرس في مدارس مختلطة، وذلك لما فيه من الخطر العظيم على عفته، ونزاهته، وأخلاقه، فإن الإنسان مهما كان من النزاهة والأخلاق والبراءة، إذا كان إلى جنبه في الكرسي الذي هو فيه امرأة، ولاسيما إذا كانت جميلة ومتبرجة، لا يكاد يسلم من الفتنة والشر، وكل ما أدى إلى الفتنة والشر فإنه حرام، ولا يجوز، حتى وإن لم يجد إلا هذه الجامعة فيترك الدراسة إلى بلد آخر ليس فيه هذا الاختلاط. ونسأل الله لإخواننا المسلمين أن يعصمهم من مثل هذه الأمور التي لا تعود إلى شبابهم إلا بالشر والفتنة والفساد. س ٢٠٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نلاحظ أن أكثر الشباب يهتم بقراءة الكتب الثقافية العامة متاثرًا بها وغير مهتم بكتب الأصول، فما نصيحتكم وفقكم الله ؟ فأجاب بقوله: نصيحتي لنفسي أولاً ثم لإخواننا طلبة العلم أن يعتنوا بكتب أهل العلم من السلف؛ لأن كتب السلف فيها من الخير الكثير والعلم الكثير، وفيها من البركة ما هو معلوم.

стр. 10829

س ٢٠٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نرى كثيرًا من الناس يعلم بعض الأحكام الشرعية كتحريم حلق اللحية، وشرب الدخان ومع ذلك لا يعمل بعلمه، فما أسباب ذلك؟ وكيف تعالج هذه الظاهرة الخطيرة ؟ فأجاب بقوله: أسباب ذلك هو: اتباع الهوى، وكون الإنسان ليس عنده من الوازع الديني ما يحمله على تقوى الله- في تجنب ما يراه حرامًا، والإنسان إذا حاسب نفسه ورأى أنه راجع إلى ربه مهما طال به الوقت فإنه قد يغلب هواه وقد يسيطر على نفسه. ومن أسباب ذلك أيضًا: أن الشيطان يصغر مثل هذه المعاصي في قلب العبد، والنبي ﷺ حذر من ذلك فقال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل ذلك كمثل قوم نزلوا أرضًا فأتى هذا بعود، وهذا بعود، وهذا بعود، ثم جمعوا حطبًا كثيرًا وأضرموا نارًا كثيرًا " (١) . فهكذا المعاصي المحقرات التي يراها الإنسان حقيرة لا تزال به حتى تكون من كبائر الذنوب. ولهذا قال أهل العلم: إن الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر، وإن الاستغفار من الكبائر يكفرها، لهذا نقول لهؤلاء: عليكم أن تحاسبوا أنفسكم.

стр. 10830

ومن أسباب ذلك أيضًا: قلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ولو كان كل واحد. منا إذا رأى أحدًا على معصية أرشده وبين له أن ذلك مخالف لهدي الرسول ﷺ ، فإن العاقل سوف يعتبر ويتغير. س ٢٠٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لماذا لا يكون لكم درس أسبوعي في مدينة الرياض ؟ فأجاب بقوله: لأن النهر لا يروي البحر. س ٢١٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض الشباب يريدون أن يتعلموا الطب وبعض العلوم الأخرى ولكن هناك عوائق مثل الاختلاط والسفر إلى بلاد الخارج، ما الحل؟ وما نصيحتكم لهؤلاء الشباب ؟ فأجاب بقوله: نصيحتي لهؤلاء أن يتعلموا الطب، لأننا في بلادنا في حاجة شديدة إليه، وأما مسألة الاختلاط فإنه هنا في بلادنا والحمد لله يمكن أن يتقي الإنسان ذلك بقدر الاستطاعة. وأما السفر إلى بلاد الكفار فلا أرى جواز السفر إلا بشروط: الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات؛ لأن الكفار يوردون على أبناء المسلمين الشبهات حتى يردوهم عن دينهم.

стр. 10831

الثاني: أن يكون عند الإنسان دين يدفع به الشهوات، فلا يذهب إلى هناك وهو ضعيف الدين، فتغلبه الشهوات فتدفع به إلى الهلاك. الثالث: أن يكون محتاجًا إلى السفر بحيث لا يوجد هذا التخصص في بلاد الإسلام. فهذه الشروط الثلاثة إذا تحققت فليذهب، فإن تخلف واحد منها فلا يسافر؛ لأن المحافظة على الدين أهم من المحافظة على غيره. س ٢١١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يحصل من بعض طلبة العلم في الكليات الشرعية قراءة بعض الكتب في العقيدة أو الحديث وذلك في أثناء محاضرات لبعض المواد التي يرون قلة الفائدة منها فما نصيحتكم ؟ فأجاب بقوله: التشاغل عن الدرس الذي يلقى، أرى أنه لا يجوز؛ لأن الطالب عندما دخل الجامعة فإنه دخل ملتزماً بما يكون فيها، ومنها الدراسة المعينة، فذا تلهى عنها لم يكن موفياً بالعقد والعهد، فالأقرب عندي: أنه لا يجوز أن يتشاغل الطالب بغير ما يشرحه الأستاذ. وأما كون الدرس مملاً، فالإنسان إذا أعطى نفسه الملل من شيء ملَّه، لكن إذا وطَّن نفسه على أنه لا بد أن يحضر قلبه له؛ زال عنه الملل.

стр. 10832

وأما كون الأستاذ لا يشرح الشرح الوافي، فهذا يمكن معالجته بحيث إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لجميع الطلبة فإنه يُقال للمدرس: نحب أن تشرح لنا شرحاً أوفى من هذا، أو تُبيّن لنا بياناً أوضح من هذا، والأشياء يمكن إصلاحها بالتناصح والتعاون. س ٢١٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نرجو من سماحتكم- حفظكم الله تعالى- توجيه نصيحة لمن عمل في مجال التدريس، عسى الله أن ينفع بها وجزاكم الله خيرًا . فأجاب بقوله: نقول: أهم ما يتعلق بالمعلمين أن يدركوا العلوم التي يعطونها الطلبة إدراكًا جيدًا مستقرًا في نفوسهم، قبل أن يقفوا أمام الطلبة حتى لا يقع الواحد منهم في حيرة عند سؤال التلاميذ له ومناقشتهم إياه، فإن من أعظم المقومات الشخصية لدى الطلبة أن يكون المعلم قويًا في علمه وملاحظته، إن قوة المعلم العلمية في تقويم شخصيته لا تقل عن قوة ملاحظته، إن المعلم إذا لم يكن عنده علم ارتبك عند السؤال فينحط قدره أمام تلاميذه، وإن أجاب بالخطأ فلن يثقوا فيه بعد ذلك، وإن انتهرهم عند السؤال والمناقشة فلن ينسجموا معه. إذن فلابد للمعلم من إعداد واستعداد وتحمل وصبر، فالمعلم

стр. 10833

عند توجيه السؤال له إن كان عنده علم راسخ في ذهنه، مستقر في نفسه أجاب بكل سهولة وانطلاق، وإلا فإنه لا يخلو بعد ذلك من هذه الأمور الثلاثة السابقة، وكل ذلك ينافي الآداب التي ينبغي أن يكون المعلم عليها، وإذا كان على المعلم أن يدرك العلم الذي سيلقيه أمام الطلبة فإن عليه أن يحرص على حسن إلقائه إليهم بأن يسلك أسهل الطرق في إيضاح المعاني، وضرب الأمثال، ومناقشة الطلبة فيما ألقاه عليهم سابقًا، أما أن يأتي يقرأ الشيء عليهم قراءة ولا يدري من فهم ممن لم يفهم، ولا يناقشهم فيما مضي فإن هذه الطريقة عقيمة جدًا لا تثمر ثمرًا، ولا تكون نتيجتها طيبة. ماذا كان المعلم يجتهد في الأمور العلمية تحصيلاً وعرضا، أن يجتهد في الأمور التعبدية، عليه أن يكون حسن النية والتوجيه فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته، وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الرفيق الشفيق ليكون لتعليمه أثر بالغ في نفوسهم، وعلى المعلم أن يظهر أمام طلبته بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ليكون قدوة لتلاميذه في العلم والعمل، فإن التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى منه من العلم من حيث التأثر بأخلاق المعلم،

стр. 10834

وآدابه صورة مشهودة معبر عما في نفسه ظاهرة في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تمامًا على إرادة التلاميذ. إن على المعلم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفيمن ولاه الله عليهم من التلاميذ، وأن يحرص غاية الحرص أن يمتثل أمامهم بالأخلاق حتى يكون قدوة صالحة "ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١) . وإنني أقول للمعلمين: إن عند التلاميذ ملاحظة دقيقة عجيبة على صغر سنهم، إن المعلم إذا أمرهم بشيء ثم رأوه يخالفهم فيما أمرهم به فإنهم سوف يضعون علامات الاستفهام أمام وجه هذا المعلم، كيف يعلمنا بشيء ويأمرنا به وهو يخالف ما كان يعلمنا ويأمرنا به، لا تستهن أيها المعلم بالتلاميذ حتى ولو كانوا صغارًا فعندهم أمر الملاحظة من الأمور العجيبة. س ٢١٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هو قولكم فيمن يقول: نحن نحتاج إلى دعاة ولا نحتاج إلى علماء ؟ فأجاب بقوله: الواقع أن الأمة الإسلامية تحتاج إلى دعاة، وتحتاج إلى علماء يغوصون في بحور العلم ويستخرجون كنوزه وجواهره،

стр. 10835

والأمة كذلك بحاجة إلى دعاة تغرسُ في الناس حب الخير والاتجاه إليه، ولكن الحاجة ماسَّة إلى دعاة حكماء يعرفون كيف يضعون الكلمة وكيف يمسكونها؛ لأن من الدعاة من تحمله الغيرة على إطلاق كلمات قد يكون من الحكمة ألا تُذكر. أما الفقهاء فلا شك أنهم هم الذين يبحثون في دُرر معاني الكتاب والسنة من أجل أن يهدوا بها الأمة، فلكل مجال عمله، والأمة محتاجة إلى هؤلاء وهؤلاء. أما احتياج الداعي للعلم فلا شك أنه محتاج إليه، فالعلم في حقه ضروري، وكيف يدعو إلى ما لا يعلم؟ أليس الله يقول لنبيه ﷺ : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (١) أي: على علم من الشرع الذي يدعو إليه، وعلم بحال المدعوين، وعلم بما يناسب الحال والوقت والمكان، فلا بد للداعي من هذا العلم. فالأمة الإسلامية محتاجة إلى علماء وإلى دعاة، وإذا منَّ الله على العبد أن يكون داعية وفقيهاً عالماً؛ فهذا من نعم الله عليه. س ٢١٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لقد ظهرت دعوات كثيرة منها الدعوة إلى تجديد الفقه الإسلامي، فكيف

стр. 10836

يكون ذلك التجديد؟ فأجاب بقوله: هذا التجديد الذي ذكره السائل إن أراد به: مقترحه أن يُجدّد التبويب، وعرض المسائل الفقهية، حتى يكون ملائمًا وقريباً لأفهام المعاصرين، فهذا لا بأس به، وما هو إلا تغير أسلوب من حال إلى حال ليقرب المعنى إلى أذهان الناس. على أن التجديد على هذا الوجه له مساوئ منها: أن نرى كثيرًا من المعاصرين الذين يكتبون فيما كتبه السابقون يطيلون الكلام والتفصيلات حتى يذهب آخر الكلام أوله، ويضيع الإنسان بين هذه التقسيمات وبين الكلام الذي يعتبر حشوًا، وهذه سيئة عظيمة تُبدّد الفكر، بل يضيع للإنسان نصف الوقت الذي يقضيه في قراءة هذه الكتب الجديدة، ولا أقول: إن هذا وصف لكل كتاب جديد بل في كثير من الكتب المصنفة الجديدة ما يكون على هذا النمط. وإن أراد مقترحوا التجديد الفقه أن يغير بهذا التجديد ما دلت النصوص على حكمه، فإن هذا مبدأ خطير ومبدأ باطل؛ إذ لا يجوز للإنسان أن يغير شيئًا من أحكام الله ، فإن أحكام الله تعالى باقية ما بقي هذا الدين، وهذا الدين سيبقى إلى يوم القيامة؛ لقول النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" (١) .

стр. 10837

س ٢١٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما نصائحكم للطلبة في أيام الامتحانات والإجازات ؟ فأجاب بقوله: نصيحتي للطلبة في أيام الامتحانات، وفي غير أيام الامتحانات وفي الإجازة: أن يتقوا الله ، وأن يخلصوا له النية في طلب العلم، وأن يؤدوا الأمانة في الامتحانات بحيث لا يحاول أحد منهم الغش لا لنفسه ولا لغيره؛ لأنه مؤتمن، ولأن من نجح بالغش فليس بناجح في الحقيقة، ثم إنه يترتب على غشه أنه سينال بشهادته مرتبة لا تحل إلا بالشهادة الحقيقة المبنية على الصدق، والإنسان إذا لم ينجح إلا بالغش فإنه لم ينجح في الحقيقة، ثم إنه سوف يكون فاشلاً ليتولى منصبًا يتولاه من حصل على الشهادة التي غش فيها، إذ أنه ليس عنده علم فبقي فاشلاً في أداء مهمته، ولا فرق في ذلك بين مادة وأخرى فجميع المواد لا يجوز فيها الغش، وما اشتهر عند بعضهم بأنه يجوز الغش في بعض المواد فإنه لا وجه له. أما في الإجازة: فإني أرى للطلاب أن يستغلوها بما ينفع أنفسهم وينفع غيرهم، بالانكباب على طلب العلم الذي يهوونه ويستريحون إليه، وإذا كان لابد لهم من أن يرفهوا أنفسهم بعد التعب والكلل فإن من أحسن شيء يرفهون به أنفسهم أن يسافروا إلى مكة والمدينة للعمرة وزيارة المسجد النبوي.

стр. 10838

س ٢١٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عمن يقول بعدم الاجتهاد وخلو هذا العصر من المجتهدين . فأجاب بقوله: الصحيح أن باب الاجتهاد باقٍ بدليل السنة كما في حديث عمرو بن العاص- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١) . لذلك قول من يقول: بعدم الاجتهاد وخلو هذا العصر من المجتهدين، قول ضعيف، ويترتب عليه الإعراض عن الكتاب والسنة إلى آراء الرجال، وهذا خطأ بل الواجب على من تمكن من أخذ الحكم من الكتاب والسنة أن يأخذ منهما، ولكن لكثرة السنن وتفرقها لا ينبغي للإنسان أن يحكم بشيء بمجرد أن يسمع حديثًا في الحكم حتى يتثبت؛ لأن هذا الحكم قد يكون منسوخًا أو مقيدًا وأنت تظنه مطلقًا، أو عامًا وأنت تظنه خاصًا وهكذا. وأما أن نقول: لا تنظر في القرآن والسنة، لأنك لست أهلاً للاجتهاد، فهذا غير صحيح. ثم إنه على قولنا: إن باب الاجتهاد مفتوح لا يجوز أبدًا أن تحتقر

стр. 10839

آراء العلماء السابقين، أو أن تنزل من قدرهم؛ لأن أولئك تعبوا واجتهدوا وليسوا بمعصومين، فكونك تقدح فيهم، أو تأخذ المسائل التي يلقونها على أنها نكت تعرضها أمام الناس ليسخروا بهم فهذا أيضًا لا يجوز، وإذا كانت غيبة الإنسان العادي محرمة فكيف بغيبة أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في استخراج المسائل من أدلتها؟! ثم يأتي في آخر الزمان من يقول: إن هؤلاء لا يعرفون، وهؤلاء يفرضون المحال، ويقولون كذا وكذا. مع أن أهل العلم فيما يفرضونه من المسائل النادرة قد لا يقصدون الوقوع، ولكن يقصدون تمرين الطالب على تطبيق المسائل على قواعدها وأصولها.

стр. 10840

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الخلاف بين العلماء ... أسبابه وموقفنا منه إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١) . (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:١)) (٢) . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)) (٣) . أما بعد: فإنه قد يثير هذا الموضوع التساؤل لدى الكثيرين، وقد يسأل

стр. 10841

البعض لماذا هذا الموضوع، وهذا العنوان الذي قد يكون غيره من مسائل الدين أهم منه؟ ولكن هذا العنوان، وخاصة في وقتنا الحاضر يشغل بال كثير من الناس، لا أقول من العامة بل حتى من طلبة العلم، وذلك أنها كثرت في وسائل الإعلام نشر الأحكام وبثها بين الأنام، وأصبح الخلاف بين قول فلان وفلان مصدر تشويش، بل تشكيك عند كثير من الناس، لاسيما من العامة الذين لا يعرفون مصادر الخلاف؛ لهذا رأيت وبالله أستعين أن أتحدث في هذا الأمر الذي له في نظري شان كبير عند المسلمين. إن من نعمة الله- ﵎ على هذه الأمة أن الخلاف بين الأمة لم يكن في أصول دينها ومصادره الأصلية، وإنما كان الخلاف في أشياء لا تمس وحدة المسلمين الحقيقية، وهو أمر لابد أن يكون، وقد أجملت العناصر التي أريد أن أتحدث عنها بما يأتي: أولاً: من المعلوم عند جميع المسلمين مما فهموه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الله تعالى بعث محمدًا بالهدى ودين الحق، وهذا يتضمن أن يكون رسول الله ﷺ قد بين هذا الدين بيانَا شافيًا كافيًا، لا يحتاج بعده إلى بيان؛ لأن الهدى بمعناه ينافي الضلالة بكل معانيها، ودين الحق بمعناه ينافي كل دين باطل لا يرتضيه الله- -

стр. 10842

ورسول الله ﷺ بعث بالهدى ودين الحق، وكان الناس في عهده- صلوات الله وسلامه عليه- يرجعون عند التنازع إليه، فيحكم بينهم، ويبين لهم الحق سواء فيما يختلفون فيه من كلام الله، أو فيما يختلفون فيه من أحكام الله التي لم ينزل حكمها، ثم بعد ذلك ينزل القرآن مبينًا لها، وما أكثر ما نقرأ في القرآن قوله: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) (١) فيجيب الله تعالى نبيه بالجواب الشافي، ويأمره أن يبلغه إلى الناس، قال تعالى: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (٢) . (وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (٣) . (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)) " (٤) . (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ

стр. 10843

أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)) (١) . (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)) (٢) . إلى غير ذلك من الآيات. ولكن بعد وفاة الرسول ﷺ اختلفت الأمة في أحكام الشريعة التي لا تقضي على أصول الشريعة، وأصول مصادرها. ولكنه اختلاف سنبين إن شاء الله بعض أسبابه. ونحن جميعا نعلم علم اليقين أنه لا يوجد أحد من ذوي العلم الموثوق بعلمهم، وأمانتهم، ودينهم يخالف ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ عن عمد وقصد؛ لأن من اتصفوا بالعلم والديانة فلابد أن يكون رائدهم الحق، ومن كان رائده الحق فإن الله سييسره له. واستمعوا إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ

стр. 10844

مُدَّكِرٍ (١٧)) (١) . وقوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)) (٢) . ولكن مثل هؤلاء الأئمة يمكن أن يحدث منهم الخطأ في أحكام الله- ﵎ لا في الأصول، والتي أشرنا إليها من قبل، وهذا الخطأ أمر لابد أن يكون؛ لأن الإنسان كما وصفه الله تعالى بقوله: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) (٣) . الإنسان ضعيف في علمه وإدراكه، وهو ضعيف في إحاطته وشموله، ولذلك لابد أن يقع الخطأ منه في بعض الأمور. ونحن نجمل ما أردنا أن نتكلم عليه من أسباب الخطأ من أهل العلم في الأسباب الآتية السبعة، مع أنها في الحقيقة أسباب كثيرة، وبحر لا ساحل له، والإنسان البصير بأقوال أهل العلم يعرف أسباب الخلاف المنتشرة، نجملها بما يأتي: السبب الأول: أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه. وهذا السبب ليس خاصًا فيمن بعد الصحابة، بل يكون في الصحابة ومن بعدهم. ونضرب مثالين وقعا للصحابة ﵃ من هذا النوع:

стр. 10845

الأول: أننا علمنا بما ثبت في صحيح البخاري وغيره حينما سافر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ إلى الشام، وفي أثناء الطريق، ذكر له أن فيها وباء وهو الطاعون، فوقف وجعل يستشير الصحابة- ﵃ فاستشار المهاجرين والأنصار، واختلفوا في ذلك على رأيين، وكان الأرجح القول بالرجوع، وفي أثناء هذه المداولة والمشاورة جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁، وكان غائبًا في حاجة له، فقال: إن عندي من ذلك علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه" (١) فكان هذا الحكم خافيًا على كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ﵃، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ فأخبرهم بهذا الحديث. مثال آخر: كان علي بن أبي طالب- ﵁ وعبد الله ابن عباس- ﵄ يريان أن الحامل إذا مات عنها زوجها تعتد بأطول الأجلين، من أربعة أشهر وعشر، أو وضع الحمل، فإذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر، لم تنقض العدة عندهما، وبقيت حتى تنقضي أربعة أشهر وعشرا، وإذا انقضت أربعة أشهر

стр. 10846

وعشر من قبل أن تضع الحمل بقيت في عدتها حتى تضع الحمل؛ لأن الله تعالى يقول: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (١) . (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (٢) . وبين الآيتين عموم وخصوص وجهي، وطريق الجمع بين ما بينهما عموم وخصوص وجهي، أن يؤخذ بالصورة التي تجمعهما، ولا طريق إلى ذلك إلا ما سلكه علي، وابن عباس- ﵄ - ولكن السنة فوق ذلك. فقد ثبت عن رسول الله ﷺ في حديث سبيعة الأسلمية (٣) أنها نفست بعد موت زوجها بليال فأذن لها رسول الله أن تتزوج. ومعنى ذلك: أننا نأخذ بآية سورة الطلاق التي تسمى سورة النساء الصغرى، وهي عموم قوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (٤) .

стр. 10847

وأنا أعلم علم اليقين أن هذا الحديث لو بلغ عليًا وابن عباس ﵄ لأخذا به قطعًا، ولم يذهبا إلى رأيهما. السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغ الرجل ولكنه لم يثق بناقله، ورأى أنه مخالف لما هو أقوى منه، فاخذ بما يراه أقوى منه. ونحن نضرب مثلاً أيضًا، ليس فيمن بعد الصحابة، ولكن في الصحابة أنفسهم. فاطمة بنت قيس- ﵂ طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فأرسل إليها وكيله بشعير نفقة لها مدة العدة، ولكنها سخطت الشعير وأبت أن تأخذه، فارتفعا إلى النبي ﷺ فأخبرها النبي ﷺ أنه "لا نفقة لها ولا سكنى" (١) ، وذلك لأنه أبانها، والمبانة ليس لها نفقة ولا سكنى على زوجها إلا أن تكون حاملاً لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (٢) . عمر- ﵁ ناهيك به فضلاً وعلمًا- خفيت عليه هذه السنة، فرأى أن لها النفقة والسكنى، ورد حديث فاطمة باحتمال أنها قد نسيت فقال: أنترك قول ربنا لقول امرأة لا ندري أذكرت أم

стр. 10848

نسيت؟ (١) وهذا معناه أن أمير المؤمنين عمر- ﵁ لم يطمئن إلى هذا الدليل، وهذا كما يقع لعمر، ومَنْ دونه مِن الصحابة، ومَنْ دونهم مِن التابعين، يقع أيضًا لمن بعدهم من أتباع التابعين، وهكذا إلى يومنا هذا بل إلى يوم القيامة، أن يكون الإنسان غير واثق من صحة الدليل، وكم رأينا من أقوال لأهل العلم فيها أحاديث يرى بعض أهل العلم أنها صحيحة فيأخذون بها، ويراها الآخرون ضعيفة فلا يأخذون بها نظرًا لعدم الوثوق بنقلها عن رسول الله ﷺ . السبب الثالث: أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه، وجلَّ مَنْ لا ينسى، كم من إنسانٍ ينسى حديثًا، بل قد ينسى آية. رسول الله ﷺ صلى ذات يوم في أصحابه فأسقط آية نسيانًا، وكان معه أبي بن كعب- ﵁ فلما انصرف من صلاته قال: "هلا ذكرتنيها" (٢) وهو الذي ينزل عليه الوحي، وقد قال له ربه: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)) (٣) .

стр. 10849

ومن هذا- أي مما يكون قد بلغ الإنسان ولكنه نسيه- قصة عمر ابن الخطاب مع عمار بن ياسر- ﵄ حينما أرسلهما رسول الله في حاجة، فأجنبا جميعًا عمار وعمر. أما عمار فاجتهد ورأى أن طهارة التراب كطهارة الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة، لأجل أن يشمل بدنه التراب، كما كان يجب أن يشمله الماء وصلى، أما عمر- ﵁ فلم يصل ثم أتيا إلى رسول الله ﷺ فأرشدهما إلى الصواب، وقال لعمار: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا- وضرب بيديه الأرض مرة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجه" وكان عمار- ﵁ يحدث بهذا الحديث في خلافة عمر ﵁، وفيما قبل ذلك، ولكن عمر دعاه ذات يوم وقال له: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ فاخبره وقال: أما تذكر حينما بعثنا رسول الله في حاجة، فأجنبنا فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الصعيد، فقال النبي- ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تقول كذا وكذا" (١) . ولكن عمر لم يذكر ذلك وقال: اتق الله يا عمار، فقال له عمار: إن شئت بما جعل الله علي من طاعتك ألا أحدث به فعلت، فقال له

стр. 10850

عمر: نوليك ما توليت- يعني فحدث به الناس- فعمر نسي أن يكون النبي ﷺ جعل التيمم في حال الجنابة كما هو في حال الحدث الأصغر، وقد تابع عمر على ذلك عبد الله بن مسعود- ﵁ وحصل بينه وبين أبي موسى- ﵄ مناظرة في هذا الأمر فأورد عليه قول عمار لعمر، فقال ابن مسعود: ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار فقال أبو موسى: دعنا من قول عمار، ما تقول في هذه الآية يعني آية المائدة، فلم يقل ابن مسعود شيئًا، ولكن لاشك في أن الصواب مع الجماعة الذين يقولون أن الجنب يتيمم، كما أن المحدث حدثًا أصغر يتيمم، والمقصود أن الإنسان قد ينسى فيخفى عليه الحكم الشرعي فيقول قولاً يكون به معذورًا، لكن مَنْ علم الدليل فليس بمعذور. السبب الرابع: أن يكون بلغه وفهم منه خلاف المراد. فنضرب لذلك مثالين. الأول: من الكتاب. والثاني: من السنة. ١- من القرآن قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً

стр. 10851

طَيِّباً) (١) . اختلف العلماء- ﵏ في معنى (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (٢) ففهم بعض منهم: أن المراد مطلق اللمس. وفهم آخرون: أن المراد به اللمس المثير للشهوة. وفهم آخرون: أن المراد به الجماع، وهذا الرأي رأي ابن عباس- ﵄. وإذا تأملت الآية وجدت أن الصواب مع مَنْ يرى أنه الجماع؛ لأن الله- ﵎ ذكر نوعين في طهارة الماء، طهارة الحدث الأصغر والأكبر. ففي الأصغر قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (٣) ، أما الأكبر فقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (٤) وكان مقتضى البلاغة والبيان أن يذكر أيضًا موجبًا الطهارتين في طهارة التيمم فقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) (٥) إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأصغر. وقوله: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (٦) إشارة إلى موجب طهارة

стр. 10852

الحدث الأكبر. ولو جعلنا الملامسة هنا بمعنى اللمس، لكان في الآية ذكر موجبين من موجبات طهارة الحدث الأصغر، وليس فيها ذكر لشيء من موجبات الحدث الأكبر، وهذا خلاف ما تقتضيه بلاغة القرآن، فالذين فهموا من الآية أن المراد به مطلق اللمس قالوا: إذا مس إنسان ذكر بشرة الأنثى انتقض وضوؤه، أو إذا مسها لشهوة انتقض، ولغير شهوة لا ينتقض. والصواب: عدم الانتقاض في الحالين، وقد روي أن رسول الله ﷺ قَبَّل إحدى نسائه، ثم ذهب إلى الصلاة ولم يتوضأ (١) ، وقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضًا. ٢- من السنة: لما رجع رسول الله ﷺ غزوة الأحزاب، ووضع عدة الحرب جاء جبريل ﵇ فقال له: إنا لم نضع السلاح فأخرج إلى بني قريظة، فامر رسول الله ﷺ أصحابه بالخروج وقال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (٢) الحديث، فقد اختلف الصحابة ﵃ في فهمه. فمنهم: من فهم أن مراد الرسول ﷺ المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلما حان وقت العصر وهم

стр. 10853

في الطريق صلوها، ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها. ومنهم من فهم: أن مراد رسول الله ﷺ ألا يصلوا إلا إذا وصلوا بني قريظة، فأخروها حتى وصلوا بني قريظة، فأخرجوها عن وقتها. ولا ريب أن الصواب مع الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا نص مشتبه. وطريق العلم أن يحمل المتشابه على المحكم، إذن من أسباب الخلاف أن يفهم الدليل على خلاف مراد الله تعالى ورسوله ﷺ . السبب الخامس: أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ، ولم يعلم بالناسخ فيكون الحد ش صحيحًا، والمراد منه مفهومًا، ولكنه منسوخ، والعالم لا يعلم بنسخه فحينئذ له العذر؛ لأن الأصل عدم النسخ حتى يعلم الناسخ. ومن هذا رأي ابن مسعود- ﵁ ماذا يصنع الإنسان بيديه إذا ركع؟ كان في أول الإسلام يشرع للمصلي التطبيق بين يديه، ويضعهما بين ركبتيه. هذا هو المشروع في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك وصار المشروع أن يضع يديه على ركبتيه. وثبت في صحيح البخاري وغيره النسخ، وكان ابن فسعود- ﵁ لم يعلم بالنسخ، فكان

стр. 10854

يطبق يديه، فصلى إلى جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على ركبهما (١) ، ولكنه- ﵁ نهاهما عن ذلك وأمرهما بالتطبيق؛ لأنه لم يعلم بالنسخ، والإنسان لا يكلف إلا وسع نفسه، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (٢) . السبب السادس: أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، بمعنى أنه يصل الدليل إلى المستدل، ولكنه يرى أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، وهذا كثير في خلاف الأئمة. وما أكثر ما نسمع من ينقل الإجماع، ولكنه عند التأمل لا يكون إجماعًا. ومن أغرب ما نقل في الإجماع أن بعضهم قال: أجمعوا على قبول شهادة العبد. وآخرون قالوا: أجمعوا على أنها لا تقبل شهادة العبد. هذا من غرائب النقل؛ لأن بعض الناس إذا كان من حوله اتفقوا على رأي، ظن أنه لا مخالف لهم، لاعتقاده أن ذلك مقتضى النصوص،

стр. 10855

فيجتمع في ذهنه دليلان: النص والإجماع، وربما يراه مقتضى القياس الصحيح، والنظر الصحيح فيحكم أنه لا خلاف، وأنه لا مخالف لهذا النص القائم عنده مع القياس الصحيح عنده، والأمر قد كان بالعكس. ويمكن أن نمثل ذلك برأي ابن عباس- ﵄ في ربا الفضل. شت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما الربا في النسيئة" (١) . وشت عنه في حديث عبادة بن الصامت وغيره: "أن الربا يكون في النسيئة وفي الزيادة" (٢) . وأجمع العلماء بعد ابن عباس ﵄ على أن الربا قسمان: ربا فضل. وربا نسيئة. أما ابن عباس ﵄ فإنه أبى إلا أن يكون الربا في النسيئة فقط. مثاله: لو بعت صاعًا من القمح بصاعين يدًا بيد. فإنه عند ابن عباس ﵄ لا بأس به، لأنه يرى أن الربا في النسيئة فقط. وإذا بعت مثلاً مثقالاً من الذهب بمثقالين من
следующие страницы →