← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

أما الصفات فإننا لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه سواء ذكر الصفة وحدها بدون أن يتسمى بما دلت عليه، أو كانت هذه الصفة مما دلت عليها أسماؤه، فإنه يجب علينا أن نؤمن بهذه الصفة على حقيقتها، مثال ذلك: أثبت الله ﵎ لنفسه أنه استوى على عرشه، وهو يخاطبنا بالقرآن النازل باللسان العربي المبين، وكل الناس الذين لهم ذوق في اللغة العربية يعلمون معنى استوى في اللغة العربية، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "، هذا هو اللفظ المشهور عنه، واللفظ الذي نقل عنه بالسند قال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "، وهذا اللفظ أدق من اللفظ الذي سقناه قبل؛ لأن كلمة " الكيف غير معقول " تدل على أنه إذا انتفى عنه الدليلان النقلي والعقلي فإنه لا يمكن التكلم به. هذه الصفة من صفات الله لم يرد اسم من أسماء الله مشتق منها فلم يرد من أسمائه المستوي، ولكننا نقول: إنه استوى على العرش، ونؤمن بهذه الصفة على الوجه اللائق به، ونعلم أن معنى الاستواء هو العلو، فهو علو خاص بالعرش، ليس العلو المطلق على جميع المخلوقات، بل هو علو خاص، ولهذا نقول في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ : أي علا واستقر على وجه يليق بجلاله وعظمته، وليس كاستواء الإنسان على البعير والكرسي مثلا؛ لأن استواء الإنسان على البعير والكرسي استواء مفتقر إلى مكانه الذي يستوي عليه، أما استواء الله جل ذكره فإنه ليس استواء

стр. 1437

مفتقر، بل إن الله ﵎ غني عن كل شيء، كل شيء مفتقر إلى الله، والله ﵎ غني عنه. ومن زعم أنه بحاجة إلى عرش يقله فقد أساء الظن بربه ، فهو غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل جميع مخلوقاته مفتقرة إليه، كذلك النزول إلى سماء الدنيا حينما يبقى ثلث الليل الآخر نؤمن به على أنه نزول حقيقي، لكنه يليق بالله لا يشبه نزول المخلوقين، ومن هنا نقول إنه يجب على المؤمن أن يتحاشى أمرا يلقيه الشيطان في باله أمرا خطيرا للغاية -وهو أمر حمل أهل البدع على تحريف النصوص من أجل هذا الأمر الذي يجعله الشيطان في قلوب الناس- ألا وهو تخيل كيفية صفة من صفات الله، أو تخيل كيفية ذات الله . فاعلم أنه لا يجوز أبدا أن يتخيل كيفية ذات الله، أو كيفية صفة من صفاته، واعلم أنك إن تخيلت أو حاولت التخيل فإنك لا بد أن تقع في أحد محذورين: إما التحريف والتعطيل، وإما التمثيل والتشبيه، ولهذا يجب عليكم أيها الإخوة أن لا تتخيلوا أي شيء من كيفية صفات الله ، لا أقول: لا تثبتوا المعنى؛ لأن المعنى يجب أن يثبت، لكن تخيل كيفية تلك الصفة لا يمكن أن تتخيلها، وعلى أي مقياس تقيس هذا التخيل؟ لا يمكن أبدا أن تتخيل كيفية صفات الله لا بالتقدير ولا بالقول، يجب عليك أن تتجنب هذا؛ لأنك تحاول ما لا يمكن الوصول إليه، بل تحاول ما يخشى أن يوقعك في أمر عظيم لا تستطيع الخلاص منه إلا بسلوك التمثيل والتعطيل؛ وذلك لأن الرب جلت عظمته لا يمكن لأحد أن يتخيله على كيفية معينة؛ لأنه إن فعل ذلك فقد قفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .

стр. 1438

وإن تخيله على وصف مقارب بمثيل فقد مثل الله، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وبهذا نعلم أن من أنكر صفات الله أنكرها لأنه تخيل أولا، ثم قالوا: هذا التخيل يلزم منه التمثيل، ثم حرفوا، ولهذا نقول: إن كل معطل ومنكر للصفات فإنه ممثل سبق تمثيله تعطيله، مثل أولا وعطل ثانيا، ولو أنه قدر الله حق قدره ولم يتعرض لتخيل صفاته سبحانه ما احتاج إلى هذا الإنكار، وإلى هذا التعطيل.

стр. 1439

ثانيا: طريقة أهل السنة والجماعة في عبادة الله طريقتهم أنهم يعبدون الله لله وبالله وفي الله. أما كونهم يعبدون الله لله فمعنى ذلك الإخلاص، يخلصون لله ، لا يريدون بعبادتهم إلا ربهم، لا يتقربون إلى أحد سواه، إنما يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، ما يعبدون الله لأن فلانا يراهم، وما يعبدون الله لأنهم يعظمون بين الناس، ولا يعبدون الله لأنهم يلقبون بلقب العابد، لكن يعبدون الله لله. وأما كونهم يعبدون الله بالله أي مستعينين به، لا يمكن أن يفخروا بأنفسهم، أو أن يروا أنهم مستقلون بعبادتهم عن الله، بل هم محققون لقول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعبدون الله لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يعبدون الله بالله، فيستعينونه على عبادته ﵎. وأما كونهم يعبدون الله في الله أي في دين الله، في الدين الذي شرعه على ألسنة رسله، وهم وأهل السنة والجماعة في هذه الأمة يعبدون الله بما شرعه على لسان رسوله محمد ﷺ ، لا يزيدون فيه، ولا ينقصون منه، فهم يعبدون الله في الله في شريعته، في دينه، لا يخرجون عنه لا زيادة ولا نقصا، لذلك كانت عبادتهم هي العبادة الحقة السالمة من شوائب الشرك والبدع؛ لأن من قصد غير الله بعبادته فقد أشرك به، ومن تعبد الله بغير شريعته فقد ابتدع في دينه، والله يقول:

стр. 1440

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ . فعبادتهم لله في دين الله، لا يبتدعون ما تستحسنه أهواؤهم، لا أقول: ما تستحسنه عقولهم لأن العقول الصحيحة لا تستحسن الخروج عن شريعة الله؛ لأن لزوم شريعة الله مقتضى العقل الصريح، ولهذا كان الله ينعى على المكذبين لرسوله عقولهم ويقول: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . لو كنا نتعبد لله بما تهواه نفوسنا وعلى حسب أهوائنا لكنا فرقا وشيعا، كل يستحسن ما يريد فيتعبد لله به، وحينئذ لا يتحقق فينا وصف الله في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ . ولننظر إلى هؤلاء الذين يتعبدون لله بالبدع التي ما أذن الله بها، ولا أنزل بها من سلطان، كيف كانوا فرقا يكفر بعضهم بعضا ويفسق بعضهم بعضا، وهم يقولون: إنهم مسلمون؟ لقد كفر بعض الناس بعضا في أمور لا تخرج الإنسان إلى الكفر، ولكن الهوى أصمهم وأعمى أبصارهم. نحن نقول إننا إذا سرنا على هذا الخط لا نعبد الله إلا في دين الله، فإننا سوف نكون أمة واحدة، لو عبدنا الله تعالى بشرعه وهداه لا بهوانا لكنا أمة واحدة، فشريعة الله هي الهدى وليست الهوى. إذن لو أن أحدا من أهل البدع ابتدع طريقة عقدية (أي تعود للعقيدة) أو عملية (تعود إلى العمل) من قول أو فعل، ثم قال: إن هذه حسنة، والنبي ﷺ يقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ، قلنا له بكل بساطة: هذا الحسن الذي

стр. 1441

ادعيت أنه ثابت في هذه البدعة هل كان خافيا لدى الرسول ﵊، أو كان معلوما عنده لكنه كتمه ولم يطلع عليه أحد من سلف الأمة حتى ادخر لك علمه؟ ! والجواب: إن قال بالأول فشر، وإن قال بالثاني فأطم وأشر. فإن قال: إن الرسول ﵊ لا يعلم حسن هذه البدعة، ولذلك لم يشرعها. قلنا: رميت رسول الله ﷺ بأمر عظيم حيث جهلته في دين الله وشريعته. وإن قال: إنه يعلم ولكن كتمه عن الخلق. قلنا له: وهذه أدهى وأمر لأنك وصفت رسول الله ﷺ الذي هو الأمين الكريم، وصفته بالخيانة وعدم الجود بعلمه، وهذا أشر من وصفه بعدم الجود بماله، مع أنه ﷺ كان أجود الناس، وهنا شر قد يكون احتمالا ثالثا بأن الرسول ﷺ علمها وبلغها ولكن لم تصل إلينا، فنقول له: وحينئذ طعنت في كلام الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وإذا ضاعت شريعة من شريعة الذكر فمعنى ذلك أن الله لم يقم بحفظه، بل نقص من حفظه إياه بقدر ما فات من هذه الشريعة التي نزل من أجلها هذا الذكر. وعلى كل حال فإن كل إنسان يبتدع ما يتقرب به إلى ربه من عقيدة أو عمل قولي أو فعلي فإنه ضال؛ لقول رسول الله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» ، وهذه كلية عامة لا يستثنى منها شيء إطلاقا، فكل بدعة في دين الله فإنها ضلالة وليس فيها من الحق شيء، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ .

стр. 1442

ثم نقول: إن الحديث لا يدل على كل بدعة، بل قال: «من سن في الإسلام» ، وما خرج عن شريعة الرسول ليس من الإسلام بل قد قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ، وبهذا نعرف أنه لا بد أن تكون هذه السنة مما أثبته الإسلام وإلا ليست سنة في الإسلام، ومن علم سبب الحديث الذي ذكرناه علم أن المراد بالسنة المبادرة بالعمل أو السبق إلى تنفيذ سنة كان أسبق الناس بها؛ لأن سبب الحديث معلوم، وهو أن جماعة جاءوا إلى النبي ﷺ ، وكانوا فقراء، فحث المسلمين على التصدق عليهم، فأتى رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها بين يديه ﷺ ، فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» ، وبهذا عرفنا المراد أن من سنها ليس من شرعها، لكن من عمل بها أولا لأنه بذلك أي بعمله أولا يكون هو إماما للناس فيها، فيكون قدوة خير وحسنة، فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ولا يرد على ذلك ما ابتدع من الوسائل الموصلة إلى الأمور المشروعة، فإن هذه وإن تلجلج بها أهل البدع وقعدوا بها بدعهم فإنه لا نصيب لهم منها، إلا أن يكون الراقم على الماء له نصيب من الحروف بارزة في الماء. أقول: إن بعض الناس يستدلون على تحسين بدعهم التي ابتدعوها في دين الله، والتي يلزم منها ما سبق ذكره، بما أحدث من الوسائل لغايات محمودة. احتجوا على ذلك بجمع القرآن، وبتوحيده في مصحف واحد وبالتأليف، وببناء دور العلم، وغير ذلك مما هو وسائل لا غايات، فهناك فرق بين الشيء الذي يكون وسيلة إلى غاية محمودة مثبتة شرعا، لكنها لا تتحقق إلا بفعل هذه الوسيلة، فهذه الوسيلة طبعا تتجدد بتجدد الزمن، وتختلف باختلاف العصور، ها هو قوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

стр. 1443

، وإعداد القوة على عهده ﵊ غير إعداد القوة في زمننا هذا، فإذا ما أحدثنا عملا معينا نتوصل به إلى إعداد القوة فإن هذه بدعة وسيلة وليست بدعة غاية يتقرب بها إلى الله، ولكنها بدعة وسيلة، ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن للوسائل أحكام المقاصد، وبهذا نعرف أن ما تلجلج به مبتدع الحوادث في دين الله باستدلالهم بمثل هذه القضايا أنه ليس لهم فيها دليل أبدا؛ لأن كل ما حصل فهو وسائل لغايات محمودة. فجمع القرآن والتصنيف وما أشبه ذلك كله وسائل لغايات هي مشروعة في نفسها، فيجب على الإنسان أن يفرق بين الغاية والوسيلة، فما قصد لذاته فقد تم تشريعه من عند الرسول ﵊ بما أوحاه الله إليه من الكتاب العظيم، ومن السنة المطهرة، ولدينا ولله الحمد آية نتلوها في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ، فلو كان في المحدثات ما يكمل به الدين لكانت قد شرعت وبينت وبلغت وحفظت، ولكن ليس فيها شيء يكون فيه كمال الدين، بل نقص في دين الله. قد يقول بعض الناس: إننا نجد في هذه الحوادث نجد عاطفة دينية ورقة قلبية واجتماعا عليها، فنقول: إن الله تعالى أخبر عن الشيطان أنه قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ، يزينها الشيطان في قلب الإنسان ليصده عما خلق له، عن عبادة الله التي شرع فترضخ النفس بواسطة تسلط الشيطان على المرء حتى يصده عن دين الحق، «وقد أخبر الرسول ﷺ بأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى»

стр. 1444

«الدم،» بل في القرآن قبل ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ، فجعل الله للشيطان سلطانا على من تولاه وأشرك به، أي جعل لله شريكا به بواسطة الشيطان، وكل من جعل له متبوعا في بدعة من دين الله فقد أشرك بالله ، وجعل هذا المتبوع شريكا لله تعالى في الحكم. وحكم الله الشرعي والقدري لا شريك له فيه أبدا ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ، وركزت على هذا الأمر لكي يعلم أهل الإحداث المحدثون أنه لا حجة لهم فيما أحدثوه، واعلم رحمك الله أنه لا طريق إلى الوصول إلى الله وإلى دار كرامته إلا من الطريق الذي وضعه هو على لسان رسوله ﷺ . لله المثل الأعلى لو أن ملكا من الملوك فتح بابا للدخول عليه، وقال: من أراد أن يصل إلي فليدخل من هذا الباب، فما ظنكم بمن ذهب إلى أبواب أخرى؟ هل يصل إليه؟ كلا بالطبع. والملك العظيم، ملك الملوك، وخالق الخلق، جعل طريقا إليه خاصا بما جاءه به رسله وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ ، الذي بعد بعثه لا يمكن لأي بشر أن ينال السعادة إلا من طريقه ﷺ . والحقيقة أن تعظيم الرسول ﷺ ، وأن الأدب مع الرسول ﷺ ، أن نسلك ما سلك، ونذر ما ترك، وأن لا نتقدم بين يديه، فنقول في دينه ما لم يقل، أو نحدث في دينه ما لم يشرع.

стр. 1445

هل من محبة الرسول ﵊ وتعظيمه أن نحدث في دينه شيئا يقول هو عنه: «كل بدعة ضلالة» ، ويقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ؟ هل هذا من محبة الرسول؟ ! هل هذا من محبة الله ؟ ! أن تشرع في دين الله ما لم يشرع ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .

стр. 1446

ثالثا: طريقة أهل السنة والجماعة في حق الرسول ﷺ من المعلوم أنه لا يتم الإسلام إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والشهادة لا تتحقق إلا بثلاثة أمور: ١ - عقيدة في القلب. ٢ - نطق في اللسان. ٣ - عمل في الأركان. ولهذا يقول المنافقون للرسول ﵊ إذا جاءوه: نشهد إنك لرسول الله، ويقول الباري جل ذكره فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ لماذا؟ لأن هذه الشهادة فقد منها أعظم ركن فيها وهو العقيدة، فهم يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدونه في قلوبهم، فمن قال: أشهد أن محمدا رسول الله ولكن قلبه خال من هذه الشهادة، فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله. ومن اعتقد ذلك ولم يقله بلسانه فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله. ومن قال ذلك لكن لم يتبعه في شريعته فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله، وكيف تخالفه وأنت تعتقد بأنه رسول رب العالمين، وأن شريعة الله هو ما جاء به؟ كيف تقول إنك شهدت أن محمدا رسول الله على وجه التحقيق؟ لهذا نعتقد أن كل من عصى الله ورسوله فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله. لست أقول إنه ما يشهد، ولكنه لم يحقق، وقد نقص من تحقيقه إياه بقدر ما حصل منه من مخالفة.

стр. 1447

إذن طريقة أهل السنة والجماعة في حق رسول الله ﵊ الشهادة له بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم أنه رسول الله، كذلك أيضا يحبونه حب تقدير وتعظيم حبا تابعا لمحبة الله . وليسوا يحبونه من باب التعبد له بمحبته؛ لأن الرسول ﵊ يتعبد لله به -أي بشرعه- ولكنه لا يعبد هو. فهم يحبون الرسول ﵊ لأنه رسول رب العالمين، ومحبتهم له من محبة الله ﵎، ولولا أن الله أرسل محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي لكان رجلا من بني هاشم لا يستحق هذه المرتبة التي استحقها بالرسالة. إذن نحن نحبه ونعظمه لأننا نحب الله ونعظمه، فمن أجل أنه رسول الله، وأن الله ﵎ هدى به الأمة حينئذ نحبه، فالرسول ﵊ عند أهل السنة والجماعة محبوب؛ لأنه رسول رب العالمين، ولا شك أنه أحق الناس، بل أحق الخلق وأجدرهم بتحمل هذه الرسالة العظيمة ﵊. كذلك أيضا يعظمون الرسول ﵊ حق التعظيم، ويرون أنه أعظم الناس قدرا عند الله . لكن مع ذلك لا ينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله، يقولون إنه عبد الله، بل «هو أعبد الناس لله حتى إنه يقوم حتى تتورم قدماه، فيقال: كيف ذلك وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: " أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟» . من يحقق العبادة كتحقيق الرسول ﵊؟ ولهذا قال: «إني والله أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى» ، فهو بلا شك أعظم العابدين عبادة وأشدهم تحقيقا لها ﷺ ، ولهذا حين تحدث عن البصل والكراث قال المسلمون: حرمت، فقال: «أيها الناس إنه ليس لي»

стр. 1448

«تحريم ما أحل الله» . انظروا إلى هذا الأدب مع الله ، هكذا العبودية، ولهذا هم يقولون: إن رسول الله ﷺ عبد من عباد الله، وهو أكمل الناس في عبوديته لله. ويؤمنون أيضا بأن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا لغيره، والله تعالى قد أمره أن يبلغ ذلك إلى الأمة فقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ . وما هي وظيفته؟ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ، ومن زعم أن الرسول ﵊ يعلم شيئا من الغيب غير ما أطلعه الله عليه فهو كافر بالله ورسوله؛ لأنه مكذب لله ورسوله. فإن الرسول أمر أن يقول وقال، قال قولا يتلى إلى يوم القيامة، قوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ . وبمناسبة هذه الآية الكريمة أود أن أقول: إن القرآن الكريم أحيانا تصدر الأخبار فيه بكلمة: (قل) وكل شيء صدر بهذه الكلمة معناه أن الله اعتنى به عناية خاصة؛ لأن الرسول ﵊ قد أمر أن يقول كل القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، لكن هذا الذي خص بكلمة (قل) فيه عناية خاصة استحق أن يصدر بالأمر بالتبليغ على وجه الخصوص، مثل هذه الآية ومثلها في الأحكام: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾

стр. 1449

، والأمثلة كثيرة في القرآن، إذن الرسول ﵊ لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بل ولا لغيره أيضا ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ ، لو أراد الله بي شيئا ما أجارني أحد منه، ولن أجد من دونه ملتحدا. ويعتقدون أن الرسول ﵊ بشر ليس له من شئون الربوبية شيء، ولا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، حتى إنه ﵊ يسأل أحيانا عن شيء من الأحكام الشرعية فيتوقف حتى يأتيه الوحي، حتى إنه أحيانا يصدر القول فيأتيه الاستثناء أو الاستدراك من عند الله ، فقد «سئل ﵊ عن الشهادة هل تكفر كل شيء؟ فقال: " نعم "، ثم قال: " أين السائل؟ " فقال: " إلا الدين، أخبرني بذلك جبريل آنفا» ، أحيانا يجتهد ﵊، ولكن يأتيه الوحي من الله بأن الخير في كذا وكذا خلاف ما اجتهد فيه ﷺ . إذن الرسول ﵊ عبد عابد لله ، وليس له من شئون الربوبية شيء، هذا هو قول أهل السنة والجماعة في رسول الله ﷺ . يعتقد أهل السنة والجماعة أيضا أن رسول الله ﷺ بشر تجوز عليه كل الخصائص البشرية والجسدية، فينام ويأكل ويشرب ويمرض ويتألم ويحزن ويرضى ويغضب ﵊، ويموت كما يموت الناس، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾

стр. 1450

، ولا ريب أن رسول الله ﷺ قد مات ميتة جسدية فارقت روحه جسده فيها، وقام أهله وأصحابه بما يقومون به في غيره من شئون الموتى، سوى أنه ﵊ لم يجرد عند تغسيله، والمعروف أنه لم يصل عليه جماعة، إنما كان الناس يصلون عليه أفرادا؛ لأنه الإمام ﵊. ومن زعم أنه حي في قبره حياة جسدية لا حياة برزخية، وأنه يصلي ويصوم ويحج، وأنه يعلم ما تقوله الأمة وتفعله، فإنه قد قال قولا بلا علم. فالرسول ﵊ انقطع عمله بموته كما قال هو نفسه: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . فعمله الذي يعمله بنفسه انقطع بموته، ولكن لا شك أن كل علم علمناه من شريعة الله فإنه بواسطته ﵊، وحينئذ فيكون منتفعا من كل هذه العلوم التي علمناها بعد موته ﷺ ، وكذلك الأعمال الصالحة التي نعملها كانت بدلالته ﷺ ، فيكون له مثل أجر العاملين.

стр. 1451

رابعا: طريقة أهل السنة والجماعة في حق الصحابة ﵃ أهل السنة والجماعة يعرفون للصحابة قدرهم، وأنهم خير القرون بشهادة النبي ﷺ ، فإنه ﷺ قال فيما ثبت عنه من حديث عمران بن حصين: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ، فالصحابة خير هذه الأمة بلا شك، ولكنهم على مراتب، بعضهم أفضل من بعض. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ، وقال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ . ولكن هذه المراتب وهذه الفضائل يجب أن نعرف أن الواحد فيهم له مرتبة على الإطلاق، وله مرتبة خاصة، أي أنه قد يكون أفضل من غيره على سبيل العموم والإطلاق، ويكون في غيره خصلة هو أفضل منه، فيها وأهل السنة والجماعة يقولون: إن أفضل الصحابة الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، يرتبونهم في الفضل حسب ترتيبهم في الخلافة، ولكن لا يلزم من كون أبي بكر أفضل الصحابة ألا يتميز أحد من الصحابة عن أبي بكر بمنقبة خاصة. وقد يكون لعلي بن أبي طالب منقبة ليست لأبي بكر، وقد يكون لعمر منقبة ليست لأبي بكر، كذلك قد يكون لعثمان، ولكن الكلام على الفضل المطلق والمرتبة الكلية العامة، فإن مراتب الصحابة تختلف اختلافا

стр. 1452

اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وهو دلالة القرآن، ودلالة السنة أيضا. فإن خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف تنازعا في أمر، فقال النبي ﷺ لخالد: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . كذلك أيضا أهل السنة والجماعة يقولون: إن بعض الصحابة له مزية ليست لغيرهم، فيجب أن ننزلهم في منازلهم، فإذا كان الصحابي من آل بيت الرسول ﵊ كعلي بن أبي طالب وحمزة والعباس وابن عباس وغيرهم فإننا نحبه أكثر من غيره من حيث قربه من الرسول ﵊، لا على سبيل الإطلاق، فنعرف له حقه بقرابته من رسول الله ﷺ ، ولكنه لا يلزم من ذلك أن نفضله على غيره تفضيلا مطلقا ممن له قدم راسخ في الإسلام أكثر من هذا القريب من الرسول ﷺ ؛ لأن المراتب والفضائل هي صفات يتميز الإنسان بصفة منها لا يتميز بها الآخر. وأهل السنة والجماعة في آل البيت لا يغلون غلو الروافض، ولا ينصبون العداوة لهم نصب النواصب، ولكنهم وسط بين طرفين، يعرفون لهم حقهم بقرابتهم من الرسول ﵊، ولكنهم لا يتجاوزون بهم منزلتهم.

стр. 1453

خامسا: طريقة أهل السنة والجماعة في حق الأولياء والأئمة أئمة هذه الشريعة الإسلامية ولله الحمد أئمة مشهورون أثنت عليهم الأمة وعرفت لهم قدرهم، ولكنها لا تعتقد فيهم العصمة، فليس عند أهل السنة والجماعة أحد معصوم من الخطأ ولا من الإقرار على الخطأ، إلا الرسول ﵊ فإنه معصوم من الإقرار على الخطأ، أما غيره مهما بلغت إمامته فإنه ليس معصوما أبدا، كل يخطئ وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، الذي أمرنا الله تعالى بطاعته على الإطلاق. فهم يقولون لا شك أن في هذه الأمة أئمة، ولا شك أن فيها أولياء، ولكننا لا نريد بذلك أن نثبت العصمة لأحد من هؤلاء الأئمة، ولا أن نثبت لأحد من الأولياء أنه يعلم الغيب أو يتصرف في الكون، وهم أيضا لا يجعلون الولي من قال عن نفسه: إنه ولي، أو أتى بالدعايات الباطلة لأجل أن يجلب الناس إليه يقولون: إن الولي بينه الله تعالى بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ، هؤلاء الأولياء: الذين آمنوا، وكانوا يتقون، فالإيمان: العقيدة، والتقوى: العمل قولا كان أو فعلا، وأخذ شيخ الإسلام من هذه الآية عبارة طيبة وهي قوله: " من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا "، هذا الولي حقيقة، لا الولي الذي يجلب الناس إليه، ويجمع الحاشية ويقول: أنا أفعل، ويستعين بالشياطين على معرفة الخفي، ثم يبهر الناس بما يقول فيقولون: هذا ولي، لا لأن الولاية تكون باتباع الرسول ﵊، وبإيمانه وتقواه، فإن كان مؤمنا تقيا فهو ولي.

стр. 1454

ولكن هؤلاء الأولياء أيضا لا يلزم في كل ولي أن يجعل الله له كرامة، فما أكثر الأولياء الذين لا كرامة لهم؛ لأن الكرامة في الغالب لا تأتي إلا لنصر حق أو دفع باطل، لا لتثبيت شخص بعينه، فلا يلزم إذن أن يكون لكل ولي كرامة، قد يحيا الولي ويموت وليس له كرامة، وقد يكون له كرامات متعددة، وهذه الكرامات كما قال أهل العلم: كل كرامة لولي فإنها آية للنبي الذي اتبعه، ولا أقول: " معجزة " لأن الأولى أن تسمى آية؛ لأن هذا التعبير القرآني والآية أبلغ من المعجزة؛ لأن الآية معناها العلامة على صدق ما جاء به هذا الرسول، والمعجزة قد تكون على يد مشعوذ أو على يد إنسان قوي يفعل ما يعجز عنه غيره، لكن التعبير بـ "الآية" أبلغ وأدق، وهي التعبير القرآني، فنسمي المعجزات بالآيات، هذا هو الصواب. يوجد أناس حسب ما نسمع في هذه الأمة يدعون أنهم أولياء، ولكن من تأمل حالهم وجد أنهم بعيدون عن الولاية، وأنه لا حظ لهم فيها، لكن لهم شياطين يعينونهم على ما يريدون، فيخدعون بذلك البسطاء من الناس.

стр. 1455

سادسا: طريقة أهل السنة والجماعة في إصلاح المجتمع يرى أهل السنة والجماعة أن المجتمع الإسلامي لا يكمل صلاحه إلا إذا تمشى مع ما شرعه الله له، ولهذا يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعروف: كل ما عرفه الشرع وأقره، والمنكر: كل ما أنكره الشرع وحرمه، فهم يرون أن المجتمع الإسلامي لا يصلح إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأننا لو فقدنا هذا المقوم لحصل التفرق، كما يشير إليه قول الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . وهذا المقوم وللأسف في هذا الوقت ضاع أو كاد؛ لأنك لا تجد شخصا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى في المحيط القليل المحصور إلا ما ندر. وإذا ترك الناس هكذا كل إنسان يعمل ما يريد تفرق الناس، ولكن إذا تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر صاروا أمة واحدة، ولكن لا يلزم إذا رأيت أمرا معروفا أن يكون معروفا عند غيرك، إلا في شيء لا مجال للاجتهاد فيه، إنما ما للاجتهاد فيه مجال فقد أرى أن هذا من المعروف، ويرى الآخر أنه ليس منه، وحينئذ يكون المرجع في ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ، ولكن طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب العظيم

стр. 1456

الذي فضلت فيه هذه الأمة على غيرها أنهم يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مقومات المجتمع الإسلامي، ولكنه يحتاج إلى أمور: أولا: أن يكون الإنسان عالما بالحكم بحيث يعرف أن هذا معروف، وأن هذا منكر، أما أن يأتي عن جهل، ثم يأمر بشيء يراه معروفا في ظنه، وهو ليس بمعروف، فهذا قد يكون ضره أكبر من نفعه، لذلك لو فرضنا شخصا تربى في مجتمع يرون أن هذه البدعة معروف، ثم يأتي إلى مجتمع جديد غيره يجدهم لا يفعلونها، فيقوم وينكر عليهم عدم الفعل، ويأمرهم بها، فهذا خطأ، فلا تأمر بشيء إلا حيث تعرف أنه معروف في شريعة الله، ليس بعقيدتك أنت وما نشأت عليه، فلا بد من معرفة الحكم، وأن هذا معروف حتى تأمر به، وكذلك المنكر. ثانيا: لا بد أن تعلم أن هذا المعروف لم يفعل، وأن هذا المنكر قد فعل، وكم من إنسان أمر شخصا بمعروف فإذا هو فاعله، فيكون في هذا الأمر عبئا على غيره، وربما يضع ذلك من قدره بين الناس. وإذا رأينا هدي النبي ﷺ وجدنا أن هذه طريقته، «دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب وجلس، فقال النبي ﷺ : " أصليت؟ " قال: لا، قال: " فقم فصل ركعتين» ، صلاة الركعتين لداخل المسجد من المعروف ولا شك، ولكن الرسول ﵊ ما أمره به مباشرة حتى علم أنه لم يفعله، فأنت قد تأمر هذا الرجل أن يفعل شيئا، وإذا هو قد فعله فتتسبب إلى التعجل وعدم التريث وتحط من قدرك، ولكن اسأل وتحقق إذا لم يفعل حينئذ تأمر به. وكذلك أيضا بالنسبة للمعاصي، فبعض الناس قد ينهى شخصا عما يراه منكرا وليس بمنكر. مثال ذلك: رأيت رجلا يصلي الفريضة وهو جالس، فنهيته بأنه ليس له حق أن

стр. 1457

يصلي وهو جالس، فهذا غير صحيح، لكن اسأل أولا لماذا جلس؟ قد يكون له عذر في جلوسه وأنت لا تعلم، حينئذ تكون متسرعا، ويكون ذلك ناقصا من قدرك، هذا أمر أيضا لا بد منه: أن تعرف الحكم الشرعي، وأن تعرف الحال التي عليها المأمور والمنهي حتى تكون على بصيرة من أمرك. ثالثا: أن لا يترتب على فعل المعروف ما هو منكر أعظم مفسدة من منفعة المعروف، فإن ترتب على فعل المعروف منكر هو أشد ضررا من المنفعة الحاصلة بهذا المعروف فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهذه الكلمة المعروفة هي القاعدة التي دل عليها القرآن ليست أيضا على إطلاقها، أي أنه ليست كل مفسدة درؤها أولى من جلب مصلحة، بل إذا تكافأت مع المصلحة فدرء المفسدة أولى، وإذا كانت أعظم من المصلحة فدرء المفسدة أولى، والله يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، فسب آلهة المشركين كل يعلم أنه مصلحة وأن فيه خيرا، لكن إذا تضمنت هذه المصلحة ما هو أنكر -وأنكر من باب التفاضل الذي ليس في الطرف الآخر منه شيء- إذا تضمن مفسدة عظيمة فإنها تترك؛ لأننا إذا سببنا آلهتهم ونحن نسبها بحق سبوا الله عدوا بغير علم. فهذه نقطة ينبغي أن نتفطن لها عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما إذا كانت المفسدة تنغمر في جانب المصلحة فإننا نفضل المصلحة ولا يهمنا، وهذا عليه شيء كثير من أحكام الله الشرعية والكونية. فمثلا هذا المطر الذي ينزل وفيه مصلحة عامة لكن فيه ضررا على إنسان بنى سقفه الآن وجاء المطر فأفسده، لكن هذه المفسدة القليلة منغمرة في جانب المصلحة العامة، وهكذا أيضا الأحكام الشرعية كالأحكام

стр. 1458

الكونية، وهذا أمر ينبغي التنبه له، وهو أننا قد لا يكون من المصلحة أن ننهى عن هذا المنكر لأنه يتضمن مفسدة أكبر، ولكننا نتريث حتى تتم الأمور. ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بالتدرج في التشريع حتى يقبلها الناس شيئا فشيئا، وهكذا المنكر لا بد أن نأخذ الناس فيه بالمعالجة حتى يتم الأمر، هذه هي الثلاثة الأمور: ١ - العلم بالحكم. ٢ - العلم بالحال. ٣ - أن لا يترتب على فعل المعروف منكر أعظم مفسدة.

стр. 1459

سابعا: قول أهل السنة والجماعة في الإيمان الإيمان حقيقته عند أهل السنة والجماعة هي: " اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح "، ويستدلون لقولهم هذا بقول النبي ﷺ : «إن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ، فالقول قول اللسان: «لا إله إلا الله» ، وعمل الجوارح وعمل القلب " «الحياء» «وإماطة الأذى عن الطريق» . أما عقيدة القلب فقوله ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» . وهم أيضا يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، فالقرآن قد دل على زيادته، والضرورة العقلية تقتضي أن كل ما ثبت أنه يزيد فهو ينقص إذ لا تعقل الزيادة بدون نقص ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ، ولا شك في ذلك، ومتى قلنا: إن الإيمان قول وعمل فإنه لا شك أن الأقوال تختلف، فليس من قال: " سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر " مرة كمن قالها أكثر، وكذلك أيضا نقول: إن الإيمان الذي هو عقيدة القلب يختلف قوة وضعفا، وقد قال إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ، فإنه ليس الخبر كالمعاينة والمشاهدة. رجل أخبر بخبر أخبره رجل واحد حصل عنده شيء من هذا الخبر، فإذا جاء ثان ازداد قوة فيه، وإذا جاءه الثالث ازداد قوة وهلم، وعليه

стр. 1460

نقول: الإيمان يزيد وينقص حتى في عقيدة القلب، وهذا أمر يعلمه كل إنسان من نفسه، وأما من أنكر زيادته ونقصانه فإنه مخالف للشرع والواقع، فهو يزيد وينقص. وبهذا تم ما أردنا الكلام عليه، والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1461

القضاء والقدر

стр. 1462

القضاء والقدر [المقدمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد. .. فأيها الإخوة الكرام إننا في هذا اللقاء الذي نرجو أن يفتح الله علينا فيه من خزائن فضله ورحمته، وأن يجعلنا من الهداة المهتدين، ومن القادة المصلحين، ومن المستمعين المنتفعين، نبحث في أمر مهم يهم جميع المسلمين، ألا وهو " قضاء الله وقدره "، والأمر ولله الحمد واضح، ولولا أن التساؤلات قد كثرت، ولولا أن الأمر اشتبه على كثير من الناس، ولولا كثرة من خاض في الموضوع بالحق تارة وبالباطل تارات، ونظرا إلى أن الأهواء انتشرت وكثرت، وصار الفاسق يريد أن يبرر لفسقه بالقضاء والقدر، لولا هذا وغيره ما كنا نتكلم في هذا الأمر. والقضاء والقدر ما زال النزاع فيه بين الأمة قديما وحديثا، فقد روي «أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، فنهاهم عن ذلك، وأخبر أنه ما أهلك الذين من قبلكم إلا هذا الجدال» . ولكن فتح الله على عباده المؤمنين السلف الصالح الذين سلكوا طريق

стр. 1463

العدل فيما عملوا وفيما قالوا؛ وذلك أن قضاء الله تعالى وقدره من ربوبيته لخلقه، فهو داخل في أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي قسم أهل العلم إليها توحيد الله : القسم الأول: توحيد الألوهية، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة. القسم الثاني: توحيد الربوبية، وهو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير. القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته. فالإيمان بالقدر هو من ربوبية الله ، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: " القدر قدرة الله ". اهـ؛ لأنه من قدرته ومن عمومها بلا شك، وهو أيضا سر الله تعالى المكتوم الذي لا يعلمه إلا الله ، مكتوب في اللوح المحفوظ، في الكتاب المكنون الذي لا يطلع عليه أحد، ونحن لا نعلم بما قدره الله لنا أو علينا، أو بما قدره الله تعالى في مخلوقاته إلا بعد وقوعه أو الخبر الصادق عنه. أيها الإخوة إن الأمة الإسلامية انقسمت في القدر إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: غلوا في إثبات القدر وسلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إن العبد ليس له قدرة ولا اختيار، وإنما هو مسير لا مخير كالريشة في مهب الريح، ولم يفرقوا بين فعل العبد الواقع باختياره وبين فعله الواقع بغير اختياره، ولا شك أن هؤلاء ضالون لأنه مما يعلم بالضرورة من الدين، والعقل والعادة أن الإنسان يفرق بين الفعل الاختياري والفعل الإجباري. القسم الثاني: غلوا في إثبات قدرة العبد واختياره حتى نفوا أن يكون لله تعالى مشيئة أو اختيار أو خلق فيما يفعله العبد، وزعموا أن العبد

стр. 1464

مستقل بعمله، حتى غلا طائفة منهم فقالوا: إن الله تعالى لا يعلم بما يفعله العباد إلا بعد أن يقع منهم، وهؤلاء أيضا غلوا وتطرفوا تطرفا عظيما في إثبات قدرة العبد واختياره. القسم الثالث: وهم الذين آمنوا فهداهم الله لما اختلف فيه من الحق، وهم أهل السنة والجماعة، سلكوا في ذلك مسلكا وسطا قائما على الدليل الشرعي وعلى الدليل العقلي، وقالوا: إن الأفعال التي يحدثها الله تعالى في الكون تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يجريه الله ﵎ من فعله في مخلوقاته فهذا لا اختيار لأحد فيه، كإنزال المطر وإنبات الزرع والإحياء والإماتة والمرض والصحة وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي تشاهد في مخلوقات الله تعالى، وهذه بلا شك ليس لأحد فيها اختيار وليس لأحد فيها مشيئة، وإنما المشيئة فيها لله الواحد القهار. القسم الثاني: ما تفعله الخلائق كلها من ذوات الإرادة فهذه الأفعال تكون باختيار فاعليها وإرادتهم؛ لأن الله تعالى جعل ذلك إليهم، قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ، والإنسان يعرف الفرق بين ما يقع منه باختياره وبين ما يقع منه باضطرار وإجبار، فالإنسان ينزل من السطح بالسلم نزولا اختياريا يعرف أنه مختار، ولكنه يسقط هاويا من السطح ويعرف أنه ليس مختارا لذلك، ويعرف الفرق بين الفعلين، وأن الثاني إجبار والأول اختيار، وكل إنسان يعرف ذلك.

стр. 1465

وكذلك الإنسان يعرف أنه إذا أصيب بمرض سلس البول فإن البول يخرج منه بغير اختياره، وإذا كان سليما من هذا المرض فإن البول يخرج منه باختياره، ويعرف الفرق بين هذا وهذا، ولا أحد ينكر الفرق بينهما، وهكذا جميع ما يقع من العبد يعرف فيه الفرق بين ما يقع اختيارا وبين ما يقع اضطرارا وإجبارا، بل إن من رحمة الله أن من الأفعال ما هو باختيار العبد ولكن لا يلحقه منه شيء كما في فعل الناسي والنائم، يقول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ، وهم الذين يتقلبون، ولكن الله تعالى نسب الفعل إليه؛ لأن النائم لا اختيار له ولا يؤاخذ بفعله، فنسب فعله إلى الله ، ويقول النبي ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» ، فنسب هذا الإطعام وهذا الإسقاء إلى الله ؛ لأن الفعل وقع منه بغير ذكر فكأنه صار بغير اختياره، وكلنا يعرف الفرق بين ما يجده الإنسان من ألم بغير اختياره وما يجده من خفة في نفسه أحيانا بغير اختياره، ولا يدري ما سببه، وبين أن يكون الألم هذا ناشئا من فعل هو الذي اكتسبه، أو هذا الفرح ناشئا من شيء هو الذي اكتسبه، وهذا الأمر ولله الحمد واضح لا غبار عليه. أيها الإخوة: إننا لو قلنا بقول الفريق الأول الذين غلوا في إثبات القدر لبطلت الشريعة من أصلها؛ لأن القول بأن فعل العبد ليس له فيه اختيار يلزم منه أن لا يحمد على فعل محمود، ولا يلام على فعل مذموم؛ لأنه في الحقيقة بغير اختيار وإرادة منه، وعلى هذا فالنتيجة إذن أن الله ﵎ يكون -تعالى عن ذلك علوا كبيرا- ظالما لمن عصى إذا عذبه وعاقبه على معصيته؛ لأنه عاقبه على أمر لا اختيار له فيه ولا إرادة، وهذا بلا شك مخالف للقرآن صراحة يقول الله ﵎: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾

стр. 1466

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ، فبين سبحانه أن هذا العقاب منه ليس ظلما، بل هو كمال العدل لأنه قد قدم إليهم بالوعيد، وبين لهم الطرق، وبين لهم الحق، وبين لهم الباطل، فلم يبق لهم حجة عند الله ، ولو قلنا بهذا القول الباطل لبطل قول الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ، فإن الله ﵎ نفى أن يكون للناس حجة بعد إرسال الرسل؛ لأنهم قامت عليهم الحجة بذلك، فلو كان القدر حجة لهم لكانت هذه الحجة باقية حتى بعد بعث الرسل؛ لأن قدر الله تعالى لم يزل ولا يزال موجودا قبل إرسال الرسل وبعد إرسال الرسل، إذن فهذا القول تبطله النصوص، ويبطله الواقع كما فصلنا بالأمثلة السابقة. أما أصحاب القول الثاني فإنهم أيضا ترد عليهم النصوص والواقع؛ ذلك لأن النصوص صريحة في أن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله ، قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، والذين يقولون بهذا القول هم في الحقيقة مبطلون لجانب من جوانب الربوبية، وهم أيضا مدعون بأن في

стр. 1467

ملك الله تعالى ما لا يشاؤه ولا يخلقه، والله ﵎ شاءٍ لكل شيء، خالق لكل شيء، مقدر لكل شيء، وهم أيضا مخالفون لما يعلم بالاضطرار من أن الخلق كله ملك لله ذواته وصفاته، لا فرق بين الصفة والذات، ولا بين المعنى وبين الجسد، إذن فالكل لله ، ولا يمكن أن يكون في ملكه ما لا يريد ﵎، ولكن يبقى علينا إذا كان الأمر راجعا إلى مشيئة الله ﵎، وأن الأمر كله بيده، فما طريق الإنسان إذن؟ وما حيلة الإنسان إذا كان الله تعالى قد قدر عليه أن يضل ولا يهتدي؟ فنقول: الجواب عن ذلك: أن الله ﵎ إنما يهدي من كان أهلا للهداية، ويضل من كان أهلا للضلالة، يقول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ، ويقول تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ، فبين الله ﵎ أن أسباب إضلاله لمن ضل إنما هو بسبب من العبد نفسه، والعبد كما أسلفنا آنفا لا يدري ما قدر الله تعالى له؛ لأنه لا يعلم بالقدر إلا بعد وقوع المقدور، فهو لا يدري هل قدر الله له أن يكون ضالا أم أن يكون مهتديا؟ فما باله يسلك طريق الضلال ثم يحتج بأن الله تعالى قد أراد له ذلك؟ أفلا يجدر به أن يسلك طريق الهداية ثم يقول إن الله تعالى قد هداني للصراط المستقيم؟ ! أيجدر به أن يكون جبريا عند الضلالة قدريا عند الطاعة. كلا لا يليق بالإنسان أن يكون جبريا عند الضلالة والمعصية، فإذا ضل أو عصى الله قال: هذا أمر قد كتب علي وقدر علي، ولا يمكنني أن أخرج عما قضى الله وقدر، وإذا كان في جانب الطاعة ووفقه الله تعالى للطاعة

стр. 1468

والهداية زعم أن ذلك منه ثم من به على الله، وقال: أنا أتيت به من عند نفسي، فيكون قدريا في جانب الطاعة، جبريا في جانب المعصية، هذا لا يمكن أبدا، فالإنسان في الحقيقة له قدرة وله اختيار، وليس باب الهداية بأخفى من باب الرزق وبأخفى من أبواب طلب العلم، والإنسان كما هو معلوم لدى الجميع قد قدر له ما قدر من الرزق، ومع ذلك هو يسعى في أسباب الرزق في بلده وخارج بلده يمينا وشمالا، لا يجلس في بيته ويقول: إن قدر لي رزق فإنه يأتيني، بل هو يسعى في أسباب الرزق مع أن الرزق نفسه مقرون بالعمل كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود ﵁: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد» . فهذا الرزق أيضا مكتوب كما أن العمل من صالح أو سيئ مكتوب، فما بالك تذهب يمينا وشمالا وتجوب الأرض والفيافي طلبا لرزق الدنيا، ولا تعمل عملا صالحا لطلب رزق الآخرة والفوز بدار النعيم؟ ! إن البابين واحد ليس بينهما فرق، فكما أنك تسعى لرزقك وتسعى لحياتك وامتداد أجلك فإذا مرضت بمرض ذهبت إلى أقطار الدنيا تريد الطبيب الماهر الذي يداوي مرضك، ومع ذلك فإن لك ما قدر من الأجل لا يزيد ولا ينقص، ولست تعتمد على هذا وتقول: أبقى في بيتي مريضا طريحا وإن قدر الله لي أن يمتد الأجل امتد، بل نجدك تسعى بكل ما تستطيع من قوة وبحث لتبحث عن الطبيب الذي ترى أنه أقرب الناس أن يقدر الله الشفاء على يديه، فلماذا لا يكون عملك في طريق الآخرة وفي العمل الصالح كطريقك فيما تعمل للدنيا؟ ! وقد سبق أن قلنا: إن القضاء سر مكتوم لا يمكن أن تعلم عنه، فأنت الآن بين طريقين: طريق يؤدي بك إلى السلامة وإلى الفوز

стр. 1469

والسعادة والكرامة، وطريق يؤدي بك إلى الهلاك والندامة والمهانة، وأنت الآن واقف بينهما ومخير ليس أمامك من يمنعك من سلوك طريق اليمين ولا من سلوك طريق الشمال، إذا شئت ذهبت إلى هذا، وإذا شئت ذهبت إلى هذا، فما بالك تسلك طريق اليمين وتقول: إنه قد قدر لي؟ ! فلو أنك أردت السفر إلى بلد ما وكان أمامك طريقان أحدهما معبد قصير آمن، والآخر غير معبد وطويل ومخوف، لوجدنا أنك تختار المعبد القصير الآمن ولا تذهب إلى الطريق الذي ليس بمعبد وليس بقصير وليس بآمن، هذا في الطريق الحسي إذن فالطريق المعنوي موازٍ له ولا يختلف عنه أبدا، ولكن النفوس والأهواء هي التي تتحكم أحيانا في العقل وتغلب على العقل، والمؤمن ينبغي أن يكون عقله غالبا على هواه، وإذا حكم عقله فالعقل بالمعنى الصحيح يعقل صاحبه عما يضره ويدخله فيما ينفعه ويسره. بهذا تبين لنا أن الإنسان يسير في عمله الاختياري سيرا اختياريا ليس إجباريا، وأنه كما يسير لعمل دنياه سيرا اختياريا، وهو إن شاء جعل هذه السلعة أو تلك تجارته، فكذلك أيضا هو في سيره إلى الآخرة يسير سيرا اختياريا، بل إن طرق الآخرة أبين بكثير من طرق الدنيا؛ لأن الذي بين طرق الآخرة هو الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، فلا بد أن تكون طرق الآخرة أكثر بيانا وأجلى وضوحا من طرق الدنيا، ومع ذلك فإن الإنسان يسير في طرق الدنيا التي ليس ضامنا لنتائجها، ولكنه يدع طرق الآخرة التي نتائجها مضمونة معلومة لأنها ثابتة بوعد الله، والله ﵎ لا يخلف الميعاد. بعد هذا نقول: إن أهل السنة والجماعة قرروا هذا وجعلوه عقيدتهم ومذهبهم: أن الإنسان يفعل باختياره، وأنه يقول كما يريد، ولكن إرادته واختياره تابعان لإرادة الله ﵎ ومشيئته، ثم يؤمن أهل السنة

стр. 1470

والجماعة بأن مشيئة الله تعالى تابعة لحكمته وأنه ليست مشيئته مطلقة مجردة ولكنها مشيئة تابعة لحكمته؛ لأن من أسماء الله تعالى "الحكيم"، والحكيم هو الحاكم المحكم الذي يحكم الأشياء كونا وشرعا، ويحكمها عملا وصنعا، والله تعالى بحكمته يقدر الهداية لمن أرادها لمن يعلم أنه يريد الحق وأن قلبه على الاستقامة، ويقدر الضلالة لمن لم يكن كذلك لمن إذا عرض عليه الإسلام يضيق صدره كأنما يصعد في السماء فإن حكمة الله ﵎ تأبى أن يكون هذا من المهتدين إلا أن يجدد الله له عزما ويقلب إرادته إلى إرادة أخرى والله تعالى على كل شيء قدير، ولكن حكمة الله تأبى إلا أن تكون الأسباب مربوطة بها مسبباتها. و مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أربع مراتب: المرتبة الأولى: العلم وهي أن يؤمن الإنسان إيمانا جازما بأن الله تعالى بكل شيء عليم وأنه يعلم ما في السماوات والأرض جملة وتفصيلا سواء كان ذلك من فعله أو من فعل مخلوقاته، وأنه لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء. المرتبة الثانية: الكتابة وهي أن الله ﵎ كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء. وقد جمع الله تعالى بين هاتين المرتبتين في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فبدأ سبحانه بالعلم وقال: (إن ذلك في كتاب (أي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ كما جاء به الحديث عن رسول الله ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: رب ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن فجرى في تلك»

стр. 1471

«الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» . ولهذا «سئل النبي ﷺ عما نعمله: أشيء مستقبل أم شيء قد قضي وفرغ منه؟ قال: إنه قد قضي وفرغ منه» . وقال أيضا حين «سئل: أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب الأول؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له» فأمرهم النبي ﷺ بالعمل، فأنت يا أخي اعمل وأنت ميسر لما خلقت له. ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ . المرتبة الثالثة: المشيئة، وهي أن الله ﵎ شاء لكل موجود أو معدوم في السماوات أو في الأرض، فما وجد موجود إلا بمشيئة الله تعالى، وما عدم معدوم إلا بمشيئة الله تعالى، وهذا ظاهر في القرآن الكريم، وقد أثبت الله تعالى مشيئته في فعله ومشيئته في فعل العباد فقال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فبين الله تعالى أن فعل الناس كائن بمشيئته، وأما فعله تعالى فكثير قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى آيات كثيرة تثبت المشيئة في فعله ﵎، فلا يتم الإيمان بالقدر إلا أن نؤمن بأن مشيئة الله عامة لكل موجود أو معدوم، فما من معدوم إلا وقد شاء الله تعالى عدمه، وما من موجود إلا

стр. 1472

وقد شاء الله تعالى وجوده، ولا يمكن أن يقع شيء في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله تعالى. المرتبة الرابعة: الخلق أي أن نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء فما من موجود في السماوات والأرض إلا الله خالقه، حتى الموت يخلقه الله ﵎، وإن كان هو عدم الحياة. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فكل شيء في السماوات أو في الأرض فإن الله تعالى خالقه لا خالق إلا الله ﵎، وكلنا يعلم أن ما يقع من فعله بأنه مخلوق له، فالسماوات والأرض، والجبال والأنهار، والشمس والقمر، والنجوم والرياح، والإنسان والبهائم كلها مخلوقات الله، وكذلك ما يحدث لهذه المخلوقات من صفات وتقلبات وأحوال كلها أيضا مخلوقة لله . ولكن قد يشكل على الإنسان كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا الاختياري إنه مخلوق لله ؟ فنقول: نعم يصح أن نقول ذلك؛ لأن فعلنا وقولنا ناتج عن أمرين: أحدهما: القدرة. والثاني: الإرادة. فإذا كان فعل العبد ناتجا عن إرادته وقدرته فإن الذي خلق هذه الإرادة وجعل قلب الإنسان قابلا للإرادة هو الله ، وكذلك الذي خلق فيه القدرة هو الله ويخلق السبب التام الذي يتولد عنه المسبب. نقول: إن خلق السبب التام خالق للمسبب أي إن خالق المؤثر خالق للأثر، فوجه كونه تعالى خالقا لفعل العبد أن نقول إن فعل العبد وقوله ناتج عن أمرين هما:

стр. 1473

الإرادة. القدرة. فلولا الإرادة لم يفعل، ولولا القدرة لم يفعل؛ لأنه إذا أراد وهو عاجز لم يفعل، لعجزه عن الفعل وإذا كان قادرا ولم يرد لم يكن الفعل، فإذا كان الفعل ناتجا عن إرادة جازمة وقدرة كاملة فالذي خلق الإرادة الجازمة والقدرة الكاملة هو الله، وبهذا الطريق عرفنا كيف يمكن أن نقول: إن الله تعالى خالق لفعل عبده، وإلا فالعبد هو الفاعل في الحقيقة فهو المتطهر وهو المصلي، وهو المزكي، وهو الصائم، وهو الحاج، وهو المعتمر، وهو العاصي، وهو المطيع لكن هذه الأفعال كلها كانت ووجدت بإرادة وقدرة مخلوقتين لله ، والأمر ولله الحمد واضح. وهذه المراتب الأربع المتقدمة يجب أن تثبت لله ، وهذا لا ينافي أن يضاف الفعل إلى فاعله من ذوي الإرادة. كما إننا نقول: النار تحرق والذي خلق الإحراق فيها هو الله تعالى بلا شك، فليست محرقة بطبيعتها بل هي محرقة بكون الله تعالى جعلها محرقة، ولهذا لم تكن النار التي ألقي فيها إبراهيم محرقة؛ لأن الله قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت بردا وسلاما على إبراهيم، فالنار بذاتها لا تحرق ولكن الله تعالى خلق فيها قوة الإحراق، وقوة الإحراق هي في مقابل فعل العباد كإرادة العبد وقدرته، فبالإرادة والقدرة يكون الفعل، وبالمادة المحرقة في النار يكون الإحراق، فلا فرق بين هذا وهذا، ولكن العبد لما كان له إرادة وشعور واختيار وعمل صار الفعل ينسب إليه حقيقة وحكما وصار مؤاخذا بالمخالفة معاقبا عليها لأنه يفعل باختيار ويدع باختيار.

стр. 1474

وأخيرا نقول: على المؤمن أن يرضى بالله تعالى ربا، ومن تمام رضاه بالربوبية أن يؤمن بقضاء الله وقدره، ويعلم أنه لا فرق في هذا بين الأعمال التي يعملها وبين الأرزاق التي يسعى لها، وبين الآجال التي يدافعها، الكل بابه سواء، والكل مكتوب، والكل مقدر، وكل إنسان ميسر لما خلق له. أسأل الله أن يجعلنا ممن ييسرون لعمل أهل السعادة وأن يكتب لنا الصلاح في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. تمت بحمد الله تعالى.

стр. 1475

شرح حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
следующие страницы →