← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

مثال ذلك: انشقاق القمر، ونبع الماء من أصابع يد النبي ﷺ وغير ذلك مما سيمر بك. فالأمر الجاري على وفق العادة لا يسمى معجزة، كما لو قال قائل: أريكم معجزة أن لا يمضي ساعة حتى تطلع الشمس، وكان ذلك قبل طلوع الشمس بأقل من ساعة، فإن الشمس إذا طلعت في زمن طلوعها لا يعد طلوعها معجزة لهذا القائل؛ لأن طلوعها في وقته على وفق العادة وليس خارقا للعادة. وإذا كان الشيء الخارق للعادة غير سالم من المعارضة فلا يسمى معجزة، مثل الأمور التي تقع من السحرة والمشعوذين ونحوهم؛ لأن الأمور التي يأتون بها يمكن معارضتها بفعل ساحر أو مشعوذ آخر. وإذا كان الشيء الخارق للعادة جاريا على يد ولي من الأولياء فلا يسمى معجزة، اصطلاحا، وإنما يسمى كرامة، ولكن هذه الكرامة الحاصلة للولي هي في الواقع معجزة للرسول الذي كان الولي متبعا له، إذ الكرامة دليل على صحة طريقة ذلك الولي. فوائد آيات الأنبياء ومعجزاتهم ١ - بيان قدرة الله تعالى، فإن هذه الآيات لا بد أن تكون أمورا خارقة للعادة كشاهدة، دليل على صحة ما جاء به الرسل، وإذا كانت خارقة للعادة كانت دليلا على قدرة الخالق، وأنه قادر على تغيير مجرى العادة التي كان الناس يألفونها، ولذا تجد المرء يندهش عند هذه الآيات، ولا يمكنه إلا أن يصدق برسالة الرسول الذي جاء بها حيث جاء بما لا يقدر عليه أحد سوى الله . ٢ - بيان رحمة الله بعباده، فإن هذه الآيات التي يرونها مؤيدة للرسل تزيد إيمانهم وطمأنينتهم لصحة الرسالة، ومن ثم يزداد يقينهم وثوابهم ولا

стр. 1542

يحصل لهم حيرة ولا شك ولا ارتباك. ٣ - بيان حكمة الله البالغة حيث لم يرسل رسولا فيدعه هملا من غير أن يؤيده بما يدل على صدقه، وإن المرء لو أرسل شخصا بأمر مهم من غير أن يصحبه بدليل، أو أمارة على صحة إرساله إياه لعد ذلك سفها منه وموقفا سلبيا من هذا الرسول، فكيف برسالة عظيمة من أحكم الحاكمين؟ إنها لا بد أن تكون مؤيدة بالبراهين والآيات البينات. ٤ - رحمة الله بالرسول الذي أرسله الخالق حيث ييسر قبول رسالته بما يجريه على يديه من الآيات ليتسنى إقناع الخلق بأمور لا يستطيعون معارضتها ولا يمكنهم ردها إلا جحودا وعنادا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: لما يرون من الآيات الدالة على صدقك. وقال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٥ - إقامة الحجة على الخلق، فإن الرسول لو أتى بدون آية دالة على صدقه لكان للناس حجة في رد قوله وعدم الإيمان به، فإذا جاء بالآيات المقنعة الدالة على رسالته لم يكن للناس أي حجة في رد قوله. ٦ - بيان أن هذا الكون خاضع لقدرة الله وتدبيره، ولو كان مدبرا لنفسه أو طبيعة تتفاعل مقوماتها وتتكون من ذلك نتائجها وآثارها لما تغيرت فجأة، واختلفت عادتها بمجرد دعوى شخص لتؤيده بما ادعاه، فانظر إلى الأكوان الفلكية التي لا تتغير بعوامل الزمن إلا بإرادة الله، ولقد أجراها الله تعالى كما قدر لها، تجري منذ خلقها الله حتى يأذن بانتهائها. وفي ليلة من الليالي «طلبت قريش من النبي ﷺ آية»

стр. 1543

«فأشار إلى القمر فانشق نصفين متباعدين يراهما الناس بأعينهم، حتى ادعت قريش جحودا وعنادا أن النبي ﷺ سحرهم، وسألوا القادمين إلى مكة عن ذلك فأخبروهم أنهم رأوا انشقاق القمر في تلك الليلة» . أفلا يدل هذا على أن هذا الكون العلوي منه والسفلي خاضع للرب الخالق العليم؟ وقد سبق آنفا ما ذكرناه من آيات موسى، وعيسى عليهما الصلاة والسلام من كون العصا حية وضرب البحر بها حتى انفلق والحجر حتى انفجر، وإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم آية لعيسى، ﷺ . آيات النبي محمد، ﷺ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) قال: والآيات والبراهين الدالة على نبوة محمد ﷺ كثيرة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويسميها من يسميها من النظار (معجزات) ، وتسمى دلائل النبوة وأعلام النبوة ونحو ذلك، وهذه الألفاظ التي سميت بها آيات الأنبياء كانت أدل على المقصد من لفظ المعجزات، ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجودا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان. قال ﵀: والآيات نوعان: منها ما مضى وصار معلوما بالخبر، ومنها ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والإيمان والعلم اللذين في اتباعه، وكشريعته التي جاء بها وذكر أمثلة أخرى لذلك سنعرض إن شاء الله لشيء منها تفصيلا. فمن هذه الآيات: ١ - القرآن الكريم، وهو أعظم آيات النبي ﷺ ؛ لأنه الآية السابقة الباقية، فمنذ أوحى الله إليه به حتى اليوم وهو آية شاهدة على نبوة محمد ﷺ .

стр. 1544

فالقرآن كلام الله تعالى لفظا ومعنى، تكلم الله نفسه كلاما حقيقيا فأوحاه إلى جبريل، ثم نزل به جبريل على قلب النبي ﷺ فوعاه، وحفظه وتكفل الله له بحفظه حيث قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وإذا كان الله قد تكفل ببيانه فمعناه أن الرسول ﷺ سيحفظه ويعيه حتى يبلغه الناس ويبينه لهم وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ والقرآن آية من آيات النبي ﷺ الدالة على صدقه من عدة أوجه: الأول: عجز الخلق كلهم أن يأتوا مجتمعين أو منفردين بمثل هذا القرآن قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ يعني لا يمكن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم معينا لبعض، وذلك لأن القرآن كلام الله ولا يمكن أن يشبهه شيء من كلام المخلوقين، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، ولا من حيث التأثير، ولا من حيث الثمرة والآثار الحميدة. الثاني: من حيث اللفظ في قوته، ورصانته، وتركيبه، وأسلوبه، ونظمه، وبيانه، ووضوحه، وشموله للمعاني العديدة الواسعة التي لا تزال تظهر عند التأمل والتفكير، حتى كأنك لتسمع الآية التي ما تزال تقرؤها فينقدح لك منها معنى جديد، كأنك لم تسمع الآية من قبل وكأن الآية نزلت لتوها من أجله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: نفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأت أحد بنظير هذا الأسلوب، فإنه ليس من جنس الشعر، ولا الرجز، ولا

стр. 1545

الرسائل، ولا الخطابة، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته، هذا عجيب خارق للعادة ليس له نظير في كلام جميع الخلق. وقال الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه (الوحي المحمدي) تحت عنوان: الفصل الرابع: إن القرآن لو أنزل بأساليب الكتب المألوفة المعهودة وترتيبها لفقد أعظم مزايا هدايته المقصودة بالقصد الأول. وأقول أيضا: إنه لو أنزل هكذا لفقد بهذا الترتيب أخص مراتب إعجازه المقصود بالدرجة الثانية. وقال: لو كان القرآن مرتبا مبوبا كما ذكر لكان خاليا من أعظم مزاياه شكلا وموضوعا، يعلم هذا وذاك مما نبينه من فوائد نظمه وأسلوبه الذي أنزله به رب العالمين، العليم، الحكيم، الرحيم، وهو مزج تلك المقاصد كلها بعضها ببعض، وتفريقها في سوره الكثيرة الطويلة منها، والقصيرة بالمناسبات المختلفة وتكرارها بالعبارات البليغة المؤثرة في القلوب المحركة للشعور المنافية للسآمة والملل إلى أن قال: والقابلة لأنواع أخرى من الإلقاء الخطابي في الترغيب والترهيب، والتعجيب، والتعيب، والتكريه، والتحبيب، والزجر، والتأنيب، واستفهام الإنكار، والتقرير، والتهكم، والتوبيخ، بما لا نظير له في كلام البشر من خطابة ولا شعر ولا رجز ولا سجع، فبهذا الأسلوب الرفيع في النظم البديع وبلاغة التعبير الرفيع كان القرآن كما ورد في معنى وصفه لا تبلى جدته ولا تخلقه كثرة الترديد. اهـ كلامه. الوجه الثالث: من إعجاز القرآن من حيث أهدافه العالية وآدابه الكاملة وتشريعاته المصلحة، فقد جاء بإصلاح العقيدة من الإيمان بالله، وبما له من الأسماء والصفات والأفعال، والإيمان بجميع ملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما يتعلق بذلك، وجاء بإخلاص العبادة لله، وتحرير الفكر، والعقل، والشعور من عبادة غير الله

стр. 1546

والتعلق به خوفا، ورجاءً، ومحبة، وتعظيما، وجاء بالآداب الكاملة التي يشهد بكمالها وصلاحها وإصلاحها كل عقل سليم أمر بالبر والصلة، والصدق، والعدل، والرحمة، والإحسان، ونهى عن كل ما يخالف ويناقض من الظلم، والبغي، والعدوان. أما تشريعاته فناهيك بها من نظم مصلحة للعباد والبلاد في المعاش، والمعاد، وإصلاحا في العبادة، وإصلاحا في المعاملة في الأحوال الشخصية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفردية، والكمالية فيما لو اجتمع الخلق كلهم على سن نظم تماثلها أو تقاربها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. الوجه الرابع: من إعجاز القرآن قوة تأثيره على النفوس والقلوب، فإنه ينفذ إلى القلب نفوذ السهم في الرمية، ويسيطر على العقول سيطرة الشمس على أفق الظلام كما شهد بذلك الموالي والمعادي، حتى إن الرجل العادي -فضلا عن المتعلم- ليسمع القرآن فيجد من نفسه جاذبية عظيمة تجذبه إليه قسرا، يعرف أن هذا ليس من كلام البشر، فقد سمع الوليد بن المغيرة -عم أبي جهل - القرآن مرة من رسول الله ﷺ ، فقال لقومه من بني مخزوم: لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى. «واجتمع مرة كبراء قريش فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ما يرد عليه. فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فكلم النبي ﷺ وعرض عليه كل ما يمكن إغراؤه من المال والجاه والنساء، فلما أتم كلامه تلا عليه رسول الله ﷺ أول سورة فصلت، فلما بلغ قوله تعالى:»

стр. 1547

« ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ قام عتبة فأمسك بفم النبي ﷺ وناشده الرحم أن يكف عنه، فلما رجع عتبة بن ربيعة إلى قومه وجدوه متغيرا، وقص عليهم خبره وما وقع من الرعب في قلب بقراءة النبي ﷺ وقال لهم: لقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب، ولقد كلمني بكلام ما سمعت أذناي بمثله قط، فما دريت ما أقول» . اهـ. ولقد كان بعض الكبراء من قريش يأتون ليلا خفية يستمعون تلاوة النبي ﷺ للقرآن كما جرى ذلك لأبي جهل وأبي سفيان وغيرهما. وهذه القصص وأمثالها تدل دلالة ظاهرة على تأثير القرآن في النفوس وأخذه بمجامع القلوب، ولكن هذا التأثير قد لا يظهر لكل أحد إنما يظهر لمن كان له ذوق ومعرفة بأساليب الكلام، وبلاغة اللسان. ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرّا به الماء الزلالا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر أنواعا من إعجاز القرآن: وهذه الأمور من ظهرت له من أهل العلم والمعرفة ظهر له إعجازه من هذا الوجه، ومن لم يظهر له ذلك اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله، كعجز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدي النبي ﷺ وإخباره بعجزهم، فإن هذا أمر ظاهر لكل أحد. الوجه الخامس: من إعجاز القرآن تلك الآثار الجليلة التي حصلت لأمة القرآن باتباعه والعمل بأهدافه السامية، وتعاليمه الرشيدة، فقد ارتقى بأمة القرآن التي اعتنت به لفظا وفهما وتطبيقا ارتقى بها إلى أوج العلا في العبادة والآداب والكرامة والعزة، لقد عرف سلف هذه الأمة قيمة هذا القرآن الكريم فكانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها،

стр. 1548

وما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعا، فسادوا جميع العالم وصارت لهم العزة والغلبة والظهور والتمكين في الأرض، والعلوم النافعة مع أنهم كانوا قبل ذلك متفرقين ضالين أميين مغلوبين بين الأمم، ولن يعود لأمة القرآن ذلك العز والظهور والغلبة حتى يرجعوا إلى المعين الذي روي به أسلافهم، فيأخذوا منه صافيا من غير كدر، لن يعود لهم ذلك حتى يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ويتفهموهما ويطبقوهما اعتقادا وقولا وعلما وعملا وكيفا، مؤمنين بذلك معتقدين أن هذا هو طريق الصلاح والإصلاح والسلامة، وإن من المؤسف حقا أن ترى الكثير من المسلمين اليوم لا يلتفتون إلى الكتاب والسنة، ولا يتفهمونهما، ولا يطبقونهما بل أكثرهم لا يقرأ من القرآن في عامه كله إلا ما يقرؤه في صلاته، هذا مع قلة تفهم في اللغة العربية، وآدابها، وأساليبها، فلم يكن عندهم ذوق لغوي، ولا شرعي لكتاب الله، وسنة رسوله، ﷺ ، ولذلك ابتعدوا عن مقومات الدين، وآثاره ونتائجه بقدر ما ابتعدوا عن كتاب الله وسنة رسول الله، وإنا لنرجو من الله تعالى أن يهيئ لأمة القرآن من أمرها رشدا، وأن يبعث لها قادة فكر وسياسة لما فيه الخير والصلاح، والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ٢- ومن آيات النبي ﷺ ما أظهره الله شاهدا على صدقه من الآيات الأفقية كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ولذلك أمثلة: المثال الأول: انشقاق القمر، فقد انشق القمر وصار فرقتين وشاهد

стр. 1549

الناس ذلك وقد أشار الله إلى ذلك في القرآن قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ وقد أجمع العلماء على وقوع ذلك في عهد النبي ﷺ قبل الهجرة، وقد رآه الناس بمكة. وقال النبي ﷺ حين رآه: «اشهدوا اشهدوا» وقدم المسافرون من كل وجه فأخبروا أنهم رأوه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وجعل الآية في انشقاق القمر دون الشمس وسائر الكواكب لأنه أقرب إلى الأرض من الشمس والنجوم، وكان الانشقاق فيه دون سائر أجزاء الفلك إذ هو الجسم المستنير الذي يظهر الانشقاق فيه لكل من يراه ظهورا لا يتمارى فيه، وأنه إذا قبل الانشقاق فقبول محله أولى بذلك وقد عاينه الناس وشاهدوه، وكان النبي ﷺ يقرأ هذه السورة في المجامع الكبار مثل صلاة العيدين، وكل الناس يقر بذلك، ولا ينكره ولو لم يكن قد انشق لأسرع الناس إلى تكذيب ذلك. ا. هـ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد استبعد أناس وقوع انشقاق القمر وحاولوا تحريف معنى القرآن في ذلك، وقد أخطؤوا خطأ كبيرا في هذا الإنكار فالقرآن لا يتحمل المعنى الذي حرفوه إليه، والنصوص الثابتة الكثيرة من الأحاديث صريحة في انشقاقه انشقاقا حسيا مشهودا، ولا يقدح في ذلك ما زعمه بعضهم من كونه لم ينقل في تاريخ غير التاريخ الإسلامي فإن نقله في التاريخ الإسلامي كاف في ذلك، وقد جاء به القرآن الكريم ولعل الناس الذين لم ينقلوه لم يشاهدوه، لعله وقع وهم نيام أو كانوا في النهار ولم يشعروا به، أو كان في تلك الساعة مانع من سحاب أو غيره، وقد أخبر المسافرون الذين قدموا مكة بمشاهدته، وهو لم يستمر فيما يظهر وإنما كان آية شاهدها الناس ثم عاد إلى حاله الأولى.

стр. 1550

المثال الثاني: المعراج فإنه من أكبر الآيات فلقد أسري بالنبي ﷺ في ليلة واحدة إلى بيت المقدس، واجتمع هناك بالأنبياء، وصلى بهم، ثم عرج به جبريل حتى بلغ سدرة المنتهى فوق سبع السماوات، وأوحى الله تعالى إليه ما أوحى، وشاهد، ﷺ ، من آيات الله الكبرى ما شاهد، ومر بالأنبياء في كل سماء، ورجع إلى مكة، كل ذلك في ليلة واحدة مع بعد المسافة الأرضية بين مكة وبين بيت المقدس، ثم البعد العظيم بين السماء والأرض وبين السماء الدنيا وما فوقها إلى سدرة المنتهى، وقد أخبر الله تعالى في القرآن عن الإسراء في سورة الإسراء وعن المعراج في سورة النجم إذا هوى. المثال الثالث: نزول المطر باستسقائه مباشرة، وإقلاع المطر باستصحائه مباشرة ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أصابت سنة أي جدب على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة (أي قطعة سحاب) فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت فأقلع المطر وخرجنا نمشي في الشمس» . ومن آيات النبي ﷺ ما وقع مطابقا لما أخبر به، ﷺ ، من أمور الغيب التي وقعت في عهده، وبعده ولذلك أمثلة أيضا: المثال الأول: ما رواه مسلم عن أنس بن مالك ﵁ عن

стр. 1551

عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ، يرينا مصارع أهل بدر قبل ابتداء القتال يقول: "هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، هذا مصرع فلان" فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حددها رسول الله ﷺ » . المثال الثاني: إخباره، ﷺ ، عن ظهور نار في أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي، ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» . فقد خرجت هذه النار في جمادى الآخرة سنة ٦٥٤هـ شرقي المدينة فأقامت نحوا من شهر وملأت تلك الأودية وشاهد الناس أعناق الإبل ببصرى وهي بلدة بالشام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه النار كانت تحرق الحجر. ومن أمثلة ذلك ما أخبر به النبي ﷺ مما سيكون من الفتن، وتغير أحوال الناس وغير ذلك. ومن آيات النبي ﷺ ما رواه البخاري وغيره عن جابر ﵁ قال: «عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ ، بين يديه ركوة (إناء للماء) فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه فقالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ونشرب إلا ما في الركوة التي عندك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون قال: فشربنا وتوضأنا،. قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا ألفا وخمسمائة» . ومن آيات النبي ﷺ تكثير الطعام كما جرى ذلك يوم الخندق وجرى ذلك لأبي هريرة مع أهل الصفة وآياته، ﷺ ، كثيرة جدا، وقد ذكر أهل العلم من ذلك الشيء الكثير، ومن أوسع ما رأيت في ذلك تاريخ ابن كثير ﵀ حيث كتب في آيات النبي ﷺ مجلدا كبيرا وذلك أن جميع

стр. 1552

آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد جرى مثلها للنبي، ﷺ ، وأمته أو ما هو أعظم منها. وهذه الآيات التي يجريها الله على أيدي أنبيائه وأوليائه كلها شاهدة بما له تعالى من كمال العلم، والقدرة، والرحمة، وأن الأمور كلها بيده يجريها كما يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1553

رسالة حول الصعود إلى القمر

стр. 1554

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فقد تواترت الأخبار بإنزال مركبة فضائية على سطح القمر بعد المحاولات العديدة التي استنفدت فيها الطاقات الفكرية والمادية والصناعية عدة سنوات وقد أثار هذا النبأ تساؤلات وأخذا وردا بين الناس. فمن قائل: إن هذا باطل مخالف للقرآن، ومن قائل: إن هذا ثابت والقرآن يؤيده، فالذين ظنوا أنه مخالف للقرآن قالوا: إن الله أخبر أن القمر في السماء فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ . وقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ . وإذا كان القمر في السماء فإنه لا يمكن الوصول إليه، لأن الله جعل السماء سقفا محفوظا، والنبي، ﷺ ، أشرف الخلق ومعه جبريل أشرف الملائكة وكان يستإذا ويستفتح عند كل سماء ليلة المعراج ولا يحصل لهما دخول السماء إلا بعد أن يفتح لهما فكيف يمكن لمصنوعات البشر أن تنزل على سطح القمر وهو في السماء المحفوظة. والذين ظنوا أن القرآن يؤيده قالوا: إن الله قال في سورة الرحمن: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ . والسلطان العلم وهؤلاء

стр. 1555

استطاعوا أن ينفذوا من أقطار الأرض بالعلم فكان عملهم هذا مطابقا للقرآن وتفسيرا له. وإذا صح ما تواترت به الأخبار من إنزال مركبة فضائية على سطح القمر فإن الذي يظهر لي أن القرآن لا يكذبه ولا يصدقه فليس في صريح القرآن ما يخالفه، كما أنه ليس في القرآن ما يدل عليه ويؤيده. ١- أما كون القرآن لا يخالفه فلأن القرآن كلام الله تعالى المحيط بكل شيء علما فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون من الأمور الماضية والحاضرة، والمستقبلة، سواء منها ما كان من فعله، أو من خلقه فكل ما حدث أو يحدث في السماوات أو في الأرض من أمور صغيرة، أو كبيرة ظاهرة، أو خفية فإن الله تعالى عالم به ولم يحدث إلا بمشيئته وتدبيره لا جدال في ذلك. فإذا كان كذلك فالقرآن كلامه وهو سبحانه أصدق القائلين ومن أصدق من الله قيلا، وكلامه أحسن الكلام وأبلغه في البيان، ومن أحسن من الله حديثا فلا يمكن أن يقع في كلامه الصادر عن علمه، والبالغ في الصدق والبيان غايته لا يمكن أن يقع في كلام هذا شأنه ما يخالف الواقع المحسوس أبدا، ولا أن يقع في المحسوس ما يخالف صريحه أبدا. ومن فهم أن في القرآن ما يخالف الواقع، أو أن من المحسوس ما يقع مخالفا للقرآن ففهمه خطأ بلا ريب. والآيات التي يظنها بعض الناس دالة على أن القمر في السماء نفسها ليس فيها التصريح بأنه مرصع في السماء نفسها التي هي السقف المحفوظ نعم ظاهر اللفظ أن القمر في السماء نفسها، ولكن إن ثبت وصول السفن الفضائية إليه ونزولها على سطحه فإن ذلك دليل على أن القمر ليس في

стр. 1556

السماء الدنيا التي هي السقف المحفوظ وإنما هو في فلك بين السماء والأرض كما قال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . وقال -تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . قال ابن عباس ﵄: "يدورون كما يدور المغزل في الفلكة، وذكر الثعلبي والماوردي عن الحسن البصري أنه قال: "الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة به ولو كانت ملصقة به ما جرت" ذكره عنهما القرطبي في تفسير سورة يس. والقول بأن الشمس والقمر في فلك بين السماء والأرض لا ينافي ما ذكر الله من كونهما في السماء، فإن السماء يطلق تارة على كل ما علا قال ابن قتيبة: "كل ما علاك فهو سماء" فيكون معنى كونهما في السماء أي في العلو أو على تقدير مضاف أي في جهة السماء. وقد جاءت كلمة السماء في القرآن مرادا بها العلو كما في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ . يعني المطر، والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض. وإذا ثبت ما ذكروا عن سطحية القمر فإن ذلك يزيدنا معرفة في آيات الله العظيمة حيث كان هذا الجرم العظيم وما هو أكبر منه وأعظم يجري بين السماء والأرض إلى الأجل الذي عينه الله تعالى لا يتغير ولا يتقدم ولا يتأخر عن السير الذي قدره له العزيز العليم، ومع ذلك فتارة يضيء كله فيكون

стр. 1557

بدرا، وتارة يضيء بعضه فيكون قمرا أو هلالا ذلك تقدير العزيز العليم. وأما ما اشتهر من كون القمر في السماء الدنيا، وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة فإن هذا مما تلقي عن علماء الفلك والهيئة وليس فيه حديث صحيح عن النبي، ﷺ ، ويدل على ذلك أن ابن كثير ﵀ مع سعة اطلاعه لما تكلم على أن الشمس في الفلك الرابع قال: "وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه". ا. هـ فقوله: "وليس في الشرع ما ينفيه". واستدلاله على ثبوته بالحس دليل على أنه ليس في الشرع ما يثبته أي ما يثبت أن الشمس في الفلك الرابع والله أعلم. ٢- وأما كون القرآن لا يدل على وصول السفن الفضائية إلى القمر فلأن الذين ظنوا ذلك استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ . وفسروا السلطان بالعلم. وهذا الاستدلال مردود من وجوه: الأول: أن سياق الآية يدل على أن هذا التحدي يكون يوم القيامة ويظهر ذلك جليا لمن قرأ هذه السورة من أولها فإن الله ذكر فيها ابتداء خلق الإنسان والجان، وما سخر للعباد في آفاق السماوات والأرض، ثم ذكر فناء من عليها ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ . وهذا الحساب ثم تحدى الجن بأنه لا مفر لهم ولا مهرب من أقطار السماوات والأرض

стр. 1558

فيستطيعون الهروب ولا قدرة لهم على التناصر فينصروا وينجوا من المرهوب، ثم أعقب ذلك بذكر الجزاء لأهل الشر بما يستحقون، ولأهل الخير بما يؤملون ويرجون. ولا شك أن السياق يبين المعنى ويعينه فرب كلمة أو جملة صالحة لمعنى في موضع ولا تصلح له في موضع آخر، وأنت ترى أحيانا كلمة واحدة لها معنيان متضادان يتعين المراد منهما بواسطة السياق كما هو معروف في كلمات الأضداد في اللغة. فلو قدر أن الآية الكريمة تصلح أن تكون في سياق ما خبرا لما سيكون في الدنيا فإنها في هذا الموضع لا تصلح له بل تتعين أن تكون للتهديد والتعجيز يوم القيامة وذلك لما سبقها ولحقها من السياق. الثاني: أن جميع المفسرين ذكروا أنها للتهديد والتعجيز وجمهورهم على أن ذلك يوم القيامة وقد تكلم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي على هذه الآية في سورة الحجر عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ . ووصف من زعم أنها تشير إلى الوصول إلى السماء وصفه بأنه لا علم عنده بكتاب الله. الثالث: أنه لو كان معناها الخبر عما سيحدث لكان معناها يا معشر الجن والإنس إنكم لن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض إلا بعلم وهذا تحصيل حاصل فإن كل شيء لا يمكن إدراكه إلا بعلم أسباب إدراكه والقدرة على ذلك، ثم إن هذا المعنى يسلب الآية روعتها في معناها وفي مكانها فإن الآية سبقها الإنذار البليغ بقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ .

стр. 1559

وتلاها الوعيد الشديد في قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ . الرابع: أن دلالة الآية على التحدي ظاهرة جدا. أولا: لما سبقها ويتلوها من الآيات. ثانيا: أن ذكر معشر الجن والإنس مجتمعين معشرا واحدا فهو قريب من مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . ثالثا: أن قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ظاهر في التحدي خصوصا وقد أتى بـ "إن" دون "إذا" تدل على وقوع الشرط بخلاف "إن". الخامس: إنه لو كان معناها الخبر لكانت تتضمن التنويه بهؤلاء والمدح لهم حيث عملوا وبحثوا فيما سخر الله لهم حتى وصلوا إلى النفوذ وفاتت النبي، ﷺ ، وأصحابه الذين هم أسرع الناس امتثالا لما دعا إليه القرآن. السادس: أن الآية الكريمة علقت الحكم بالجن والإنس ومن المعلوم أن الجن حين نزول القرآن كانوا يستطيعون النفوذ من أقطار الأرض إلى أقطار السماء كما حكى الله عنهم ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ . فكيف يعجزهم الله بشيء كانوا يستطيعونه، فإن

стр. 1560

قيل: إنهم كانوا لا يستطيعونه بعد بعثة النبي، ﷺ ، قلنا: هذا أدل على أن المراد بالآية التعجيز لا الخبر. السابع: أن الآية علقت الحكم بالنفوذ من أقطار السماوات والأرض ومن المعلوم أنهم ما استطاعوا ولن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السماوات مهما كانت قوتهم. الثامن: أن الآية الكريمة أعقبت بقوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ . ومعناها والله أعلم انكم يا معشر الجن والإنس لو حاولتما النفوذ من ذلك لكان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس والمعروفأإن هذه الصواريخ لم يرسل عليها شواظ من نار ولا نحاس فكيف تكون هي المقصود بالآية. التاسع: أن تفسيرهم السلطان هنا بالعلم فيه نظر فإن السلطان ما فيه سلطة للواحد على ما يريد السيطرة عليه والغلبة ويختلف باختلاف المقام فإذا كان في مقام العمل ونحوه فالمراد به القوة والقدرة ومنه قوله تعالى عن إبليس: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . فالسلطان في هذه الآية بمعنى القدرة ولا يصح أن يكون بمعنى العلم، ومنه السلطان المذكور في الآية التي نحن بصددها فإن النفوذ عمل يحتاج إلى قوة وقدرة والعلم وحده لا يكفي وهؤلاء لم يتوصلوا إلى ما ذكر عنهم بمجرد العلم ولكن بالعلم والقدرة والأسباب التي سخرها الله لهم، وإذا كان السلطان في مقام المحاجة والمجادلة كان المراد به البرهان والحجة التي يخصم بها

стр. 1561

خصمه ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي من حجة وبرهان ولم يأت السلطان في القرآن مرادا به مجرد العلم والاشتقاق يدل على أن المراد بالسلطان ما به سلطة للعبد وقدرة وغلبة. فتبين بهذا أن الآية الكريمة لا يراد بها الإشارة إلى ما ذكر من السفن الفضائية وإنزالها إلى القمر وهذه الوجوه التي ذكرناها منها ما هو ظاهر ومنها ما يحتاج إلى تأمل وإنما نبهنا على ذلك خوفا من تفسير كلام الله بما لا يراد به لأن ذلك يتضمن محذورين: أحدهما: تحريف الكلم عن مواضعه حيث أخرج عن معناه المراد به. الثاني: التقول على الله بلا علم حيث زعم أن الله أراد هذا المعنى مع مخالفته للسياق وقد حرم الله على عباده أن يقولوا عليه ما لا يعلمون. بقي أن يقال: إذا صح ما ذكر من إنزال المركبة الفضائية على سطح القمر فهل بالإمكان إنزال إنسان على سطحه؟ . فالجواب: أن ظاهر القرآن عدم إمكان ذلك وأن بني آدم لا يحيون إلاّ في الأرض يقول الله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ . فحصر الحياة في الأرض والموت فيها والإخراج منها، وطريق الحصر فيها تقديم ما حقه التأخير، ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ . حيث حصر ابتداء الخلق من الأرض، وأنها هي التي نعاد فيها بعد الموت ونخرج

стр. 1562

منها يوم القيامة، كما أن هناك آيات تدل على أن الأرض محل عيشة الإنسان ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ . فظاهر القرآن بلا شك يدل على أن لا حياة للإنسان إلا في هذه الأرض التي منها خلق، وإليها يعاد، ومنها يخرج، فالواجب أن نأخذ بهذا الظاهر وأن لا تبعد أوهامنا في تعظيم صناعة المخلوق إلى حد نخالف به ظاهر القرآن رجما بالغيب، ولو فرض أن أحدا من بني آدم تمكن من النزول على سطح القمر وثبت ذلك ثبوتا قطعيا أمكن حمل الآية على أن المراد بالحياة المذكورة الحياة المستقرة الجماعية كحياة الناس على الأرض، وهذا مستحيل والله أعلم. وبعد فإن البحث في هذا الموضوع قد يكون من فضول العلم لولا ما دار حوله من البحث والمناقشات حتى بالغ الناس في رده وإنكاره، وغلا بعضهم في قبوله وإثباته، فالأولون جعلوه مخالفا للقرآن، والآخرون جعلوه مؤيدا بالقرآن فأحببت أن أكتب ما حررته هنا على حسب ما فهمته بفهمي القاصر وعلمي المحدود. وأسأل الله أن يجعل ذلك خالصا لوجهه نافعا لعباده والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين. تم بحمد الله تعالى المجلد الخامس ويليه بمشيئة الله المجلد السادس

стр. 1563

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح ثلاثة الأصول ترجمة مؤلف كتاب (ثلاثة الأصول) شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى *نسبه: هو الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد ابن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر من أوهبة بني تيم. *مولده: ولد هذا العالم في بلدة العيينة سنة ١١١٥ هجرية في بيت علم وشرف ودين، فأبوه عالم كبير، وجده سليمان عالم نجد في زمانه. *نشأته: حفظ القرآن قبل بلوغ عشر سنين، ودرس في الفقه حتى نال حظاً وافراً وكان موضع الإعجاب من والده لقوة حفظه، وكان كثير المطالعة في كتب التفاسير والحديث، وجد في طلب العلم ليلاً ونهاراً، فكان يحفظ المتون العلمية في شتى الفنون، ورحل في طلب العلم في ضواحي نجد وفي مكة وقرأ على علمائها، ثم رحل إلى المدينة النبوية فقرأ على علمائها، ومنهم العلامة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الشمري، كما قرأ على ابنه الفرضي الشهير إبراهيم بن الشمري مؤلف العذب الفائض في شرح ألفية الفرائض وعرفاه بالمحدث الشهير محمد حياة السندي فقرأ عليه في علم الحديث ورجاله وأجازه بالأمهات. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ قد وهبه الله فهماً ثاقباً وذكاءً مفرطاً وأكب على المطالعة والبحث، والتأليف وكان يثبت ما يمر عليه من الفوائد أثناء القراءة والبحث وكان لا يسأم من الكتابة وقد خط كتباً كثيرة من مؤلفات ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - ولا تزال بعض المخطوطات الثمينة بقلمه السيال موجودة بالمتاحف.

стр. 1564

ولما توفي والده (سنة ١١٥٣ هـ) أخذ يعلن جهرا بالدعوة السلفية إلى توحيد الله وإنكار المنكر ويهاجم المبتدعة أهل القبور (الأوثان والأصنام) ، وقد شد أزره الولاة من آل سعود وقويت شوكته وذاع خبره. *مؤلفاته: وله - رحمه الله تعالى - مؤلفات نافعة نذكر منها: ١ - الكتاب الجليل المفيد المسمى: كتاب التوحيد، وقد طبع أكثر من ألف طبعة كلما نفدت طبعه أعيد طبعه. ٢ - كتاب "كشف الشبهات". ٣- كتاب "الكبائر". ٤- كتاب "ثلاثة الأصول". ٥- كتاب "مختصر الإنصاف والشرح الكبير". ٦- كتاب " مختصر زاد المعاد". ٧- وله فتاوى ورسائل جمعت باسم مجموعة مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود. *وفاته: وقد توفي رحمه الله تعالى عام ١٢٠٦ هـ فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بقلم (الفقير إلى الله تعالى) فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان: عفا الله عنه.

стр. 1565

ترجمة الشارح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى *نسبه: هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين الوهيبي التميمي. *مولده: ولد في مدينة عنيزة في السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام ١٣٤٧ هـ. *نشأته: قرأ القرآن الكريم على جده من جهة أمه عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ ﵀ فحفظه، ثم اتجه إلى طلب العلم فتعلم الخط والحساب وبعض فنون الآداب، وكان الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ قد أقام اثنين من طلبة العلم عنده ليدرسا الطلبة الصغار أحدهما الشيخ علي الصالحي، والثاني الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع ﵀، قرأ عليه مختصر العقيدة الواسطية للشيخ عبد الرحمن السعدي، ومنهاج السالكين في الفقه للشيخ عبد الرحمن أيضاً، والأجرومية والألفية. وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان في الفرائض والفقه. وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي الذي يعتبر شيخه الأول حيث لازمه وقرأ عليه التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والفرائض ومصطلح الحديث والنحو والصرف. وكانت لفضيلة الشيخ منزلة عظيمة عند شيخه ﵀ فعندما انتقل والد الشيخ محمد ﵀ إلى الرياض إبان أول تطوره رغب في أن ينتقل معه ولده - الشيخ حفظه الله -فكتب له الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ "إن هذا لا يمكن نريد محمداً أن يمكث هنا حتى يستفيد". ويقول فضيلة الشيخ حفظه الله: "إنني تأثرت به كثيراً في طريقة التدريس وعرض العلم وتقريبه للطلبة بالأمثلة والمعاني، وكذلك أيضاً تأثرت به من ناحية الأخلاق لأن الشيخ عبد الرحمن ﵀ كان على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة، وكان ﵀ على قدر كبير في العلم والعبادة، وكان يمازح الصغير، ويضحك إلى الكبير، وهو من أحسن من رأيت أخلاقاً". · قرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حيث يعتبر شيخه الثاني، فابتدأ عليه قراءة صحيح البخاري وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض الكتب الفقهية. يقول الشيخ: "تأثرت بالشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله من جهة العناية بالحديث، وتأثرت به من جهة الأخلاق أيضاً وبسط نفسه للناس". · في عام ١٣٧١هـ، يقول الشيخ حفظه الله: "دخلت المعهد الإسلامي من السنة الثانية، والتحقت به بمشورة من الشيخ علي الصالحي، وبعد أن استأذنت من الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله، وكان المعهد العلمي في ذلك الوقت ينقسم إلى قسمين خاص وعام، فكنت في القسم الخاص، وكان في ذلك الوقت أيضاً من شاء أن يقفز كما يعبرون بمعنى أنه يدرس السنة المستقبلة له في أثناء الإجازة ثم يختبرها في أول العام الثاني، فإذا نجح انتقل إلى السنة التي بعدها وبهذا اختصرت الزمن" اهـ. · وبعد سنتين تخرج وعين مدرساً في معهد عنيزة العلمي مع مواصلة الدراسة انتساباً في كلية الشريعة ومواصلة طلب العلم على يد الشيخ عبد الرحمن السعدي. · ولما توفي فضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ تولى إمامة الجامع الكبير بعنيزة والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية بالإضافة إلى التدريس في المعهد العلمي ثم انتقل إلى التدريس في كليتي الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم حتى الآن، بالإضافة إلى عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، ولفضيلة الشيخ حفظه الله نشاط كبير في الدعوة إلى الله وتبصير الدعاة في كل مكان وله جهود مشكورة في هذا المجال. · والجدير بالذكر أن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ قد عرض بل ألح على فضيلة الشيخ في تولي القضاء، بل أصدر قراره بتعيينه حفظه الله تعالى رئيساً للمحكمة الشرعية بالأحساء فطلب منه الإعفاء، وبعد مراجعات واتصال شخصي من فضيلة الشيخ سمح رحمه الله تعالى بإعفائه من منصب القضاء. · مؤلفاته: له حفظه الله تعالى مؤلفات كثيرة تبلغ ٤٠ ما بين كتاب ورسالة وسوف تجمع إن شاء الله تعالى في مجموع الفتاوى والرسائل.

стр. 1566

بسم (١) الله (٢) الرحمن (٣) الرحيم (٤) ــ (١) ابتدأ المؤلف ﵀ كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله فإنه مبدوء بالبسملة، واتباعا لحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر» (١) ، واقتداء بالرسول ﷺ ، فإنه يبدأ كتبه بالبسملة. الجار والمجرور متعلق بمحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام، تقديره باسم الله أكتب أو أصنف. وقدرناه فعلا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال. وقدرناه مؤخرا لفائدتين: الأولى: التبرك بالبداءة باسم الله . الثانية: إفادة الحصر؛ لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر. وقدرناه مناسبا؛ لأنه أدل على المراد، فلو قلنا مثلا عندما نريد أن نقرأ كتابا: باسم الله أبتدئ، ما يدرى بماذا أبتدئ، لكن باسم الله أقرأ يكون أدل على المراد الذي أبتدئ به. (٢) الله علم على الباري جل وعلا، وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء حتى إنه في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ لا نقول: إن لفظ الجلالة "اللهِ" صفة بل نقول: هي عطف بيان؛ لئلا يكون لفظ الجلالة تابعا تبعية النعت للمنعوت. (٣) الرحمن اسم من الأسماء المختصة بالله لا يطلق على غيره والرحمن معناه المتصف بالرحمة الواسعة. (٤) الرحيم يطلق على الله وعلى غيره، ومعناه ذو الرحمة الواصلة،

стр. 1567

اعلم (١) رحمك الله (٢) أنه يجب علينا تعلم أربع ــ فالرحمن ذو الرحمة الواسعة، والرحيم ذو الرحمة الواصلة، فإذا جمعا صار المراد بالرحيم الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده، كما قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ . (١) العلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما. مراتب الإدراك ست: الأولى: العلم، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما. الثانية: الجهل البسيط، وهو عدم الإدراك بالكلية. الثالثة: الجهل المركب، وهو إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه. الرابعة: الوهم، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح. الخامسة: الشك، وهو إدراك الشيء مع احتمال مساو. السادسة: الظن، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. والعلم ينقسم إلى قسمين: ضروري ونظري. فالضروري ما يكون إدراك المعلوم فيه ضروريا، بحيث يضطر إليه من غير نظر، ولا استدلال كالعلم بأن النار حارة مثلا. والنظري ما يحتاج إلى نظر واستدلال كالعلم بوجوب النية في الوضوء. (٢) رحمك الله أفاض عليك من رحمته التي تحصل بها على مطلوبك، وتنجو من محذورك، فالمعنى غفر الله لك ما مضى من ذنوبك، ووفقك وعصمك فيما يستقبل منها، هذا إذا أفردت الرحمة، أما إذا قترنت بالمغفرة فالمغفرة لما مضى من الذنوب، والرحمة التوفيق للخير والسلامة من الذنوب في المستقبل.

стр. 1568

مسائل (١) الأولى العلم وهو معرفة الله (٢) ومعرفة نبيه (٣) ــ وصنيع المؤلف رحمه الله تعالى يدل على عنايته وشفقته بالمخاطب وقصد الخير له. (١) هذه المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى تشمل الدين كله، فهي جديرة بالعناية لعظم نفعها. (٢) أي معرفة الله بالقلب معرفة تستلزم قبول ما شرعه، والإذعان والانقياد له، وتحكيم شريعته التي جاء بها رسوله محمد ﷺ ، ويتعرف العبد على ربه بالنظر في الآيات الشرعية في كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، والنظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات، فإن الإنسان كلما نظر في تلك الآيات ازداد علما بخالقه ومعبوده، قال الله : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ . (٣) أي معرفة رسوله محمد ﷺ المعرفة التي تستلزم قبول ما جاء به من الهدى ودين الحق، وتصديقه فيما أخبر، وامتثال أمره فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتحكيم شريعته والرضا بحكمه قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ . وقال :

стр. 1569

ومعرفة دين الإسلام (١) بالأدلة (٢) ــ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال الإمام أحمد ﵀: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". قوله: معرفة دين الإسلام: الإسلام بالمعنى العام هو التعبد لله بما شرع منذ أن أرسل الله الرسل إلى أن تقوم الساعة كما ذكر الله ذلك في آيات كثيرة تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام لله . قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ . والإسلام بالمعنى الخاص بعد بعثة النبي ﷺ يختص بما بعث به محمد ﷺ ؛ لأن ما بعث به النبي ﷺ نسخ جميع الأديان السابقة، فصار من اتبعه مسلما، ً ومن خالفه ليس بمسلم، فَأَتبْاع الرسل مسلمون في زمن رسلهم، فاليهود مسلمون في زمن موسى ﷺ والنصارى مسلمون في زمن عيسى ﷺ ، وأما حين بعث النبي محمد ﷺ فكفروا به فليسوا بمسلمين. وهذا الدين الإسلامي هو الدين المقبول عند الله النافع لصاحبه قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذا الإسلام هو الإسلام الذي امتن الله به على محمد ﷺ وأمته، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ . (٢) قوله: بالأدلة جمع دليل وهو ما يرشد إلى المطلوب، والأدلة على معرفة

стр. 1570

الثانية: العمل به (١) ــ ذلك سمعية، وعقلية، فالسمعية ما ثبت بالوحي وهو الكتاب والسنة، والعقلية ما ثبت بالنظر والتأمل، وقد أكثر الله من ذكر هذا النوع في كتابه، فكم من آية قال الله فيها: ومن آياته كذا وكذا، وهكذا يكون سياق الأدلة العقلية الدالة على الله تعالى. وأما معرفة النبي ﷺ بالأدلة السمعية فمثل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ . وبالأدلة العقلية بالنظر، والتأمل فيما أتى به من الآيات البينات التي أعظمها كتاب الله المشتمل على الأخبار الصادقة النافعة والأحكام المصلحة العادلة، وما جرى على يديه من خوارق العادات، وما أخبر به من أمور الغيب التي لا تصدر إلا عن وحي والتي صدقها ما وقع منها. (١) قوله العمل به أي العمل بما تقتضيه هذه المعرفة من الإيمان بالله، والقيام بطاعته بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه من العبادات الخاصة، والعبادات المتعدية، فالعبادات الخاصة مثل الصلاة، والصوم، والحج، والعبادات المتعدية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك. والعمل في الحقيقة هو ثمرة العلم، فمن عمل بلا علم فقد شابه النصارى، ومن علم ولم يعمل فقد شابه اليهود.

стр. 1571

الثالثة: الدعوة إليه (١) ــ (١) أي الدعوة إلى ما جاء به الرسول ﷺ من شريعة الله تعالى على مراتبها الثلاث أو الأربع التي ذكرها الله في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ والرابعة قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ . ولا بد لهذه الدعوة من علم بشريعة الله حتى تكون الدعوة عن علم وبصيرة. لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والبصيرة تكون فيما يدعو إليه بأن يكون الداعية عالما بالحكم الشرعي، وفي كيفية الدعوة، وفي حال المدعو. ومجالات الدعوة كثيرة منها: الدعوة إلى الله تعالى بالخطابة، وإلقاء المحاضرات، ومنها الدعوة إلى الله بالمقالات، ومنها الدعوة إلى الله بحلقات العلم، ومنها الدعوة إلى الله بالتأليف ونشر الدين عن طريق التأليف، ومنها الدعوة إلى الله في المجالس الخاصة فإذا جلس الإنسان في مجلس في دعوة مثلا، فهذا مجال للدعوة إلى الله ، ولكن ينبغي أن تكون على وجه لا ملل فيه ولا إثقال، ويحصل هذا بأن يعرض الداعية مسألة علمية على الجالسين ثم تبتدئ المناقشة، ومعلوم أن المناقشة والسؤال والجواب له دور كبير في فهم ما أنزل الله على رسوله وتفهيمه، وقد يكون أكثر فعالية من إلقاء خطبة أو محاضرة إلقاء مرسلا كما هو معلوم.

стр. 1572

الرابعة: الصبر على الأذى فيه (١) ــ والدعوة إلى الله هي وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام وطريقة من تبعهم بإحسان، فإذا عرف الإنسان معبوده، ونبيه، ودينه ومن الله عليه بالتوفيق لذلك فإن عليه السعي في إنقاذ إخوانه بدعوتهم إلى الله وليبشر بالخير، «قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم خيبر: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم» (١) متفق على صحته. ويقول ﷺ فيما رواه مسلم: «" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا"» (٢) . وقال ﷺ فيما رواه مسلم أيضا: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٣) . (١) الصبر حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله فيحبس النفس عن التسخط والتضجر والملل، ويكون دائما نشيطا في الدعوة إلى دين الله وإن أوذي، لأن أذية الداعين إلى الخير من طبيعة البشر إلا من هدى الله قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ وكلما قويت الأذية قرب النصر، وليس النصر مختصا بأن ينصر الإنسان في حياته ويرى أثر دعوته قد تحقق بل النصر يكون، ولو

стр. 1573

بعد موته بأن يجعل الله في قلوب الخلق قبولا لما دعا إليه وأخذا به وتمسكا به، فإن هذا يعتبر نصرا لهذا الداعية وإن كان ميتا، فعلى الداعية أن يكون صابرا على دعوته، مستمرا فيها، صابرا على ما يدعو إليه من دين الله ، صابرا على ما يعترض دعوته، صابرا على ما يعترضه هو من الأذى، وهاهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أوذوا بالقول وبالفعل قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ سورة الذاريات، الآية: ٥٢﴾ وقال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ولكن على الداعية أن يقابل ذلك بالصبر، وانظر إلى قول الله لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ كان من المنتظر أن يقال: فاشكر نعمة ربك، ولكنه قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وفي هذا إشارة إن كل من قام بهذا القرآن فلابد أن يناله ما يناله مما يحتاج إلى صبر، وانظر إلى حال النبي ﷺ حين ضربه قومه، فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون" (١) فعلى الداعية أن يكون صابرا محتسبا. والصبر ثلاثة أقسام: ١ - صبر على طاعة الله. ٢ - صبر عن محارم الله. ٣ - صبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه، وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء.

стр. 1574

والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ــ (١) قوله: والدليل أي على هذه المراتب الأربع قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ أقسم الله في هذه السورة بالعصر الذي هو الدهر، وهو محل الحوادث من خير وشر، فأقسم الله به على أن الإنسان كل الإنسان في خسر، إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى-: جهاد النفس أربع مراتب: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله، فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين". فالله أقسم في هذه السورة بالعصر على أن كل إنسان فهو في خيبة، وخسر مهما كثر ماله وولده وعظم قدره وشرفه، إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة: أحدها: الإيمان، ويشمل كل ما يقرب إلى الله تعالى من اعتقاد صحيح وعلم نافع.

стр. 1575

الثاني: العمل الصالح، وهو كل قول، أو فعل يقرب إلى الله، بأن يكون فاعله لله مخلصا، ولمحمد ﷺ متبعا. الثالث: التواصي بالحق، وهو التواصي على فعل الخير، والحث عليه والترغيب فيه. الرابع: التواصي بالصبر بأن يوصي بعضهم بعضا بالصبر على فعل أوامر الله تعالى، وترك محارم الله، وتحمل أقدار الله. والتواصي بالحق والتواصي بالصبر يتضمنان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذين بهما قوام الأمة وصلاحها ونصرها، وحصول الشرف والفضيلة لها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . (١)

стр. 1576

قال الشافعي رحمه الله تعالى (١) : " لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" (٢) وقال البخاري ﵀ (٣) -: "باب العلم قبل القول والعمل". والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل (٤) . ــ الشافعي هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي، ولد في غزة سنة ١٥٠ هـ. وتوفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ. وهو أحد الأئمة الأربعة، على الجميع رحمة الله تعالى. (٢) مراده ﵀ أن هذه السورة كافية للخلق في الحث على التمسك بدين الله بالإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر على ذلك، وليس مراده أن هذه السورة كافية للخلق في جميع الشريعة. وقوله: " لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" لأن العاقل البصير إذا سمع هذه السورة، أو قرأها فلا بد أن يسعى إلى تخليص نفسه من الخسران، وذلك باتصافه بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. (٣) البخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، ولد ببخارى في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ونشأ يتيما في حجر والدته، وتوفي ﵀ في خرتنك بلدة على فرسخين من سمرقند ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين. (٤) استدل البخاري ﵀ بهذه الآية على وجوب البداءة بالعلم قبل القول والعمل، وهذا دليل أثري يدل على أن الإنسان يعلم أولا ثم

стр. 1577

يعمل ثانيا، وهناك دليل عقلي نظري يدل على أن العلم قبل القول والعمل، وذلك لأن القول أو العمل لا يكون صحيحا مقبولا حتى يكون على وفق الشريعة، ولا يمكن أن يعلم الإنسان أن عمله على وفق الشريعة إلا بالعلم. ولكن هناك أشياء يعلمها الإنسان بفطرته كالعلم بأن الله إله واحد، فإن هذا قد فطر عليه العبد، ولهذا لا يحتاج إلى عناء كبير في التعلم، أما المسائل الجزئية المنتشرة فهي التي تحتاج إلى تعلم، وتكريس جهود.

стр. 1578

اعلم رحمك الله: أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث مسائل والعمل بهن ، الأولى: أن الله خلقنا ــ (١) ودليل ذلك أعني أن الله خلقنا سمعي وعقلي: أما السمعي فكثير، ومنه قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. أما الدليل العقلي على أن الله خلقنا فقد جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ فإن الإنسان لم يخلق نفسه؛ لأنه قبل وجوده عدم، والعدم ليس بشيء، وما ليس بشيء لا يوجد شيئا، ولم يخلقه أبوه ولا أمه ولا أحد من الخلق، ولم يكن ليأتي صدفة بدون موجد؛ لأن كل حادث لا بد له من محدث؛ ولأن وجود هذه المخلوقات على هذا النظام البديع والتناسق المتآلف يمنع منعا باتا أن يكون صدفة. إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظما حال بقائه وتطوره، فتعين بهذا أن يكون الخالق هو الله وحده فلا خالق ولا آمر إلا الله، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ .

стр. 1579

ورزقنا (١) ــ ولم يعلم أن أحدا من الخلق أنكر ربوبية الله إلا على وجه المكابرة كما حصل من فرعون، «وعندما سمع جبير بن مطعم رسول الله ﷺ يقرأ سورة الطور، فبلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ وكان جبير بن مطعم يومئذ مشركا قال: "كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي".» (١) (١) أدلة هذه المسألة كثيرة من الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب: فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ والآيات في هذا كثيرة. وأما السنة: فمنها «قوله ﷺ في الجنين: يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد» (٢) . وأما الدليل العقلي على أن الله رزقنا؛ فلأننا لا نعيش إلا على طعام وشراب، والطعام والشراب خلقه الله كما قال الله تعالى:

стр. 1580

ولم يتركنا هملا (١) ــ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ ففي هذه الآيات بيان أن رزقنا طعاما وشرابا من عند الله . (١) هذا هو الواقع الذي تدل عليه الأدلة السمعية والعقلية: أما السمعية فمنها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ . وأما العقل: فلأن وجود هذه البشرية لتحيا، ثم تتمتع كما تتمتع الأنعام، ثم تموت إلى غير بعث ولا حساب أمر لا يليق بحكمة الله بل هو عبث محض، ولا يمكن أن يخلق الله هذه الخليقة، ويرسل إليها الرسل، ويبيح لنا دماء المعارضين المخالفين للرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم تكون النتيجة لا شيء، هذا مستحيل على حكمة الله .
следующие страницы →