← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

أسماء الله وصفاته، وموقف أهل السنة منها ولعل الكثير منكم يقول: لماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟ ألسنا كلنا، وبالأخص أهل هذه الجزيرة، ألسنا كلنا نؤمن بأسماء الله وصفاته على ما يليق به، ولا نتعرض لها بتحريف ولا تعطيل؟ أليست العجوز منا والشيخ والصغير والذكر والأنثى، كل على حدٍ سواء لا يجول في أفكارهم شيء من التحريف أو الانحراف في أسماء الله وصفاته؟ فلماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟ وإن جوابي على هذا أن أقول: إنني اخترت هذا الموضوع لأمرين هامين: أحدهما: أهمية هذا الموضوع، فإن هذا الموضوع ليس كما يظن بعض الناس، ولا أعني ببعض الناس عامتهم، بل حتى بعض طلبة العلم يظنون أن البحث في هذا الباب -في باب أسماء الله وصفاته- ليس بذي قيمة تذكر، والحقيقة أن هذا الفكر فكر خاطئ؛ لأن معرفة الله تعالى بأسمائه وتوحيده بذلك وصفاته هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة: فقد قسم أهل العلم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: أحدها: توحيد الربوبية. والثاني: توحيد الألوهية. والثالث: توحيد الأسماء والصفات. إذن فهو عنصر هام في باب التوحيد يجب علينا أن نعرفه، كما أنه أيضا - أعني معرفة الأسماء والصفات - هو أحد أركان الإيمان بالله، فإن الإيمان بالله لا يتم إلا بأربعة أمور: أحدها: الإيمان بوجوده تعالى.

стр. 1402

والثاني: الإيمان بربوبيته، وعموم ملكه، وقوة سلطانه. والثالث: الإيمان بألوهيته، وأنه وحده المستحق للعبادة، وأن ما سواه فعبادته باطلة. أما الأمر الرابع من أركان الإيمان بالله التي لا يمكن أن يتم الإيمان بالله إلا بها - وهو موضوع محاضرتنا هذه - فهو الإيمان بأسماء الله وصفاته. إنني لا أتصور أن أحدا يمكن أن يعبد ربا لا يعرف أسماءه وصفاته، وكيف يكون ذلك وهو يمد يديه له: يا رب، يا رب؟ إذا كان لا يعلم أن له صفات وأسماء يدعى بها فكيف يتخذه إلها قادرا، ملجأ ومعاذا ونصيرا؟ ولهذا قال إبراهيم الخليل لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ . فمعرفة أسماء الله وصفاته أمر مهم في دين الله، ولا بد أن يعرفه الإنسان ويحققه. أما السبب الثاني لاختياري هذا الموضوع: فهو كثرة الكلام فيه بالباطل في الآونة الأخيرة، كنا في وقت الطلب نقرؤه على أنه أمر بعيد عنا زمنا ومكانا، ولكننا وجدناه الآن فيما بيننا في الصحف المقروءة، وكذلك في الكتب المقررة في بعض جهات التعليم. إذن لا بد أن نعرف موقف أهل السنة والجماعة بالنسبة لأسماء الله وصفاته؛ حتى نكون يقظين حذرين، وعالمين بما نحكم به فيما ينشر أو فيما يقرر. فالكلام في أسماء الله وصفاته في الآونة الأخيرة كثر اللغط فيه، وكثر القول فيه بالحق تارة، وبالباطل تارات، ولهذا لا بد أن نحقق هذا الأمر تحقيقا بالغا حتى لا تجرف بنا الأهواء أو الأفكار التي على خطأ، وليست على صواب في هذا الأمر، وإنني ألخص الكلام في العناصر التالية:

стр. 1403

العنصر الأول: في موقف أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات. العنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات. العنصر الثالث: في العدول عن هذا الموقف. العنصر الرابع: في أن التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله. العنصر الخامس: في أن بعض أهل التحريف والتعطيل اعتدوا على أهل السنة فرموهم بالتشبيه والتمثيل والتجسيم. العنصر السادس: في أن أهل التحريف والتعطيل ادعوا على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموا أهل السنة بالتأويل في بقية النصوص أو بالمداهنة، وفي إبطال هذه الدعوى.

стр. 1404

العنصر الأول: موقف أهل السنة في أسماء الله ﵎ أسماء الله تعالى كل ما سمى به نفسه في كتابه، أو سماه به أعلم الخلق به رسوله محمد ﷺ ، وموقف أهل السنة من هذه الأسماء أنهم يؤمنون بها على أنها أسماء لله تسمى بها الله ، وأنها أسماء حسنى ليس فيها نقص بوجه من الوجوه كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . فهم يثبتون الأسماء على أنها أسماء لله، ويثبتون أيضا ما تضمنته هذه الأسماء من الصفات، فمثلا من أسماء الله " العليم " فيثبتون العليم اسما لله ، ويقولون: يا عليم، فيثبتون أنه يسمى بالعليم، ويثبتون بأن العلم صفة له دل عليها اسم العليم، فالعليم اسم مشتق من العلم، وكل اسم مشتق من معنى فلا بد أن يتضمن ذلك المعنى الذي اشتق منه، وهذا أمر معلوم في العربية واللغات جميعا. ويثبتون كذلك ما دل عليه الاسم من الأثر إن كان الاسم مشتقا من مصدر متعدٍّ، فمثلا " الرحيم " من أسماء الله، يؤمنون بالرحيم على أنه اسم من أسمائه، ويؤمنون بما تضمنه من صفة الرحمة، وأن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله دل عليها اسم الرحيم، وليست إرادة الإحسان ولا الإحسان نفسه، وإنما إرادة الإحسان والإحسان نفسه من آثار هذه الرحمة، كذلك يؤمنون بأثر هذه الرحمة، والأثر أنه يرحم بهذه الرحمة من يستحقها كما قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ . هذه قاعدة أهل السنة والجماعة بالنسبة للأسماء: يؤمنون بأنها أسماء

стр. 1405

تسمى الله بها فيدعون الله بها. ثانيا: يؤمنون بما تضمنه الاسم من الصفة؛ لأن جميع أسماء الله مشتقة، والمشتق كما هو معروف يكون دالا على المعنى الذي اشتق منه. ثالثا: يؤمنون بما تضمنه الاسم من الأثر إذا كان الاسم متعديا كالعليم والرحيم والسميع والبصير. أما إذا كان الاسم مشتقا من مصدر لازم فإنه لا يتعدى مسماه مثل الحياة، فالله تعالى من أسمائه " الحي "، و" الحي " دل على صفة الحياة، والحياة وصف للحي نفسه لا يتعدى إلى غيره، ومثل " العظيم " فهذا الاسم والعظمة هي الوصف، والعظمة وصف للعظيم نفسه لا تتعدى إلى غيره، فعلى هذا تكون الأسماء على قسمين: متعدٍّ ولازم، والمتعدي لا يتم الإيمان به إلا بالأمور الثلاثة: الإيمان بالاسم، ثم بالصفة، ثم بالأثر. وأما اللازم فإنه لا يتم الإيمان به إلا بإثبات أمرين: أحدهما: الاسم. والثاني: الصفة. أما موقف أهل السنة والجماعة في الصفات فهو إثبات كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله محمد ﷺ ، لكن إثباتا بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، سواء كانت هذه الصفة من الصفات الذاتية أم من الصفات الفعلية. فإذا قال قائل: فرقوا لنا بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية. قلنا: الصفات الذاتية هي التي تكون ملازمة لذات الخالق، أي أنه متصف بها أزلا وأبدا. والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فيفعلها الله تبعا لحكمته .

стр. 1406

مثال الأول: صفة الحياة صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال حيا، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ ، وفسرها النبي ﷺ بقوله: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ . كذلك السمع والبصر والقدرة، كل هذه من الصفات الذاتية، ولا حاجة إلى التعداد لأننا عرفناها بالضابط: "كل صفة لم يزل الله ولا يزال متصفا بها فإنها من الصفات الذاتية" لملازمتها للذات، وكل صفة تتعلق بمشيئته يفعلها الله حيث اقتضتها حكمته فإنها من الصفات الفعلية مثل: استوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، فاستواء الله على العرش من الصفات الفعلية لأنه متعلق بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . فجعل الفعل معطوفا على ما قبله بـ "ثم" الدالة على الترتيب، ثم النزول إلى السماء الدنيا وصفه به أعلم الخلق به رسول الله ﷺ ، حيث قال فيما ثبت عنه ثبوتا متواترا قال: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ، وهذا النزول من الصفات الفعلية لأنه متعلق بمشيئة الله تعالى، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولكنهم في هذا الإيمان يتحاشون التمثيل أو التكييف، أي أنهم لا يمكن أن يقع في نفوسهم أن نزوله كنزول المخلوقين، أو استواءه على العرش كاستوائهم، أو إتيانه للفصل بين عباده كإتيانهم؛ لأنهم يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ويعلمون بمقتضى العقل ما بين الخالق والمخلوق من

стр. 1407

التباين العظيم في الذات والصفات والأفعال، ولا يمكن أن يقع في نفوسهم كيف ينزل؟ أو كيف استوى على العرش؟ أو كيف يأتي للفصل بين عباده يوم القيامة؟ أي أنهم لا يكيفون صفاته مع إيمانهم بأن لها كيفية لكنها غير معلومة لنا، وحينئذ لا يمكن أبدا أن يتصوروا الكيفية، ولا يمكن أن ينطقوا بها بألسنتهم أو يعتقدوها في قلوبهم. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ .، ويقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . ولأن الله أجل وأعظم من أن تحيط به الأفكار قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ . وأنت متى تخيلت أي كيفية فعلى أي صورة تتخيلها؟ ! إن حاولت ذلك فإنك في الحقيقة ضال، ولا يمكن أن تصل إلى حقيقة؛ لأن هذا أمر لا يمكن الإحاطة به، وليس من شأن العبد أن يتكلم فيه أو أن يسأل عنه، ولهذا قال الإمام مالك ﵀ فيما اشتهر عنه بين أهل العلم حين سأله رجل فقال: يا أبا عبد الله "الرحمن على العرش استوى" كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء -يعني العرق وصار ينزف عرقا- لأنه سؤال عظيم، ثم قال تلك الكلمة المشهورة: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وروي عنه أنه قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

стр. 1408

فإذن نحن نعلم معاني صفات الله، ولكننا لا نعلم الكيفية، ولا يحل لنا أن نسأل عن الكيفية، ولا يحل لنا أن نكيف، كما أنه لا يحل لنا أن نمثل أو نشبه؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . فمن أثبت لله مثيلا في صفاته فقد كذب القرآن، وظن بربه ظن السوء، وقد تنقص ربه حيث شبهه وهو الكامل من كل وجه بالناقص، وقد قيل: ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا وأنا أقول هذا على سبيل التوضيح للمعنى، وإلا ففرق عظيم بين الخالق والمخلوق، فرق لا يوجد مثله بين المخلوقات بعضها مع بعض. المهم أيها الإخوة أنه يجب علينا أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ ، سواء كانت تلك الصفة ذاتية أم فعلية، ولكن بدون تكييف، وبدون تمثيل. التكييف ممتنع؛ لأنه قول على الله بغير علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ . والتمثيل ممتنع؛ لأنه تكذيب لله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وقول بما لا يليق بالله تعالى من تشبيهه بالمخلوقين.

стр. 1409

العنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات: المعترك بين أهل السنة وأهل البدعة في هذه النصوص معترك يتبين به الفرق الشاسع بين أهل السنة وأهل البدعة، فأهل السنة يثبتون النصوص على حقيقتها وظاهرها اللائق بالله من غير تحريف ولا تعطيل، هذه الطريق التي مشى عليها أهل السنة والجماعة. واخترنا كلمة "تحريف" على كلمة "تأويل" لأن التحريف معناه باطل بكل حال، ذم الله تعالى من سلكه في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ . أما التأويل ففيه ما هو صحيح مقبول، وفيه ما هو فاسد مردود، والفاسد المردود هو بمعنى التحريف، ولهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية وهي خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة اختار التحريف بدل التأويل، وإن كان يوجد في كثير من كتب العقائد التعبير بـ (التأويل) . لكنهم يريدون بالتأويل ما هو بمعنى التحريف أي التأويل الذي لا دليل عليه، بل الدليل نقيضه، وهذا في الحقيقة تحريف. فأهل السنة والجماعة يقولون: نحن نؤمن بهذه الآيات والأحاديث ولا نحرفها؛ لأن تحريفها قول على الله بغير علم من وجهين، يتبين ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ . قال أهل السنة والجماعة: جاء ربك أي هو نفسه يجيء ، لكنه مجيء يليق بجلاله وعظمته لا يشبه مجيء المخلوقين، ولا يمكن أن نكيفه، وعلينا أن نضيف الفعل إلى الله كما أضافه الله إلى نفسه.

стр. 1410

فنقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة مجيئا حقيقيا يجيء هو نفسه، وقال أهل التحريف: معناه وجاء أمر ربك. وهذا جناية على النص من وجهين: الوجه الأول: نفي ظاهره، فأين لهم العلم من أن الله تعالى لم يرد ظاهره؟ هل عندهم علم من أن الله لم يرد ظاهر ما أضافه لنفسه؟ ! والله تعالى يقول عن القرآن: إنه نزل بلسان عربي مبين، فعلينا أن نأخذ بدلالة هذا اللفظ حسب مقتضى هذا اللسان العربي المبين، فمن أين لنا أن يكون الله تعالى لم يرد ظاهر اللفظ؟ ! فالقول بنفي ظاهر النص قول على الله بغير علم. الوجه الثاني: إثبات معنى لم يدل عليه ظاهر اللفظ، فهل عنده علم أن الله تعالى أراد المعنى الذي صرف ظاهر اللفظ إليه؟ ! هل عنده علم أن الله أراد مجيء أمره؟ ! قد يكون المراد جاء شيء آخر ينسب إلى الله غير الأمر. فإذن كل محرف أي كل من صرف الكلام عن ظاهره بدون دليل من الشرع فإنه قائل على الله بغير علم من وجهين: الأول: نفيه ظاهر الكلام. الثاني: إثباته خلاف ذلك الظاهر. لهذا كان أهل السنة والجماعة يتبرءون من التحريف، ويرون أنه جناية على النصوص، وأنه لا يمكن أن يخاطبنا الله تعالى بشيء ويريد خلاف ظاهره بدون أن يبين لنا، وقد أنزل الله الكتاب تبيانا لكل شيء، والنبي ﷺ بين للناس ما أنزل إليهم من ربهم بإذن ربهم. أما التمثيل فمن الواضح أن القول به تكذيب للقرآن؛ لأن الله

стр. 1411

تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، ولهذا كان عقيدة أهل السنة والجماعة، بل طريقة أهل السنة والجماعة في نصوص الصفات من الآيات والأحاديث، هو إثباتها على حقيقتها وظاهرها اللائق بالله بدون تحريف وبدون تعطيل، وقد حكى إجماع أهل السنة على ذلك ابن عبد البر في كتابه (التمهيد) ، ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكذلك نقل عن القاضي ابن يعلى أنه قال: "أجمع أهل السنة على تحريم التشاغل بتأويل آيات النصوص وأحاديثها، وأن الواجب إبقاؤها على ظاهرها".

стр. 1412

العنصر الثالث: " العدول عن هذا الموقف تطرف دائر بين الإفراط والتفريط " العدول عن هذا الموقف -أعني موقف أهل السنة والجماعة- تطرف إما إفراط، وإما تفريط؛ لأن الناس انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط، طرف غلا في التنزيه حتى نفى ما أثبته الله لنفسه، وطرف آخر غلا في الإثبات حتى أثبت ما نفاه الله عن نفسه. فإن من أهل البدع من أثبت النصوص على ظاهرها، ولكنه جعل هذا الظاهر من جنس صفات المخلوقين والعياذ بالله، فأثبت النقص لربه بإلحاقه بالمخلوق الناقص، وأخطأ في ظنه أن ظاهرها التمثيل. أثبت أن لله تعالى سمعا، وأن لله تعالى وجها، وأن لله تعالى عينا، وأن له يدا، لكنه جعل ذلك كله من جنس صفات المخلوقين، غلا في الإثبات حتى بلغ به إلى التمثيل، وقد قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ولا شك أنه كافر، وأن الله لم يرد بهذه النصوص هذا الظاهر الذي ادعاه هذا الممثل. وقد يقول القائل: أين دليلك على أن الله ما أراده؟ فأقول: الدليل عندي نقلي، وعقلي: أما النقلي فآيات متعددة تنفي المماثلة عن الله، وأصرحها وأبينها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . وأما الدليل العقلي: فإنه لا يمكن أبدا أن يكون الخالق مماثلا للمخلوق في أي صفة من صفاته لظهور الفرق العظيم بينهما في الذات والصفات والأفعال.

стр. 1413

ومن أهل البدع من حرف النصوص عن ظاهرها، ونفى مدلولها اللائق بالله، وهؤلاء المحرفون انقسموا إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسم غلا في ذلك غلوا عظيما حتى نفى النقيضين في حق الله، فقال: لا تقل: إن الله موجود، ولا تقل: غير موجود، إن قلت: موجود شبهته بالموجودات، وإن قلت: غير موجود شبهته بالمعدومات، ولا ريب أن هذا تنكره العقول كلها؛ لأن رفع أحد النقيضين أمر مستحيل، والتقابل بين الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما. القسم الثاني: من قال: نثبت السلب ولا نثبت الإيجاب، فلا نصف الله بصفات ثبوتية، ولكن نصفه بالأسلوب والإضافات، ونثبت الأسماء مجردة عن المعاني، وهذا ما عليه عامة الجهمية والمعتزلة. القسم الثالث: من يقول: نثبت بعض الصفات لدلالة العقل عليها، وننكر بعض الصفات لأن العقل لا يثبتها، وبعضهم يقول: لأن العقل ينكرها. وكل هذه الأقسام الثلاثة -وإن كانت تختلف من حيث البعد عن الحق- كلها على غير صواب فهي متطرفة، فالقول الوسط ما عليه أهل السنة والجماعة: أن نثبت لله ما أثبته لنفسه من الصفات، ولكنه إثبات مجرد عن التكييف، وعن التمثيل، وبذلك نكون عملنا بالنصوص الشرعية من الجانبين، ولم ننظر بعين أعور، وبذلك نكون قد تأدبنا مع الله ورسوله، فلم نقدم بين يدي الله ورسوله، وإنما التزمنا غاية الأدب، سمعنا وآمنا وأطعنا، ما أثبته الله لنفسه أثبتناه، وما أثبته له رسوله أثبتناه، وما نفاه الله عن نفسه نفيناه، وما نفاه عنه رسوله نفيناه، وما سكت عنه سكتنا عنه.

стр. 1414

العنصر الرابع: التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله ذكرنا أن من الناس من تطرف في التنزيه حتى أنكر الصفات، أو أنكر بعضها، أو أنكر الإيجابية منها، أو أنكر الإيجابي والسلبي، فأقول: إن التطرف في التنزيه في كل أقسامه يؤدي إلى إبطال الدين كله. مثال ذلك: إذا كان المنزه يثبت بعض الصفات وينكر بعضها قلنا له: لماذا تثبت؟ ولماذا تنكر؟ قال: أثبت هذه الصفات لأن العقل دل عليها، وأنكر هذه الصفات لأن العقل لم يدل عليها، أو دل على نفيها. فيقول له القوم الآخرون: نحن ننكر جميع الصفات لأن العقل لا يدل عليها، أو لأن العقل دل على نفيها، فلا يستطيع الأول أن يرد على هؤلاء؛ لأنه إذا رد عليهم بأن العقل يثبت ذا وينكر ذا أو لا يثبته قال: أنا عقلي لا يثبت ما تثبت، وما دام المرجع هو العقل فإن ما أنكرته أنت بحجة العقل فأنا أنكر ما أنكر بحجة العقل، ولكن الأمر لا ينتهي عند موضوع الصفات. بل يأتينا أهل التخييل الذين أنكروا اليوم الآخر، وأنكروا رسالة الرسل، بل أنكروا وجود الله رأسا -والعياذ بالله- فيقولون: عقولنا لا تقبل أن تحيا العظام وهي رميم، لا تقبل وجود جنة ولا نار، فيحتجون بالعقل كما احتج هؤلاء بالعقل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وإثبات الصفات في القرآن والسنة أكثر من إثبات المعاد، فأي إنسان ينكر الصفات فإنه لا يمكن أن يدفع إنكار من أنكر المعاد، ولا ريب أن إنكار المعاد وإنكار الشرائع إبطال للدين كله، والخلاص من هذا هو اتباع طريق السلامة، أن نثبت ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي ما نفاه الله عن نفسه

стр. 1415

من الصفات، ونسكت عما سكت عنه، وبهذا لا يمكن لأي إنسان أن يفحمنا؛ لأننا قلنا: إن هذه المسائل الغيبية إنما تدرك بالشرع والمنقول عن المعصوم والعقول مضطربة ومختلفة، وكل إنسان من مدعي العقل يدعي وجوب ما يدعي الآخر أنه ممتنع، أو ما يدعي الآخر أنه من الممكنات لا من الواجبات.

стр. 1416

العنصر الخامس: أن بعض أهل التحريف والتعطيل قالوا: إن أهل السنة مشبهة ومجسمة وممثلة من الغرائب أن يدعى على الإنسان ما ينكره، فأهل السنة والجماعة ينكرون التشبيه، وينكرون التمثيل، ويقولون: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف يمكن أن يلزموا بما هم معترفون بإنكاره؟ هذا عدوان محض. أهل السنة والجماعة يقولون: نحن لا نشبه، ولا نمثل، وإنما نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله بدون تمثيل وبدون تكييف، فما بالكم تشوهون طريقنا وتقولون: أنتم ممثلة ومشبهة؟ ! ولكن لا غرو أن يرمى أهل السنة والجماعة بمثل هذه الألقاب السيئة؛ لأن رمي أهل الحق بالألقاب السيئة أمر موروث عن أعداء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالأنبياء قيل: إنهم سحرة، وقيل: إنهم مجانين: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ ، ولكن هل الحق يغيض بمثل هذه الألقاب؟ لا بل يفيض ويزداد قوة، ويزداد وضوحا وبيانا، ولله الحمد أهل السنة والجماعة متبرئون من هذه العيوب التي يصمهم بها من يحرفون الكلم عن مواضعه. كذلك يقولون: أنتم مجسمة، كيف مجسمة؟ وما معنى مجسمة؟ ! هذه الكلمة كلمة "التجسيم" لو قرأت القرآن من أوله إلى آخره، ومررت على ما جاء عن النبي ﷺ من السنة من أولها إلى آخرها، لم تجد لفظ "الجسم" مثبتا لله ولا منفيا عنه في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، فما بالنا نتعب أذهاننا وأفكارنا، ونظهر ذلك بمظهر سوء بالنسبة لمن أثبت لله

стр. 1417

صفات الكمال على الوجه الذي أراد الله. إذا كانت كلمة " الجسم " غير واردة في الكتاب، ولا في السنة، فإن أهل السنة والجماعة يمشون فيها على طريقتهم، يقفون فيها موقف الساكت فيقولون: لا نثبت الجسم ولا ننكره من حيث اللفظ، ولكننا قد نستفصل في المعنى فنقول للقائل: ماذا تريد بالجسم؟ إن أردت الذات الحقيقية المتصفة بالصفات الكاملة اللائقة بها، فإن الله لم يزل ولا يزال حيا عليما قادرا متصفا بصفات الكمال اللائقة به، وإن أردت شيئا آخر كجسمية الإنسان التي يفتقر كل جزء من البدن إلى الجزء الآخر منه، ويحتاج إلى ما يمده حتى يبقى فهذا معنى لا يليق بالله ، وبهذا نكون أعطينا المعنى حقه. أما اللفظ: فلا يجوز لنا أبدا أن نثبته أو ننفيه، ولكننا نتوقف فيه؛ لأننا إن أثبتنا قيل لنا: ما الدليل؟ وإن نفينا قيل لنا: ما الدليل؟ وعلى هذا فيجب السكوت من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى فعلى التفصيل الذي بيناه.

стр. 1418

العنصر السادس: ادعى أهل التحريف والتعطيل على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموهم بتأويل البقية أو المداهنة فيها هذه دعوى تلبيس وتشكيك، وقد نشرت في الصحف، نشرها من نشرها وقال: أنتم يا أهل السنة تشنعون علينا، تقولون: أنتم تأولون، وأنتم يا أهل السنة قد أولتم، فما بالكم تشنعون علينا بالتأويل وأنتم تسلكونه؟ حقيقة إن هذه الحجة حجة قوية إذا ثبتت؛ لأنه لا يحق لأي إنسان أن يتحكم فيما يمكن تأويله أو يجب، وفيما لا يمكن، ولكن أهل السنة والجماعة يقولون: هذه دعوى تلبيس وتشكيك، فإننا لسنا على هذه الطريقة، وأنتم رميتمونا بذلك إما لإلزامنا أن نقول بالتأويل كما قلتم به، وإما لإلزامنا أن نسكت عن تحريفكم ونداهن، ولكنا بعون الله لن نسكت على ما نرمى به ونحن منه بريئون. وهذا التأويل الذي ادعاه بعض أهل التأويل ورمى به أهل السنة والجماعة لنا عنه جوابان: الجواب الأول: أن نمنع أن يكون طريق أهل السنة في ذلك تأويلا؛ لأن التأويل في اصطلاح المتأخرين -وهو الذي يعنيه هؤلاء- هو صرف اللفظ عن ظاهره. وأهل السنة يقولون: ظاهر الكلام ما دل عليه الكلام باعتبار السياق، أو باعتبار حال المتكلم به، هذا هو ظاهر الكلام، وليس للكلمات معنى خلقت له لا تستعمل في غيره، ولكن معنى الكلمات إنما يظهر بسياقها وبحال المتكلم بها، نحن كنا قرأنا في البلاغة أو بعض منا قرأ في البلاغة ورأى أن الاستفهام يأتي لعدة معان، وقرأنا في حروف الجر ومعانيها، وعلمنا أن بعض الحروف يأتي لعدة معان، فما الذي يعين هذه

стр. 1419

المعاني؟ أليس السياق؟ إذن فحقيقة الكلام ما دل عليه سياقه، وظاهره ما دل عليه سياقه، وذلك باعتبار نظم الكلام، وباعتبار حال المتكلم به، فهذا الجواب جواب مجمل أن نقول: لا نسلم بأن ظاهر الكلام خلاف ما دل عليه سياقه أو حال المتكلم به، بل ما دل عليه السياق فهو حقيقة الكلام وظاهره مطلقا، حتى لو استعملت هذه الكلمة في غير هذا الموضع لمعنى آخر، فإن استعمالها في هذا الموضع للمعنى الذي دل عليه السياق هو في الواقع حقيقتها، هذا جواب. الجواب الثاني: لو سلمنا أن في اللفظ إخراجا له عن ظاهره، فإن أهل السنة والجماعة لا يمكن أبدا أن يخرجوا لفظا عن ظاهره إلا بدليل من الكتاب أو السنة، متصل أو منفصل، وأنا أتحدى أي واحد يأتي إلي بدليل من الكتاب أو السنة في أسماء الله وصفاته أخرجه أهل السنة عن ظاهره، إلا أن يكون لهم دليل بذلك من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ، وحينئذ إذا كان ما أخرجه إليه أهل السنة من المعنى ثابتا بدليل من الكتاب والسنة، فإنهم في الحقيقة لم يخرجوا عما أراد الله به؛ لأنهم علموا مراد الله به من الدليل الثاني من الكتاب والسنة، وليسوا بحمد الله يخرجون شيئا من النصوص عما يقال: إنه ظاهره من أجل عقولهم؛ حتى يتوصلوا إلى نفي ما أثبته الله لنفسه، وإثبات ما لم يدل عليه ظاهر الكلام، هذا لا يوجد ولله الحمد في أي واحد من أهل السنة، والأمر إذا شئتم فارجعوا إليه في كتبهم المختصرة والمطولة، ونحن نضرب لذلك بعض الأمثلة لا كل الأمثلة؛ لأننا لو تتبعنا الأمثلة كلها التي قيل: إن أهل السنة والجماعة صرفوها عن ظاهرها لطال بنا الكلام، لكننا نذكر عدة أمثلة فقط: المثال الأول: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قول الله

стр. 1420

عز وجل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ، فقلتم: إن معنى الاستواء هنا " القصد والإرادة "، وقلتم: إن معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ " العلو والارتفاع "، وما هذا إلا تأويل منكم لأحد النصين لا يمكن أن تخرجوا عنه، ومعلوم أن استوى على كذا ظاهرة جدا في العلو عليه، يبقى استوى إلى كذا معناها القصد، إذن أخرجتم كلمة استوى عن ظاهرها. وجوابنا على ذلك أن نقول: " استوى " كلمة يتحدد معناها بحسب متعلقها فمثلا: " استوى على العرش " معناها العلو على وجه يليق بجلاله، ولا يشبه استواء المخلوق على المخلوق. "استوى إلى السماء" اختلف الحرف فكان " إلى "، و" إلى " للغاية، وليست للعلو، ومعلوم أنها إذا كانت للغاية فإن الفعل مضمن معنى يدل على الغاية وهو: القصد والإرادة، وإلى هذا النحو ذهب بعض أهل السنة فقالوا: " استوى إلى السماء " أي قصد إلى السماء، والقصد إذا كان تاما يعبر عنه بالاستواء؛ لأن الأصل في اللغة العربية أن مادة الاستواء تدل على الكمال كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ . وجواب آخر أن نقول: " استوى إلى السماء" بمعنى ارتفع، قال البغوي: وهو مروي عن ابن عباس وأكثر المفسرين، ولكن هذا يجب أن لا نظن أن الله قد انتفى عنه العلو حين خلق الأرض، بل إنه لم يزل ولا يزال عاليا؛ لأن العلو صفة ذاتية، ولكن الاستواء هنا وإن كان بمعنى الارتفاع إلا أننا لا نعلم كيفيته، وهذا جواب آخر عن الآية.

стр. 1421

والخلاصة الآن أننا إذا فسرنا "استوى إلى السماء" بمعنى قصد إليها على الكمال فإننا لم نخرج عن ظاهر اللفظ، وذلك لاختلاف حرف الجر الذي تعلق باستوى في قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، وفي قوله: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ، وإذا قلنا بالقول الثاني الذي هو مروي عن ابن عباس وأكثر المفسرين بأنه ارتفع فإنه لا يجوز لنا أن نتوهم بأن الله تعالى لم يكن عاليا من قبل. أما المثال الثاني: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة فسرتم قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بمرأى منا، وهذا خلاف ظاهر اللفظ. نقول لهم: ماذا تفهمون من هذا اللفظ؟ هل أحد يمكن أن يفهم أن الباء للظرفية، وأن سفينة نوح تجري في عين الله؟ أبدا لا أحد يفهم هذا إطلاقا، وإتيان الباء للظرفية في بعض المواضع وارد، لكن في هذه الآية لا يمكن أبدا أن يكون كذلك. إذن فهذا الظاهر الذي زعمتم أنه ظاهر الآية لا نسلم أبدا أنه ظاهرها، لكن الذين فسروا ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ بمرأى منا هؤلاء فسروا اللفظ بلازمه، وذلك صحيح، وليس خروجا باللفظ عن ظاهره؛ لأن دلالة اللفظ على معناه: إما دلالة مطابقة، أو دلالة تضمن، أو دلالة التزام، وكل من الدلالات لا يخرج اللفظ عن ظاهره، هذه الدلالات الثلاث أوضحها بالمثال: "البيت" يعني الدار، تدل على جملة الدار وكتلتها جميعا بالمطابقة، أي تدل على بناء مكون من حجر وغرف وساحات وغيرها بالمطابقة.

стр. 1422

وتدل على كل حجرة أو كل غرفة أو كل ساحة بالتضمن. وتدل على أن هذا البيت لا بد له من بان بناه بالالتزام. فنحن نقول: تجري بأعيننا إذا كان الله تعالى يراها بعينه ويرعاها، فإنها تجري بمرأى منه، وهذا معنى صحيح، ويمكن أن نجيب بجواب آخر بأن معناها: تجري مرئية بأعيننا، والمهم أن نثبت من هذه الآية أن لله عينا لا تشبه أعين المخلوقين، ولا يمكن أن نتصور لها كيفية، وبذلك لم نخرج عن ظاهر اللفظ. وقد فسر ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أنها العين الحقيقية، والمعنى أن موسى ﷺ يربى على عين الله، أي: على رؤية بعين الله . المثال الثالث: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ إلى أن المراد أقرب بملائكتنا وهذا تأويل؛ لأنا لو أخذنا بظاهر اللفظ لكان الضمير نحن يعود إلى الله، وأقرب خبر المبتدأ، وفيه ضمير مستتر يعود على الله، فيكون القرب لله ، ومعلوم أنكم أهل السنة لا تقولون بذلك، لا تقولون: إن الله تعالى يقرب من المحتضر بذاته حتى يكون في مكانه؛ لأن هذا أمر لا يمكن أن يكون، إذ إنه قول أهل الحلول الذين ينكرون علو الله ، ويقولون: إنه بذاته في كل مكان، وأنتم أهل السنة تنكرون ذلك أشد الإنكار، إذن ماذا تقولون أنتم يا أهل السنة؟ ألستم تقولون: نحن أقرب إليه أي إلى المحتضر بملائكتنا، أي الملائكة تحضر إلى الميت وتقبض روحه؟ ! هذا تأويل.

стр. 1423

قلنا: الجواب على ذلك سهل ولله الحمد، فإن الذي يحضر الميت هم الملائكة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ ، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ ، فالذي يحضر إلى المحتضر عند الموت هم الملائكة، وأيضا في نفس الآية ما يدل على أنه ليس المراد قرب الله نفسه، فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ . فهذا يدل على أن هذا القريب حاضر، لكن لا نبصره، وذلك لأن الملائكة عالم غيبي الأصل فيهم الخفاء وعدم الرؤية، وعلى هذا فنحن لم نخرج بالآية عن ظاهرها لوجود لفظ فيها يعين المراد، ونحن على العين والرأس والقلب نقبل كل شيء كان بدليل من كتاب الله، ومن سنة رسوله ﷺ . المثال الرابع: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، فقلتم: وهو معكم بعلمه، وهذا تأويل، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ، والضمير في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يعود إلى الله، فأنتم يا أهل السنة أولتم هذا النص وقلتم: إنه معكم بالعلم، فإذن كيف تنكرون علينا التأويل؟ قلنا: نحن لم نؤول الآية، بل إنما فسرناها بلازمها وهو: العلم؛ وذلك لأن قوله: وهو معكم لا يمكن لأي إنسان يعرف قدر الله عز وجل

стр. 1424

ويعرف عظمته أن يتبادر إلى ذهنه أنه هو ذاته مع الخلق في أمكنتهم، فإن هذا أمر مستحيل، كيف يكون الله معك في البيت، ومع الآخر في المسجد، ومع الثالث في الطريق، ومع الرابع في البر، ومع الخامس في الجو، ومع السادس في البحر. . إلخ؟ لو قلنا بهذا فكم إلها يكون؟ لو قلنا بهذا لزم أن يكون الله إما متعددا أو متجزئا -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وهذا أمر لا يمكن، ولهذا نقول: من فهم هذا الفهم فهو ضال في فهمه، ومن اعتقده فإنه ضال إن قلد غيره بذلك، وكافر إذا بلغه العلم وأصر على قوله، ومن نسب إلى أحد من السلف أن ظاهر الآية أن الله معهم بذاته في أمكنتهم، فإنه بلا شك كاذب عليهم. إذن أهل السنة والجماعة يقولون: نحن نؤمن بأن الله تعالى فوق عرشه، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وأنه مع خلقه كما قال في كتابه، ولكن مع إيماننا بعلوه، ولا يمكن أن يكون مقتضى معيته إلا الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسلطانا وسمعا وبصرا وتدبيرا، وغير ذلك من معاني الربوبية، أما أن يكون حالا في أمكنتهم، أو مختلطا بهم كما يقول أهل الحلول والاتحاد، فإن هذا أمر باطل لا يمكن أن يكون هو ظاهر الكتاب والسنة، وعلى هذا فنحن لم نؤول الآية ولم نصرفها عن ظاهرها؛ لأن الذي قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ هو الذي قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ، وهو الذي قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ إذن فهو فوق عباده، ولا يمكن أن يكون في أمكنتهم، ومع ذلك فهو معهم محيط بهم علما وقدرة وسلطانا وتدبيرا وغير ذلك. وإذا أضيفت المعية إلى من يستحق النصر من الرسل وأتباعهم

стр. 1425

اقتضت مع الإحاطة علما وقدرة، اقتضت نصرا وتأييدا، فنحن ولله الحمد ما خرجنا بهذا اللفظ عن ظاهره حتى يلزمونا بذلك. وقد بين شيخ الإسلام ﵀ في كتبه المختصرة والمطولة أنه لا تعارض بين معنى المعية حقيقة وبين علو الله ، قال: " لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو علي في دنوه، قريب في علوه ". وقال: " إن الناس يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر في السماء، وهم يقولون: معنا، فإذا كان هذا ممكنا في حق المخلوق كان في حق الخالق من باب أولى". والمهم أننا نحن معشر أهل السنة ما قلنا أبدا ولا نقول إن ظاهر الآية هو ما فهمتموه، وأننا صرفناها عن ظاهرها، بل نقول: إن الآية معناها أنه سبحانه مع خلقه حقيقة معية تليق به، محيط بهم علما وقدرة وسلطانا وتدبيرا وغير ذلك؛ لأنه لا يمكن الجمع بين نصوص المعية وبين نصوص العلو إلا على هذا الوجه الذي قلناه، والله يفسر كلامه بعضه بعضا. المثال الخامس: قال أهل التأويل: إنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله تعالى: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» . وأنتم يا أهل السنة هل تقولون: إن الله يكون سمع وبصر ويد ورجل من يحبه حقيقة؟ إن لم تقولوا بذلك فقد صرفتم الحديث عن ظاهره؛

стр. 1426

لأن الله يقول: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» . وجوابنا: أنه لا أحد يفهم أن ظاهر الحديث هو هذا، أي أن الله يكون سمع الإنسان وبصره ورجله ويده حقيقة، لا أحد يفهم هذا، إلا من كان بليد الفهم، أو مظلم القلب بالتقليد، أو بالدعوى الباطلة. فالحديث لا يدل على أن حقيقة سمع الإنسان وبصره ورجله ويده هو الله ، وحاشاه عن ذلك، لا يدل على هذا بأي وجه من الوجوه، اقرأ الحديث: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» ، «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» ، فأثبت عابدا ومعبودا، ومتقربا ومتقربا إليه، «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» فأثبت محبا ومحبوبا، «ولئن سألني لأعطينه» فأثبت سائلا ومسئولا، ومعطيا ومعطى "، «ولئن استعاذني لأعيذنه» فأثبت مستعيذا ومستعاذا به، ومن المعلوم أن كل واحد من هذين هو غير الآخر بلا ريب. إذا تقرر هذا فكيف يمكن أن يفهم أحد من قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: " كنت سمعه " أن الله سيكون جزءا في هذا المخلوق الذي يتقرب إليه، والذي يستعيذ به، والذي يسأله؟ هذا لا يمكن لأحد أن يفهمه أبدا من سياق الحديث، وبهذا يكون معنى الحديث وظاهر الحديث وحقيقة الحديث: أن الله يسدد هذا الإنسان في سمعه وبصره وسعيه، فلا يسمع إلا بالله ولله وفي الله، ولا ينظر إلا لله وبالله وفي الله، ولا يبطش إلا لله وبالله، ولا يمشي إلا لله وبالله وفي الله، هذا هو معنى الحديث، وحقيقته وظاهره، وليس فيه ولله الحمد أي شيء من التأويل. المثال السادس: قال أهل التأويل: إنكم يا أهل السنة أولتم قول

стр. 1427

الرسول ﷺ : «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ، حيث قلتم: إن المراد أن الله متصرف في القلوب، ولا يمكن أن تكون القلوب بين إصبعين من أصابع اليد، فإن هذا يقتضي الحلول، وأن أصابع الله حالة في صدر كل إنسان. قلنا: هذا كذب على السلف، والسلف ما أولوا هذا التأويل، ولا قالوا: إن الحديث كناية عن سلطان الله تعالى، وتصرفه في القلوب، بل قالوا: نثبت أن لله تعالى أصابع، وأن كل قلب من بني آدم فهو بين إصبعين من أصابعه على وجه الحقيقة، ولا يلزم من ذلك الحلول أبدا، فإن البينية بين شيئين لا يلزم منها المماسة والمباشرة، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ؟ هل يلزم من ذلك التعبير أن يكون السحاب لاصقا بالسماء والأرض؟ لا يمكن، فقلوب بني آدم كلها كما قال نبينا ﷺ ، وهو أعلم الخلق بالله: «بين إصبعين من أصابع الرحمن» ، ولا يلزم من ذلك أن يكون مماسا لهذه القلوب، بل نقول كما قال نبينا، ونقول هذا على وجه الحقيقة، وليس فيه تأويل. ونثبت مع ذلك أيضا أن الله تعالى يتصرف في هذه القلوب كما يشاء، كما جاء في الحديث، ونقول: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك. المثال السابع والأخير: فهو الحجر الأسود يمين الله في الأرض، قال أهل التأويل: إنكم تؤولون هذا الحديث، لأنكم لا يمكن أن تقولوا: إن الحجر هو يد الله. ونقول: هذا حق، لا يمكن لأحد أن يقول: إن الحجر الأسود هو يد الله ، ولكن قبل أن نجيب على هذا نقول: إن هذا الحديث باطل، ولا يثبت عن النبي ﷺ .

стр. 1428

قال ابن العربي: إنه حديث باطل. وقال ابن الجوزي في " العلل المتناهية ": إنه حديث لا يصح. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " روي عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت ". وعلى هذا فإنه ليس واردا على أهل السنة والجماعة لأنه لا يصح عن النبي ﷺ ، ولكن قال شيخ الإسلام: إنه مشهور عن ابن عباس، ولكنه مع ذلك لا يعطي المعنى الذي قاله هؤلاء، وأن الحجر الأسود يمين الله؛ لأنه قال: «يمين الله في الأرض» فقيده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والكلام إذا قيد ليس كالكلام المطلق ما قال: يمين الله وسكت، قال: في الأرض، ومعلوم أن يمين الله ليست في الأرض، كذلك أيضا قال في نفس الحديث كما رواه شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن صافحه فكأنما صافح الله» ، والتشبيه يدل على أن المشبه به ليس هو المشبه، وإنما هو غيره. وخلاصة القول: أن أهل السنة والجماعة -ولله الحمد- لا يمكن أن يخرجوا الكلام عن ظاهره؛ لأن ظاهر الكلام وحقيقته ما دل عليه سياقه، وهو مختلف بحسب السياق وبحسب الأحوال، فإن لم يمكن ذلك وأبى إنسان إلا أن يجعل معنى الكلمة معنى ذاتيا لها، فإننا نقول: لا يمكن لأهل السنة والجماعة أن يتركوا هذا المعنى الذي ادعى أنه ذاتي لها إلا بدليل من الكتاب والسنة، ومتى دل الكتاب والسنة على شيء وجب القول به، سواء وافق ما يقال: إنه ظاهر اللفظ أو خالفه، ونحن كلنا نلتمس ما قاله الله عن نفسه، وما قاله عنه رسوله ﷺ ، ويدلكم لهذا ما ثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول: «عبدي جعت فلم تطعمني، عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ كيف أعودك وأنت رب»

стр. 1429

«العالمين؟ فيقول الله : أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلم تطعمه، مرض فلم تعده» . هذا الحديث يدلنا دلالة ظاهرة على أن ما جاء في الكتاب والسنة مما أضافه إلى نفسه فهو حق على ظاهره، ما لم يرد عن الله ورسوله صرفه عن ذلك، فإن ورد صرفه عن ظاهره فإننا آخذون به، وهذا الحديث الأخير دليل واضح على منع التأويل الذي ليس له دليل من الكتاب والسنة، ولعلنا نقتصر على هذا خوفا من التطويل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 1430

منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل

стр. 1431

منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل [المقدمة] الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .

стр. 1432

المراد بأهل السنة والجماعة وبيان طريقهم أهل السنة والجماعة هم الذين هداهم الله تعالى لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكلنا نعلم أن رسول الله ﷺ بعث بالهدى ودين الحق، الهدى: الذي ليس فيه ضلالة، ودين الحق: الذي ليس فيه غواية، وبقي الناس في عهده على هذا المنهاج السليم القويم، وكذلك عامة زمن خلفائه الراشدين، ولكن الأمة بعد ذلك تفرقت تفرقا عظيما متباينا، حتى كانوا على ثلاث وسبعين وفرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، بهذا نقول: إن هذه الفرقة هي فرقة أهل السنة والجماعة، وهذا الوصف لا يحتاج إلى شرح في بيان أنهم هم الذين على الحق؛ لأنهم أهل السنة المتمسكون بها، وأهل الجماعة المجتمعون عليها، ولا تكاد ترى طائفة سواهم إلا وهم بعيدون عن السنة بقدر ما ابتدعوا في دين الله ، ولا تجد فرقة غيرهم إلا وجدتهم فرقة متفرقين فيما هم عليه من النحلة. وقد قال لرسوله ﵊: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ . إذن لا حاجة لنا إلى التطويل بتعريف أهل السنة والجماعة؛ لأن هذا اللقب يبرهن على معناه برهانا كاملا، وأنهم المتمسكون بالسنة المجتمعون عليها، ونحن نلخص الكلام في نقاط رئيسية هي:

стр. 1433

أولا: بيان طريق أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته مع أمثلة توضح تلك الطريقة: أهل السنة والجماعة طريقتهم في أسماء الله وصفاته أنهم يعتبرون أن ما ثبت من أسماء الله وصفاته في كتاب الله، أو فيما صح عن رسول الله ﷺ ، هو حق على حقيقته، يراد به ظاهره، ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين؛ وذلك لأن تحريف المحرفين مبني على سوء فهم أو سوء قصد، حيث ظنوا أنهم إذا أثبتوا تلك النصوص أو تلك الأسماء والصفات على ظاهرها، ظنوا أن ذلك إثبات للتمثيل ولهذا صاروا يحرفون الكلم عن مواضعه وقد يكونون ممن لم يفهموا هذا الفهم، ولكن لهم سوء قصد في تفريق هذه الأمة الإسلامية شيعا كل حزب بما لديهم فرحون. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ما سمى الله به نفسه، وما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فهو حق على حقيقته وعلى ظاهره، ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين بل هو أبعد ما يكون عن ذلك، وهو أيضا لا يمكن أن يفهم منه ما لا يليق بالله من صفات النقص أو المماثلة بالمخلوقين، بهذه الطريقة المثلى يسلمون من الزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته، فلا يثبتون لله إلا ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، غير زائدين في ذلك ولا ناقصين عنه، ولهذا كانت طريقتهم أن أسماء الله وصفاته توقيفية لا يمكن لأحد أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه، أو أن يصف الله بما لم يصف به نفسه. فإن أي إنسان يقول إن من أسماء الله كذا، أو ليس من أسماء الله، أو أن من صفات الله كذا، أو ليس من صفات الله، بلا دليل؛ لأنه لا شك أنه قول على الله بلا علم، وقد قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

стр. 1434

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ . ثم إن طريقتهم في أسماء الله تعالى أن ما سمى الله به نفسه، فإن كان من الأسماء المتعدية، فإنهم يرون من شرط تحقيق الإيمان به ما يلي: ١ - أن يؤمن المرء بذلك الاسم اسما له . ٢ - أن يؤمن بما دل عليه من الصفة سواء كانت الدلالة تضمنا أو التزاما. ٣ - أن يؤمن بأثر ذلك الاسم الذي كان مما دل عليه الاسم من الصفة، ونحن هنا نضرب مثلا: من أسماء الله تعالى: " السميع " يجب على طريق أهل السنة والجماعة أن يثبت هذا الاسم من أسماء الله، فيدعى الله به ويعبد به، فيقال مثلا: عبد السميع، ويقال: يا سميع يا عليم وما أشبه ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . وكذلك أيضا يثبت ما دل عليه هذا الاسم من الصفة وهي السمع، فنثبت لله سمعا عاما شاملا لا يخفى عليه أي صوت وإن ضعف. كما نثبت أيضا أثر هذه الصفة وهي أن الله ﵎ يسمع كل شيء، وبهذا ننتفع انتفاعا كبيرا من أسماء الله؛ لأنه يلزم من هذه الأمور الثلاثة التي أثبتناها في الاسم إذا كان متعديا أن نتعبد الله بها، فنحقق قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . فأنت إذا آمنت بأن الله يسمع فإنك لن تسمع ربك ما يغضبه عليك،

стр. 1435

لن تسمعه إلا ما يكون به راضيا عنك؛ لأنك تؤمن أنك مهما قلت من قول سواء كان سرا أم علنا فإن الله ﵎ يسمعه، وسوف ينبئك بما كنت تقول في يوم القيامة، وسوف يحاسبك على ذلك على حسب ما تقتضيه حكمته في كيفية من يحاسبهم ﵎، إذن القاعدة عند أهل السنة والجماعة أن الاسم من أسماء الله إذا كان متعديا فإنه لا يمكن تحقيق الإيمان به إلا بالإيمان بهذه الأمور الثلاثة: ١ - أن نؤمن به اسما من أسماء الله فنثبته من أسمائه. ٢ - أن نؤمن بما دل عليه من صفة. ٣ - أن نؤمن بما يترتب على تلك الصفة من الأثر. وبهذا يتحقق الإيمان بأسماء الله ﵎ المتعدية. أما إذا كان الاسم لازما فإنهم يثبتون هذا الاسم من أسماء الله، ويسمون الله به، ويدعون الله به، ويثبتون ما دل عليه الاسم من صفة على الوجه الأكمل اللائق بالله تعالى، ولكن هنا لا يكون أثر؛ لأن هذا الاسم مشتق من شيء لا يتعدى موصوفه، فلذلك لا يكون له أثر، ونضرب مثلا بـ " الحي " فإن الحي من أسماء الله ، نثبته اسما لله فنقول: من أسماء الله تعالى: " الحي "، وندعو الله به فنقول: " يا حي، يا قيوم ". ونؤمن بما دل عليه من صفة، سواء كان ذلك تضمنا أو التزاما، وهي الحياة الكاملة التي تتضمن كل ما يكون من صفات الكمال في الحي من علم وقدرة وسمع وبصر وكلام وغير ذلك، فعلى هذا نقول: إذا كان الاسم من أسماء الله غير متعد فإن تحقيق الإيمان به يكون بأمرين: أحدهما: إثباته اسما من أسماء الله. والثاني: إثبات ما دل عليه من الصفة على وجه الكمال اللائق بالله ﵎.

стр. 1436

أما الصفات فإننا لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه سواء ذكر الصفة وحدها بدون أن يتسمى بما دلت عليه، أو كانت هذه الصفة مما دلت عليها أسماؤه، فإنه يجب علينا أن نؤمن بهذه الصفة على حقيقتها، مثال ذلك: أثبت الله ﵎ لنفسه أنه استوى على عرشه، وهو يخاطبنا بالقرآن النازل باللسان العربي المبين، وكل الناس الذين لهم ذوق في اللغة العربية يعلمون معنى استوى في اللغة العربية، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "، هذا هو اللفظ المشهور عنه، واللفظ الذي نقل عنه بالسند قال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "، وهذا اللفظ أدق من اللفظ الذي سقناه قبل؛ لأن كلمة " الكيف غير معقول " تدل على أنه إذا انتفى عنه الدليلان النقلي والعقلي فإنه لا يمكن التكلم به. هذه الصفة من صفات الله لم يرد اسم من أسماء الله مشتق منها فلم يرد من أسمائه المستوي، ولكننا نقول: إنه استوى على العرش، ونؤمن بهذه الصفة على الوجه اللائق به، ونعلم أن معنى الاستواء هو العلو، فهو علو خاص بالعرش، ليس العلو المطلق على جميع المخلوقات، بل هو علو خاص، ولهذا نقول في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ : أي علا واستقر على وجه يليق بجلاله وعظمته، وليس كاستواء الإنسان على البعير والكرسي مثلا؛ لأن استواء الإنسان على البعير والكرسي استواء مفتقر إلى مكانه الذي يستوي عليه، أما استواء الله جل ذكره فإنه ليس استواء

стр. 1437

مفتقر، بل إن الله ﵎ غني عن كل شيء، كل شيء مفتقر إلى الله، والله ﵎ غني عنه. ومن زعم أنه بحاجة إلى عرش يقله فقد أساء الظن بربه ، فهو غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل جميع مخلوقاته مفتقرة إليه، كذلك النزول إلى سماء الدنيا حينما يبقى ثلث الليل الآخر نؤمن به على أنه نزول حقيقي، لكنه يليق بالله لا يشبه نزول المخلوقين، ومن هنا نقول إنه يجب على المؤمن أن يتحاشى أمرا يلقيه الشيطان في باله أمرا خطيرا للغاية -وهو أمر حمل أهل البدع على تحريف النصوص من أجل هذا الأمر الذي يجعله الشيطان في قلوب الناس- ألا وهو تخيل كيفية صفة من صفات الله، أو تخيل كيفية ذات الله . فاعلم أنه لا يجوز أبدا أن يتخيل كيفية ذات الله، أو كيفية صفة من صفاته، واعلم أنك إن تخيلت أو حاولت التخيل فإنك لا بد أن تقع في أحد محذورين: إما التحريف والتعطيل، وإما التمثيل والتشبيه، ولهذا يجب عليكم أيها الإخوة أن لا تتخيلوا أي شيء من كيفية صفات الله ، لا أقول: لا تثبتوا المعنى؛ لأن المعنى يجب أن يثبت، لكن تخيل كيفية تلك الصفة لا يمكن أن تتخيلها، وعلى أي مقياس تقيس هذا التخيل؟ لا يمكن أبدا أن تتخيل كيفية صفات الله لا بالتقدير ولا بالقول، يجب عليك أن تتجنب هذا؛ لأنك تحاول ما لا يمكن الوصول إليه، بل تحاول ما يخشى أن يوقعك في أمر عظيم لا تستطيع الخلاص منه إلا بسلوك التمثيل والتعطيل؛ وذلك لأن الرب جلت عظمته لا يمكن لأحد أن يتخيله على كيفية معينة؛ لأنه إن فعل ذلك فقد قفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .

стр. 1438

وإن تخيله على وصف مقارب بمثيل فقد مثل الله، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وبهذا نعلم أن من أنكر صفات الله أنكرها لأنه تخيل أولا، ثم قالوا: هذا التخيل يلزم منه التمثيل، ثم حرفوا، ولهذا نقول: إن كل معطل ومنكر للصفات فإنه ممثل سبق تمثيله تعطيله، مثل أولا وعطل ثانيا، ولو أنه قدر الله حق قدره ولم يتعرض لتخيل صفاته سبحانه ما احتاج إلى هذا الإنكار، وإلى هذا التعطيل.

стр. 1439

ثانيا: طريقة أهل السنة والجماعة في عبادة الله طريقتهم أنهم يعبدون الله لله وبالله وفي الله. أما كونهم يعبدون الله لله فمعنى ذلك الإخلاص، يخلصون لله ، لا يريدون بعبادتهم إلا ربهم، لا يتقربون إلى أحد سواه، إنما يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، ما يعبدون الله لأن فلانا يراهم، وما يعبدون الله لأنهم يعظمون بين الناس، ولا يعبدون الله لأنهم يلقبون بلقب العابد، لكن يعبدون الله لله. وأما كونهم يعبدون الله بالله أي مستعينين به، لا يمكن أن يفخروا بأنفسهم، أو أن يروا أنهم مستقلون بعبادتهم عن الله، بل هم محققون لقول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعبدون الله لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يعبدون الله بالله، فيستعينونه على عبادته ﵎. وأما كونهم يعبدون الله في الله أي في دين الله، في الدين الذي شرعه على ألسنة رسله، وهم وأهل السنة والجماعة في هذه الأمة يعبدون الله بما شرعه على لسان رسوله محمد ﷺ ، لا يزيدون فيه، ولا ينقصون منه، فهم يعبدون الله في الله في شريعته، في دينه، لا يخرجون عنه لا زيادة ولا نقصا، لذلك كانت عبادتهم هي العبادة الحقة السالمة من شوائب الشرك والبدع؛ لأن من قصد غير الله بعبادته فقد أشرك به، ومن تعبد الله بغير شريعته فقد ابتدع في دينه، والله يقول:

стр. 1440

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ . فعبادتهم لله في دين الله، لا يبتدعون ما تستحسنه أهواؤهم، لا أقول: ما تستحسنه عقولهم لأن العقول الصحيحة لا تستحسن الخروج عن شريعة الله؛ لأن لزوم شريعة الله مقتضى العقل الصريح، ولهذا كان الله ينعى على المكذبين لرسوله عقولهم ويقول: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . لو كنا نتعبد لله بما تهواه نفوسنا وعلى حسب أهوائنا لكنا فرقا وشيعا، كل يستحسن ما يريد فيتعبد لله به، وحينئذ لا يتحقق فينا وصف الله في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ . ولننظر إلى هؤلاء الذين يتعبدون لله بالبدع التي ما أذن الله بها، ولا أنزل بها من سلطان، كيف كانوا فرقا يكفر بعضهم بعضا ويفسق بعضهم بعضا، وهم يقولون: إنهم مسلمون؟ لقد كفر بعض الناس بعضا في أمور لا تخرج الإنسان إلى الكفر، ولكن الهوى أصمهم وأعمى أبصارهم. نحن نقول إننا إذا سرنا على هذا الخط لا نعبد الله إلا في دين الله، فإننا سوف نكون أمة واحدة، لو عبدنا الله تعالى بشرعه وهداه لا بهوانا لكنا أمة واحدة، فشريعة الله هي الهدى وليست الهوى. إذن لو أن أحدا من أهل البدع ابتدع طريقة عقدية (أي تعود للعقيدة) أو عملية (تعود إلى العمل) من قول أو فعل، ثم قال: إن هذه حسنة، والنبي ﷺ يقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ، قلنا له بكل بساطة: هذا الحسن الذي
следующие страницы →