← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قال الشافعي رحمه الله تعالى (١) : " لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" (٢) وقال البخاري ﵀ (٣) -: "باب العلم قبل القول والعمل". والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل (٤) . ــ الشافعي هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي، ولد في غزة سنة ١٥٠ هـ. وتوفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ. وهو أحد الأئمة الأربعة، على الجميع رحمة الله تعالى. (٢) مراده ﵀ أن هذه السورة كافية للخلق في الحث على التمسك بدين الله بالإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر على ذلك، وليس مراده أن هذه السورة كافية للخلق في جميع الشريعة. وقوله: " لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" لأن العاقل البصير إذا سمع هذه السورة، أو قرأها فلا بد أن يسعى إلى تخليص نفسه من الخسران، وذلك باتصافه بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. (٣) البخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، ولد ببخارى في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ونشأ يتيما في حجر والدته، وتوفي ﵀ في خرتنك بلدة على فرسخين من سمرقند ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين. (٤) استدل البخاري ﵀ بهذه الآية على وجوب البداءة بالعلم قبل القول والعمل، وهذا دليل أثري يدل على أن الإنسان يعلم أولا ثم

стр. 1577

يعمل ثانيا، وهناك دليل عقلي نظري يدل على أن العلم قبل القول والعمل، وذلك لأن القول أو العمل لا يكون صحيحا مقبولا حتى يكون على وفق الشريعة، ولا يمكن أن يعلم الإنسان أن عمله على وفق الشريعة إلا بالعلم. ولكن هناك أشياء يعلمها الإنسان بفطرته كالعلم بأن الله إله واحد، فإن هذا قد فطر عليه العبد، ولهذا لا يحتاج إلى عناء كبير في التعلم، أما المسائل الجزئية المنتشرة فهي التي تحتاج إلى تعلم، وتكريس جهود.

стр. 1578

اعلم رحمك الله: أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث مسائل والعمل بهن ، الأولى: أن الله خلقنا ــ (١) ودليل ذلك أعني أن الله خلقنا سمعي وعقلي: أما السمعي فكثير، ومنه قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. أما الدليل العقلي على أن الله خلقنا فقد جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ فإن الإنسان لم يخلق نفسه؛ لأنه قبل وجوده عدم، والعدم ليس بشيء، وما ليس بشيء لا يوجد شيئا، ولم يخلقه أبوه ولا أمه ولا أحد من الخلق، ولم يكن ليأتي صدفة بدون موجد؛ لأن كل حادث لا بد له من محدث؛ ولأن وجود هذه المخلوقات على هذا النظام البديع والتناسق المتآلف يمنع منعا باتا أن يكون صدفة. إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظما حال بقائه وتطوره، فتعين بهذا أن يكون الخالق هو الله وحده فلا خالق ولا آمر إلا الله، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ .

стр. 1579

ورزقنا (١) ــ ولم يعلم أن أحدا من الخلق أنكر ربوبية الله إلا على وجه المكابرة كما حصل من فرعون، «وعندما سمع جبير بن مطعم رسول الله ﷺ يقرأ سورة الطور، فبلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ وكان جبير بن مطعم يومئذ مشركا قال: "كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي".» (١) (١) أدلة هذه المسألة كثيرة من الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب: فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ والآيات في هذا كثيرة. وأما السنة: فمنها «قوله ﷺ في الجنين: يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد» (٢) . وأما الدليل العقلي على أن الله رزقنا؛ فلأننا لا نعيش إلا على طعام وشراب، والطعام والشراب خلقه الله كما قال الله تعالى:

стр. 1580

ولم يتركنا هملا (١) ــ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ ففي هذه الآيات بيان أن رزقنا طعاما وشرابا من عند الله . (١) هذا هو الواقع الذي تدل عليه الأدلة السمعية والعقلية: أما السمعية فمنها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ . وأما العقل: فلأن وجود هذه البشرية لتحيا، ثم تتمتع كما تتمتع الأنعام، ثم تموت إلى غير بعث ولا حساب أمر لا يليق بحكمة الله بل هو عبث محض، ولا يمكن أن يخلق الله هذه الخليقة، ويرسل إليها الرسل، ويبيح لنا دماء المعارضين المخالفين للرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم تكون النتيجة لا شيء، هذا مستحيل على حكمة الله .

стр. 1581

بل أرسل إلينا رسولا (١) ــ (١) أي إن الله أرسل إلينا معشر هذه الأمة أمة محمد ﷺ رسولا يتلو علينا آيات ربنا، ويزكينا، ويعلمنا الكتاب والحكمة، كما أرسل إلى من قبلنا، قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ولا بد أن يرسل الله الرسل إلى الخلق لتقوم عليهم الحجة وليعبدوا الله بما يحبه ويرضاه قال الله ﵎: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ولا يمكن أن نعبد الله بما يرضاه إلا عن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام لأنهم هم الذين بينوا لنا ما يحبه الله ويرضاه، وما يقربنا إليه فبذلك كان من حكمة الله أن أرسل إلى الخلق رسلا مبشرين ومنذرين الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ .

стр. 1582

فمن أطاعه دخل الجنة (١) ومن عصاه دخل النار (٢) والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ . ــ (١) هذا حق مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ . وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ والآيات في ذلك كثيرة. ومن قوله ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" فقيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: " من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار» رواه البخاري. (٢) هذا أيضا حق مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ومن قوله ﷺ في الحديث السابق: " «ومن عصاني دخل النار» .

стр. 1583

الثانية: (١) أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل. والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ . ــ (١) أي المسألة الثانية مما يجب علينا علمه أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد ، بل هو وحده المستحق للعبادة، ودليل ذلك ما ذكره المؤلف ﵀ من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ فنهى الله تعالى أن يدعو الإنسان مع الله أحدا، والله لا ينهي عن شيء إلا وهو لا يرضاه ، وقال الله : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ، فالكفر والشرك لا يرضاه الله ، بل إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب لمحاربة الكفر والشرك والقضاء عليهما، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وإذا كان الله لا يرضى بالكفر والشرك فإن الواجب على المؤمن أن لا يرضى بهما، لأن المؤمن رضاه وغضبه تبع رضا الله وغضبه، فيغضب لما يغضب الله ويرضى بما يرضاه الله ، وكذلك إذا كان الله لا يرضى الكفر ولا الشرك، فإنه لا يليق بمؤمن أن يرضى بهما. والشرك أمره خطير قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وقال النبي

стр. 1584

الثالثة (١) أن من أطاع الرسول، ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى: ــ ﷺ : «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» (١) رواه مسلم. (١) أي المسألة الثالثة مما يجب علينا علمه الولاء والبراء ، والولاء والبراء أصل عظيم جاءت فيه النصوص الكثيرة قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وقال

стр. 1585

﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . ــ : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ الآية. ولأن موالاة من حاد الله، ومداراته تدل على أن ما في قلب الإنسان من الإيمان بالله ورسوله ضعيف؛ لأنه ليس من العقل أن يحب الإنسان شيئا هو عدو لمحبوبه، وموالاة الكفار تكون بمناصرتهم ومعاونتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال، وموادتهم تكون بفعل الأسباب التي تكون بها مودتهم فتجده يوادهم أي يطلب ودهم بكل طريق، وهذا لا شك ينافي الإيمان كله أو كماله، فالواجب على المؤمن معاداة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب إليه، وبغضه والبعد عنه ولكن هذا لا يمنع نصيحته ودعوته للحق.

стр. 1586

اعلم (١) أرشدك الله (٢) لطاعته (٣) : أن الحنيفية (٤) ملة (٥) إبراهيم (٦) : أن تعبد الله وحده (٧) مخلصا له الدين (٨) ــ (١) تقدم الكلام على العلم فلا حاجة إلى إعادته هنا. (٢) الرشد: الاستقامة على طريق الحق. (٣) الطاعة: موافقة المراد فعلا للمأمور وتركا للمحظور. (٤) الحنيفية: هي الملة المائلة عن الشرك، المبنية على الإخلاص لله . (٥) أي طريقه الديني الذي يسير عليه ﵊. (٦) إبراهيم هو خليل الرحمن قال : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وهو أبو الأنبياء، وقد تكرر ذكر منهجه في مواضع كثيرة للاقتداء به. (٧) قوله: "أن تعبد الله" هذه خبر "أن" في قوله: "أن الحنيفية" والعبادة بمفهومها العام هي: "التذلل لله محبة وتعظيما بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه ". أما المفهوم الخاص للعبادة -يعني تفصيلها- فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة كالخوف، والخشية، والتوكل والصلاة والزكاة والصيام، وغير ذلك من شرائع الإسلام". الإخلاص هو التنقية، والمراد به هنا أن يقصد المرء بعبادته وجه الله ، والوصول إلى دار كرامته بحيث لا يعبد معه غيره لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .

стр. 1587

وبذلك (١) أمر الله جميع الناس وخلقهم لها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ومعنى يعبدون يوحدون (٢) ــ وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . (١) أي بالحنيفية وهي عبادة الله مخلصا له الدين أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وبين الله في كتابه أن الخلق إنما خلقوا لهذا فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . (٢) يعني التوحيد من معنى العبادة، وإلا فقد سبق لك معنى العبادة، وعلى أي شيء تطلق وأنها أعم من مجرد التوحيد. واعلم أن العبادة نوعان: عبادة كونية وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني، وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فهي شاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر.

стр. 1588

و أعظم ما أمر الله به التوحيد وهو: إفراد الله بالعبادة (١) ــ والثاني: عبادة شرعية، وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي، وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى، واتبع ما جاءت به الرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ . فالنوع الأول لا يحمد عليه الإنسان؛ لأنه بغير فعله لكن قد يحمد على ما يحصل منه من شكر عند الرخاء، وصبر على البلاء بخلاف النوع الثاني فإنه يحمد عليه. (١) التوحيد لغة مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء واحدا، وهذا لا يتحقق إلا بنفي، وإثبات نفي الحكم عما سوى الموحد، وإثباته له فمثلا نقول: إنه لا يتم للإنسان التوحيد حتى يشهد أن لا إله إلا الله فينفي الألوهية عما سوى الله تعالى ويثبتها لله وحده. وفي الاصطلاح عرفه المؤلف بقوله: " التوحيد هو إفراد الله بالعبادة " أي أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، لا تشرك به نبيا مرسلا، ولا ملكا مقربا ولا رئيسا ولا ملكا ولا أحدا من الخلق، بل تفرده وحده بالعبادة محبة وتعظيما، ورغبة ورهبة، ومراد الشيخ ﵀ التوحيد الذي بعثت الرسل لتحقيقه؛ لأنه هو الذي حصل به الإخلال من أقوامهم. وهناك تعريف أعم للتوحيد وهو: "إفراد الله بما يختص به".

стр. 1589

وأنواع التوحيد ثلاثة: الأول: توحيد الربوبية وهو "إفراد الله بالخلق، والملك والتدبير" قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . الثاني: توحيد الألوهية وهو "إفراد الله بالعبادة، بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحدا يعبده، ويتقرب إليه كما يعبد الله تعالى ويتقرب إليه". الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو "إفراد الله بما سمى به نفسه، ووصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، وذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل". ومراد المؤلف هنا توحيد الألوهية، وهو الذي ضل فيه المشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم وأرضهم وديارهم وسبى نساءهم وذريتهم، وأكثر ما يعالج الرسل أقوامهم على هذا النوع من التوحيد. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ . فالعبادة لا تصح إلا لله ، ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر وإن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فلو فرض أن رجلا

стр. 1590

وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) ــ يقر إقرارا كاملا بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، ولكنه يذهب إلى القبر فيعبد صاحبه أو ينذر له قربانا يتقرب به إليه، فإنه مشرك كافر خالد في النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله به؛ لأنه الأصل الذي ينبني عليه الدين كله، ولهذا بدأ به النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به. (١) أعظم ما نهى الله عنه الشرك ، وذلك لأن أعظم الحقوق هو حق الله ، فإذا فرط فيه الإنسان فقد فرط في أعظم الحقوق هو توحيد الله قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ وقال : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال النبي ﷺ : «أعظم الذنب أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (١) وقال ﵊ فيما رواه مسلم عن جابر، ﵁: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» . وقال النبي ﷺ : «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار» (١) رواه البخاري.

стр. 1591

ــ واستدل المؤلف رحمه الله تعالى لأمر الله تعالى بالعبادة، ونهيه عن الشرك بقوله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فأمر الله بعبادته، ونهى عن الشرك به، وهذا يتضمن إثبات العبادة له وحده، فمن لم يعبد الله فهو كافر مستكبر، ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو كافر مشرك، ومن عبد الله وحده فهو مسلم مخلص. والشرك نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر. فالنوع الأول: الشرك الأكبر وهو كل شرك أطلقه الشارع، وكان متضمنا لخروج الإنسان عن دينه. النوع الثاني: الشرك الأصغر وهو كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك، ولكنه لا يخرج من الملة. وعلى الإنسان الحذر من الشرك أكبره وأصغره، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . قال بعض أهل العلم: هذا الوعيد يشمل كل شرك ولو كان أصغر. (١)

стр. 1592

فإذا قيل لك: ما الأصول (١) الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها (٢) ؟ فقل: معرفة العبد ربه (٣) ــ الأصول جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، ومن ذلك أصل الجدار وهو أساسه، وأصل الشجرة الذي يتفرع منه الأغصان، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ . وهذه الأصول الثلاثة يشير بها المصنف رحمه إلى الأصول التي يسأل عنها الإنسان في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ (٢) أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه المسألة بصيغة السؤال، وذلك من أجل أن ينتبه الإنسان لها؛ لأنها مسألة عظيمة وأصول كبيرة؛ وإنما قال: إن هذه هي الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها لأنها هي الأصول التي يسال عنها المرء في قبره إذا دفن وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فأقعداه فسألاه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، وأما المرتاب أو المنافق فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. (٣) معرفة الله تكون بأسباب: منها النظر والتفكر في مخلوقاته فإن ذلك يؤدي إلى معرفته ومعرفة عظيم سلطانه وتمام قدرته، وحكمته، ورحمته قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ . وقال : ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾

стр. 1593

وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وقال : ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ وقال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . ومن أسباب معرفة العبد ربه النظر في آياته الشرعية، وهي الوحي الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فينظر في هذه الآيات وما فيها من المصالح العظيمة التي لا تقوم حياة الخلق في الدنيا ولا في الآخرة إلا بها، فإذا نظر فيها وتأملها وما اشتملت عليه من العلم والحكمة ووجد انتظامها وموافقتها لمصالح العباد عرف بذلك ربه كما قال الله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . ومنها ما يلقي الله في قلب المؤمن من معرفة الله حتى كأنه يرى ربه رأي العين قال النبي ﵊ حين سأله جبريل ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

стр. 1594

ودينه (١) ونبيه محمدا ﷺ (٢) ــ (١) أي معرفة الأصل الثاني وهو دينه الذي كلف العمل به وما تضمنه من الحكمة والرحمة ومصالح الخلق، ودرء المفاسد عنها، ودين الإسلام من تأمله حق التأمل تأملا مبنيا على الكتاب والسنة عرف أنه دين الحق، وأنه الدين الذي لا تقوم مصالح الخلق إلا به، ولا ينبغي أن نقيس الإسلام بما عليه المسلمون اليوم، فإن المسلمين قد فرطوا في أشياء كثيرة، وارتكبوا محاذير عظيمة حتى كأن العائش بينهم في بعض البلاد الإسلامية يعيش في جو غير إسلامي. والدين الإسلامي -بحمد الله تعالى- متضمن لجميع المصالح التي تضمنتها الأديان السابقة متميز عليها بكونه صالحا لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونه صالحا لكل زمان ومكان وأمة: أن التمسك به لا ينافي مصالح الأمة في أي زمان أو مكان بل هو صلاحها، وليس معناه أنه خاضع لكل زمان ومكان وأمة، فدين الإسلام يأمر بكل عمل صالح، وينهى عن كل عمل سيئ فهو يأمر بكل خلق فاضل، وينهى عن كل خلق سافل. هذا هو الأصل الثالث وهو معرفة الإنسان نبيه محمدا ﷺ ، وتحصل بدراسة حياة النبي ﷺ وما كان عليه من العبادة، والأخلاق، والدعوة إلى الله ، والجهاد في سبيله وغير ذلك من جوانب حياته ﵊، ولهذا ينبغي لكل إنسان يريد أن يزداد معرفة بنبيه وإيمانا به أن يطالع من سيرته ما تيسر في حربه وسلمه،

стр. 1595

فإذا قيل لك: من ربك (١) ؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه (٢) ، وهو معبودي ليس لي معبود سواه (٣) ــ وشدته ورخائه وجميع أحواله نسأل الله أن يجعلنا من المتبعين لرسوله ﷺ ، باطنا وظاهرا، وأن يتوفانا على ذلك إنه وليه والقادر عليه. (١) أي من هو ربك الذي خلقك، وأمدك، وأعدك، ورزقك. (٢) التربية هي عبارة عن الرعاية التي يكون بها تقويم المربى، ويشعر كلام المؤلف ﵀ أن الرب مأخوذ من التربية؛ لأنه قال: "الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه" فكل العالمين قد رباهم الله بنعمه وأعدهم لما خلقوا له، وأمدهم برزقه قال الله ﵎ في محاورة موسى وفرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ . فكل أحد من العالمين قد رباه الله بنعمه. ونعم الله على عباده كثيرة لا يمكن حصرها قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ فالله هو الذي خلقك وأعدك، وأمدك ورزقك فهو وحده المستحق للعبادة. (٣) أي وهو الذي أعبده وأتذلل له خضوعا ومحبة وتعظيما، أفعل ما يأمرني به، وأترك ما ينهاني عنه، فليس لي أحد أعبده سوى الله ، قال الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .

стр. 1596

والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ــ (١) استدل المؤلف ﵀ لكون الله مربيا لجميع الخلق بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعني الوصف بالكمال والجلال والعظمة لله تعالى وحده. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي مربيهم بالنعم وخالقهم ومالكهم، والمدبر لهم كما يشاء .

стр. 1597

وكل ما سوى الله عالم وأنا واحد من ذلك العالم (١) ، فإذا قيل لك: بم عرفت ربك (٢) ؟ فقل: بآياته ومخلوقاته (٣) ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما (٤) . ــ (١) العالم كلَ من سوى الله، وسُمّوا عالما لأنهم علم على خالقهم ومالكهم ومدبرهم ففي كل شيء آية لله تدل على أنه واحد. وأنا المجيب بهذا واحد من ذلك العالم، وإذا كان ربي وجب علي أن أعبده وحده. (٢) أي إذا قيل لك: بأي شيء عرفت الله ؟ فقل: عرفته بآياته ومخلوقاته. (٣) الآيات: جمع آية وهي العلامة على الشيء التي تدل عليه وتبينه. وآيات الله تعالى نوعان: كونية وشرعية، فالكونية هي المخلوقات، والشرعية هي الوحي الذي أنزله الله على رسله، وعلى هذا يكون قول المؤلف ﵀: "بآياته ومخلوقاته" من باب عطف الخاص على العام إذا فسرنا الآيات بأنها الآيات الكونية والشرعية أو من باب عطف المباين المغاير إذا خصصنا الآيات بالآيات الشرعية. وعلى كل فالله يعرف بآياته الكونية وهي المخلوقات العظيمة وما فيها من عجائب الصنعة وبالغ الحكمة، وكذلك يعرف بآياته الشرعية وما فيها من العدل، والاشتمال على المصالح، ودفع المفاسد. وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد (٤) كل هذه من آيات الله الدالة على كمال القدرة، وكمال الحكمة، وكمال

стр. 1598

الرحمة، فالشمس آية من آيات الله لكونها تسير سيرا منتظما بديعا منذ خلقها الله وإلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم، فهي تسير لمستقر لها كما قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وهي من آيات الله تعالى بحجمها وآثارها، أما حجمها فعظيم كبير، وأما آثارها فما يحصل منها من المنافع للأجسام والأشجار والأنهار، والبحار وغير ذلك، فإذا نظرنا إلى الشمس هذه الآية العظيمة ما مدى البعد الذي بيننا وبينها، ومع ذلك فإننا نجد حرارتها هذه الحرارة العظيمة، ثم انظر ماذا يحدث فيها من الإضاءة العظيمة التي يحصل بها توفير أموال كثيرة على الناس فإن الناس في النهار يستغنون عن كل إضاءة، ويحصل بهذا مصلحة كبيرة للناس من توفير أموالهم ويعد هذا من الآيات التي لا ندرك إلا اليسير منها. كذلك القمر من آيات الله حيث قدره منازل لكل ليلة منزلة ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ فهو يبدو صغيرا، ثم يكبر رويدا رويدا حتى يكمل، ثم يعود إلى النقص، وهو يشبه الإنسان حيث إنه يخلق من ضعف، ثم لا يزال يترقى من قوة إلى قوة حتى يعود إلى الضعف مرة أخرى فتبارك الله أحسن الخالقين.

стр. 1599

والدليل (١) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقوله (٢) تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . ــ (١) أي والدليل على أن الليل والنهار، والشمس والقمر من آيات الله قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ . . . . إلخ أي من العلامات البينة المبينة لمدلولها الليل والنهار في ذاتهما واختلافهما، وما أودع الله فيهما من مصالح العباد وتقلبات أحوالهم، وكذلك الشمس والقمر في ذاتهما وسيرهما وانتظامهما وما يحصل بذلك من مصالح العباد ودفع مضارهم. ثم نهى الله تعالى العباد أن يسجدوا للشمس أو القمر وإن بلغا مبلغا عظيما في نفوسهم؛ لأنهما لا يستحقان العبادة لكونهما مخلوقين، وإنما المستحق للعبادة هو الله تعالى الذي خلقهن. (٢) وقوله أي من الأدلة على أن الله خالق السماوات والأرض قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية وفيها من آيات الله: أولا: إن الله خلق هذه المخلوقات العظيمة في ستة أيام ولو شاء لخلقها بلحظة، ولكنه ربط المسببات بأسبابها كما تقتضيه حكمته.

стр. 1600

ثانيا: أنه استوى على العرش أي علا عليه علوا خاصا به كما يليق بجلاله وعظمته وهذا عنوان كمال الملك والسلطان. ثالثا: أنه يغشي الليل النهار أن يجعل الليل غشاء للنهار، أي غطاء له فهو كالثوب يسدل على ضوء النهار فيغطيه. رابعا: أنه جعل الشمس والقمر والنجوم مذللات بأمره جل سلطانه يأمرهن بما يشاء لمصلحة العباد. خامسا: عموم ملكه وتمام سلطانه حيث كان له الخلق والأمر لا لغيره. سادسا: عموم ربوبيته للعالمين كلهم.

стр. 1601

والرب هو المعبود (١) والدليل (٢) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٣) ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . (٥) ــ (١) يشير المؤلف رحمه الله تعالى إلى قول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . فالرب هو المعبود أي هو الذي يستحق أن يعبد أو هو الذي يعبد لاستحقاقه للعبادة وليس المعنى أن كل من عبد فهو رب، فالآلهة التي تعبد من دون الله واتخذها عبادها أربابا من دون الله ليست أربابا. (١) والرب هو: الخالق، المالك، المدبر لجميع الأمور. (٢) أي الدليل على أن الرب هو المستحق للعبادة. (٣) النداء موجه لجميع الناس من بني آدم أمرهم الله أن يعبدوه وحده لا شريك له. فلا يجعلوا له أندادا، ويبين أنه إنما استحق العبادة لكونه هو الخالق وحده لا شريك له. (٤) قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ هذه صفة كاشفة تعلل ما سبق أي اعبدوه؛ لأنه ربكم الذي خلقكم، فمن أجل كونه الرب الخالق كان لزاما عليكم أن تعبدوه، ولهذا نقول: يلزم كل من أقر بربوبية الله أن يعبده وحده وإلا كان متناقضا. (٥) أي من أجل أن تحصلوا على التقوى، والتقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه.

стр. 1602

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (١) ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ (٢) ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ (٣) ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ (٤) ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (٥) ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) . ــ (١) أي جعلها فراشا ومهادا نستمتع فيها من غير مشقة ولا تعب كما ينام الإنسان على فراشه. (٢) أي فوقنا لأن البناء يصير فوق السماء بناء لأهل الأرض وهي سقف محفوظ كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ . (٣) أي أنزل من العلو من السحاب ماء طهورا لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون، كما في سورة النحل. (٤) أي عطاء لكم وفي آية أخرى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ . (٥) أي لا تجعلوا لهذا الذي خلقكم، وخلق الذين من قبلكم، وجعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء، وأنزل لكم من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم لا تجعلوا له أندادا تعبدونها كما تعبدون الله، أو تحبونها كما تحبون الله فإن ذلك غير لائق بكم لا عقلا ولا شرعا. (٦) أي تعلمون أنه لا ند له وأنه بيده الخلق والرزق والتدبير فلا تجعلوا له شريكا في العبادة.

стр. 1603

قال ابن كثير - رحمه الله تعالى (١) _: " الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة ". ــ (١) هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي الحافظ المشهور صاحب التفسير والتاريخ من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة.

стр. 1604

و أنواع العبادة التي أمر الله بها (١) : مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان؛ ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة ــ (١) لما بين المؤلف رحمه الله تعالى أن الواجب علينا أن نعبد الله وحده لا شريك له، بين فيما يأتي شيئا من أنواع العبادة فقال: وأنواع العبادة مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان. وهذه الثلاثة الإسلام، والإيمان، والإحسان هي الدين كما جاء ذلك فيما رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه، قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان،»

стр. 1605

والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى (١) . والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ، فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) . ــ «ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» فجعل النبي ﷺ هذه الأشياء هي الدين، وذلك أنها متضمنة للدين كله. (١) أي كل أنواع العبادة مما ذكر وغيره لله وحده لا شريك له فلا يحل صرفها لغير الله تعالى. (٢) ذكر المؤلف رحمه الله تعالى جملة من أنواع العبادة، وذكر أن من صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر، واستدل بقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وبقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ووجه الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى أخبر أن المساجد وهي مواضع السجود أو أعضاء السجود لله ورتب على ذلك قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ أي لا تعبدوا معه غيره فتسجدوا له، ووجه الدلالة من الآية الثانية بأن الله بين أن من يدعو مع الله إلها آخر فإنه كافر لأنه قال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾

стр. 1606

وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة". والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) . ــ إشارة إلى أنه لا يمكن أن يكون برهان على تعدد الآلهة فهذه الصفة ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ صفة كاشفة مبينة للأمر وليست صفة مقيدة تخرج ما فيه برهان؛ لأنه لا يمكن أن يكون برهان على أن مع الله إلها آخر. هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى في أدلة أنواع العبادة التي ذكرها في قوله: "وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء. . " إلخ، فبدأ ﵀ بذكر الأدلة على الدعاء، وسيأتي إن شاء الله تفصيل أدلة الإسلام والإيمان والإحسان. واستدل المؤلف ﵀ بما يروى عن النبي ﷺ ، أنه قال: «الدعاء مخ العبادة» (١) واستدل كذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فدلت الآية الكريمة على أن الدعاء من العبادة ولولا ذلك ما صح أن يقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ فمن دعا غير الله بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا. ومن دعا حيا بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، يا فلان اسقني فلا شيء فيه، ومن دعا ميتا أو غائبا بمثل هذا فإنه مشرك لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه

стр. 1607

ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ــ يدل على أنه يعتقد أن له تصرفا في الكون فيكون بذلك مشركا. واعلم أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة. فدعاء المسألة هو دعاء الطلب أي طلب الحاجات وهو عبادة إذا كان من العبد لربه، لأنه يتضمن الافتقار إلى الله تعالى واللجوء إليه، واعتقاد أنه قادر كريم واسع الفضل والرحمة. ويجوز إذا صدر من العبد لمثله من المخلوقين إذا كان المدعو يعقل الدعاء ويقدر على الإجابة كما سبق في قول القائل: يا فلان أطعمني. وأما دعاء العبادة فأن يتعبد به للمدعو طلبا لثوابه وخوفا من عقابه وهذا لا يصح لغير الله وصرفه لغير الله شرك أكبر مخرج عن الملة وعليه يقع الوعيد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . (١) الخوف هو الذعر، وهو انفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى، وقد نهى الله عن خوف أولياء الشيطان وأمر بخوفه وحده. والخوف ثلاثة أنواع: النوع الأولى: خوف طبيعي كخوف الإنسان من السبع والنار والغرق وهذا لا يلام عليه العبد قال الله تعالى عن موسى ﵊: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ لكن إذا كان هذا الخوف

стр. 1608

ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) ــ كما ذكر الشيخ ﵀ سببا لترك واجب أو فعل محرم كان حراما؛ لأن ما كان سببا لترك واجب أو فعل محرم فهو حرام ودليله قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . والخوف من الله تعالى يكون محمودا، ويكون غير محمود. فالمحمود ما كانت غايته أن يحول بينك وبين معصية الله بحيث يحملك على فعل الواجبات وترك المحرمات، فإذا حصلت هذه الغاية سكن القلب واطمأن وغلب عليه الفرح بنعمة الله، والرجاء لثوابه. وغير المحمود ما يحمل العبد على اليأس من روح الله والقنوط وحينئذ يتحسر العبد وينكمش وربما يتمادى في المعصية لقوة يأسه. النوع الثاني: خوف العبادة أن يخاف أحدا يتعبد بالخوف له فهذا لا يكون إلا لله تعالى. وصرفه لغير الله تعالى شرك أكبر. النوع الثالث: خوف السر كأن يخاف صاحب القبر، أو وليا بعيدا عنه لا يؤثر فيه لكنه يخافه مخافة سر فهذا أيضا ذكره العلماء من الشرك. الرجاء طمع الإنسان في أمر قريب المنال، وقد يكون في بعيد المنال تنزيلا له منزلة القريب. والرجاء المتضمن للذل والخضوع لا يكون إلا لله وصرفه لغير الله تعالى شرك إما أصغر، وإما أكبر بحسب ما يقوم بقلب الراجي. وقد استدل المؤلف له بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .

стр. 1609

ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١) ــ واعلم أن الرجاء المحمود لا يكون إلا لمن عمل بطاعة الله ورجا ثوابها، أو تاب من معصيته ورجا قبول توبته، فأما الرجاء بلا عمل فهو غرور وتمن مذموم. (١) التوكل على الشيء الاعتماد عليه. والتوكل على الله تعالى: الاعتماد على الله تعالى كفاية وحسبا في جلب المنافع، ودفع المضار، وهو من تمام الإيمان، وعلاماته؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإذا صدق العبد في اعتماده على الله تعالى كفاه الله تعالى ما أهمه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي كافيه ثم طمأن المتوكل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ فلا يعجزه شيء أراده. واعلم أن التوكل أنواع: الأول: التوكل على الله تعالى وهو من تمام الإيمان وعلامات صدقه وهو واجب لا يتم الإيمان إلا به وسبق دليله. الثاني: توكل السر بأن يعتمد على ميت في جلب منفعة، أو دفع مضرة فهذا شرك أكبر؛ لأنه لا يقع إلا ممن يعتقد أن لهذا الميت تصرفا سريا في الكون، ولا فر ق بين أن يكون نبيا، أو وليا، أو طاغوتا عدوّا لله تعالى. الثالث: التوكل على الغير فيما يتصرف فيه الغير مع الشعور بعلو مرتبته

стр. 1610

ودليل الرغبة (١) والرهبة (٢) والخشوع (٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١) ــ وانحطاط مرتبة المتوكل عنه مثل أن يعتمد عليه في حصول المعاش ونحوه، فهذا نوع من الشرك الأصغر لقوة تعلق القلب به والاعتماد عليه. أما لو اعتمد عليه على أنه سبب، وأن الله تعالى هو الذي قدر ذلك على يده، فإن ذلك لا بأس به، إذا كان للمتوكل عليه أثر صحيح في حصوله. الرابع: التوكل على الغير فيما يتصرف فيه المتوكل بحيث ينيب غيره في أمر تجوز فيه النيابة فهذا لا بأس به بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع فقد قال يعقوب لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ ووكل النبي ﷺ ، على الصدقة عمالا وحفاظا، ووكل في إثبات الحدود وإقامتها، ووكل علي بن أبي طالب ﵁ في هديه في حجة الوداع أن يتصدق بجلودها وجلالها، وأن ينحر ما بقي من المائة بعد أن نحر ﷺ بيده ثلاثا وستين. وأما الإجماع على جواز ذلك فمعلوم من حيث الجملة. (١) الرغبة: محبة الوصول إلى الشيء المحبوب. (٢) الرهبة: الخوف المثمر للهرب من المخوف فهي خوف مقرون بعمل. (٣) الخشوع: الذل والتطامن لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي. في هذه الآية الكريمة وصف الله تعالى الخلص من عباده بأنهم

стр. 1611

ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (١) ــ يدعون الله تعالى رغبا ورهبا مع الخشوع له، والدعاء هنا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، فهم يدعون الله رغبة فيما عنده وطمعا في ثوابه مع خوفهم من عقابه وآثار ذنوبهم، والمؤمن ينبغي أن يسعى إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، ويغلب الرجاء في جانب الطاعة لينشط عليها ويؤمل قبولها، ويغلب الخوف إذا هم بالمعصية ليهرب منها وينجو من عقابها. وقال بعض العلماء: يغلب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة؛ لأن المريض منكسر ضعيف النفس وعسى أن يكون قد اقترب أجله فيموت وهو يحسن الظن بالله ، وفي حال الصحة يكون نشيطا مؤملا طول البقاء فيحمله ذلك على الأشر والبطر فيغلب جانب الخوف ليسلم من ذلك. وقيل: يكون رجاؤه وخوفه واحدا سواء لئلا يحمله الرجاء على الأمن من مكر الله، والخوف على اليأس من رحمة الله تعالى، وكلاهما قبيح مهلك لصاحبه. (١) الخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي العلماء بعظمته، وكمال سلطانه فهي أخص من الخوف، ويتضح الفرق بينهما بالمثال فإذا خفت من شخص لا تدري هل هو قادر عليك أم لا فهذا خوف، وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية. ويقال في أقسام أحكام الخشية ما يقال في أقسام أحكام الخوف.

стр. 1612

ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (١) ــ (١) الإنابة الرجوع إلى الله تعالى بالقيام بطاعته، واجتناب معصيته، وهي قريبة من معنى التوبة إلا أنها أرق منها لما تشعر به من الاعتماد على الله واللجوء إليه، ولا تكون إلا لله تعالى، ودليلها قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ . والمراد بقوله تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الإسلام الشرعي وهو الاستسلام لأحكام الله الشرعية وذلك أن الإسلام لله تعالى نوعان: الأول: إسلام كوني وهو الاستسلام لحكمه الكوني وهذا عام لكل من في السماوات والأرض من مؤمن وكافر، وبر وفاجر لا يمكن لأحد أن يستكبر عنه ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ . الثاني: إسلام شرعي وهو الاستسلام لحكمه الشرعي وهذا خاص بمن قام بطاعته من الرسل وأتباعهم بإحسان، ودليله في القرآن كثير ومنه هذه الآية التي ذكرها المؤلف ﵀.

стр. 1613

ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي الحديث «إذا استعنت فاستعن بالله (١) » (١) ــ (١) الاستعانة طلب العون وهي أنواع: الأول: الاستعانة بالله وهي: الاستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته وهذه لا تكون إلا لله تعالى ودليلها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ووجه الاختصاص أن الله تعالى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾ وقاعدة اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تعالى شركا مخرجا عن الملة. الثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر قادر عليه فهذه على حسب المستعان عليه فإن كانت على بر فهي جائزة للمستعين مشروعة للمعين لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ . وإن كانت على إثم فهي حرام على المستعين والمعين لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . وإن كانت على مباح فهي جائزة للمستعين والمعين لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير ومن ثم تكون في حقه مشروعة لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . الثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر فهذه لغو لا طائل تحتها مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل. الرابع: الاستعانة بالأموات مطلقا أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته فهذا شرك لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن

стр. 1614

ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (١) ــ لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون. الخامس: الاستعانة بالأعمال والأحوال المحبوبة إلى الله تعالى وهذه مشروعة بأمر الله تعالى في قوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ . وقد استدل المؤلف رحمه الله تعالى للنوع الأول بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله ﷺ : «إذا استعنت فاستعن بالله» . (١) الاستعاذة: طلب الإعاذة، والإعاذة الحماية من مكروه فالمستعيذ محتم بمن استعاذ به ومعتصم به والاستعاذة أنواع: الأول: الاستعاذة بالله تعالى وهي المتضمنة لكمال الافتقار إليه والاعتصام به واعتقاد كفايته وتمام حمايته من كل شيء حاضر أو مستقبل، صغير أو كبير، بشر أو غير بشر ودليلها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ إلى آخر السورة وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ إلى آخر السورة. الثاني: الاستعاذة بصفة من صفاته ككلامه وعظمته وعزته ونحو ذلك، ودليل ذلك قوله ﷺ : «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» وقوله: «أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» وقوله في دعاء الألم: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» ، وقوله: «أعوذ برضاك من سخطك» ، وقوله ﷺ حين نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ فقال: "أعوذ بوجهك".

стр. 1615

ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (١) ــ الثالث: الاستعاذة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على العوذ فهذا شرك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ . الرابع: الاستعاذة بما يمكن العوذ به من المخلوقين من البشر أو الأماكن أو غيرها فهذا جائز ودليله قوله ﷺ في ذكر الفتن: «من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذبه» . متفق عليه وقد بين ﷺ هذا الملجأ والمعاذ بقوله: «فمن كان له إبل فليلحق بإبله» الحديث رواه مسلم، وفي صحيحه أيضا عن جابر ﵁ «أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأتى بها النبي ﷺ ، فعاذت بأم سلمة» . الحديث، وفي صحيحه أيضا عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث» الحديث. ولكن إن استعاذ من شر ظالم وجب إيواؤه وإعاذته بقدر الإمكان، وإن استعاذ ليتوصل إلى فعل محظور أو الهرب من واجب حرم إيواؤه. (١) الاستغاثة طلب الغوث وهو الإنقاذ من الشدة والهلاك، وهو أقسام: الأول: الاستغاثة بالله وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل وأتباعهم، ودليله ما ذكره الشيخ ﵀ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وكان ذلك في غزوة بدر حين نظر النبي ﷺ إلى المشركين في ألف رجل
следующие страницы →