Полный текст (10 899 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
النزول
стр. 177
(٩٦) سئل فضيلة الشيخ: عن حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: «يتنزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» . رواه البخاري ؟
فأجاب بقوله: هذا الحديث حديث عظيم ذكر بعض أهل العلم أنه بلغ حد التواتر عن النبي، ولا شك أنه حديث مستفيض مشهور، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بكتاب مستقل، لما فيه من الفوائد العظيمة، ففيه ثبوت النزول لله لقوله:" يتنزل ربنا" والنزول من صفات الله الفعلية؛ لأنه فعل وهذا النزول نزول الله نفسه حقيقة؛ لأن الرسول أضافه إلى الله، ونحن نعلم أن الرسول أعلم الناس بالله، ونعلم كذلك أن الرسول أفصح الخلق، ونعلم كذلك أنه أصدق الخلق فيما يخبر به، فليس في كلامه شيء من الكذب، ولا يمكن أن يتقول على الله تعالى شيئا لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أحكامه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ . ونعلم كذلك أن رسول الله صلى الله عليه
стр. 178
وسلم أنصح الخلق، وأنه ﷺ لا يساويه أحد من الخلق في النصحية للخلق، ونعلم كذلك أنه ﷺ لا يريد من العباد إلا أن يهتدوا، وهذا من تمام نصحه أنه لا يريد منهم أن يضلوا، فهو ﵊، أعلم الخلق بالله، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق فيما ينطق به، وكذلك لا يريد إلا الهداية للخلق فإذا قال: " ينزل ربنا " فإن أي إنسان يقول: خلاف ظاهر هذا اللفظ قد اتهم النبي ﷺ إما بأنه غير عالم، فمثلا إذا قال: المراد ينزل أمره. نقول: أنت أعلم بالله من رسول الله ﷺ فالرسول يقول: " ينزل ربنا " وأنت تقول: ينزل أمره أأنت أعلم أم رسول الله؟ ! أو أنه اتهمه بأنه لا يريد النصح للخلق حيث عمى عليهم فخاطبهم بما يريد خلافه، ولا شك أن الإنسان الذي يخاطب الناس بما يريد خلافه غير ناصح لهم أو نقول: أنت الآن اتهمت الرسول ﷺ بأنه غير فصيح، بل هو عيي يريد شيئا ولكن لا ينطق به، يريد ينزل أمر ربنا ولكن يقول: ينزل ربنا لأنه لا يفرق بين هذا وهذا، فكلامك هذا لا يخلو من وصمة الرسول ﷺ فعليك أن تتقي الله، وأن تؤمن بما قال الرسول ﷺ من أن الله تعالى نفسه ينزل حقيقة.
(٩٧) وسئل فضيلته: هل يستلزم نزول الله أن يخلو العرش منه أو لا ؟
فأجاب بقوله: نقول: أصل هذا السؤال تنطع، وإيراده غير مشكور عليه مورده، لأننا نسأل هل أنت أحرص من الصحابة على فهم صفات الله؟ إن قال: نعم فقد كذب. وإن قال: لا. قلنا: فليسعك ما وسعهم،
стр. 179
فهم ما سألوا الرسول ﷺ وقالوا: يا رسول الله إذا نزل هل يخلو منه العرش؟ وما لك ولهذا السؤال، قل: ينزل واسكت. يخلو منه العرش أو ما يخلو، هذا ليس إليك، أنت مأمور بأن تصدق الخبر ولا سيما ما يتعلق بذات الله وصفاته؛ لأنه أمر فوق العقول فإذا نقول: هذا السؤال تنطع أصلا لا يرد، وكل إنسان يريد الأدب كما تأدب الصحابة مع رسول الله ﷺ فإنه لا يورده، فإذا قدر أن شخصا ابتلي بأن وجد العلماء بحثوا في هذا واختلفوا فيه، فمنهم من يقول: يخلو، ومنهم من يقول: لا يخلو، ومنهم من توقف، فالسبيل الأقوم في هذا هو التوقف، ثم القول بأنه لا يخلو منه العرش، وأضعف الأقوال القول بأنه يخلو منه العرش، فالتوقف أسلمها وليس هذا مما يجب علينا القول به؛ لأن الرسول ﷺ لم يبينه والصحابة لم يستفسروا عنه، ولو كان هذا مما يجب علينا أن نعتقده لبينه الله ورسوله بأي طريق، ونحن نعلم أنه أحيانا يبين الرسول ﷺ الحق من عنده، وأحيانا يتوقف فينزل الوحي، وأحيانا يأتي أعرابي فيسأل عن شيء، وأحيانا يسأل الصحابة أنفسهم عن الشيء، كل هذا لم يرد في هذا الحديث، فإذا لو توقفنا وقلنا: الله أعلم فليس علينا سبيل لأن هذا هو الواقع.
(٩٨) وسئل: هل إذا نزل تقله السماء ؟
فأجاب بقوله: هذا لا يكون، لأنك لو قلت: إن السماء تقله لزم أنه يكون محتاجا إليها، كما تكون أنت محتاجا إلى السقف إذا أقلك، ومعلوم أن الله غني عن كل شيء، وأن كل شيء محتاج إلى الله، فإذا نجزم بأن السماء لا تقله، لأنها لو أقلته لكان محتاجا إليها وهذا مستحيل على الله .
стр. 180
(٩٩) وسئل: هل السماء الثانية فما فوقها تكون فوقه إذا نزل إلى السماء الدنيا ؟
فأجاب بقوله: لا، ونجزم بهذا لأننا لو قلنا بإمكان ذلك لبطلت صفة العلو، وصفة العلو لازمة لله، وهي صفة ذاتية لا تنتفي عن الله ولا يمكن أن يكون شيء فوقه. حينئذ يبقى الإنسان منبهتا كيف ينزل إلى السماء الدنيا ولا تقله ولا تكون السماوات الأخرى فوقه هل يمكن هذا؟! الجواب: إذا كنت منبهتا من هذا فإنما تنبهت إذا قست صفات الخالق بصفات المخلوق، صحيح أن المخلوق إذا نزل إلى المصباح صار السطح فوقه وصار سطح المصباح يقله، لكن الخالق لا يمكن أن يقاس بخلقه، فلا تقل: كيف؟ ولم؟
فإذا هذان السؤالان: هل السماء تقله؟
الجواب: لا لأنك إن فرضت هذا لزم أن يكون الله محتاجا إلى السماء، والله تعالى غني عن كل شيء، وكل شيء محتاج إليه.
والسؤال الثاني: هل تكون السماوات فوقه ما عدا السماء الدنيا؟
الجواب: لا؛ لأنك لو فرضت ذلك لزم انتفاء صفة العلو لله مع أن العلو من صفات الله الذاتية التي لا ينفك عنها.
فالسؤال هذا من أصله بدعة كما قال مالك للذي سأله عن الاستواء كيف استوى؟ قال: "السؤال عنه بدعة " يعني لأنه ما سأل الصحابة عنه، فأنت الآن ابتدعت في دين الله حيث سألت عن أمر ديني ما سأل عنه الصحابة وهم أفضل منك، وأحرص منك على العلم بصفات الله، لكن مع ذلك لو قال: أنا يساورني القلق أخشى أن أعتقد بصفات الله ما لا يجوز، فبينوا لي وأنقذوني، فحينئذ نبين له لأن الإنسان قد يبتلى بمثل هذه
стр. 181
الأمور، ويأتيه الشيطان ويوسوس له، ويقول: كيف؟ وكيف؟ حتى يؤدي به إلى أحد محذورين: إما التمثيل، وإما التعطيل، فإذا جاءنا يسأل ويقول: أنقذوني ما زال هذا يتردد في خاطري ما يكفيني أن تقولوا: بدعة كيف أذهب ما في خاطري وقلبي. نقول: نبين لك.
(١٠٠) وسئل: هل الذي ينزل هو الله أو لا ؟
فأجاب بقوله: ذكرنا فيما سبق أن الذي ينزل هو الله نفسه، هكذا قال رسول الله ﷺ وهو أعلم الخلق به، وأنصحهم، وأفصحهم مقالا، وأصدقهم فيما يقول: فهو أعلم، وأنصح، وأفصح، وأصدق، وكل هذه الصفات الأربع موجودة في كلامه ﵊، فوالله ما كذب في قوله: «ينزل ربنا» ولا غش الأمة ولا نطق بعي ولا نطق عن جهل ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ بل هو الصادق المصدوق ﷺ يقول: " «ينزل ربنا » . لكن قال بعض الناس: إن الذي ينزل أمر الله وقال آخرون: الذي ينزل رحمة الله، وقال آخرون: الذي ينزل ملك من ملائكة الله، سبحان الله هل الرسول ﷺ ما يعرف أن يعبر هذا التعبير لا يعرف أن يقول: تنزل رحمة الله، أو ينزل أمر الله، أو ينزل ملك من ملائكة الله؟ الجواب: يعرف أن يعبر ولو كان المراد ينزل أمره أو رحمته، أو ملكه، لكان الرسول ﵊ ملبسا على الأمة حين قال: «ينزل ربنا» ولم يكن مبينا للأمة بل ملبسا عليهم؛ لأن الذي يقول: لك: «ينزل ربنا» وهو يريد ينزل أمره هل وضح لك وبين أو غشك ولبس عليك؟ الجواب: غشك ولبس عليك فإذا
стр. 182
الذي ينزل هو الرب .
وهذا التحريف ولا نقول: هذا التأويل فالقول بأن مثل هذا التحريف تأويل تلطيف للمسألة، وكل تأويل لا يدل عليه دليل فهو تحريف، نقول: هذا التحريف لا شك أنه باطل فإذا قلنا: إن الذي ينزل أمر الله في ثلث الليل فمقتضاه:
أولا: أنه في غير ثلث الليل لا ينزل أمر الله، وأمر الله نازل في كل لحظة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ .
ثانيا: أمر الله ما ينتهي بالسماء الدنيا قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ . وليس إلى السماء الدنيا فقط، فبطل هذا التحريف من جهة أن الأمر لا يختص بهذا الجزء من الليل، وأن الأمر لا ينتهي إلى السماء بل ينزل إلى الأرض.
ورحمة الله أيضا نفس الشيء نقول رحمة الله تنزل كل لحظة، ولو فقدت رحمة الله من العالم لحظة لهلك، فكل لحظة تنزل الرحمة وتنزل إلى الأرض، إذا ما الفائدة لنا بنزول الرحمة إلى السماء فقط، إذا لم تصلنا الرحمة فلا فائدة لنا منها، فبطل تفسيره بالرحمة بل ما يترتب على تفسيره بالأمر أو بالرحمة من اللوازم الفاسدة أعظم مما يتوهمه من صرف اللفظ إلى الأمر أو الرحمة من المفاسد في تفسيره بنزول الله نفسه.
ثالثا: هل يمكن للأمر أو الرحمة أن تقول: من يدعوني فأستجيب له إلخ؟
الجواب: لا يمكن أن تقول رحمة الله من يدعوني، ولا يمكن أن يقول أمر الله: من يدعوني، فالذي يقول هو الله كذلك إذا قيل:
стр. 183
إن الذي ينزل ملك من ملائكته نقول: الملك إذا نزل إلى السماء الدنيا لا يمكن أن يقول: من يدعوني. أبدا لو قال الملك: من يدعوني صار من دعاة الشرك؛ لأن الذي يجيب الداعي إذا دعاه هو الله فلا يمكن للملك أن يقول: هكذا، حتى لو فرض أن الله أمره أن يقول لقال: من يدعو الله فيستجيب له، ولا يمكن لملك من الملائكة وهم لا يعصون الله أن يقول: من يدعوني فأستجيب له، وبهذا بطل تحريف هذا الحديث إلى هذا المعنى أن يكون النازل ملكا.
وتحريف نصوص الصفات من القرآن والسنة يجري فيها هذا المجرى، يعني أن كل التحريفات إذا تأملتها وجدت أنه يترتب عليها من المفاسد أضعاف ما يترتب على المفاسد التي توهموها لو أجروا اللفظ على ظاهره، ولهذا نجد الصحابة ﵃ سلموا من هذا، فلا يوجد عنهم حرف واحد في تحريف نصوص الصفات؛ لأنه ليس فيها إشكال عندهم يجرونها على ظاهرها، كما يجرون آيات الأحكام على ظاهرها، والغريب أن هؤلاء الذين يحرفون في نصوص الصفات وهم لا يستطيعون أن يعقلوها لو حرف أحد من نصوص الأحكام - مع أن الأحكام مربوطة بالمصالح والمصالح للعقول فيها مدخل - لو حرف أحد في نصوص الأحكام لأقاموا عليه الدنيا، وقالوا: ما يمكن أن تخرج اللفظ عن ظاهره، مع أن الأحكام مربوطة بالمصالح والمصالح للعقل فيها مجال، لكن صفات الله غير مربوطة بهذا، صفات الله طريقها الخبر المجرد يعني ما فيه تلق في صفات الله نفيا، أو إثباتا إلا من الكتاب والسنة، ومع ذلك نجد من يلعب بنصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بصفات الله ويحرفها حينما يرى أن العقل يقتضي ذلك، مع أن العقل الذي يدعي أنه يقتضي ذلك، عقل
стр. 184
من؟ عقل زيد أو عمرو أو بكر. . كل واحد منهم له عقل يقول: هذا هو الحق، ولهذا تجدهم يتناقضون، بل إن الواحد منهم ينقض كلامه بعضه بعضا، يؤلف كتابا فينقض به ما في الكتاب الأول وهكذا.
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور
فهم يتناقضون لأنهم على غير برهان وعلى غير أساس، فلهذا نقول: الطريق السليم، والمنهج الحكيم هو: ما درج عليه السلف من إجراء هذه النصوص على ظاهرها.
فإذا قال قائل: ظاهرها التمثيل.
قلنا له: أخطأت ليس ظاهرها التمثيل، وكيف يكون ظاهرها التمثيل وهي مضافة إلى الله تعالى والله لا يماثله أحد في ذاته فكذلك في صفاته. فمثلا قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ إذا قال: أنا لا أثبت الوجه حقيقة لأن ظاهره التمثيل، نقول: أخطأت ليس ظاهره التمثيل؛ لأن الله تعالى لم يذكر وجها مطلقا حتى يحمل على المعهود، وإنما ذكر وجها مضافا إلى ذاته ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ فإذا كان مضافا إلى ذاته وأنت تؤمن بأن ذاته لا تماثل ذوات المخلوقين وجب أن يكون وجهه لا يماثل أوجه المخلوقين. والله أكبر عليك لو قيل: يد الفيل ما فهمت أنها كيد الهرة؛ لأنها أضيفت إلى الفيل وليست يدا مطلقة حتى تقول: تشترك مع غيرها فلا يمكن أن تفهم من قول القائل: يد فيل أنه كقول القائل: يد هر، أبدا فيكف تفهم إذا قيل: يد الله بأنها كيد زيد أو عمرو؟ أبدا ما يمكن أن تفهم هذا، فكل من قال: إن ظاهر نصوص الصفات التمثيل فإنه كاذب سواء تعمد الكذب أم لم يتعمده؛ لأنه حتى الذي يقول عن تأويل خاطئ
стр. 185
يسمى كاذبا أليس الرسول ﵊ قد «قال لأبي السنابل لما أخبر بأن أبا السنابل قال لسبيعة الأسلمية: لن تنكحي حتى يمضي عليك أربعة أشهر وعشر، قال الرسول ﷺ : كذب أبو السنابل.» مع أنه ما تعمد الكذب لكنه قال قولا خاطئا فنحن نقول هذا كاذب سواء تعمد أم لم يتعمد فليس في نصوص الصفات، ولله الحمد ما يقتضي التمثيل لا عقلا ولا سمعا، ثم إن لدينا آية من كتاب الله تمحو كل ما ادعى أن فيه تمثيلا وهي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . فأنت إذا جاءك نص إثبات فاقرنه بنص هذا النفي ولا تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض بل اقرنه به. فمثلا قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ نقول: وليس كمثل وجه الله شيء لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وعلى هذا فقس، والأمر ولله الحمد ظاهر جدا ولولا كثرة الناس الذين سلكوا هذا المسلك أعني مسلك التأويل في قولهم والتحريف فيما نرى، لولا كثرتهم لكان الأمر غير مشكل على أحد إطلاقا؛ لأنه واضح ليس فيه إشكال، فلهذا نقول: يجب علينا أن نؤمن بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا هو نفسه كما نؤمن بأنه هو نفسه الذي خلق السماوات وأضاف الخلق إليه، وينزل إلى السماء هو؛ لأن الإضافة في "ينزل" كالإضافة في "خلق، ويخلق "، ولا فرق فالنازل هو الله، والخالق هو الله، والرازق هو الله، والباسط هو الله، وهكذا ولا فرق بينهما، والإنسان المؤمن الذي يتقي الله لا يمكن أن يحرف ما أضافه الله إلى
стр. 186
نفسه ويضيفه إلى أمر آخر، وإذا أداه اجتهاده إلى ذلك فإنه يكون معذورا لا مشكورا؛ لأن هناك فرقا بين السعي المشكور وهو ما وافق الحق، وبين العمل المعذور وهو ما خالف الحق لكن نعرف من صاحبه النصح إلا أنه التبس عليه الحق، فإن في هؤلاء المئولة الذين نرى أن عملهم تحريف فيهم من يعلم منه النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، وللمسلمين، لكن التبس عليهم الحق فضلوا الطريق في هذه المسألة.
وفي قوله: «فيقول: من يدعوني فأستجيب له» في هذا إثبات القول لله وأنه بحرف وصوت؛ لأن أصل القول لا بد أن يكون بصوت ولو كان قولا بالنفس لقيده الله كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ فإذا أطلق القول فلا بد أن يكون بصوت، ثم إن كان من بعد سمي نداء، وإن كان من قرب سمي نجاء.
فإذا قال قائل: نحن لا نسمع هذا القول؟
فنقول: أخبرنا به من قوله عندنا أشد يقينا مما لو سمعنا وهو الرسول ﷺ ، نعلم علم اليقين بأن الله يقول: بخبر أصدق الخلق ﷺ ونحن لو سمعنا قولا، لظننا أنه وجبة شيء سقط، أو حفيف أشجار من رياح فنتوهم فيما نسمع لكن ما قاله رسول الله ﷺ لا نتوهم فيه، فيكون خبر الرسول ﷺ عندنا بمنزلة ما سمعنا بآذاننا، بل أشد يقينا، إذا صح عنه، وهذا الحديث قد صح عنه فهو متواتر أو هو مشهور مستفيض عند أهل السنة والحديث فلذلك نقول: إن الله يقول هذا فينبغي لك وأنت تتهجد لله في هذا الزمن من الليل أن تشعر بأن الله ينادي يقول: من يدعوني
стр. 187
فأستجيب له، فتدعو الله تعالى وأنت موقن بهذا والدعاء أن تقول: " يا رب" فهذا دعاء.
وقوله: " من يسألني " أي من يطلب مني شيئاً مثل أن تقول: (يا رب أسألك الجنة) فهذا سؤال، واجتمع في قول القائل: يا رب أسالك الجنة الدعاء والسؤال.
وقوله: " من يستغفرني فأغفر له" أي من يطلب مني المغفرة مثل أن تقول: يا رب اغفر لي فهذا استغفار، وإذا قال القائل: "اللهم إني أسالك الجنة" فقوله: "اللهم" دعاء لأن أصلها يا الله. وقوله "أسالك الجنة" هذا سؤال فيكون فيه سؤال ودعاء وفي حديث أبي بكر الذي علمه إياه النبي ﷺ : "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ".
فهذا متضمن لثلاثة، الدعاء في قوله: " اللهم "، والاستغفار في قوله: " فاغفر لي "، وفي قوله: "وارحمني " دعاء بالرحمة.
قوله: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" "من " هنا اسم استفهام، والمراد به التشويق وليس المراد به الاستخبار، لأن الله يعلم، لكن المراد به التشويق يشوق عباده أن يسألوه، وأن يدعوه، وأن يستغفروه وفي هذا غاية الكرم والجود من الله أنه هو الذي يشوق عباده إلى سؤاله، ودعائه، ومغفرته كقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ انظر إلى هذا الخطاب الرفيق الشيق
стр. 188
ففيه التشويق والرفق ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولم يقل: "يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله" ما قال هكذا وإن كان قالها في آيات أخرى لكن في هذه الآية ما قال هكذا؛ لأن المقام يقتضي ذلك فالسورة كلها سورة جهاد من أولها إلى آخرها ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ . المهم أن في هذا الحديث وأمثاله من كرم الله ما هو ظاهر لمن تأمله، وأهم شيء فيما تكلمنا عليه مسألة الصفات فأنا أكرر أن تلتزموا فيها ما التزمه السلف، وأن لا تحيدوا يمينا ولا شمالا، ولا تسألوا عما لم يسأله السلف، فإن هذا من التنطع والتكلف والابتداع في دين الله، وإني أقول لكم: إن الإنسان كلما تعمق في هذه الأمور فأخشى أن ينقص في قلبه من إجلال الله وعظمته بقدر ما حصل من هذا التعمق في البحث في هذه الأمور واسأل العامي، العامي إذا ذكرت الله عنده اقشعر جلده وإذا ذكرت نزوله إلى السماء الدنيا اقشعر جلده لكن أولئك الذين يتعمقون في الصفات ويحاولون أن يسألوا حتى عن الأظافر نسأل الله لنا ولهم الهداية هؤلاء إذا ذكر عندهم حديث النزول بدءوا يوردون على أنفسهم أو على غيرهم كيف تكون الحال وثلث الليل يتنقل على الكرة الأرضية؟ وكيف تكون الحال حين نزوله بالنسبة للعلو وبالنسبة للعرش؟
ونحو ذلك من الأسئلة التي تشطح بهم عن تعظيم الله وهؤلاء بلا شك سينقص من إجلال الله في قلوبهم بقدر ما حاولوا من التعمق في هذه الأمور، وليس إجلالنا لله كإجلال الصحابة ولا قريبا منه، وليس حرصنا على العلم بصفات الله كحرص
стр. 189
الصحابة وهم ما سألوا هذه الأسئلة، ولذلك - وأنا أنصحكم لله وأرجو منكم ألا تتعمقوا في هذه الأمور فتسألوا عن أشياء لم يسأل عنها الصحابة - خذوا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واتركوا ما عدا ذلك لئلا يوقعكم الشيطان في أمر تعجزون عن التخلص منه قد يوقعكم في التمثيل ويلزمكم إلزاما بأن تعتقدوا ذلك؛ لأن الإنسان الذي يتعمق إلى هذا الحد يخشى عليه، خذوا ما جاء في الكتاب وصحيح السنة واحمدوا الله على العافية واسلكوا سبيل السابقين، والله أعلم.
(١٠١) سئل الشيخ: كيف نجمع بين حديث أبي هريرة في النزول، وبين الواقع إذ الليل عندنا مثلا نهار في أمريكا ؟
فأجاب بقوله: سؤالكم عن الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ، هذا لفظ البخاري في باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. فتسألون كيف يمكن الجمع بين هذا الحديث، وبين الواقع إذ الليل عندنا مثلا نهار في أمريكا.
فجوابه: أنه لا إشكال في ذلك بحمد الله تعالى حتى يطلب الجمع، فإن هذا الحديث من صفات الله تعالى الفعلية، والواجب علينا نحو صفات الله تعالى سواء أكانت ذاتية كالوجه واليدين، أم معنوية كالحياة والعلم، أم فعلية كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا فالواجب علينا نحوها ما يلي:
стр. 190
١ - الإيمان بها على ما جاءت به النصوص من المعاني والحقائق اللائقة بالله تعالى.
٢ - الكف عن محاولة تكييفها تصورا في الذهن، أو تعبيرا في النطق؛ لأن ذلك من القول على الله تعالى بلا علم. وقد حرمه الله تعالى في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ . ولأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يدرك المخلوق كنه صفاته وكيفيتها، ولأن الشيء لا يمكن إدراكه إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتف بالنسبة لكيفية صفات الله تعالى.
٣ - الكف عن تمثيلها بصفات المخلوقين سواء كان ذلك تصورا في الذهن، أم تعبيرا في النطق لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
فإذا علمت هذا الواجب نحو صفات تعالى، لم يبق إشكال في حديث النزول ولا غيره من صفات الله تعالى وذلك أن النبي ﷺ أخبر أمته أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر مخاطبا بذلك جميع أمته في مشارق الأرض ومغاربها، وخبره هذا من علم الغيب الذي أظهره الله تعالى عليه، والذي أظهره
стр. 191
عليه وهو الله تعالى عالم بتغير الزمن على الأرض، وأن ثلث الليل عند قوم يكون نصف النهار عند آخرين مثلا.
وإذا كان النبي ﷺ يخاطب الأمة جميعا بهذا الحديث الذي خصص فيه نزول الله ﵎، بثلث الليل الآخر فإنه يكون عاما لجميع الأمة، فمن كانوا في الثلث الآخر من الليل تحقق عندهم النزول الإلهي، وقلنا لهم: هذا وقت نزول الله تعالى بالنسبة إليكم، ومن لم يكونوا في هذا الوقت فليس ثم نزول الله تعالى بالنسبة إليهم، والنبي ﷺ حدد نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا بوقت خاص، فمتى كان ذلك الوقت كان النزول، ومتى انتهى انتهى النزول، وليس في ذلك أي إشكال. وهذا وإن كان الذهن قد لا يتصوره بالنسبة إلى نزول المخلوق لكن نزول الله تعالى ليس كنزول خلقه حتى يقاس به، ويجعل ما كان مستحيلا بالنسبة إلى المخلوق مستحيلا بالنسبة إلى الخالق، فمثلا إذا طلع الفجر بالنسبة إلينا وابتدأ ثلث الليل بالنسبة إلى من كانوا غربا قلنا: إن وقت النزول الإلهي بالنسبة إلينا قد انتهى. وبالنسبة إلى أولئك قد ابتدأ، وهذا في غاية الإمكان بالنسبة إلى صفات الله تعالى، فإن الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح حديث النزول: "فالنزول الإلهي لكل قوم مقدار ثلث ليلهم، فيختلف مقداره بمقادير الليل في الشمال والجنوب، كما اختلف في المشرق والمغرب، وأيضا فإنه إذا كان ثلث الليل عند قوم فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد، فيحصل النزول الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدوق أيضا عند
стр. 192
أولئك، إذا بقي ثلث ليلهم وهكذا إلى آخر العمارة". اهـ. كلامه ﵀.
(١٠٢) سئل الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين: من المعلوم أن الليل يدور على الكرة الأرضية والله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فمقتضى ذلك أن يكون كل الليل في السماء الدنيا فما الجواب عن ذلك ؟
فأجاب بقوله: الواجب علينا أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، فالتحريف في النصوص، والتعطيل في المعتقد، والتكييف في الصفة، والتمثيل في الصفة أيضا، إلا أنه أخص من التكييف لأنه تكييف مقيد بمماثلة، فيجب أن تبرأ عقيدتنا من هذه المحاذير الأربعة. ويجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال بـ "لم"؟ وكيف؟ فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وكذا يمنع نفسه عن التفكير في الكيفية، وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيرا، وهذه حال السلف ﵏ ولهذا جاء رجل إلى مالك بن أنس ﵀ قال: يا أبا عبد الله " ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ " كيف استوى؟
فأطرق برأسه وعلته الرحضاء وقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا".
وهذا الذي يقول: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة، فيلزم من هذا أن يكون كل الليل في السماء الدنيا؛ لأن
стр. 193
الليل يدور على جميع الأرض، فالثلث ينتقل من هذا المكان إلى المكان الآخر.
جوابنا عليه أن نقول: هذا سؤال لم يسأله الصحابة رضوان الله عليهم ولو كان هذا يرد على قلب المؤمن المستسلم لبينه الله ورسوله ﷺ ونقول: ما دام ثلث الليل الأخير في هذه الجهة باقيا فالنزول فيها محقق، ومتى انتهى الليل انتفى النزول ونحن لا ندرك كيفية نزول الله ولا نحيط به علما ونعلم أنه سبحانه ليس كمثله شيء، وعلينا أن نستسلم وأن نقول: سمعنا، وآمنا، واتبعنا، وأطعنا هذه وظيفتنا.
(١٠٣) سئل الشيخ: عما جاء في صحيفة. . . من قول الكاتب: "إن نزول الله تعالى يكون في وقت لا يدريه إلا هو "؟
فأجاب بقوله: لقد وددت أن الكاتب لم يستعجل بكتابة مثل هذا الجواب؛ لأن المقام خطير حيث يتعلق بصفة من صفات الله تعالى، وهذه الجملة التي وقع عنها السؤال لعلها سهو أو سبقة قلم، فإن نزول الله تعالى في وقت معلوم، حدده وعينه رسول الله ﷺ بثلث الليل، وهو واضح لا إشكال فيه، ولا يقع فيه إشكال إلا على من تصور أن نزول الله تعالى كنزول المخلوقين، أما من قدر الله تعالى حق قدره وعلم أن النبي ﷺ لا ينطق بمثل هذه الأمور الغيبية إلا بما أظهره الله عليه، وأنه صادق فيما أخبر به من ذلك، فإنه لن يشكل عليه هذا الحديث، فإنه يقول: نزول الله تعالى ليس كنزول غيره، فإنه يكون نازلا إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر بالنسبة
стр. 194
لمن كانوا في ذلك الوقت، وليس نازلا بالنسبة لمن لم يكونوا فيه، هذا مقتضى الحديث، وليس فيه إشكال.
لذا أرجو أن يكون فيما كتبت كفاية، وأن يعيد الكاتب كتابة الجواب حسبما يتبين له من هذه الكتابة التي هي مقتضى الحديث وعين دلالته، لا أقول: لمن تأمله؛ لأنه بمنتهى الوضوح بدون تأمل والله الموفق.
стр. 195
الرؤية
стр. 196
(١٠٤) وسئل حفظه الله تعالى: عن مذهب السلف في رؤية الله ؟ وعمن يزعم "أن الله لا يرى بالعين وأن الرؤية عبارة عن كمال اليقين "؟
فأجاب قائلا: يقول: الله في القرآن الكريم حين ذكر القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . فأضاف النظر إلى الوجوه، والذي يمكن به النظر في الوجوه العين، ففي الآية دليل على أن الله يرى بالعين، ولكن رؤيتنا لله لا تقتضي الإحاطة به لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ . فإذا كنا لا يمكن أن نحيط بالله علما والإحاطة العلمية أوسع وأشمل من الإحاطة البصرية دل ذلك على أنه لا يمكن أن نحيط به إحاطة بصرية ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ . فالأبصار وإن رأته لا يمكن أن تدركه، فالله يرى بالعين رؤية حقيقية، ولكنه لا يدرك بهذه الرؤية، لأنه أعظم من أن يحاط به، وهذا هو الذي ذهب إليه السلف، ويرون أن أكمل نعيم ينعم به الإنسان أن ينظر إلى وجه الله ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ : «أسألك لذة النظر إلى وجهك» . قال: "لذة النظر"؛ لأن لهذا النظر لذة عظيمة لا يدركها إلا من أدركها بنعمة من الله وفضل منه،
стр. 197
وأرجو الله تعالى أن يجعلني وإياكم منهم. هذه هي حقيقة الرؤية التي أجمع عليها السلف.
أما من زعم أن الله لا يرى بالعين وأن الرؤية عبارة عن كمال اليقين فإن قوله هذا باطل مخالف للأدلة ويكذبه الواقع؛ لأن كمال اليقين موجود في الدنيا أيضا قال النبي ﷺ في تفسير الإحسان: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . وعبادتك لله كأنك تراه هذا هو كمال اليقين، فدعوى أن النصوص الواردة في الرؤية تعني كمال اليقين؛ لأن المتيقن يقينا كاملا كالذي يشاهد بالعين دعوى باطلة وتحريف للنصوص، وليس بتأويل بل هو تحريف باطل يجب رده على من قال به، والله المستعان.
(١٠٥) وسئل الشيخ: هل ثبت أن النبي ﷺ رأى الله في اليقظة وفي المنام ؟
فأجاب بقوله: رؤية الله في اليقظة لم تثبت، حتى ما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ رأى ربه بعينه. ولا يمكن لأحد أن يرى الله تعالى في الدنيا بعينه يقظة؛ لأن موسى لما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
стр. 198
أما في المنام فقد ورد حديث في السنن صححه كثير من الحفاظ أن النبي ﷺ رأى ربه في المنام، وقد شرح ابن رجب هذا الحديث في رسالة مختصرة فأحيل السائل عليها.
(١٠٦) سئل فضيلة الشيخ: عما جاء في شرح لمعة الاعتقاد من قول فضيلته: " رؤية الله في الدنيا مستحيلة". وقد ذكر الشنقيطي ﵀ أن رؤية الله بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة، وأما شرعا فهي جائزة وواقعة في الآخرة، وأما في الدنيا فممنوعة شرعا. وما نقله النووي عن بعض أهل العلم من أن رؤية الله تعالى في الدنيا جائزة، فنرجو من فضيلتكم توضيح ذلك ؟
فأجاب بقوله: ما ذكرته في شرح لمعة الاعتقاد لا ينافي ما ذكره الشيخ الشنقيطي وغيره من أن رؤية الله تعالى في الدنيا ممكنة، فإن قولي: "إنه مستحيل" أي بحسب خبر الله بأنه لن يراه، إذ لا يمكن أن يتخلف مدلول خبره تعالى، وقد جاءت بمثل ذلك السنة، حيث قال النبي ﷺ وهو يتحدث عن الدجال: «واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» . أخرجه مسلم.
ثم اعلم أن المستحيل في حق الله تعالى نوعان:
أحدهما: مستحيل لكونه لا يليق بجلاله كالجهل والعجز ونحوهما، فهذا لا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره أن يخطر بباله جوازه أو ينطق لسانه بسؤاله.
الثاني: مستحيل بالنسبة لغيره لكمال صفات الله تعالى، كرؤية
стр. 199
الإنسان ربه في الدنيا، فإن هذا مستحيل لكون البشر لا يطيق أن يرى الله تعالى في الدنيا لنقص حياة البشر حينئذ. ولذلك تكون الرؤية ممكنة يوم القيامة؛ لأن حياة البشر حينذاك أكمل.
وعلى كل حال فقد دلت النصوص وإجماع السلف على أن الله تعالى لم يره أحد في الدنيا يقظة، وإن كان قد روي عن ابن عباس ﵄ ما ظاهره أن نبينا محمدا ﷺ رأى الله تعالى، فالله أعلم.
стр. 200
رسالة
стр. 201
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ: حفظه الله تعالى وهدانا وإياه صراطه المستقيم، وجعلنا جميعا هداة مهتدين وصالحين مصلحين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فبناء على ما أوجب الله علينا من النصيحة لله تعالى، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، وعلى ما تقتضيه الأخوة الإيمانية من المودة والمحبة في الله ولله، فإني أبين لكم ما لاحظته في مقالات نشرت لفضيلتكم في مجلة. . . . . في العدد. . . . تحت عنوان (حوار مفتوح) وفي الأعداد. . . .،. . . .،. . . .،. . . .،. . . .، تحت عنوان (عقيدة أهل السنة في ميزان الشرع) .
وذلك في النقاط التالية:
أولا: ذكرتم أن الأشعرية والماتريدية من أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته، وذلك بناء على تقسيمكم مذهب أهل السنة والجماعة إلى مذهبين:
أحدهما: مذهب السلف الذي ذكرتم أنه اشتهر بمذهب أهل التفويض.
والثاني: مذهب الخلف الذي اشتهر بمذهب أهل التأويل.
والحق أن هذا التقسيم غير صحيح وذلك.
١ - لأنه لا يمكن عقلا: ولا شرعا أن نجمع في وصف واحد بين طائفتين مختلفتين في طريقتهما، فهل يمكن أن نقول: إن طريقة من قال:
стр. 202
إن الله استوى على عرشه حقيقة، وينزل إلى السماء الدنيا حقيقة، ويجيء للفصل بين عباده حقيقة، ويحب المقسطين حقيقة، ويرضى حقيقة، ويكره حقيقة، ويغضب حقيقة، وكل ذلك وجميع ما وصف الله به نفسه حق على حقيقته بدون تمثيل، ولا تكييف، هل يمكن أن نقول: إن طريقة هؤلاء هي طريقة من نفى حقيقة هذه الأمور وسلك فيها طريق التأويل، الذي سماه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - تحريفا كما في عقيدته الواسطية ومناظرته عليها.
إننا إن قلنا: إن طريقة أولئك هي طريقة هؤلاء فقد جمعنا بين النقيضين الإثبات والنفي، وامتناع الجمع بين النقيضين أمر معلوم عند جميع العقلاء من بني آدم.
إذا تبين ذلك تعين أن نقول: إن إحدى الطائفتين فقط هم أهل السنة والجماعة، فإما أن تكون طائفة السلف أهل التحقيق، وإما أن تكون طائفة الخلف أهل التأويل، ولا يمكن أحدا أن يقول: إن أهل السنة والجماعة طائفة الخلف دون طائفة السلف؛ لأن طائفة السلف تعني المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان من سلف الأمة، وأئمتها، ومنهم أبو الحسن الأشعري ﵀ في مذهبه الذي استقر عليه أخيرا في كتابه (الإبانة) وبين أنه قائل بما قال به الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - والإمام أحمد ﵀ كما تعلمون مشهور بلقب إمام أهل السنة ومذهبه في الصفات الإثبات دون التأويل، ولو كان من مذهب أهل السنة التأويل ما صح أن يطلق إمام أهل السنة على من لا يراه، إذن فأهل السنة والجماعة طائفة واحدة فقط، وهم الذين اجتمعوا على التمسك بسنة النبي ﷺ وحققوا ذلك عقيدة، وقولا، وعملا فمنهاجهم الباطن
стр. 203
والظاهر ما كان عليه النبي ﷺ ، ولهذا سموا أهل السنة لتمسكهم بها، وسموا أهل الجماعة لاجتماعهم على ذلك.
٢ - أن فضيلتكم صرح في ص. . . . عدد. . . . بأن الأشعرية والماتريدية مخطئون، وإذا كانوا على السنة والجماعة فهل يصح أن نقول: إنهم مخطئون؟ هل يمكن أن تكون السنة خطأ؟ هل يمكن أن يكون الاجتماع على السنة خطأ؟ في ظني أن الجواب من فضيلتكم على هذا بالنفي الصريح البات.
وإن كنتم سامحكم الله قد قلتم في ص. . . . عدد. . . . بالحرف الواحد: "مذهب الأشاعرة على الوجه الصحيح" وهذا مناقض لكلامكم الأخير.
٣ - إن شيخ الإسلام وغيره من المتكلمين في الأسماء والصفات أنكروا على الأشاعرة ومن حذا حذوهم ممن يثبتون بعض الصفات وينكرون بعضها بتأويل، وبينوا تناقضهم، وأن طريقتهم مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، وأنهم يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما يلزمهم فيما نفوه، وأن ما نفوه يمكن إثباته بمثل ما أثبتوا به ما أثبتوه، بل بما هو أبين وأظهر (راجع العقيدة الواسطية، ورسالة التدمرية) لشيخ الإسلام ابن تيمية.
إذن فمن نفى شيئا من صفات الله تعالى بتكذيب، أو تأويل فليس من أهل السنة والجماعة من أي طائفة كان، وإلى أي شخص ينتسب، ولكننا لا ننكر أن يكون لبعض هؤلاء قدم صدق في الإسلام، والذب عنه، والعناية بسنة النبي ﷺ رواية ودراية والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم وهم على ذلك مشكورون، وبما وعد الله عليه من الثواب مجزيون ولهم منا على ذلك المودة، والمحبة، والدعاء بالمغفرة
стр. 204
والرحمة، ولكن يجب أن نزن لهم بالقسطاس المستقيم فننزلهم منزلتهم، ونعطيهم مالهم، ولا نضيف لهم ما ليس فيهم.
ثانيا: ذكر فضيلتكم ص. . . . عدد. . . . أن الخلاف بين أهل السنة - السلف والخلف - على ما ذكرتم خلاف بين الفاضل والأفضل، وهذا يقتضي أن يكون المرء مخيرا بين إجراء نصوص الصفات على ظاهرها اللائق بالله ، وهو ما درج عليه السلف الصالح، وبين صرفها عن ظاهرها إلى معان تخالف الظاهر، وتستلزم تعطيل حقائقها، وغاية ما في ذلك أن يكون ترك الأفضل إلى الفاضل، فمثله كمثل من زاد في الطمأنينة والخشوع والذكر في الصلاة على الوجه الموافق للأكمل ومن اقتصر في صلاته على الواجب.
وهذا الذي ذكرتم غير صحيح، فما زال أئمة أهل السنة ينكرون على من أول نصوص الصفات أو بعضها، ولولا أن كتابي هذا إلى رجل يعلم ذلك، أو يمكنه أن يعلمه بالرجوع إلى كتبهم لنقلت من كتبهم ما تيسر في هذا الباب.
ولا ريب أن تأويل نصوص الصفات عن ظاهرها تحريف محرم وذلك من وجوه:
١ - أنه جناية على النصوص حيث صرفها عن ظاهرها، والله خاطب الناس بلسان عربي مبين، والنبي ﷺ ، خاطبهم بأفصح لسان البشر، فوجب حمل كلاميهما على ظاهرهما المفهوم بمقتضى اللسان العربي، غير أنه يجب أن يصان عن التكييف، والتمثيل في صفات الله.
٢ - أن صرف كلام الله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قول على الله
стр. 205
بغير علم وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ . فالصارف لكلام الله عن ظاهره قال على الله بلا علم من وجهين:
الأول: أنه زعم أن الله لم يرد بكلامه كذا.
الثاني: أنه قال: إنه أراد به كذا لمعنى آخر لم يدل عليه ظاهر الكلام.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . فإذا صرف الكلام عن ظاهره قال لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد القدرة قلنا: ما دليلك على ما نفيت؟ وما دليلك على ما أثبت؟ فإن أتى بدليل - وأنى له - وإلا كان قائلا على الله بلا علم في نفيه وإثباته.
٣ - أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وسلف الأمة، وأئمتها.
٤ - أنه يلزم على طريقته لوازم باطلة وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم فمن ذلك:
أ - أنهم لم يصرفوا هذه النصوص إلا حين اعتقدوا أن ظاهرها مستلزم لتشبيه الله تعالى بخلقه وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر، كما قال نعيم بن حماد الخزاعي: "من شبه الله بخلقه فقد كفر" ومن المعلوم أن
стр. 206
من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ كفرا وتشبيها، وهم قد جعلوه مستلزما، أو موهما لذلك جل ربي، وكلامه عن هذا اللازم، والإيهام.
ب - أن الله تعالى لم يبين الحق الذي يجب على العباد اعتقاده في باب أسماء الله تعالى وصفاته وإنما جعل ذلك موكولا إلى عقولهم يثبتون ما شاءوا، وينكرون ما شاءوا ويئولون النصوص المثبتة لما أنكروه، وهذا من أبطل الباطل، فكيف يدع الله تعالى بيان هذا الباب الذي هو من أوجب الواجبات ويكل أمره إلى عقول متناقضة يمنع بعضها ما يوجبه الآخر، أو يجوزه على الله .
ج - أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين، وسلف الأمة وأئمتها كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة ما يجب لله تعالى من الصفات وما يمتنع عليه إذ لم يرد عنهم حرف واحد في التأويل الذي سلكه أولئك المئولون، وحينئذ إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، وسلف الأمة، وأئمتها جاهلين بذلك قاصرين عن معرفته، وإما أن يكونوا عالمين به، لكن كتموه وقصروا في بيانه للناس، وكلا الأمرين باطل.
فإذا تبين ذلك علم أن الخلاف بين السلف والخلف في صفات الله تعالى ليس خلافا بين الأفضل والفاضل، ولكنه خلاف بين الواجب والمحرم والحق والباطل، وأن طريق الخلف في ذلك محرم باطل.
واعلم يا فضيلة الشيخ أن القول إذا كان باطلا محرما فلا يلزم أن يكون قائله آثما إذا كان لم يقصر في طلب الحق واتباعه، ولكن اجتهد فأخطأ، ولكن عدم إثمه عند الله تعالى لا يلزمنا أن نصوب قوله، أو
стр. 207
نقول: إنه من السنة، فالتفريق بين القول والقائل، والفعل والفاعل أمر ينبغي التفطن له، والواجب علينا أن ننكر ما خالف الحق مهما كان القائل به، ومهما كان عدد القائلين، ونعتذر عن قائله إذا علمنا منه صدق النية في طلب الحق واتباع ما تبين له منه.
ثالثا: ذكر فضيلتكم ص. . . . عدد. . . . أننا إذا أخرجنا الأشاعرة والماتريدية من صف المسلمين، وجعلناهم في عداد الضالين وأسقطناهم من أهل السنة والجماعة فمعنى ذلك أن نحكم بالكفر والضلالة على ما يزيد على نسبة ٩٥ في المائة من المسلمين.
وأظن أن فضيلتكم يعلم أنه لا يخرج الأشاعرة والماتريدية من صف المسلمين إلا جاهل بحالهم، أو جاهل بأسباب الكفر والخروج عن الإسلام، أما أهل العلم بذلك فلم يخرجوهم من الإسلام، بل ولا من أهل السنة والجماعة في غير ما خالفوا به أهل السنة والجماعة، والإنسان قد يكون فيه شعبة من المخالفة للحق، وشعبة من الموافقة له، ولا يخرجه ذلك عن أهل الحق إخراجا مطلقا بل يعطى ما يستحقه ويوصف بما هو أهله من هذا وهذا حتى يكون الوزن بالقسطاس المستقيم.
وأما أن يكون الأشاعرة والماتريدية في المسلمين بهذه النسبة ٩٥ % فهذا أمر ينظر فيه، وحتى لو صحت هذه النسبة فإنها لا تقتضي عصمتهم من الخطأ؛ لأن العصمة في إجماع المسلمين، وإجماع المسلمين ثابت على خلاف ما كانت عليه هذه النسبة، فإن السلف الصالح من صدر هذه الأمة مجمعون على إثبات ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، وعلى إجراء النصوص في ذلك على ظاهرها اللائق بالله تعالى من غير تأويل، وهم أحق بالاتباع وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص ٨٧
стр. 208
من المجلد الخامس من مجموع ابن القاسم للفتاوى عن ابن عبد البر قوله: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في الكتاب والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة". اهـ. ونقل أيضا ص ٨٩ منه عن القاضي أبي يعلى قوله: "لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها ولكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة ". اهـ.
وبهذا تبين أن أهل السنة مجمعون على خلاف ما كان عليه أهل التأويل وإجماعهم هو الحجة الظاهرة.
رابعا: ذكر فضيلتكم ص. . . . عدد. . . . كلاما هذا نصه: "أما ما يتخيله بعض الجهلة من أدعياء العلم اليوم الذين يصورون الله تعالى بصورة غريبة عجيبة، ويجعلون الله تعالى كأنه جسم مركب من أعضاء وحواس، له وجه، ويدان، وعينان، وله ساق، وأصابع، وهو ينزل، ويمشي، ويهرول، ويقولون في تقرير هذه الصفات: إن الله يجلس كما يجلس الواحد على السرير وينزل كما ينزل أحدنا على الدرج"، ثم ذكرتم أن السلف الصالح رضوان الله عليهم لم يكن يخطر ببالهم عندما أثبتوا الصفات شيء من هذا أصلا، بل لم يكن يتلفظ الواحد منهم بمعنى الاستواء حتى لا يتوهم السامع التشبيه ثم نقلتم قول مالك المشهور فيه.
وليت غيرك قال هذا فإنه من الغريب العجيب أن تجعل ما نطق به الكتاب، والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة تخيلا من بعض الجهلة.
стр. 209
ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
أم تقرأ قوله تعالى عنه نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ . وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
ألم تقرأ قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ . وقوله لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ . ألم يبلغك ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا» قال ابن كثير في تفسير سورة "ن": وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ وهو حديث طويل مشهور.
ألم تسمع بما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن؟» . وبما رواه هو والبخاري وغيرهما من حديث ابن مسعود ﵁ في قصة «الحبر الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، وذكر الحديث وفيه: فضحك النبي صلى الله عليه»
стр. 210
«وسلم تعجبا وتصديقا له ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ » . . وبما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك» . قال ابن كثير في تفسيره آخر سورة الزمر: تفرد به يعني البخاري من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر.
ألم يثبت عندك ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟» وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما حتى قال ابن القيم في الصواعق: " إنه قد تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ورواه عنه نحو ثمان وعشرين نفسا من الصحابة ". اهـ. مختصر الصواعق ص ٣٨٠ ط الإمام. ثم ذكر بعد ذلك أسماء الصحابة الذين رووه وأحاديثهم فراجعه، وراجع شرح الحديث المذكور لشيخه ابن تيمية يتبين لك حقائق وتنحل عنك إشكالات. والله الموفق.
ألم يرو البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول: الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"» . وروى مسلم من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي صلى
стр. 211
الله عليه وسلم مثله فيمن تقرب إلى الله تعالى. فارجع إلى حديث أبي هريرة في البخاري ص ٣٨٤ من الفتح ط السلفية وفي مسلم ص ٢٠٦٨ ط الحلبي تحقيق محمد فؤاد وإلى حديث أبي ذر في نفس الصفحة من مسلم.
ألم يقل النبي ﷺ : «إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية» . متفق عليه وهذا لفظ البخاري.
فهذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة فيها الدلالة الصريحة على ثبوت الوجه، واليدين، والعينين، والساق، والأصابع، والنزول والهرولة لله جل وعلا. فهل فوق علم الله علم؟ وهل فوق علم النبي ﷺ بربه علم البشر؟ وهل يمكن أن يقال: لما ثبت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ إنه من تخيل بعض الجهلة أدعياء العلم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
نعم من اعتقد أن هذه الصفات ثابتة لله تعالى على وجه تماثل به صفات المخلوق، أو أنها موهمة لذلك فإنه من الجهلة أدعياء العلم أما من اعتقد ثبوتها لله تعالى على الوجه اللائق به من غير تكييف، ولا تمثيل فذاك هو العالم بالله، المعظم لكتابه، السالك مسلك الأدب معه، ومع رسوله حيث لم يقدم بين يدي الله ورسوله، ولم يدع في كلامهما ما هو خلاف ظاهره وينف ما هو ظاهره.
وأما قولكم: "إن السلف لم يكن يخطر ببالهم حين أثبتوا الصفات شيء من هذا أصلا، وأن الواحد منهم لم يكن يتلفظ بمعنى الاستواء" إلخ.
стр. 212
فإني أظن أنكم لو تأملتم طريقة السلف لعلمتم أنها على خلاف قولكم هذا عنهم، فإن السلف كان يخطر ببالهم أنها ثابتة بدون تكييف ولا تمثيل، فقد خطر ببالهم الحق والباطل فيما يتعلق بصفات الله تعالى، فأثبتوا الحق ونفوا الباطل، ولم يكونوا بحمد الله بلهاء لا يخطر ببالهم شيء أو لا يميزون بين الحق والباطل، وتفسيرهم لآيات الصفات وأحاديثها على الوجه اللائق بالله تعالى أمر معلوم يسير تتبعه على فضيلتكم، ومنه ما جاء في كتاب التمهيد لابن عبد البر ص ١٣١ ج ٧ حيث قال: "والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار، والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾ قال علا قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد. قال أبو عمر: الاستواء الاستقرار في العلو وبهذا خاطبنا الله ثم ذكر آيات الزخرف، وهود، والمؤمنون.
وذكر البخاري في صحيحه "عن أبي العالية: استوى إلى السماء ارتفع. وقال مجاهد: استوى علا على العرش". اهـ. ص ٤٠٣ فتح ط السلفية وقال البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ . قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء. وقال في تفسير قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . قال الكلبي ومقاتل: استقر وقال أبو عبيدة: صعد.
فهذه أيها الشيخ أربعة معان للاستواء عند السلف وإليها أشار ابن
стр. 213
القيم في نونيته حيث قال:
فلهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذا ار ... تفع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابع ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره ... أدرى من الجهمي بالقرآن
أفبعد إثبات أربعة معان للاستواء عن السلف يصح أن نقول: إن الواحد منهم لم يكن يتلفظ بمعنى الاستواء؟
وأما جواب مالك لمن سأله عن كيفية الاستواء بقوله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" فإن مالكا لم يسأل عن معنى الاستواء حتى يقال: إنه أحجم عن الإفصاح بمعناه، وإنما سئل عن الكيفية، فأجاب بأنها مجهولة لنا، ولكن لقوة احتراسه خاف أن يتوهم واهم بأن المعنى مجهول أيضا فقال: الاستواء معلوم ولم يفصح بالمعنى لظهوره، ولذلك لم يقع السؤال عنه.
وأما قول فضيلتكم: "إن بإمكان مالك أن يقول: الاستواء هو الجلوس" فلا أظن ذلك بإمكانه لأن تفسير الاستواء بالجلوس لم يثبت عن السلف فيما أعلم. والله أعلم.
خامسا: ذكر فضيلتكم في ص. . . . عدد. . . . أن الأشاعرة ذكروا هذا الكلام لأنه ظهر في عصرهم ناس ضلوا بسبب العقيدة فأولوا هذه الصفات دفعا لأولئك منهم على نية حسنة. . . . فالأشاعرة إنما أرادوا تنزيه الله جل وعلا لئلا يضل بعض الناس بتشبيه الخالق بعباده.
وهذا الذي ذكرتموه قد يكون هو الواقع من بعضهم، وقد يكون الواقع للآخرين أن هذا هو عقيدتهم، وأنهم يعتقدون أن إثبات الحقيقة يستلزم التشبيه.
стр. 214
وعلى كل حال فهذا مسلك فاسد إذ لا يمكن معالجة الداء بداء، ولا تفنيد البدعة ببدعة، وإنما يعالج الداء بالدواء الناجع، وتفند البدعة بالسنة، ولهذا لم يأت الأشاعرة بطائل في الرد على أهل التأويل الكلي في الصفات، فإن من المعروف أن الأشاعرة لا يثبتون من الصفات إلا سبعا وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، على خلاف بينهم وبين السلف في كيفية إثبات بعضها، أما ما عدا هذه الصفات فإنهم ينكرون حقيقتها بتأويلها إلى ما زعموا أن العقل يجيزه دون الحقيقة. فإن أهل التأويل الكلي استطالوا على الأشاعرة فقالوا: إذا كنتم تبيحون لأنفسكم التأويل فيما أولتموه بدون دليل سمعي بل بمقتضى عقولكم فلماذا تنكرون علينا ما أولناه بمقتضى عقولنا مما لا تئولونه، فإن كانت عقولنا خاطئة فأين الصواب في عقولكم؟ وإن كانت عقولكم صائبة فأين الخطأ في عقولنا؟ وليس لكم علينا حجة في الإنكار سوى مجرد التحكم. وهذا الإيراد من أهل التأويل الكلي على الأشاعرة وارد لا محيص للأشاعرة عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ إثباتا بلا تمثيل ولا تكييف، وتنزيها بلا تعطيل، ولا تحريف.
ولا يكفي في قبول القول وإقراره حسن قصد قائله بل لا بد من موافقته لشريعة الله تعالى، فإن كان مخالفا وجب رده وإنكاره مهما كان قائله، لكن إن كان قائله ممن عرف بحسن القصد والنصيحة لدين الله وعباد الله اعتذر عنه في هذه المخالفة، وإلا أعطي ما يستحقه لسوء قصده ومخالفته.
стр. 215
سادسا: ذكر فضيلتكم ص. . . ص. . . أن الأسلم في موضوع الصفات أن نفوض الأمر إلى علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية وفي ص. . . عدد. . . قلتم: وضمن هذا الإطار الذي فيه تنزيه الله جل وعلا عن مشابهته الخلق، أو مشابهة الخلق له يؤمن السلف الصالح بجميع ما ورد من آيات الصفات وأحاديث الصفات، ويفوضون علم ذلك إلى الله تعالى. . . وقد اشتهر هذا المذهب بأنه مذهب أهل التفويض. وفي ص. . . عدد. . . ذكرتم أنه اشتهر لعلماء أهل السنة مذهبان هما:
أ - مذهب أهل التفويض.
ب - مذهب أهل التأويل.
ثم ذكرتم ص. . . عدد. . . أن مذهبهم ليس التفويض المطلق كما قد يتوهم البعض من الناس وإنما هو مسلك آخر، ثم ذكرتم أنه يتلخص في شيئين:
أحدهما: تأويل ما لا بد من تأويله من آيات الصفات وأحاديثها.
والثاني: إثبات ما أثبته القرآن أو السنة والإيمان بها على مراد الله بطريق التسليم والتفويض دون تشبيه، أو تعطيل، أو تجسيم، أو تمثيل. . . على ضوء هذا يؤمن السلف الصالح في نفي المثلية ونفي التجسيم.
والتفويض الذي ذكرتموه هنا لم تبينوا بيانا ظاهرا ما المراد به؟ هل هو تفويض المعنى، أو تفويض الكيفية؟ فإن كان الأول فليس هذا مذهب السلف؛ لأنهم يثبتون المعنى على حقيقته ويعرفونه تمام المعرفة لكن على الوجه اللائق بالله تعالى من غير تكييف، ولا تمثيل قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل) الذي طبع على هامش كتابه (منهاج السنة) في ص ١١٦ ج ١: "وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا
следующие страницы →