وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
وهذا هو الذوق الإيماني الحقيقي الذي لا يعادله ذوق، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» . وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا» .
القسم الثاني: صوفي بدعي وهو: الفناء عن شهود السوي أي عن شهود ما سوى الله تعالى، وذلك أنه بما ورد على قلبه من التعلق بالله وضعفه عن تحمل هذا الوارد ومقاومته غاب عن قلبه كل ما سوى الله ففني بهذه الغيبوبة عن شهود ما سواه، ففني بالمعبود عن العبادة وبالمذكور عن الذكر، حتى صار لا يدري أهو في عبادة وذكر أم لا، لأنه غائب عن ذلك بالمعبود والمذكور لقوة سيطرة الوارد على قلبه.
وهذا فناء يحصل لبعض أرباب السلوك، وهو فناء ناقص من وجوه:
الأول: أنه دليل على ضعف قلب الفاني، وأنه لم يستطع الجمع بين شهود المعبود والعبادة، والأمر والمأمور به، واعتقد أنه إذا شاهد العبادة والأمر اشتغل به عن المعبود والآمر، بل إذا ذكر العبادة والذكر كان ذلك اشتغالا عن المعبود والمذكور.
стр. 1192
الثاني: أنه يصل بصاحبه إلى حال تشبه حال المجانين والسكارى حتى إنه ليصدر عنه من الشطحات القولية والفعلية المخالفة للشرع ما يعلم هو وغيره غلطه فيها كقول بعضهم في هذه الحال: "سبحاني. . سبحاني أنا الله. ما في الجبة إلا الله أنصب خيمتي على جهنم" ونحو ذلك من الهذيان والشطح.
الثالث: أن هذا الفناء لم يقع من المخلصين الكمل من عباد الله فلم يحصل للرسل، ولا للأنبياء، ولا للصديقين والشهداء. فهذا رسول الله ﷺ رأى ليلة المعراج من آيات الله اليقينية ما لم يقع لأحد من البشر وفي هذه الحال كان ﷺ على غاية من الثبات في قواه الظاهرة والباطنة كما قال الله تعالى عن قواه الظاهرة: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ . وقال عن قواه الباطنة: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ . وهاهم الخلفاء الراشدون أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ أفضل البشر بعد الأنبياء وسادات أوليائهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء، وهاهم سائر الصحابة مع علو مقامهم وكمال أحوالهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء.
وإنما حدث هذا في عصر التابعين فوقع منه من بعض العباد والنساك ما وقع، فكان منهم من يصرخ، ومنهم من يصعق، ومنهم من يموت، وعرف هذا كثيرا في بعض مشايخ الصوفية.
ومن جعل هذا نهاية السالكين فقد ضل ضلالا مبينا، ومن جعله من لوازم السير إلى الله فقد أخطأ.
وحقيقته: أنه من العوارض التي تعرض لبعض السالكين لقوة الوارد على قلوبهم وضعفها عن مقاومته، وعن الجمع بين شهود العبادة والمعبود ونحو ذلك.
стр. 1193
القسم الثالث: فناء إلحادي كفري وهو: الفناء عن وجود السوي. أي: عن وجود ما سوى الله ، بحيث يرى أن الخالق عين المخلوق، وأن الموجود عين الموجد، وليس ثمة رب ومربوب، وخالق ومخلوق، وعابد ومعبود وآمر ومأمور، بل الكل شيء واحد وعين واحدة.
وهذا فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود كابن عربي، والتلمساني وابن سبعين، والقونوي ونحوهم. . . وهؤلاء أكفر من النصارى من وجهين:
أحدهما: أن هؤلاء جعلوا الرب الخالق عين المربوب المخلوق وأولئك النصارى جعلوا الرب متحدا بعبده الذي اصطفاه بعد أن كانا غير متحدين.
الثاني: أن هؤلاء جعلوا اتحاد الرب ساريا في كل شيء في الكلاب والخنازير والأقذار، والأوساخ، وأولئك النصارى خصوه بمن عظموه كالمسيح. (١)
وتصور هذا القول كاف في رده، إذ مقتضاه: أن الرب والعبد شيء واحد، والآكل والمأكول شيء واحد، والناكح والمنكوح شيء واحد، والخصم والقاضي شيء واحد، والمشهود له وعليه والشاهد شيء واحد، وهذا غاية ما يكون من السفه والضلال.
قال الشيخ ﵀: ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه ويدعي أنه الله رب العالمين (٢) فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطوءها الذي تفترشه.
стр. 1194
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية عن هذه الطائفة:
فالقوم ما صانوه عن إنس ولا ... جن ولا شجر ولا حيوان
لكنه المطعوم والملبوس وال ... مشموم والمسموع بالآذان
وكذاك قالوا إنه المنكوح وال ... مذبوح بل عين الغوي الزاني
إلى أن قال:
هذا هو المعبود عندهم فقل ... سبحانك اللهم ذا السبحان
يا أمة معبودها موطوؤها ... أين الإله وثغره الطعان
يا أمة قد صار من كفرانها ... جزءا يسيرا جملة الكفران
والبراءة نوعان:
الأول: براءة من عمل.
الثاني: براءة من عامل.
فأما البراءة من العمل: فتجب من كل عمل محرم سواء كان كفرا، أم دونه فيبرأ المؤمن من الشرك، والزنى، وشرب الخمر ونحو ذلك بحيث لا يرضاه ولا يقره، ولا يعمل به، لأن الرضا بذلك، أو إقراره، أو العمل به مضادة لله تعالى ورضا بما لا يرضاه.
وأما البراءة من العامل: فإن كان عمله كفرا وجبت البراءة منه بكل حال من كل وجه لما سبق من الآيات الكريمة، ولأنه لم يتصف بما يقتضي ولاءه.
وإن كان عمله دون الكفر وجبت البراءة منه من وجه دون وجه فيوالى بما معه من الإيمان والعمل الصالح، ويتبرأ منه بما معه من المعاصي؛ لأن الفسوق لا ينافي أصل الإيمان، فقد يكون في الإنسان خصال فسوق، وخصال طاعة، وخصال إيمان، وخصال كفر كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ . فجعل الله تعالى الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة المصلحة، ووصفهم بالإيمان مع أن قتال المؤمن لأخيه من خصال الكفر لقول النبي ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» . ولم تكن هذه
стр. 1197
الخصلة الكفرية منافية لأصل الإيمان ولا رافعة للأخوة الإيمانية. ولا ريب أن الأخوة الإيمانية مقتضية للمحبة والولاية ويقوى مقتضاها بحسب قوة الإيمان والاستقامة.
وهذا الأصل -أعني أنه قد يجتمع في الإنسان خصلة إيمان، وخصلة كفر- هو ما دل عليه الكتاب، والسنة، وكان عليه السلف والأئمة، فتكون المحبة والولاية تابعة لما معه من خصال الإيمان، والكراهة والعداوة تابعة لما عنده من خصال الكفر.
стр. 1198
فصل
المؤمن مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وقال عن لقمان: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ . وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ .
ومأمور في جانب الطاعة بالإخلاص والاستغفار قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ . وقال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ .
وقال النبي ﷺ : «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة ". وقال: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» أخرجهما مسلم.
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي
стр. 1199
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» .
والجامع لهذا: أنه لا بد في الأمر من أصلين، ولا بد في القدر من أصلين أيضا.
أما الأصلان في الأمر فهما:
أصل قبل العمل أو مقارن له وهو: الاجتهاد في الامتثال علما، وعملا فيجتهد في العلم بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، وأحكامه، ثم يعمل بما يقتضيه ذلك العلم من تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، فعلا للمأمور، وتركا للمحظور.
والثاني: أصل بعد العمل وهو الاستغفار والتوبة من التفريط في المأمور، أو التعدي في المحظور ولهذا كان من المشروع ختم الأعمال بالاستغفار كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ . فقاموا الليل وختموه بالاستغفار، «وكان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا،» وآخر سورة نزلت عليه سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ . فكان بعد نزولها يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. وكان نزولها إيذانا بقرب أجله ﷺ كما قال ابن عباس ﵄ في مجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر من الصحابة فأقره عمر ﵁ وقال: ما أعلم منها إلا ما تقول.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول»
стр. 1200
«الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك.» فجعل الاستغفار والتوبة خاتمة العمر كما جعلتا خاتمة العمل.
وأما الأصلان في القدر فهما:
أصل قبل المقدور وهو: الاستعانة بالله ، والاستعاذة به، ودعاؤه رغبة ورهبة فيكون معتمدا على ربه، ملتجئا إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه.
والثاني بعد المقدور وهو: الصبر على المقدور حيث يفوت مطلوبه، أو يقع مكروهه فيوطن نفسه عليه بحيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الحال لا يمكن أن تتغير عما قدره الله تعالى فيرضى بذلك ويسلم وينشرح صدره ويذهب عنه الندم والحزن كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . قال ابن عباس ﵄: يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال علقمة في الآية: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
فإذا راعى الأمر والقدر على الوجه الذي ذكرنا كان عابدا لله تعالى مستعينا به متوكلا عليه من الذين أنعم الله عليهم. وقد جمع الله بين هذين الأصلين في أكثر من موضع كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ . وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
стр. 1201
فصل
والناس في هذا المقام -مقام الشرع والقدر- أربعة أقسام:
الأول: من حققوا هذه الأصول الأربعة: أصلي الشرع، وأصلي القدر وهم المؤمنون المتقون الذين كان عندهم من عبادة الله تعالى والاستعانة به ما تصلح به أحوالهم، فكانوا لله، وبالله، وفي الله، وهؤلاء أهل القسط والعدل الذين شهدوا مقام الربوبية والألوهية، وهم أعلى الأقسام فإن هذا مقام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين.
الثاني: من فاتهم التحقيق في أصلي القدر فكان عندهم من عبادة الله تعالى والاستقامة في شرعه ما عندهم، لكن ليس عندهم قوة في الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية، فيصيبهم عند العمل من العجز والكسل ما يمنعهم من العمل أو إكماله، ويلحقهم بعد العمل من العجب والفخر ما قد يكون سببا لحبوط عملهم وخذلانهم، وهؤلاء أضعف ممن سبقهم وأدنى مقاما وأقل عدلا، لأن شهودهم مقام الإلهية غالب على شهود مقام الربوبية.
الثالث: من فاتهم التحقيق في أصلي الشرع فكانوا ضعفاء في الاستقامة على أمر الله ومتابعة شرعه، لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولكن قد يكون ذلك في أمور لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها فيعان ويمكن له بقدر حاله، ويحصل له من المكاشفات والتأثيرات ما لا يحصل للقسم الذي قبله، لكن ما يحصل له من هذه الأمور يكون من نصيب العاجلة الدنيا أما عاقبته فعاقبة سيئة، لأنه ليس من المتقين وإنما
стр. 1202
العاقبة للمتقين قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . فالله تعالى يعلم أن هؤلاء سيشركون بعد أن ينجيهم لكن لما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى أن ينجيهم صادقين في تفويض الأمر إليه حصل مرادهم، ولما لم يكن لهم عبادة لم يستقم أمرهم وكان عاقبة أمرهم خسرا.
فالفرق بين هؤلاء وبين القسم الذين قبلهم أن الذين قبلهم كان لهم دين ضعيف لضعف استعانتهم بالله وتوكلهم عليه، لكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالعجز والجزع. وهؤلاء لهم حال وقوة لكن لا يبقى لهم إلا ما وافقوا فيه الأمر واتبعوا فيه السنة.
القسم الرابع: من فاتهم تحقيق أصلي الشرع، وأصلي القدر فليس عندهم عبادة لله تعالى، ولا استعانة به، ولا لجوء إليه عند الشدة فهم مستكبرون عن عبادة الله مستغنون بأنفسهم عن خالقهم، وربما لجئوا في الشدائد وإدراك مطالبهم إلى الشياطين فأطاعوها فيما تريد وأعانتهم فيما يريدون فيظن الظان أن هذا من باب الكرامات، وهو من باب الإهانات لأن عاقبتهم الذل والهوان وهذا القسم شر الأقسام.
стр. 1203
فصل
في المفاضلة والمقارنة بين أرباب البدع
نظار المتكلمين الذين يدعون التحقيق وينتسبون إلى السنة يرون التوحيد عبارة عن تحقيق توحيد الربوبية.
وطوائف من أهل التصوف الذين ينتسبون إلى التحقيق والمعرفة غاية التوحيد عندهم شهود توحيد الربوبية. ومعلوم أن هذا هو ما أقر به المشركون، وأن الرجل لا يكون به مسلما، فضلا عن أن يكون وليا من أولياء الله، أو من سادات أولياء الله تعالى.
وطائفة أخرى تقرر هذا التوحيد مع نفي الصفات، فيقعون في التقصير والتعطيل وهذا شر من حال كثير من المشركين.
والجهم بن صفوان إمام الجهمية نفاة الصفات يغلو في القضاء والقدر ويقول بالجبر، فيوافق المشركين في قولهم لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، لكنه يثبت الأمر والنهي فيفارق المشركين إلا أنه يقول بالإرجاء فيضعف الأمر والنهي والعقاب عنده، لأن فاعل الكبيرة عنده مؤمن كامل الإيمان غير مستحق للعقاب.
والنجارية -أتباع الحسين بن محمد النجار - والضرارية -أتباع ضرار بن عمرو وحفص الفرد - يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع مقاربتهم له أيضا في نفي الصفات.
والكلابية -أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب - والأشعرية المنتسبون لأبي الحسن الأشعري خير من هؤلاء في باب الصفات فإنهم يثبتون لله
стр. 1204
الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وأما في القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة.
وأصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي خير من الأشعرية في هذا وهذا.
والكرامية أتباع محمد بن كرام قولهم في الصفات، والقدر، والوعد، والوعيد أشبه من أكثر طوائف أهل الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة. وأما في الإيمان فقولهم منكر لم يسبقهم إليه أحد، فإنهم جعلوا الإيمان قول اللسان فقط وإن لم يكن معه تصديق القلب، فالمنافق عندهم مؤمن ولكنه مخلد في النار.
والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري -يقاربون قول جهم في الصفات فيقولون بنفيها، وأما في القدر والأسماء والأحكام، فيخالفونه ففي القدر يقولون: إن العبد مستقل بعمله كامل الإرادة فيه، ليس لله في عمله تقدير، ولا خلق. ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب.
وجهم يقول: إن العبد مجبر على عمله، وليس له إرادة فيه.
وفي الأسماء والأحكام يقول المعتزلة: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان غير داخل في الكفر فهو في منزلة بين منزلتين، ولكنه مخلد في النار. ويقول جهم إنه مؤمن كامل الإيمان غير مستحق لدخول النار.
والمعتزلة خير من الجهمية فيما خالفوهم فيه من القدر والأسماء والأحكام فإن إثبات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع نفي القدر خير من إثبات القدر مع نفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولهذا لم يوجد في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ووجد في زمنهم القدرية، والخوارج الحرورية.
стр. 1205
وإنما يظهر من البدع أولا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة، وكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل.
والمتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، لأن هؤلاء المتصوفة يشبهون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ . والقدرية يشبهون المجوس الذين قالوا: " إن للعالم خالقين " والمشركون شر من المجوس.
أما الصوفية الذين عندهم شيء من تعظيم الأمر والنهي مع مشاهدة توحيد الربوبية وإقرارهم بالقدر فهم خير من المعتزلة، لكنهم معتزلة من وجه آخر حيث جعلوا غاية التوحيد مشاهدة توحيد الربوبية، والفناء فيه فاعتزلوا بذلك جماعة المسلمين وسنتهم، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرا من بدعة أولئك المعتزلة.
وكل هذه الطوائف عندها من الضلال والبدع بقدر ما فارقت به جماعة المسلمين وسنتهم. ودين الله تعالى ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم طريق رسول الله ﷺ وأصحابه خير الأمة التي هي خير الأمم.
وقد أمرنا الله تعالى أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ . فالمغضوب عليهم كاليهود عرفوا الحق فلم يتبعوه، والضالون كالنصارى عبدوا الله بغير علم، وكان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل. وقال ابن مسعود ﵁: «خط لنا رسول الله ﷺ »
стр. 1206
«خطًّا بيده ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيمًا". وخط عن يمينه وشماله ثم قال: "هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ » . وقال حذيفة بن اليمان ﵁: " يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا ". وقال عبد الله بن مسعود ﵁: " من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله تعالى: لصحبه نبيه ﷺ وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم على الهدى المستقيم".
نسأل الله تعالى: أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.
والحمد لله رب العالمين.
تم في ٢٢\٥\١٤١٠هـ
تمت مقابلتها على صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
وذلك يوم الأربعاء الموافق ٥\٦\١٤١٢ هـ بمدينة الرياض والله الموفق.
كتبه: فهد بن ناصر السليمان
стр. 1207
تعليقات على العقيدة الواسطية
стр. 1208
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة السلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذه مذكرة للمهم من مقرر السنة الثانية الثانوية في المعاهد العلمية في التوحيد على العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية نسأل الله أن ينفع بها كما نفع بأصلها إنه جواد كريم.
شيخ الإسلام بن تيمية:
هو العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ولد في حران في العاشر من ربيع الأول سنة ٦٦١ هـ ثم تحولت عائلته إلى دمشق فكانت موطن إقامته.
وقد كان ﵀ عالمًا كبيرًا، وعلمًا منيرًا، ومجاهدًا شهيرًا، جاهد في الله بعقله وفكره وعلمه وجسمه، وكان قوي الحجة لا يصمد أحد لمحاجته، ولا تأخذه في الله لومة لائم إذا بان له الحق أن يقول به، ومن ثم حصلت له محن من ذوي السلطان والجاه فحبس مرارًا، وتوفي محبوسًا في قلعة دمشق في ٢٠ من شوال ٧٢٨ هـ.
العقيدة الواسطية:
كتاب مختصر جامع لخلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة من أسماء الله وصفاته وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر وما يتصل بذلك من طريقة أهل السنة العملية.
وسبب تأليفها أن بعض قضاة واسط شكوا إلى شيخ الإسلام ما كان عليه الناس من بدع وضلال، وطلبوا منه أن يكتب عقيدة مختصرة تبين طريقة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وغير ذلك مما
стр. 1209
سيذكر في تلك العقيدة؛ ولذلك سميت العقيدة الواسطية.
أهل السنة والجماعة:
هم من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه اعتقادًا وقولًا، وسموا بذلك لتمسكهم بالسُّنة ولاجتماعهم عليها.
اعتقاد أهل السنة والجماعة:
هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
فالإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
والإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان بوجودهم، والإيمان باسم من علم اسمه كجبريل، والإيمان بصفة من علم وصفه كجبريل أيضًا، والإيمان بأعمالهم ووظائفهم، مثل عمل جبريل ينزل بالوحي، ومالك خازن النار.
والإيمان بالكتب يتضمن تصديق كونها من عند الله، وتصديق ما أخبرت به، والإيمان بأسماء ما علم منها كالتوراة وما لم يعلم فيؤمن به إجمالًا، والتزام أحكامها إذا لم تنسخ.
والإيمان بالرسل يتضمن الإيمان بأنهم صادقون في رسالتهم، وبأسماء من علمت أسماؤه منهم وما لم يعلم فيؤمن به إجمالًا وتصديق ما أخبروا به، والتزام أحكام شرائعهم غير المنسوخة والشرائع السابقة كلها منسوخة بشريعة محمد ﷺ .
والإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
والإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بأن كل شيء واقع بقضاء الله وقدره.
стр. 1210
طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته:
طريقتهم إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. التحريف:
التحريف لغة: التغيير، واصطلاحًا: تغيير لفظ النص أو معناه.
مثال تغيير اللفظ: تغيير قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ من رفع الجلالة إلى نصبها ليكون التكليم من موسى لا من الله.
ومثال تغيير المعنى: تغيير معنى استواء الله على عرشه من العلو والاستقرار إلى الاستيلاء والملك لينتفي عنه معنى الاستواء الحقيقي.
التعطيل:
التعطيل لغة: الترك والتخلية، واصطلاحًا: إنكار ما يجب لله من الأسماء والصفات، إما كليًا كتعطيل الجهمية، وإما جزئيًا كتعطيل الأشعرية الذين لم يثبتوا من صفات الله إلا سبع صفات. مجموعة في قوله:
حي عليم قدير والكلام له ... إرادة وكذاك السمع والبصر
التكييف والتمثيل والفرق بينهما:
التكييف إثبات كيفية الصفة كأن يقول: استواء الله على عرشه كيفيته كذا وكذا، والتمثيل إثبات مماثل للشيء كأن يقول: يد الله مثل يد الإنسان.
والفرق بينهما أن التمثيل ذكر الصفة مقيدة بمماثل والتكييف ذكرها غير مقيدة به.
стр. 1211
حكم هذه الأربعة المتقدمة:
كلها حرام ومنها ما هو كفر أو شرك، ومن ثم كان أهل السنة والجماعة متبرئين من جميعها.
والواجب إجراؤها على ظاهرها، وإثبات حقيقتها لله على الوجه اللائق به والعلة في ذلك:
١ - أن صرفها عن ظاهرها مخالف لطريقة النبي ﷺ وأصحابه.
٢- أن صرفها إلى المجاز قول على الله بلا علم وهو حرام.
أسماء الله وصفاته توقيفية
وهل هي من المحكم أو من المتشابه؟
أسماء الله وصفاته توقيفية. والتوقيفي ما توقف إثباته أو نفيه على الكتاب والسنة بحيث لا يجوز إثباته ولا نفيه إلا بدليل منهما، فليس للعقل في ذلك مجال لأنه شيء وراء ذلك.
وأسماء الله وصفاته من المحكم في معناها لأن معناها معلوم، ومن المتشابه في حقيقتها لأن حقائقها لا يعلمها إلا الله.
أسماء الله تعالى غير محصورة:
أسماء الله غير محصورة بعدد معين لقوله ﷺ في الدعاء المأثور:
«أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» .
وما استأثر الله بعلمه فلا سبيل إلى حصره والإحاطة به.
والجمع بين هذا وبين قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» أن معنى هذا الحديث أن من أسماء الله تسعة وتسعين اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة فلا ينافي أن يكون له أسماء أخرى غيرها ونظير ذلك أن تقول:عندي
стр. 1212
خمسون درعًا أعددتها للجهاد فلا ينافي أن يكون عندك دروع أخرى. ومعنى إحصاء أسماء الله أن يعرف لفظها ومعناها ويتعبد لله بمقتضاها.
كيف يتم الإيمان بأسماء الله؟
إذا كان الاسم متعديًا فتمام الإيمان به إثبات الاسم وإثبات الصفة التي تضمنها وإثبات الأثر الذي يترتب عليه مثل: الرحيم فتثبت الاسم وهو الرحيم والصفة وهي الرحمة والأثر وهو أنه سبحانه يرحم بهذه الرحمة.
وإن كان الاسم لازمًا فتمام الإيمان به إثباته وإثبات الصفة التي تضمنها مثل: الحي تثبت الاسم وهو الحي والصفة وهي الحياة.
أقسام الصفات باعتبار الثبوت وعدمه:
تنقسم إلى قسمين:
ثبوتية وهي التي أثبتها الله لنفسه كالحياة والعلم، وسلبية وهي التي نفاها الله عن نفسه كالإعياء والظلم.
والصفة السلبية يجب الإيمان بما دلت عليه من نفي وإثبات ضده فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ يجب الإيمان بانتفاء الظلم عن الله وثبوت ضده وهو العدل الذي لا ظلم فيه.
أقسام صفات الله باعتبار الدوام والحدوث:
تنقسم إلى قسمين: صفات دائمة لم يزل ولا يزال متصفًا بها كالعلم والقدرة وتسمى صفات ذاتية، وصفات تتعلق بالمشيئة إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها كنزوله إلى السماء الدنيا وتسمى صفات فعلية.
وربما تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام فإنه بالنظر إلى أصله صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلمًا.
وباعتبار آحاده وأفراده التي يتكلم بها شيئًا فشيئًا صفة فعلية لأنه يتعلق بمشيئته.
стр. 1213
الالحاد:
الإلحاد لغة: الميل، واصطلاحًا: الميل عما يجب اعتقاده أو عمله.
ويكون في أسماء الله لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ويكون في آيات الله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ وأنواع الإلحاد في أسماء الله أربعة:
١ - أن ينكر شيئًا منها، أو مما تضمنته من الصفات كما فعل الجهمية.
٢ - أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه كما سماه النصارى أبًا.
٣ - أن يعتقد دلالتها على مشابهة الله لخلقه كما فعل المشبهة.
٤ - أن يشتق منها أسماء للأصنام كاشتقاق المشركين العزى من العزيز.
الإلحاد في آيات الله نوعان:
١ - الإلحاد في الآيات الكونية التي هي المخلوقات وهو إنكار انفراد الله بها بأن يعتقد أن أحدًا انفرد بها أو ببعضها دونه وأن معه مشاركًا في الخلق أو معينًا.
٢ - الإلحاد في الآيات الشرعية التي هي الوحي النازل على الأنبياء وهو تحريفها أو تكذيبها أو مخالفتها.
طريقة القرآن والسنة في صفات الله من حيث الإجمال والتفصيل:
طريقة القرآن والسنة هي الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات غالبًا؛ لأن الإجمال في النفي أكمل وأعم في التنزيه من التفصيل، والتفصيل في الإثبات أبلغ وأكثر من المدح في الإجمال؛ ولذلك تجد الصفات الثبوتية كثيرة
стр. 1214
في الكتاب والسنة كالسميع البصير، والعليم القدير، والغفور الرحيم.. الخ.
أما الصفات السلبية فهي قليلة مثل نفي الظلم، والتعب، والغفلة والولادة، والمماثل، والند، والمكافئ.
سورة الإخلاص:
هي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وسميت به؛ لأن الله أخلصها لنفسه ولم يذكر فيها إلا ما يتعلق بأسمائه وصفاته؛ ولأنها تخلص قارئها من الشرك والتعطيل، وسبب نزولها أن المشركين قالوا للنبي ﷺ انسب لنا ربك من أي شيء هو.
وكانت تعدل ثلث القرآن لأنه يتضمن الإخبار عن الله والإخبار عن مخلوقاته والأحكام وهي الأوامر والنواهي، وسورة الإخلاص تضمنت النوع الأول وهو الإخبار عن الله.
وفيها من أسماء الله: الله، الأحد، الصمد، فالله هو المألوه المعبود حبًا وتعظيمًا، والأحد هو المنفرد عن كل شريك ومماثل، والصمد الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته وفيها من صفات الله ما تضمنته الأسماء السابقة:
١ - الألوهية.
٢ - الأحدية.
٣ - الصمدية.
٤ - نفي الولد منه لأنه غني عن الولد ولا مماثل له.
٥ - نفي أن يكون مولودًا لأنه خالق كل شيء وهو الأول الذي ليس قبله شيء.
стр. 1215
٦ - نفي المكافئ له وهو المماثل له في الصفات لأن الله ليس كمثله شيء لكمال صفاته.
آية الكرسي:
آية الكرسي هي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
وسميت آية الكرسي لذكر الكرسي فيها وهي أعظم آية في كتاب الله من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وتضمنت من أسماء الله " الله " وتقدم معناه و" الحي " و" القيوم " و" العلي" و"العظيم".
فالحي: ذو الحياة الكاملة المتضمنة لأكمل الصفات التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال.
والقيوم: هو القائم بنفسه القائم على غيره فهو الغني عن كل أحد وكل أحد محتاج إليه.
والعلي: هو العالي بذاته فوق كل شيء العالي بصفاته كمالًا فلا يلحقه عيب ولا نقص.
والعظيم: ذو العظمة وهي الجلال والكبرياء، وتضمنت من صفات الله خمس صفات تضمنتها الأسماء السابقة:
٧ - انفراد الله بالألوهية.
стр. 1216
٨ - نفي النوم والسنة وهي النعاس عنه لكمال حياته وقيوميته.
٩ - انفراده بالملك الشامل لكل شيء له ما في السماوات وما في الأرض.
١٠ - كمال عظمته وسلطانه حيث لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه.
١١ - كمال علمه وشموله لكل شيء ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ وهو الحاضر والمستقبل ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وهو الماضي.
١٢ - المشيئة.
١٣ - كمال قدرته بعظم مخلوقاته ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ١٤ - كمال علمه وقدرته وحفظه ورحمته من قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يثقله ولا يعجزه.
الكرسي:
الكرسي موضع قدمي الرحمن وعظمته كما جاء في الحديث. «ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» .
وهذا يدل على عظمة الخالق والكرسي غير العرش؛ لأن الكرسي موضع القدمين والعرش هو الذي استوى عليه الله؛ ولأن الأحاديث دلت على المغايرة بينهما.
معنى قوله تعالى:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (:.
هذه الأسماء الأربعة فسرها النبي ﷺ بأن " الأول " الذي ليس قبله شيء " والآخر " الذي ليس بعده شيء و" الظاهر" الذي ليس فوقه شيء و" الباطن " الذي ليس دونه شيء.
стр. 1217
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي محيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلًا.
علم الله:
العلم إدراك الشيء على حقيقته - وعلم الله تعالى كامل محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا فمن أدلة العلم الجملي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ومن أدلة العلم التفصيلي قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ومن أدلة علم الله بأحوال خلقه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
مفاتح الغيب:
مفاتح الغيب خزائنه أو مفاتيحه وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فالخبير هو العليم ببواطن الأمور.
стр. 1218
القدرة:
القدرة: هي التمكن من الفعل بلا عجز، وقدرة الله شاملة كل شيء، ودليلها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
القوة:
القوة: هي التمكن من الفعل بلا ضعف، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ والمتين الشديد القوة. والفرق بينها وبين القدرة أنها أخص من القدرة من وجه وأعم من وجه، فهي بالنسبة للقادر ذي الشعور أخص؛ لأنها قدرة وزيادة وهي بالنسبة لعموم مكانها أعم لأنها يوصف بها ذو الشعور وغيره، فيقال للحديد مثلًا: قوي ولا يقال له: قادر.
الحكمة ومعنى الحكيم:
الحكمة: هي وضع الأشياء في مواضعها على وجه متقن، ودليل اتصاف الله بها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وللحكيم معنيان:
أحدهما: أن يكون بمعنى ذي الحكمة فلا يأمر بشيء، ولا يخلق شيئًا إلا لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة، والثاني: أن يكون بمعنى الحاكم الذي يحكم بما أراد ولا معقب لحكمه.
أنواع حكمة الله:
حكمة الله نوعان: شرعية وكونية. فالشرعية محلها الشرع وهو ما جاءت به الرسل من الوحي، فكله في غاية الإتقان،والحكمة الكونية محلها الكون
стр. 1219
أي: مخلوقات الله، فكل ما خلقه الله فهو في غاية الإتقان والمصلحة.
أنواع حُكْم الله:
حُكم الله نوعان: كوني وشرعي، فالكوني ما يقضي به الله تقديرًا وخلقًا ودليله قوله تعالى: عن أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ .
والشرعي ما يقضي به الله شرعًا ودليله قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ .
الرزق:
الرزق إعطاء المرزوق ما ينفعه ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وهو نوعان: عام، وخاص.
فالعام ما يقوم به البدن من طعام وغيره وهو شامل لكل مخلوق.
والخاص ما يصلح به القلب من الإيمان والعلم والعمل الصالح.
مشيئة الله:
مشيئة الله هي إرادته الكونية، وهي عامة لكل شيء من أفعاله وأفعال عباده والدليل قوله تعالى في أفعال الله ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ والدليل في أفعال العباد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ .
стр. 1220
إرادة الله وأقسامها:
إرادة الله صفة من صفاته وتنقسم إلى قسمين:
كونية وهي التي بمعنى المشيئة، وشرعية وهي التي بمعنى المحبة فدليل الكونية قوله تعالى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ودليل الشرعية قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية:
الفرق بينهما أن الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، وقد يكون المراد فيها محبوبًا إلى الله، وقد يكون غير محبوب، وأما الشرعية فلا يلزم فيها وقوع المراد ولا يكون المراد فيها إلا محبوبًا لله.
محبة الله:
محبة الله صفة من صفاته الفعلية، ودليلها قوله تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ والود خالص المحبة، ولا يجوز تفسير المحبة بالثواب لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف وليس عليه دليل.
المغفرة والرحمة:
الدليل على ثبوت صفة المغفرة والرحمة لله قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
стр. 1221
والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه والرحمة صفة تقتضي الإحسان والإنعام وتنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة. فالعامة هي الشاملة لكل أحد والدليل قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ .
والخاصة التي تختص بالمؤمنين ودليلها قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ولا يصح تفسير الرحمة بالإحسان لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف ولا دليل عليه.
الرضا والغضب والكراهة والمقت والأسف:
الرضا صفة من صفات الله مقتضاها محبة المرضيّ عنه والإحسان إليه ودليلها قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ . والغضب صفة من صفات الله مقتضاها كراهية المغضوب عليه والانتقام منه وقريب منها صفة السخط ودليل اتصاف الله بها قوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ والكراهية صفة من صفات الله الفعلية مقتضاها إبعاد المكروه ومعاداته والدليل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ .
والمقت أشد البغض، والبغض قريب من معنى الكراهية. ودليل المقت
стр. 1222
قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ والأسف له معنيان أحدهما:
الغضب وهذا جائز على الله والدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي أغضبونا.
والثاني: الحزن وهذا لا يجوز على الله، ولا يصح أن يوصف به لأن الحزن صفة نقص والله منزه عن النقص.
ولا يجوز تفسير الرضا بالثواب، والغضب بالانتقام، والكراهية والمقت بالعقوبة، لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف وليس عليه دليل.
المجيء والإتيان:
المجيء والإتيان من صفات الله الفعلية وهما ثابتتان لله على الوجه اللائق به ودليلهما قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ ولا يصح تفسيرهما بمجيء أو إتيان أمره لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف ولا دليل عليه.
والمراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ .
طلوع الشمس من مغربها الذي به تنقطع التوبة.
ووجه ذكر المؤلف من أدلة مجيء الله قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ مع أنه ليس في الآية ذكر المجيء:
стр. 1223
أن تشقق السماء بالغمام وتنزيل الملائكة إنما يكونان عند مجيء الله للقضاء بين عباده فيكون من باب الاستدلال بأحد الأمرين على الآخر لما بينهما من التلازم.
الوجه:
الوجه صفة من صفات الله الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به، ودليله قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ والجلال العظمة والإكرام إعطاء الطائعين ما أعدّ لهم من الكرامة.
ولا يجوز تفسير الوجه بالثواب لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف وليس عليه دليل.
اليد:
إن يدي الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به يبسطهما كيف يشاء ويقبض بهما ما شاء، ودليلهما قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . ولا يجوز تفسير اليدين بالقوة لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف وليس عليه دليل. وفي السياق ما يمنعه وهو التثنية لأن القوة لا يوصف الله بها بصيغة التثنية.
العين:
إن عيني الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به
стр. 1224
ينظر بهما ويبصر ويرى ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ .
ولا يجوز تفسيرهما بالعلم ولا بالرؤية مع نفي العين لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف على ثبوت العين لله ولا دليل عليه.
والجواب عن تفسير بعض السلف قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بمرأى منا أنهم لم يريدوا بذلك نفي حقيقة معنى العين وإنما فسروها باللازم مع إثباتهم العين، وهذا لا بأس به بخلاف الذين يفسرون العين بالرؤية وينكرون حقيقة العين.
الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين:
وردت هاتان الصفتان على ثلاثة أوجه إفراد وتثنية وجمع، فمثال الإفراد قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ومثال التثنية قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ .
وفي الحديث الشريف «إذا قام أحدكم يصلي فإنه بين عيني الرحمن» .
ومثال الجمع قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ . وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ .
والجمع بين هذه الوجوه أنه لا منافاة بين الإفراد والتثنية؛ لأن المفرد المضاف يعم فإذا قيل: يد الله وعين الله شمل كل ما ثبت له من يد أو عين
стр. 1225
وأما التثنية والجمع فلا منافاة بينهما أيضًا؛ لأن المقصود بالجمع هنا التعظيم وهو لا ينافي التثنية.
السمع:
سمع الله تعالى من الصفات الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به ودليله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
وينقسم إلى قسمين:
الأول: بمعنى الإجابة وهذا من الصفات الفعلية ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ .
الثاني: بمعنى إدراك المسموع وهذا من الصفات الذاتية، ومثاله قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ . وهذا القسم قد يراد به مع إدراك المسموع النصر والتأييد كقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . وقد يراد به أيضًا التهديد كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ . وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ .
الرؤية:
الرؤية صفة من صفات الله الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به، وتنقسم إلى قسمين:
стр. 1226
أحدهما: بمعنى البصر وهو إدراك المرئيات والمبصرات، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
الثاني: الرؤية بمعنى العلم، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ .أي نعلمه.
والقسم الأول من الرؤية قد يراد به مع إدراك المرئي النصر والتأييد مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . وقد يراد به أيضًا التهديد كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ . المكر والكيد والمحال:
معنى هذه الكلمات الثلاث متقارب وهو: التوصل بالأسباب الخفية إلى الانتقام من العدو.
ولا يجوز وصف الله بها وصفًا مطلقًا بل مقيدًا لأنها عند الإطلاق تحتمل المدح والذم والله سبحانه منزه عن الوصف بما يحتمل الذم.
وأما عند التقييد بأن يوصف الله بها على وجه تكون مدحًا لا يحتمل الذم دالًّا على علمه وقدرته وقوته فهذا جائز لأنه يدل على كمال الله.
والدليل على اتصاف الله تعالى: بهذه الصفات قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ .
стр. 1227
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ .
يكون المكر والكيد والمِحال صفة مدح:
إذا كان لإثبات الحق وإبطال الباطل ويكون ذمًا فيما عدا ذلك.
ولا يجوز أن يشتق من هذه الصفات أسماء لله فيقال:الماكر والكائد؛ لأن أسماء الله الحسنى لا تحتمل الذم بأي وجه، وهذه عند إطلاقها تحتمل الذم كما سبق.
العفو:
العفو هو المتجاوز عن سيئات الغير وهو من أسماء الله، ودليله قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
من نصوص الصفات السلبية:
سبق لك أن صفات الله ثبوتية وهي التي أثبتها الله لنفسه، وسلبية وهي التي نفاها عن نفسه وأن كل صفة سلبية فإنها تتضمن صفة مدح ثبوتية، وقد ذكر المؤلف ﵀ آيات كثيرة في الصفات السلبية ومنها ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ .
والسمي والكفؤ والند معناها متقارب وهو المثيل والنظير، ونفي ذلك من الله يتضمن انتفاء ما ذكر وإثبات كماله حيث لا يماثله أحد لكماله، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
стр. 1228
فأمر الله بحمده لانتفاء صفات النقص عنه وهي اتخاذ الولد ونفيه عن الله يتضمن مع انتفائه كمال غناه، ونفي الشريك عن الله يتضمن كمال وحدانيته وقدرته.
ونفي الولي عنه من الذل يتضمن كمال عزه وقهره ونفي الولي هنا لا ينافي إثباته في موضع آخر كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ . لأن الولي المنفي هو الولي الذي سببه الذل، أما الولي بمعنى الولاية فليس بمنفي. ومنها قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ والتسبيح تنزيه الله عن النقص والعيب وذلك يتضمن كمال صفاته.
وفي الآية دليل على أن كل شيء يسبح الله تسبيحًا حقيقيًّا بلسان الحال والمقال إلا الكافر فإن تسبيحه بلسان الحال فقط؛ لأنه يصف الله بلسانه بما لا يليق به.
ومنها قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . ففي هذه الآية نفي اتخاذ الولد، ونفي تعدد الآلهة، وتنزيه الله عما وصفه به المشركون وهذا يتضمن مع انتفاء ما ذكر كمال الله وانفراده بما هو من خصائصه وقد برهن الله على امتناع تعدد الآلهة ببرهانين عقليين:
أحدهما: أنه لو كان معه إله لانفرد عن الله بما خلق، ومن المعلوم عقلًا وحسًّا أن نظام العالم واحد لا يتصادم ولا يتناقض وهو دليل على أن مدبره واحد.
стр. 1229
والثاني: أنه لو كان مع الله إله آخر لطلب أن يكون العلو له وحينئذ إما أن يغلب أحدهما الآخر فيكون هو الإله، وإما أن يعجز كل منهما عن الآخر فلا يستحق واحد منهما أن يكون إلهًا لأنه عاجز.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . وهذه المحرمات الخمس أجمعت عليها الشرائع وفيها إثبات الحكمة وإثبات الغيرة له لأنه حرم هذه الأمور، ومعنى قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ : أي ما لم ينزل به دليلًا وهو قيد لبيان الواقع لأنه لا يمكن أن يقوم الدليل على الإشراك بالله، وعلى هذا فلا مفهوم له وفي هذه الآية ردٌّ على المشبهة في قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ . لأن المشبهة أشركوا به حيث شبهوه بخلقه وفيها رد على المعطلة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . لأن المعطلة قالوا على الله ما لا يعلمون حيث نفوا صفاته عنه بحجج باطلة وهذا هو وجه مناسبة ذكر هذه الآية في العقيدة.
العلو وأقسامه:
العلو: الارتفاع
وأقسام العلو ثلاثة:
١ - علو الذات ومعناه أن الله بذاته فوق خلقه.
٢ - علو القدر ومعناه أن الله ذو قدر عظيم لا يساويه فيه أحد من خلقه ولا يعتريه معه نقص.
٣ - علو القهر ومعناه أن الله تعالى: قهر جميع المخلوقات فلا يخرج أحد منهم عن سلطانه وقهره.
стр. 1230
وأدلة العلو الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
ومن السنة قوله ﷺ : «ربنا الله الذي في السماء» وإقراره الجارية حين سألها أين الله قالت: في السماء فلم ينكر عليها بل قال:أعتقها فإنها مؤمنة.
وفي حجة الوداع أشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ «وجعل يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكبها إلى الناس وهو يقول: " اللهم اشهد ".»
وأما الإجماع على علو الله فهو معلوم بين السلف ولم يعلم أن أحدًا منهم قال بخلافه، وأما العقل فلأن العلو صفة كمال والله سبحانه متصف بكل كمال فوجب ثبوت العلو له.
وأما الفطرة فإن كل إنسان مفطور على الإيمان بعلو الله ولذلك إذا دعا ربه وقال:يا رب لم ينصرف قلبه إلا إلى السماء.
والذي أنكره الجهمية من أقسام العلو علو الذات ونرد عليهم بما سبق في الأدلة.
استواء الله على عرشه:
معنى استواء الله على عرشه علوه واستقراره عليه، وقد جاء عن السلف تفسيره بالعلو والاستقرار والصعود والارتفاع، والصعود والارتفاع يرجعان إلى معنى العلو.
ودليله قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقد ذكر في سبعة مواضع من القرآن.
ونرد على من فسره بالاستيلاء والملك بما يأتي:
١ - أنه خلاف ظاهر النص.