Полный текст (10 899 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
أحدهما: بمعنى البصر وهو إدراك المرئيات والمبصرات، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
الثاني: الرؤية بمعنى العلم، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ .أي نعلمه.
والقسم الأول من الرؤية قد يراد به مع إدراك المرئي النصر والتأييد مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . وقد يراد به أيضًا التهديد كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ . المكر والكيد والمحال:
معنى هذه الكلمات الثلاث متقارب وهو: التوصل بالأسباب الخفية إلى الانتقام من العدو.
ولا يجوز وصف الله بها وصفًا مطلقًا بل مقيدًا لأنها عند الإطلاق تحتمل المدح والذم والله سبحانه منزه عن الوصف بما يحتمل الذم.
وأما عند التقييد بأن يوصف الله بها على وجه تكون مدحًا لا يحتمل الذم دالًّا على علمه وقدرته وقوته فهذا جائز لأنه يدل على كمال الله.
والدليل على اتصاف الله تعالى: بهذه الصفات قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ .
стр. 1227
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ .
يكون المكر والكيد والمِحال صفة مدح:
إذا كان لإثبات الحق وإبطال الباطل ويكون ذمًا فيما عدا ذلك.
ولا يجوز أن يشتق من هذه الصفات أسماء لله فيقال:الماكر والكائد؛ لأن أسماء الله الحسنى لا تحتمل الذم بأي وجه، وهذه عند إطلاقها تحتمل الذم كما سبق.
العفو:
العفو هو المتجاوز عن سيئات الغير وهو من أسماء الله، ودليله قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
من نصوص الصفات السلبية:
سبق لك أن صفات الله ثبوتية وهي التي أثبتها الله لنفسه، وسلبية وهي التي نفاها عن نفسه وأن كل صفة سلبية فإنها تتضمن صفة مدح ثبوتية، وقد ذكر المؤلف ﵀ آيات كثيرة في الصفات السلبية ومنها ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ .
والسمي والكفؤ والند معناها متقارب وهو المثيل والنظير، ونفي ذلك من الله يتضمن انتفاء ما ذكر وإثبات كماله حيث لا يماثله أحد لكماله، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
стр. 1228
فأمر الله بحمده لانتفاء صفات النقص عنه وهي اتخاذ الولد ونفيه عن الله يتضمن مع انتفائه كمال غناه، ونفي الشريك عن الله يتضمن كمال وحدانيته وقدرته.
ونفي الولي عنه من الذل يتضمن كمال عزه وقهره ونفي الولي هنا لا ينافي إثباته في موضع آخر كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ . لأن الولي المنفي هو الولي الذي سببه الذل، أما الولي بمعنى الولاية فليس بمنفي. ومنها قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ والتسبيح تنزيه الله عن النقص والعيب وذلك يتضمن كمال صفاته.
وفي الآية دليل على أن كل شيء يسبح الله تسبيحًا حقيقيًّا بلسان الحال والمقال إلا الكافر فإن تسبيحه بلسان الحال فقط؛ لأنه يصف الله بلسانه بما لا يليق به.
ومنها قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . ففي هذه الآية نفي اتخاذ الولد، ونفي تعدد الآلهة، وتنزيه الله عما وصفه به المشركون وهذا يتضمن مع انتفاء ما ذكر كمال الله وانفراده بما هو من خصائصه وقد برهن الله على امتناع تعدد الآلهة ببرهانين عقليين:
أحدهما: أنه لو كان معه إله لانفرد عن الله بما خلق، ومن المعلوم عقلًا وحسًّا أن نظام العالم واحد لا يتصادم ولا يتناقض وهو دليل على أن مدبره واحد.
стр. 1229
والثاني: أنه لو كان مع الله إله آخر لطلب أن يكون العلو له وحينئذ إما أن يغلب أحدهما الآخر فيكون هو الإله، وإما أن يعجز كل منهما عن الآخر فلا يستحق واحد منهما أن يكون إلهًا لأنه عاجز.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . وهذه المحرمات الخمس أجمعت عليها الشرائع وفيها إثبات الحكمة وإثبات الغيرة له لأنه حرم هذه الأمور، ومعنى قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ : أي ما لم ينزل به دليلًا وهو قيد لبيان الواقع لأنه لا يمكن أن يقوم الدليل على الإشراك بالله، وعلى هذا فلا مفهوم له وفي هذه الآية ردٌّ على المشبهة في قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ . لأن المشبهة أشركوا به حيث شبهوه بخلقه وفيها رد على المعطلة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . لأن المعطلة قالوا على الله ما لا يعلمون حيث نفوا صفاته عنه بحجج باطلة وهذا هو وجه مناسبة ذكر هذه الآية في العقيدة.
العلو وأقسامه:
العلو: الارتفاع
وأقسام العلو ثلاثة:
١ - علو الذات ومعناه أن الله بذاته فوق خلقه.
٢ - علو القدر ومعناه أن الله ذو قدر عظيم لا يساويه فيه أحد من خلقه ولا يعتريه معه نقص.
٣ - علو القهر ومعناه أن الله تعالى: قهر جميع المخلوقات فلا يخرج أحد منهم عن سلطانه وقهره.
стр. 1230
وأدلة العلو الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
ومن السنة قوله ﷺ : «ربنا الله الذي في السماء» وإقراره الجارية حين سألها أين الله قالت: في السماء فلم ينكر عليها بل قال:أعتقها فإنها مؤمنة.
وفي حجة الوداع أشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ «وجعل يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكبها إلى الناس وهو يقول: " اللهم اشهد ".»
وأما الإجماع على علو الله فهو معلوم بين السلف ولم يعلم أن أحدًا منهم قال بخلافه، وأما العقل فلأن العلو صفة كمال والله سبحانه متصف بكل كمال فوجب ثبوت العلو له.
وأما الفطرة فإن كل إنسان مفطور على الإيمان بعلو الله ولذلك إذا دعا ربه وقال:يا رب لم ينصرف قلبه إلا إلى السماء.
والذي أنكره الجهمية من أقسام العلو علو الذات ونرد عليهم بما سبق في الأدلة.
استواء الله على عرشه:
معنى استواء الله على عرشه علوه واستقراره عليه، وقد جاء عن السلف تفسيره بالعلو والاستقرار والصعود والارتفاع، والصعود والارتفاع يرجعان إلى معنى العلو.
ودليله قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقد ذكر في سبعة مواضع من القرآن.
ونرد على من فسره بالاستيلاء والملك بما يأتي:
١ - أنه خلاف ظاهر النص.
стр. 1231
٢ - أنه خلاف ما فسره به السلف.
٣ - أنه يلزم عليه لوازم باطلة.
والعرش لغة: سرير الملك الخاص به، وشرعًا: ما استوى الله عليه، وهو من أعظم مخلوقات الله، بل أعظم ما علمنا منها، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» .
المعية:
المعية لغة: المقارنة والمصاحبة.
ودليل ثبوت المعية لله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ .
وتنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة:
فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ . ومقتضى المعية هنا الإحاطة بالخلق علمًا وقدرة وسلطانًا وتدبيرًا.
والخاصة هي التي تختص بالرسل وأتباعهم كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ .
وهذه المعية تقتضي مع الإحاطة النصر والتأييد. والجمع بين المعية والعلو من وجهين:
أولًا: أنه لا منافاة بينهما في الواقع، فقد يجتمعان في شيء واحد، ولذلك تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا مع أنه في السماء.
стр. 1232
ثانيًا: أنه لو فرض أن بينهما منافاة في حق المخلوق لم يلزم أن يكون بينهما منافاة في حق الخالق؛ لأنه ليس كمثله شيء وهو بكل شيء محيط.
ولا يصح تفسير معية الله بكونه معنا بذاته في المكان:
أولًا: لأنه مستحيل على الله حيث ينافي علوه، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها.
ثانيًا: أنه خلاف ما فسرها به السلف.
ثالثًا: أنه يلزم على هذا التفسير لوازم باطلة.
معنى كون الله في السماء:
معناه على السماء أي فوقها، ففي بمعنى على كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي عليها، ويجوز أن تكون في للظرفية، والسماء على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى أن الله في العلو، وقد جاءت السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ .
ولا يصح أن تكون في للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛ لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.
قول أهل السنة في كلام الله تعالى:
قول أهل السنة في كلام الله أنه صفة من صفاته لم يزل ولا يزال يتكلم بكلام حقيقي يليق به يتعلق بمشيئته بحروف وأصوات مسموعة لا يماثل أصوات المخلوقين يتكلم بما شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأدلتهم على ذلك كثيرة منها:
стр. 1233
قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ . والدليل على أنه بصوت قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ .
ومن السنة قوله ﷺ : يقول الله تعالى: «يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، فيقول: يا ربي وما بعث النار» .. ".
ودليلهم على أنه بحروف قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ . فمقول القول هنا حروف.
ودليلهم على أنه بمشيئة قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ . فالتكليم حصل بعد مجيء موسى ﵊.
وكلام الله تعالى صفة ذات باعتبار أصله، فإن الله لم يزل ولا يزال قادرًا على الكلام متكلمًا، وصفة فعل باعتبار آحاده؛ لأن آحاد الكلام تتعلق بمشيئته متى شاء تكلم.
وأكثر المؤلف من ذكر أدلة الكلام؛ لأنه أكثر ما حصلت فيه الخصومة ووقعت به الفتنة من مسائل الصفات.
قول أهل السنة في القرآن الكريم:
يقولون: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، فدليلهم على أنه كلام الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
стр. 1234
يعني القرآن.
ودليلهم على أنه منزل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
والدليل على أنه غير مخلوق قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فجعل الأمر غير الخلق، والقرآن من الأمر لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ . ولأن القرآن من كلام الله وكلام الله صفة من صفاته. وصفات الله غير مخلوقة.
ومعنى منه بدأ أن الله تكلم به ابتداء، ومعنى إليه يعود أنه يرجع إلى الله في آخر الزمان حينما يرفع من المصاحف والصدور، وتكريمًا له إذا اتخذه الناس هزوًا ولهوًا.
السنة:
السنة لغة: الطريقة، وسنة النبي ﷺ ما شرعه من قوله أو فعله أو إقراره خبرًا كانت أو طلبًا، والإيمان بما جاء فيها واجب كالإيمان بما جاء في القرآن، سواء في أسماء الله وصفاته أو في غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ . وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . حديث النزول:
حديث النزول هو قوله ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني»
стр. 1235
«فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» .
ومعنى النزول عند أهل السنة أنه ينزل بنفسه سبحانه نزولًا حقيقيًّا يليق بجلاله ولا يعلم كيفيته إلا هو.
ومعناه عند أهل التأويل نزول أمره، ونرد عليهم بما يأتي:
١ - أنه خلاف ظاهر النص وإجماع السلف.
٢ - أن أمر الله ينزل كل وقت، وليس خاصًّا بثلث الليل الآخر.
٣ - أن الأمر لا يمكن أن يقول: من يدعوني فأستجيب له.. إلخ.
ونزوله سبحانه إلى السماء الدنيا لا ينافي علوه؛ لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يقاس نزوله بنزول مخلوقاته.
الفرح والضحك والعَجَب:
الفرح ثابت لله لقوله ﷺ : «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته» .. " الحديث.
وهو فرح حقيقي يليق بالله، ولا يصح تفسيره بالثواب؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف.
والضحك ثابت لله تعالى لقوله ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنة» .
وفسره أهل السنة والجماعة بأنه ضحك حقيقي يليق بالله. وفسره أهل التأويل بالثواب، ونرد عليهم بأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وصورتها أن كافرًا يقتل مسلمًا في الجهاد، ثم يسلم ذلك الكافر ويموت على الإسلام، فيدخلان الجنة كلاهما.
والعجب ثابت لله تعالى لقول الرسول ﷺ : «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره» الحديث.
والممتنع على الله من العَجَب هو ما كان سببه الجهل بطرق المتعجب
стр. 1236
منه لأن الله لا يخفى عليه شيء، أما العَجَب الذي سببه خروج الشيء عن نظائره أو عما ينبغي أن يكون عليه فإن ذلك ثابت لله.
وقد فسره أهل السنة بأنه عَجَب حقيقي يليق بالله، وفسره أهل التأويل بثواب الله أو عقوبته ويرد عليهم بأنه خلاف ظاهر النص وإجماع السلف.
القدم:
القدم ثابتة لله تعالى: لقوله ﷺ : «جهنم يُلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها رجله وفي رواية عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط» .
وفسر أهل السنة الرِجْل والقدم بأنها حقيقية على الوجه اللائق بالله.
وفسر أهل التأويل الرجل بالطائفة أي الطائفة الذين يضعهم الله في النار والقدم بالمقدمين إلى النار وأرد عليهم بأن تفسيرهم مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف وليس عليه دليل.
حديث رقية المريض وحديث الجارية التي سألها رسول الله ﷺ ، أين الله قالت:في السماء:
في حديث رقبة المريض من صفات الله إثبات ربوبية الله وإثبات علوه في السماء وتقدس أسمائه عن كل نقص، وأن له الأمر في السماء والأرض، فحكمه فيهما نافذ وإثبات الرحمة وإثبات الشفاء لله وهو رفع المرض.
وفي حديث الجارية من صفات الله: إثبات المكان لله وأنه في السماء.
الدليل على أن الله قبل وجه المصلي:
الدليل قوله ﷺ : «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه» .. " الحديث.
стр. 1237
وهذه المقابلة ثابتة لله حقيقة على الوجه اللائق به، ولا تنافي علوه والجمع بينهما من وجهين:
١ - أن الاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق كما لو كانت الشمس عند طلوعها فإنها قِبل وجه من استقبل المشرق وهي في السماء، فإذا جاز اجتماعهما في المخلوق فالخالق أولى.
٢ - أنه لو لم يمكن اجتماعهما في حق المخلوق فلا يلزم أن يمتنع في حق الخالق لأن الله ليس كمثله شيء.
الدليل على قرب الله:
الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ . وقوله ﷺ : «إنما تدعون سميعًا قريبًا» .
وهو قرب حقيقي يليق بالله تعالى ولا ينافي علوه لأنه تعالى: بكل شيء محيط ولا يقاس بخلقه لأنه ليس كمثله شيء.
الدليل على أن الله يُرى:
الدليل على رؤية الله قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ . فقد فسر النبي ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله وقوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا» .
والتشبيه في هذا الحديث للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي لأن كاف التشبيه داخلة على فعل الرؤية المؤول بالمصدر ولأن الله ليس كمثله شيء
стр. 1238
والمراد بالصلاتين المذكورتين الفجر والعصر.
ورؤية الله في الآخرة لا في الدنيا لقوله تعالى لموسى حين سأله رؤيته: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ . وقوله ﷺ : " «واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» .
ورؤية الله لا تشمل الكفار لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .
وفسر أهل السنة هذه الرؤية برؤية العين للأدلة الآتية:
أولًا: أن الله أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محل العين فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
ثانيا: أنه جاء في الحديث «إنكم سترون ربكم عيانًا» . وفسره أهل التأويل برؤية الثواب أي إنكم سترون ثواب ربكم.
وأرد عليهم بأنه خلاف ظاهر اللفظ وإجماع السلف وليس عليه دليل.
مذهب الجهمية والأشعرية والكلاَّبية في كلام الله:
مذهب الجهمية في كلام الله أنه خلق من مخلوقاته لا صفة من صفاته وإنما أضافه الله إليه إضافة تشريف وتكريم كما أضاف إليه البيت والناقة في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ . وقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ .
ومذهب الأشعرية أن الكلام صفة من صفاته لكنه هو المعنى القائم بالنفس وهذه الحروف مخلوقة لتعبر عنه والكلابية يقولون كقول الأشعرية
стр. 1239
إلا أنهم سموا الألفاظ حكاية لا عبارة. وعلى مذهبيهما ليس كلام الله بحرف وصوت وإنما هو المعنى القائم بنفسه.
هذه الأمة وسط بين الأمم:
الدليل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ . وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .
ومثال كونها وسطًا في العبادات رفع الله عن هذه الأمة من الحرج والمشقة اللذين كانا على من قبلهما فهذه الأمة إذا عدموا الماء تيمموا وصلّوا في أي مكان بينما الأمم الأخرى لا يصلون حتى يجدوا الماء ولا يصلون إلا في أمكنة معينة.
ومثال كونها وسطًا في غير العبادات القصاص في القتل كان مفروضًا على اليهود وممنوعًا عند النصارى ومخيرًا بينه وبين العفو أو الدية عند هذه الأمة.
فِرَق هذه الأمة:
فِرَق هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة والناجي منها من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه وكلها في النار إلا الناجية لقوله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» .
стр. 1240
الأصول التي كان أهل السنة وسطًا فيها بين فرق الأمة
هي خمسة:
الأول: أسماء الله وصفاته. أهل السنة وسط فيها بين أهل التعطيل وأهل التمثيل لأن أهل التعطيل ينكرون صفات الله وأهل التمثيل يثبتونها مع التمثيل وأهل السنة يثبتونها بلا تمثيل.
الثاني: القضاء والقدر الذي عبر عنه المؤلف بأفعال الله فأهل السنة وسط فيه بين الجبرية والقدرية لأن الجبرية يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إنه مجبر لا قدرة له ولا اختيار والقدرية ينكرون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إن العبد قادر مختار لا يتعلق فعله بقضاء الله وأهل السنة يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إن له قدرة واختيارًا أودعهما الله فيه متعلقين بقضاء الله.
الثالث: الوعيد بالعذاب فأهل السنة وسط فيه بين الوعيدية وبين المرجئة لأن الوعيدية يقولون: فاعل الكبيرة مخلد في النار والمرجئة يقولون: لا يدخل النار ولا يستحق ذلك وأهل السنة يقولون: مستحق لدخول النار دون الخلود فيها.
الرابع: أسماء الإيمان والدين: فأهل السنة وسط فيه بين المرجئة من جهة وبين المعتزلة والحرورية من جهة لأن المرجئة يسمون فاعل الكبيرة مؤمنًا كامل الإيمان والمعتزلة والحرورية يسمونه غير مؤمن لكن المعتزلة يقولون:لا مؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين والحرورية يقولون: إنه كافر وأهل السنة يقولون: إنه مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
الخامس: أصحاب النبي ﷺ فأهل السنة وسط فيه بين الروافض
стр. 1241
والخوارج لأن الروافض بالغوا في حب آل النبي ﷺ وغلوا فيهم حتى أنزلوهم فوق منزلتهم والخوارج يبغضونهم ويسبونهم وأهل السنة يحبون الصحابة جميعهم وينزلون كل واحد منزلته التي يستحقها من غير غلو ولا تقصير.
طوائف المبتدعة الذين أشار إليهم المؤلف في هذه الأصول السابقة:
أشار المؤلف إلى طوائف من أهل البدع:
أولًا: الجهمية: وهم أتباع الجهم بن صفوان الذي أخذ التعطيل عن الجعد بن درهم وقتل في خراسان سنة ١٢٨ هـ. ومذهبهم في الصفات إنكار صفات الله وغلاتهم ينكرون حتى الأسماء ولذلك سموا بالمعطلة ومذهبهم في أفعال العباد أن العبد مجبور على عمله ليس له قدرة ولا اختيار ومن ثم سموا جبرية. ومذهبهم في الوعيد وأسماء الإيمان والدين أن فاعل الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ولا يدخل النار ولذلك سموا مرجئة.
ثانيًا: المعتزلة وهم أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري حين كان الحسن يقرر أن فاعل الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان فاعتزله واصل وجعل يقرر أن فاعل الكبيرة في منزلة بين منزلتين ومذهبهم في الصفات إنكار صفات الله كالجهمية ومذهبهم في أفعال العباد أن العبد مستقل بفعله ويفعل بإرادة وقدرة مستقلًا عن قضاء الله وقدره عكس الجهمية ولذلك سموا قدرية ومذهبهم في الوعيد أن فاعل الكبيرة مخلد في النار عكس الجهمية القائلين بأنه لا يدخل النار ولذلك سموا الوعيدية ومذهبهم في أسماء الإيمان والدين أن فاعل الكبيرة في منزلة بين منزلتين ليس مؤمنًا ولا كافرًا عكس الجهمية القائلين بأنه مؤمن كامل الإيمان ولذلك سموا أصحاب المنزلة بين منزلتين.
стр. 1242
ثالثًا: الخوارج: سموا بذلك لخروجهم على إمام المسلمين ويقال لهم: الحرورية نسبة إلى حروراء موضع بالعراق قرب الكوفة خرجوا فيه على علي بن أبي طالب كانوا من أشد الناس تدينًا في الظاهر حتى قال فيهم النبي ﷺ لأصحابه: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم إلى يوم القيامة» .
ومذهبهم في الوعيد أن فاعل الكبيرة مخلد في النار كافر يحل دمه وماله ومن ثم استباحوا الخروج على الأئمة إذا فسقوا.
رابعًا: الروافض: ويقال لهم: الشيعة الذين يغلون في آل بيت النبي ﷺ ويفضلون علي بن أبي طالب ﵁ على جميع الصحابة ومنهم من يفضله على النبي ﷺ ومنهم من يجعله ربا وسموا شيعة لتشيعهم لآل البيت وسموا روافض لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب حين سألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما وقال: هما وزيرا جدي يعني النبي ﷺ فانصرفوا عنه ورفضوه.
اليوم الآخر:
اليوم الآخر يوم القيامة ويدخل في الإيمان به كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه وغير ذلك والإيمان به واجب ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة.
فتنة القبر:
فتنة القبر سؤال الملكين الميت عن ربه ودينه ونبيه فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فيقول المؤمن: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد وأما
стр. 1243
المرتاب أو الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
والفتنة عامة لكل ميت إلا الشهيد ومن مات مرابطًا في سبيل الله وكذلك الرسل لا يُسألون لأنهم المسؤول عنهم.
واختلف في غير المكلف الصغير فقيل يسأل لعموم الأدلة وقيل:لا لعدم تكليفه. واسم الملكين منكر ونكير.
قول أهل السنة في نعيم القبر وعذابه:
قولهم فيه أنه حق ثابت لقوله تعالى: في آل فرعون ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ . وقوله في المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .
«ولقوله ﷺ في الكافر حين يُسأل في قبره: " فيجيب فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار. وقوله في المؤمن إذا سئل في قبره: فأجاب فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابًا من الجنة» .
والعذاب أو النعيم على الروح فقط وقد يتصل بالبدن أحيانًا والعذاب على الكافرين مستمر أما على المؤمنين فبحسب ذنوبهم والنعيم للمؤمنين خاصة والظاهر استمراره.
التوفيق بين ما ثبت من توسيع القبر للمؤمن وتضييقه على الكافر مع أنه لو فتح لوجد بحاله:
التوفيق من وجهين:
الأول: أن ما ثبت في الكتاب والسنة وجب تصديقة والإيمان به سواء أدركته عقولنا
стр. 1244
وحواسنا أم لا لأنه لا يعارض الشرع بالعقل لا سيما في الأمور التي لا مجال للعقل فيها.
الثاني: أن أحوال القبر من أمور الآخرة التي اقتضت حكمة الله أن يحجبها عن حواس الخلق وعقولهم امتحانًا لهم ولا يجوز أن تقاس بأحوال الدنيا لتباين ما بين الدنيا والآخرة.
القيامة:
القيامة صغرى كالموت فكل من مات فقد قامت قيامته وكبرى وهي المقصودة هنا وهي قيام الناس بعد البعث للحساب والجزاء وسميت بذلك لقيام الناس فيها وقيام العدل وقيام الأشهاد.
ودليل ثبوتها الكتاب والسنة والإجماع.
فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
ومن أدلة السنة قوله ﷺ : «إنكم تحشرون حفاة عراة غرلًا» .
وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون وجميع أهل الأديان السماوية على إثبات يوم القيامة فمن أنكره أو شك فيه فهو كافر.
وللقيامة علامات تسمى الأشراط كخروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وجعلت لها هذه الأشراط لأنها يوم عظيم وهام فكان لها تلك المقدمات.
حشر الناس:
يحشر الناس يوم القيامة حفاة غير منتعلين عراة غير مكتسين غرلًا غير
стр. 1245
مختونين لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . وقول النبي ﷺ : «إنكم تحشرون حفاة عراة غرلًا» .
الأشياء التي ذكر المؤلف أنها تكون يوم القيامة:
أولًا: دنو الشمس من الخلق بقدر ميل أو ميلين فيعرق الناس بقدر أعمالهم منهم من يصل عرقه إلى كعبيه ومنهم من يلجمه ومنهم من يكون بين ذلك ومن الناس من يَسْلَم من الشمس فيظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله مثل الشاب إذا نشأ في طاعة الله والرجل المعلق قلبه بالمساجد.
ثانيًا: الموازين جمع ميزان يضعها الله لتوزن فيها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ . والميزان حقيقي له كفتان خلافًا للمعتزلة القائلين بأنه العدل لا ميزان حقيقي.
وقد ذكر في القرآن مجموعًا وفي السنة مجموعًا ومفردًا فقيل: إنه ميزان واحد وجمع باعتبار الموزون وقيل:متعدد بحسب الأمم أو الأفراد وأفرد باعتبار الجنس.
ثالثًا: نشر الدواوين أي فتحها وتوزيعها وهي صحائف الأعمال التي كتبتها الملائكة على الإنسان قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ . فآخذ كتابه بيمينه وهو المؤمن وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾
стр. 1246
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ . وفي آية أخرى ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ . والجمع بين هذه والتي قبلها إما باختلاف الناس وإما بكون الذي يأخذها بشماله تخلع يده من وراء ظهره.
رابعًا: الحساب وهو محاسبة الخلائق على أعمالهم وكيفيته بالنسبة للمؤمن أن الله يخلو به فيقرره بذنوبه ثم يقول: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم وبالنسبة للكافر أنه يوقف على عمله ويقرر به ثم ينادى على رؤوس الأشهاد. ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ . وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء.
ومن الناس من يدخل الجنة بلا حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ومنهم عكّاشة بن محصن.
خامسًا: الحوض المورود للنبي ﷺ في عرصات القيامة أي مواقفها يرده المؤمنون من أمته ومن شرب منه لم يظمأ أبدًا طوله شهر وعرضه شهر وآنيته كنجوم السماء وماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك.
ولكل نبي حوض يرده المؤمنون من أمته لكن الحوض الأعظم حوض النبي ﷺ وقد أنكر المعتزلة وجود الحوض وقولهم مردود بما تواترت به الأحاديث من إثباته.
سادسًا: الصراط وهو الجسر المنصوب على جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم يمرون عليه على قدر
стр. 1247
أعمالهم كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب. ومنهم من يخطف فيلقى في النار فيعذب بقدر عمله فإذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض قصاصًا تزول به الأحقاد والبغضاء ليدخلوا الجنة إخوانًا متصافين.
سابعًا: الشفاعة: وهي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة ولا تكون إلا بإذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، وتنقسم إلى قسمين خاصة بالنبي ﷺ وعامة له ولغيره من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فالخاصة بالنبي ﷺ ذكر المؤلف منها نوعين:
الأول: الشفاعة العظمى حيث يشفع في أهل الموقف إلى الله ليقضي بينهم بعد أن تطلب الشفاعة من آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسى عليهم الصلاة والسلام فلا يشفعون حتى تنتهي إلى النبي ﷺ فيشفع فيقبل الله منه وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ .
الثاني: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها. وأما العامة فذكر المؤلف منها نوعين:
الأول: الشفاعة فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخلها.
الثاني: الشفاعة فيمن دخلها منهم أن يخرج منها وهذان النوعان ينكرهما المعتزلة والخوارج بناء على قولهم: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة.
ويخرج الله أقوامًا من النار بغير شفاعة بل بفضله ورحمته.
ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.
стр. 1248
الإيمان بالقضاء والقدر:
الإيمان بالقضاء والقدر واجب ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي ﷺ الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. ومعنى الإيمان بالقضاء والقدر أن تؤمن بأن كل ما في الكون من موجودات ومعدومات عامة وخاصة فإنه بمشيئة الله وخلقه وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
درجات الإيمان بالقضاء والقدر:
للإيمان بالقدر درجتان كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى تتضمن العلم والكتابة ودليلها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
فالعلم أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا.
والكتابة هي أن تؤمن بأن الله كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ بحسب علمه وهي أنواع.
النوع الأول: الكتابة في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ودليلها قوله ﷺ : «إن الله لما خلق القلم قال له: اكتب قال:رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» .
النوع الثاني: الكتابة العمرية وهي ما يكتبه الملك الموكل بالأرحام على الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر فيؤمر الملك بكتب رزقه وأجله
стр. 1249
وعمله وشقي أم سعيد ودليله حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين. وهذه الدرجة ينكرها غلاة القدرية قديمًا.
وأما الدرجة الثانية فتتضمن شيئين المشيئة والخلق ودليل المشيئة قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ . ودليل الخلق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
فأما المشيئة فهي أن تؤمن بمشيئة الله العامة وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن سواء في ذلك أفعاله أو أفعال الخلق كما قال تعالى: في أفعاله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ . وقال في أفعال خلقه ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ .
وأما الخلق فهو أن تؤمن أن الله خالق كل شيء سواء من فعله أو أفعال عباده.
دليل الخلق في فعله قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ .
ودليل الخلق في أفعال العباد قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
ووجه كونه خالقًا لأفعال العباد أن فعل العبد لا يصدر إلا عن إرادة وقدرة وخالق إرادة العبد وقدرته هو الله.
стр. 1250
مشيئة العبد وقدرته:
للعبد مشيئة وقدرة لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ . وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . فأثبت الله للعبد مشيئة واستطاعة وهي القدرة إلا أنهما تابعتان لمشيئة الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .
من ضل في هذه الدرجة وهي المشيئة والخلق:
ضل فيها طائفتان: الأولى: القدرية حيث زعموا أن العبد مستقل بإرادته وقدرته ليس لله في فعله مشيئة ولا خلق.
الثانية: الجبرية حيث زعموا أن العبد مجبور على فعله ليس له فيه إرادة ولا قدرة.
والرد على الطائفة الأولى القدرية بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ . وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ .
والرد على الطائفة الثانية الجبرية بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ . ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ . فأثبت للإنسان مشيئة وقدرة.
الاعتماد على القضاء السابق وترك العمل:
لا يجوز الاعتماد على القضاء السابق وترك العمل لأن «الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على الكتاب الأول وندع»
стр. 1251
«العمل، فقال رسول الله ﷺ : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» وتلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .
مجوس هذه الأمة:
مجوس هذه الأمة القدرية الذين يقولون: إن العبد مستقل بفعله.
سموا بذلك لأنهم يشبهون المجوس القائلين بأن للعالم خالقين النور يخلق الخير والظلمة تخلق الشر وكذلك القدرية قالوا: إن للحوداث خالقين فالحوادث التي من فعل العبد يخلقها العبد والتي من فعل الله يخلقها الله.
الجبرية يخرجون عن أحكام الله حِكَمَها ومصالحها فما وجه ذلك:
وجه ذلك أن الجبرية لا يفرقون بين فعل العبد اختيارًا وفعله بدون اختيار كلاهما عندهم مجبر عليه كما سبق وإذا كان كذلك صار ثوابه على الطاعة وعقابه على المعصية لا حكمة له إذ الفعل جاء بدون اختياره وما كان كذلك فإن صاحبه لا يمدح عليه فيستحق الثواب ولا يذم عليه فيستحق العقاب.
الإيمان:
الإيمان لغة التصديق، واصطلاحًا: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح فقول القلب تصديقه وإقراره وعمل القلب إرادته وتوكله ونحو ذلك من حركاته وقول اللسان نطقه وعمل الجوارح الفعل والترك.
стр. 1252
والدليل على أن الإيمان يشمل ذلك كله قول النبي ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته» .. إلخ. وهذا قول القلب. وقوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» .
فقول: لا إله إلا الله قول اللسان وإماطة الأذى عن الطريق عمل الجوارح والحياء عمل القلب.
زيادة الإيمان ونقصانه:
الإيمان يزيد وينقص لقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ . وقول النبي ﷺ في النساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» .
وسبب زيادته الطاعة وهي امتثال أمر الله واجتناب نهيه وسبب نقصه معصية الله بالخروج عن طاعته.
الكبيرة:
الكبيرة كل ذنب قرن بعقوبة خاصة كالزنى والسرقة وعقوق الوالدين والغش ومحبة السوء للمسلمين وغير ذلك وحكم فاعلها من حيث الاسم أنه مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته وليس خارجًا من الإيمان لقوله تعالى: في القاتل عمدًا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . فجعل الله المقتول أخًا للقاتل ولو كان خارجًا من الإيمان ما كان المقتول أخًا له ولقوله تعالى في الطائفتين المقتتلتين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ . إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾
стр. 1253
فجعل الله الطائفتين المقتتلتين مع فعلهما الكبيرة إخوة للطائفة الثالثة المصلحة بينهما.
وحكم فاعل الكبيرة من حيث الجزاء أنه مستحق للجزاء المرتب عليها ولا يخلد في النار وأمره إلى الله إن شاء عذبه بما يستحق وإن شاء غفر له لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
الذي خالف أهل السنة في فاعل الكبيرة:
خالفهم في ذلك ثلاث طوائف:
١ - المرجئة: قالوا: إن فاعل الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ولا عقاب عليه.
٢ - الخوارج: قالوا:إنه كافر مخلد في النار.
٣ - المعتزلة: قالوا:لا مؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين وهو مخلد في النار.
هل الفاسق يدخل في اسم الإيمان.
الفاسق لا يدخل في اسم الإيمان المطلق أي الكامل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . وإنما يدخل في مطلق الإيمان أي في أقل ما يقع عليه الاسم كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ . فالمؤمن هنا يشمل الفاسق وغيره.
الصحابي وموقف أهل السنة من الصحابة:
الصحابي من اجتمع بالنبي ﷺ أو رآه ولو لحظة مؤمنًا به ومات على
стр. 1254
ذلك وموقف أهل السنة من الصحابة محبتهم والثناء عليهم بما يستحقون وسلامة قلوبهم من البغضاء والحقد عليهم وسلامة ألسنتهم من قول ما فيه نقص أو شتم للصحابة كما وصفهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وقال النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .
اختلاف مراتب الصحابة ﵃:
تختلف مراتب الصحابة لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ .
وسبب اختلاف مراتبهم قوة الإيمان والعلم والعمل الصالح والسبق إلى الإسلام وأفضلهم جنسًا المهاجرون ثم الأنصار لأن الله قدم المهاجرين عليهم فقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ .
ولأنهم جمعوا بين الهجرة من ديارهم وأموالهم والنصرة.
وأفضل الصحابة عينًا أبو بكر ثم عمر بالإجماع ثم عثمان ثم علي على رأي جمهور أهل السنة الذي استقر عليه أمرهم بعدما وقع الخلاف في المفاضلة بين علي وعثمان فقدم قوم عثمان وسكتوا وقدم قوم عليا ثم عثمان وتوقف قوم في التفضيل.
стр. 1255
ولا يضلل من قال بأن عليا أفضل من عثمان لأنه قد قال به البعض من أهل السنة.
الخلفاء الأربعة:
الخلفاء الأربعة هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وترتيبهم في الخلافة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
ويضلل من خالف في خلافة واحد منهم أو خالف في ترتيبهم لأنه مخالف لإجماع الصحابة وإجماع أهل السنة.
وثبتت خلافة أبي بكر بإشارة من النبي ﷺ إليها حيث قدمه في الصلاة وفي إمارة الحج وبكونه أفضل الصحابة فكان أحقهم بالخلافة.
وثبتت خلافة عمر بعهد أبي بكر إليه بها وبكونه أفضل الصحابة بعد أبي بكر وثبتت خلافة عثمان باتفاق أهل الشورى عليه.
وثبتت خلافة علي بمبايعة أهل الحَل والعقد له وبكونه أفضل الصحابة بعد عثمان.
أهل بدر:
أهل بدر هم الذين قاتلوا في غزوة بدر من المسلمين وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا والفضيلة التي حصلت لهم أن الله اطلع عليهم وقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ومعناه أن ما يحصل منهم من المعاصي يغفره الله بسبب الحسنة الكبيرة التي نالوها في غزوة بدر ويتضمن هذا بشارة بأنه لن يرتد أحد منهم عن الإسلام.
أهل بيعة الرضوان:
أهل بيعة الرضوان هم الذين بايعوا النبي ﷺ عام الحديبية على قتال قريش وألا يفروا حتى الموت وسببها ما أشيع من أن عثمان قتلته قريش
стр. 1256
حين أرسله النبي ﷺ إليهم للمفاوضة. وسميت بيعة الرضوان لأن الله رضي عنهم بها وعددهم نحو ألف وأربعمائة، والفضيلة التي حصلت لهم هي:
١ - رضى الله عنهم لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ .
٢- سلامتهم من دخول النار لأن النبي ﷺ أخبر أنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة.
آل بيت النبي ﷺ :
آل بيت النبي ﷺ زوجاته وكل من تحرم عليه الزكاة من أقاربه المؤمنين كآل علي وجعفر والعباس ونحوهم والواجب نحوهم المحبة والتوقير والاحترام لإيمانهم بالله ولقرابتهم من النبي ﷺ ولتنفيذ الوصية التي عهد بها رسول الله ﷺ حيث قال: " «أذكركم الله في أهل بيتي» ولأن ذلك من كمال الإيمان لقوله ﷺ : «والله لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» .
والذين ضلوا في أهل البيت طائفتان:
الأولى: الروافض حيث غلوا فيهم وأنزلوهم فوق منزلتهم حتى ادعى بعضهم أن عليا إله.
الثانية: النواصب وهم الخوارج الذين نصبوا العداوة لآل البيت وآذوهم بالقول وبالفعل.
زوجات النبي ﷺ :
زوجات النبي ﷺ أفضل نساء الأمة لمكانتهن عند رسول
стр. 1257
الله ﷺ ولأنهن أمهات المؤمنين ولأنهن زوجات النبي ﷺ في الآخرة ولطهارتهن من الرجس ولذلك يكفر من قذف واحدة منهن لأن ذلك يستلزم نقص النبي ﷺ وتدنيس فراشه وأفضلهن خديجة وعائشة وكل واحدة منهما أفضل من الأخرى من وجه، فمزية خديجة أنها أول من آمن بالرسول ﷺ وأنها عاضدته على أمره في أول رسالته وأنها أم أكثر أولاده بل كلهم إلا إبراهيم وأن لها منزلة عالية عنده فكان يذكرها دائمًا ولم يتزوج عليها حتى ماتت.
ومزية عائشة: حسن عشرتها مع النبي ﷺ في آخر أمره وأن الله برأها في كتابه مما رماها به أهل الإفك وأنزل فيها آيات تتلى إلى يوم القيامة وأنها حفظت من هدي النبي ﷺ وسنته ما لم تحفظه امرأة سواها وأنها نشرت العلم الكثير بين الأمة وأن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا سواها فكانت تربيتها الزوجية على يده وأن النبي ﷺ قال فيها: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» .
موقف أهل السنة في الخلاف والفتن التي حصلت بين الصحابة ﵃:
موقفهم في ذلك أن ما جرى بينهم فإنه باجتهاد من الطرفين وليس عن سوء قصد والمجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد وليس ما جرى بينهم صادرًا عن إرادة علو ولا فساد في الأرض لأن حال الصحابة ﵃ تأبى ذلك فإنهم أوفر الناس عقولًا وأقواهم إيمانًا وأشدهم طلبًا للحق كما قال النبي ﷺ : «خير الناس قرني» وعلى هذا فطريق السلامة أن نسكت عن الخوض فيما جرى بينهم ونرد أمرهم إلى الله لأن ذلك أسلم من وقوع عداوة أو حقد على أحدهم.
стр. 1258
موقف أهل السنة من الآثار الواردة في الصحابة:
موقفهم من الآثار الواردة في مساوئ بعضهم على قسمين:
الأول صحيح: لكنهم معذورون فيه لأنه واقع عن اجتهاد والمجتهد إذا أخطأ له أجر وإن أصاب فله أجران.
الثاني غير صحيح: إما لكونه كذبًا من أصله وإما لكونه زيد فيه أو نقص أو غير عن وجهه وهذا القسم لا يقدح فيهم لأنه مردود.
عصمة الصحابة ﵃:
الصحابة ليسوا معصومين من الذنوب فإنهم يمكن أن تقع منهم المعصية كما تقع من غيرهم لكنهم أقرب الناس إلى المغفرة للأسباب الآتية:
١ - تحقيق الإيمان والعمل الصالح.
٢ - السبق إلى الإسلام والفضيلة وقد ثبت عن النبي ﷺ أنهم خير القرون.
٣ - الأعمال الجليلة التي لم تحصل لغيرهم كغزوة بدر وبيعة الرضوان.
٤ - التوبة من الذنب فإن التوبة تجب ما قبلها.
٥ - الحسنات التي تمحو السيئات.
٦ - البلاء وهي المكاره التي تصيب الإنسان فإن البلاء يكفر الذنوب.
٧ - دعاء المؤمنين لهم.
٨ - شفاعة النبي ﷺ التي هم أحق الناس بها.
وعلي هذا فالذي ينكَر من فعل بعضهم قليل منغمر في محاسنهم لأنهم خير الخلق بعد الأنبياء وصفوة هذه الأمة التي هي خير الأمم ما كان ولا يكون مثلهم.
стр. 1259
الشهادة بالجنة أو النار:
الشهادة بالجنة على نوعين: عامة وخاصة.
فالعامة: أن نشهد لعموم المؤمنين بالجنة دون شخص بعينه ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ .
والخاصة أن نشهد لشخص معين بالجنة وهذا يتوقف على دليل من الكتاب والسنة فمن شهد له النبي ﷺ شهدنا له مثل: العشرة وثابت بن قيس بن شماس وعكاشة بن محصن وغيرهم من الصحابة.
وكذلك الشهادة بالنار على نوعين: عامة وخاصة.
فالعامة أن نشهد على عموم الكفار بأنهم في النار ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ .
والخاصة أن نشهد لشخص معين بالنار وهذا يتوقف على دليل من الكتاب والسنة مثل أبي لهب وامرأته ومثل أبي طالب وعمرو بن لحي الخزاعي.
قول أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء:
قول أهل السنة في كرامات الأولياء أنها ثابتة واقعة ودليلهم في ذلك ما ذكره الله في القرآن عن أصحاب الكهف وغيرهم وما يشاهده الناس في كل زمان ومكان.
وخالف فيها المعتزلة محتجين بأن إثباتها يوجب اشتباه الولي بالنبي والساحر بالولي والرد عليهم بأمرين:
стр. 1260
١ - أن الكرامة ثابتة بالشرع والمشاهدة فإنكارها مكابرة.
٢ -أن ما ادعوه من اشتباه الولي بالنبي غير صحيح لأنه لا نبي بعد محمد ﷺ ولأن النبي يقول إنه نبي فيؤيده الله بالمعجزة والولي لا يقول: إنه نبي.
وكذلك ما ادعوه من اشتباه الساحر بالولي غير صحيح لأن الولي مؤمن تقي تأتيه الكرامة من الله بدون عمل لها ولا يمكن معارضتها وأما الساحر فكافر منحرف يحصل له أثر سحره بما يتعاطاه من أسبابه ويمكن أن يعارض بسحر آخر.
الولي ومعنى الكرامة:
الولي: كل مؤمن تقي أي قائم بطاعة الله على الوجه المطلوب شرعًا.
والكرامة أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد ولي من أوليائه تكريمًا له أو نصرة لدين الله.
وفوائدها:
١ -بيان قدرة الله.
٢ - نصرة الدين أو تكريم الولي.
٣ - زيادة الإيمان والتثبيت للولي الذي ظهرت على يده وغيره.
٤ - أنها من البشرى لذلك الولي.
٥ - أنها معجزة للرسول الذي تمسك الولي بدينه لأنها كالشهادة للولي بأنه على حق.
والفرق بينها وبين المعجزة أنها تحصل للولي والمعجزة للنبي والكرامة نوعان:
١ - في العلوم والمكاشفات: بأن يحصل للولي من العلم ما لا يحصل لغيره أو يكشف له من الأمور الغائبة عنه ما لا يكشف لغيره كما حصل لعمر بن الخطاب ﵁ حين كشف له وهو يخطب في المدينة عن إحدى
стр. 1261
السرايا المحصورة في العراق فقال لقائدها واسمه سارية بن زنيم: الجبل يا سارية فسمعه القائد فاعتصم بالجبل.
٢ - في القدرة والتأثيرات: بأن يحصل للولي من القدرة والتأثيرات ما لا يحصل لغيره كما وقع للعلاء بن الحضرمي حين عبر البحر يمشي على متن الماء.
طريقة أهل السنة والجماعة في سيرتهم وعملهم:
طريقتهم في ذلك:
أولًا: اتباع آثار النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا وآثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار امتثالًا لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» .. " الحديث. والخلفاء الراشدون هم الذين خلفوا النبي ﷺ في أمته في العلم والإيمان والدعوة إلى الحق وأولى الناس بهذا الوصف الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.
ثانيًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة والمعروف ما عرف حسنه شرعًا والمنكر ما عرف قبحه شرعًا فما به أَمَر الشارع فهو معروف وما نهى عنه فهو منكر.
وللأمر بالمعروف شروط:
(ا) أن يكون المتولي لذلك عالمًا بالمعروف وبالمنكر.
(ب) أن لا يخاف ضررًا على نفسه.
(ج) أن لا يترتب على ذلك مفسدة أكبر.
ثالثًا: النصح لولاة الأمور وإقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد معهم أبرارًا كانوا أو فجارًا والتزام السمع والطاعة لهم ما لم يأمروا بمعصية الله.
رابعًا: النصح لجميع الأمة وبث المحبة والألفة والتعاون بين المسلمين مطبقين في ذلك قول النبي ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدٌّ بعضه»
стр. 1262
«بعضًا» . وقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» .
خامسًا: الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال كالصدق والبر والإحسان إلى الخلق والشكر عند النعم والصبر على البلاء وحسن الجوار والصحبة وغير ذلك من الأخلاق المحمودة شرعًا وعرفًا.
سادسًا: النهي عن مساوئ الأخلاق: كالكذب والعقوق والإساءة إلى الخلق والتسخط من القضاء والكفر بالنعمة والإساءة إلى الجيران والأصحاب وغير ذلك من الأخلاق المذمومة شرعًا أو عرفًا.
الأمور التي يزن بها أهل السنة والجماعة ما كان عليه الناس من العقائد والأعمال والأخلاق:
الأمور التي يزن بها ذلك هي الكتاب والسنة والإجماع. فالكتاب هو القرآن،والسنة قول النبي ﷺ وفعله وإقراره، والإجماع هو اتفاق العلماء المجتهدين من هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي.
والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة.
ولم يذكر المؤلف القياس لأن مرده إلى هذه الأصول الثلاثة.
الصديقون والشهداء والصالحون والأبدال:
الصديقون هم الصادقون باعتقادهم وقولهم وعملهم والمصدقون بالحق.
والشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله وقيل: العلماء.
والصالحون هم الذين صلحت قلوبهم وجوارحهم بما قاموا به من الأعمال الصالحة.
стр. 1263
والأبدال هم الذين يخلف بعضهم بعضًا في نصر الدين والدفاع عنه كلما ذهب منهم واحد خلفه آخر بدله.
وكل هؤلاء الأصناف الأربعة موجودون في أهل السنة والجماعة.
الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة وما المراد بقيامها؟:
الطائفة المنصورة هم أهل السنة والجماعة الذين قال فيهم النبي ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله" وفي رواية "حتى تقوم الساعة".
والمراد بقيام الساعة قرب قيامها بالفعل وإنما أولناه بذلك لأجل أن يصح الجمع بينه وبين حديث " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ".
وأهل السنة والجماعة هم خيار الخلق بعد الأنبياء فلا يمكن أن تدركهم الساعة.
فنسأل الله أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم بحمد الله - تعالى - المجلد الرابع
ويليه بمشيئة الله المجلد الخامس
стр. 1264
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد
стр. 1265
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فهذا تعليق مختصر على كتاب (لمعة الاعتقاد) الذي ألفه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المولود في شعبان سنة ٥٤١ هـ بقرية من أعمال نابلس، المتوفى يوم عيد الفطر سنة ٦٢٠هـ بدمشق رحمه الله تعالى.
وهذا الكتاب جمع فيه مؤلفه زبدة العقيدة، ونظرا لأهمية الكتاب موضوعا، ومنهجا، وعدم وجود شرح له فقد عقدت العزم - مستعينا بالله مستلهما منه الصواب في القصد والعمل - على أن أضع عليه كلمات يسيرة تكشف غوامضه، وتبين موارده، وتبرز فوائده.
والله أرجو أن لا يكلني إلى نفسي طرفة عين، وأن يمدني بروح من عنده، وتوفيق، وأن يجعل عملي مباركا ونافعا إنه جواد كريم.
وقبل الدخول في صميم الكتاب أحب أن أقدم قواعد مهمة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
القاعدة الأولى:
" في الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته ": الواجب في نصوص الكتاب والسنة إبقاء دلالتها على ظاهرها من
следующие страницы →