← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

«الرحمن وكلتا يديه يمين» وبين قوله ﷺ : «ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله» ؟ فأجاب بقوله: كلمة "بشماله" اختلف فيها الرواة: فمنهم من أثبتها، ومنهم من أنكرها، وقال: لا تصح عن رسول الله ﷺ وأصل هذه التخطئة هو ما ثبت في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: «المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين» . وهذا يقتضي أنه ليس هناك يد يمين ويد شمال. ولكن قد روى مسلم في صحيحه إثبات الشمال لله تعالى فإذا كانت محفوظة فهي عندي لا تنافي «كلتا يديه يمين» لأن المعنى أن اليد الأخرى ليست كيد الشمال بالنسبة للمخلوق ناقصة عن اليد اليمنى، فقال: «كلتا يديه يمين» أي ليس فيهما نقص. فلما كان الوهم ربما يذهب إلى أن إثبات الشمال يعني النقص في هذه اليد دون الأخرى قال: «كلتا يديه يمين» ويؤيده قوله: «المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن» فإن المقصود بيان فضلهم ومرتبتهم وأنهم على يمين الرحمن سبحانه. وعلى كل فإن يديه سبحانه اثنتان بلا شك، وكل واحدة غير الأخرى وإذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال فليس المراد أنها أنقص من اليد اليمنى بل كلتا يديه يمين. والواجب علينا أن نقول: إن ثبتت عن رسول الله ﷺ نؤمن بها، وإن لم تثبت فنقول: كلتا يديه يمين. (٧٦) سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» ؟

стр. 142

فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث أعني قول النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» . ثابت في الصحيح، ومن المعلوم أنه لا يراد به ظاهره بإجماع المسلمين والعقلاء؛ لأن الله وسع كرسيه السماوات والأرض، والسماوات والأرض كلها بالنسبة للكرسي موضع القدمين كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة فما ظنك برب العالمين؟ لا أحد يحيط به وصفا ولا تخيلا، ومن هذا وصفه لا يمكن أن يكون على صورة آدم ستون ذراعا لكن يحمل على أحد معنيين: الأول: أن الله خلق آدم على صورة اختارها، وأضافها إلى نفسه تعالى تكريما وتشريفا. الثاني: أن المراد خلق آدم على صورته تعالى من حيث الجملة، ومجرد كونه على صورته لا يقتضي المماثلة والدليل قوله ﷺ : «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أضوء كوكب في السماء» ولا يلزم أن تكون هذه الزمرة مماثلة للقمر؛ لأن القمر أكبر من أهل الجنة بكثير، فإنهم يدخلون الجنة طولهم ستون ذراعا، فليسوا مثل القمر. (٧٧) سئل فضيلة الشيخ: عما أضافه الله تعالى إلى نفسه مثل وجه الله، ويد الله ونحو ذلك ؟ فأجاب قائلا: أقسام ما أضافه الله إلى نفسه ثلاثة: القسم الأول: العين القائمة بنفسها، فإضافتها من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل العموم كقوله

стр. 143

تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ . وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفيته كقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ . وهذا القسم مخلوق. القسم الثاني: العين التي يقوم بها غيرها مثل قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ . فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفا فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزءا من الله، إذ إن هذه الروح حلت في عيسى، ﵇، وهو عين منفصلة عن الله وهذا القسم مخلوق. القسم الثالث: أن يكون وصفا محضا يكون فيه المضاف صفة الله وهذا القسم غير مخلوق؛ لأن جميع صفات الله غير مخلوقة، ومثاله قدرة الله وعزة الله وهو في القرآن كثير. (٧٨) وسئل: عن حكم إضافة الحوادث إلى صفة من صفات الله ؟ فأجاب بقوله: إضافة الحوادث إلى صفة من صفات الله بمعنى أنه من مقتضى هذه الصفة لا بأس به، مثل أن نقول: اقتضت حكمة الله أن يعذب الظالم، أو أوجب القضاء والقدر أن يشقى فلان أو يسعد فلان ويدل لذلك قول النبي ﷺ : «لو سبق القضاء والقدر»

стр. 144

«شيء لسبقته العين» . أما إذا أضيفت الحوادث إلى صفة من صفات الله وكأن الصفة هي التي فعلت دون الموصوف فلا يجوز؛ لأن المؤثر هو الله تعالى وهو الخالق المدبر لجميع الأمور. (٧٩) سئل فضيلة الشيخ: هل أهل السنة يئولون اليد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ؟ فأجاب بقوله: ينبغي أن نعلم أن التأويل عند أهل السنة ليس مذموما كله، بل المذموم منه ما لم يدل عليه دليل، وما دل عليه الدليل يسمى تفسيرا، سواء كان الدليل متصلا بالنص، أو منفصلا عنه، فصرف الدليل عن ظاهره ليس مذموما على الإطلاق. ومثال التأويل بالدليل المتصل ما جاء في الحديث الثابت في صحيح مسلم في قوله تعالى في الحديث القدسي: «عبدي جعت فلم تطعمني، ومرضت فلم تعدني» فظاهر هذا الحديث أن الله نفسه هو الذي جاع وهو الذي مرض، وهذا غير مراد قطعا، ففسر هذا الحديث بنفس الحديث: «فقال: أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلم تطعمه، وعبدي فلانا مرض فلم تعده» . فالذي صرف ظاهر اللفظ الأول إلى هذا المعنى هو الحديث القدسي نفسه، فلا يقال: إن صرف ظاهر اللفظ الأول إلى هذا المعنى الثاني تأويل مذموم.

стр. 145

وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ . ظاهر اللفظ أنك إذا بدأت القراءة لم تستعذ. لكن قد دل الدليل المنفصل على أن معنى: إِذَا قَرَأْتَ أي إذا أردت أن تقرأ. لكن عبر عن الإرادة بالفعل ليبين أن المراد بذلك الإرادة المقترنة بالفعل لا الإرادة السابقة، ولو أراد التعبير بالفعل لكان الإنسان إذا أراد في الصباح أن يقرأ في المساء قلنا له: استعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنك ستقرأ في آخر الليل، لكن لما عبر بالفعل عن الإرادة دل على أن الإرادة هي الإرادة التي يقترن بها الفعل. فإذا فهمنا هذه القاعدة، وهي أن التأويل الذي قام الدليل عليه ليس مذموما عرفنا الجواب عن الآية التي ساقها السائل. فهل الصحابة في صلح الحديبية كانوا يبايعون الله؟ هم في الحقيقة كانوا يبايعون النبي ﷺ ، مباشرة وذلك في قوله سبحانه: ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ لكن لما كان الرسول مبلغا عن الله سبحانه صارت مبايعة الرسول كمبايعة الله، وصار الذي يبايعه كأنما يبايع الله. وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ المعلوم أن يد الله حقيقة ليست فوق أيديهم، وأن التي فوق أيديهم عند المبايعة هي يد الرسول ﷺ لكن الرسول كان مبلغا عن الله. ويجوز أن نقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ على سبيل العلو المطلق، فالله سبحانه بذاته فوق كل شيء. والله أعلم.

стр. 146

(٨٠) سئل فضيلة الشيخ: هل يوصف الله بالمكر؟ وهل يسمى به ؟ فأجاب بقوله: لا يوصف الله تعالى بالمكر إلا مقيدا فلا يوصف الله تعالى به وصفا مطلقا، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . ففي هذه الآية دليل على أن لله مكرا، والمكر هو التوصل إلى إيقاع الخصم من حيث لا يشعر. ومنه جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري: «الحرب خدعة» . فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم؟ قيل: إن المكر في محله محمود يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق، فلا يجوز أن تقول: "إن الله ماكر" وإنما تذكر هذه الصفة في مقام يكون مدحا مثل قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ . وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . ومثل قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ . ولا تنفى عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام الذي تكون مدحا يوصف بها، وفي المقام الذي لا تكون فيه مدحا لا يوصف بها. وكذلك لا يسمى الله به فلا يقال: إن من أسماء الله الماكر، والمكر من الصفات الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئة الله سبحانه.

стр. 147

(٨١) وسئل رعاه الله: هل يوصف الله بالخيانة؟ والخداع كما قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ؟ فأجاب بقوله: أما الخيانة فلا يوصف الله بها أبدا لأنها ذم بكل حال، إذ إنها مكر في موضع الائتمان وهو مذموم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ . ولم يقل: فخانهم. وأما الخداع فهو كالمكر يوصف الله تعالى به حين يكون مدحا ولا يوصف به على سبيل الإطلاق قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ . (٨٢) سئل فضيلة الشيخ: عما جاء في كتاب شرح العقيدة الواسطية من أن صفة (الحي) مسبوقة بالعدم ؟ فأجاب بقوله: حياة الله حياة كاملة، لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، وشرح العقيدة الواسطية الذي قرأ فيه هذا السائل أن حياة الله تسبق بعدم خطأ بلا شك، وهذا خطأ مطبعي فيما يظهر، لأنه إذا قيل: حياة كاملة فالحياة الكاملة لا تسبق بعدم، فحياة الله حياة كاملة، متضمنة لجميع الصفات الكاملة، فلم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال. (٨٣) سئل الشيخ: هل يوصف الله تعالى بالنسيان ؟

стр. 148

فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: للنسيان معنيان: أحدهما: الذهول عن شيء معلوم مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . على أحد القولين، ومثل قوله ﷺ : «إنما أنا بشر كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» . وقوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» . وهذا المعنى للنسيان منتف عن الله بالدليلين السمعي، والعقلي. أما السمعي: فقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وقوله عن موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ . فقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي مستقبلهم يدل على انتفاء الجهل عن الله تعالى، وقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي ماضيهم يدل على انتفاء النسيان عنه. والآية الثانية دلالتها على ذلك ظاهرة. وأما العقلي: فإن النسيان نقص، والله تعالى منزه عن النقص، موصوف بالكمال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . وعلى هذا فلا يجوز وصف الله بالنسيان بهذا المعنى على كل حال.

стр. 149

والمعنى الثاني للنسيان: الترك عن علم وعمد، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . على أحد القولين. ومثل قوله ﷺ في أقسام أهل الخيل: «ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها فهي له كذلك ستر» . وهذا المعنى من النسيان ثابت لله تعالى قال الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ . وقال تعالى في المنافقين: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . وفي صحيح مسلم في كتاب الزهد والرقائق عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث، وفيه: «أن الله تعالى يلقى العبد فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني» . وتركه سبحانه للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ . وقال: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ . والنصوص في ثبوت

стр. 150

الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة، وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه. وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركه في أصل المعنى، كما هو معلوم عند أهل السنة. (٨٤) وسئل الشيخ: هل نفهم من حديث: «إن الله لا يمل حتى تملوا» المتفق عليه أن الله يوصف بالملل ؟ فأجاب قائلا: من المعلوم أن القاعدة عند أهل السنة والجماعة أننا نصف الله ﵎ بما وصف به نفسه من غير تمثيل، ولا تكييف. فإذا كان هذا الحديث يدل على أن لله مللا فإن ملل الله ليس كمثل مللنا نحن، بل هو ملل ليس فيه شيء من النقص، أما ملل الإنسان فإن فيه أشياء من النقص؛ لأنه يتعب نفسيا وجسميا مما نزل بعد لعدم قوة تحمله، وأما ملل الله إن كان هذا الحديث يدل عليه فإنه ملل يليق به ، ولا يتضمن نقصا بوجه من الوجه. (٨٥) سئل فضيلة الشيخ: هل نثبت صفة الملل لله ؟ فأجاب بقوله: جاء في الحديث عن النبي ﷺ قوله: «فإن الله لا يمل حتى تملوا» فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثبات الملل لله، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ إن ملل المخلوق نقص، لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالا.

стр. 151

ومن العلماء من يقول: إن قوله: «لا يمل حتى تملوا» يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل فإن الله يجازيك عليه، فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل. ومنهم من قال: إن هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقا لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم لا يستلزم قيام الثاني وهذا أيضا «لا يمل حتى تملوا» لا يستلزم ثبوت الملل لله . وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله تعالى منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أن هذا الحديث دليل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق. (٨٦) وسئل فضيلة الشيخ رعاه الله تعالى: عن أنواع التعطيل ؟ فأجاب بقوله: التعطيل نوعان: الأول: تعطيل تكذيب وجحد، وهذا كفر. ومثاله رجل قال: إن الله لم يستو على العرش. فهذا جحود وتكذيب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . ومن كذب خبر الله فهو كافر. الثاني: تعطيل تأويل، وهذا هو معترك الخلاف بين العلماء هل يحكم على من عطل تأويلا بالكفر أولا؟ ومثاله رجل أثبت أن الله على العرش استوى، لكن قال: أقول: إن معناه استولى فهذا تعطيل تأويل، وهذا

стр. 152

قد لا يكفر به الإنسان، ولهذا لا نكفر من فسر الاستواء بالاستيلاء. وهذا النوع في الحقيقة فيه تفصيل: فأحيانا يكون الإنسان مبتدعا غير كافر، وأحيانا يكون مبتدعا كافرا حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية في ذلك. (٨٧) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إنكار شيء من أسماء الله تعالى أو صفاته ؟ فأجاب - حفظه الله - بقوله: الإنكار نوعان: النوع الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسما من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة. النوع الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يئولها وهذا نوعان: الأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر. الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية فهذا موجب للكفر، لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيبا، مثل أن يقول: ليس لله يد حقيقة، ولا بمعنى النعمة، أو القوة، فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيا مطلقا فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ المراد بيديه السماوات

стр. 153

والأرض فهو كافر، لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية فهو منكر مكذب. لكن إن قال: المراد باليد النعمة أو القوة فلا يكفر لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة قال الشاعر: وكم لظلام الليل عندك من يد ... تحدث أن المانوية تكذب من "يد" أي: من نعمة؛ لأن المانوية يقولون: إن الظلمة لا تحدث الخير وإنما تحدث الشر. (٨٨) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم من يعتقد أن صفات الخالق مثل صفات المخلوق ؟ فأجاب بقوله: الذي يعتقد أن صفات الخالق مثل صفات المخلوق ضال، ذلك أن صفات الخالق لا تماثل صفات المخلوقين بنص القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ولا يلزم من تماثل الشيئين في الاسم أو الصفة أن يتماثلا في الحقيقة هذه قاعدة معلومة. أليس للآدمي وجه. وللبعير وجه؟ اتفقا في الاسم لكن لم يتفقا في الحقيقة. وللجمل يد، وللذرة يد، فهل اليدان متماثلتان؟ الجواب لا، إذن لماذا لا تقول: لله وجه ولا يماثل أوجه المخلوقين، ولله يد ولا تماثل أيدي المخلوقين؟ ! قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .

стр. 154

وقال: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ . هل هناك يد من أيدي المخلوقين تكون كهذه اليد؟ لا. إذا يجب أن نعلم أن الخالق لا يماثل المخلوق، لا في ذاته، ولا في صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ولذلك لا يجوز أبدا أن تتخيل كيفية صفة من صفات الله، أو أن تظن أن صفات الله كمثل صفات المخلوق. (٨٩) وسئل فضيلته: عن الحكمة من إيجاد الكرام الكاتبين مع أن الله يعلم كل شيء ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نقول في مثل هذه الأمور: إننا قد ندرك حكمتها وقد لا ندرك، فإن كثيرا من الأشياء لا نعلم حكمتها كما قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فإن هذه المخلوقات لو سألنا سائل ما الحكمة أن الله جعل الإبل على هذا الوجه، وجعل الخيل على هذا الوجه وجعل الحمير على هذا الوجه، وجعل الآدمي على هذا الوجه، وما أشبه ذلك. لو سألنا عن الحكمة في هذه الأمور ما علمناها، ولو سئلنا ما الحكمة في أن الله جعل صلاة الظهر أربعا، وصلاة العصر أربعا، والمغرب ثلاثا، وصلاة العشاء أربعا وما أشبه ذلك ما استطعنا أن نعلم الحكمة في ذلك وبهذا علمنا أن كثيرا من الأمور الكونية، وكثيرا من الأمور الشرعية تخفى

стр. 155

علينا حكمتها، وإذا كان كذلك فإنا نقول: إن التماسنا للحكمة في بعض الأشياء المخلوقة أو المشروعة، إن من الله علينا بالوصول إليها فذاك زيادة فضل وخير وعلم، وإن لم نصل إليها فإن ذلك لا ينقصنا شيئا. ثم نعود إلى جواب السؤال وهو ما الحكمة في أن الله وكل بنا كراما كاتبين يعلمون ما نفعل؟ فالحكمة من ذلك بيان أن الله نظم الأشياء وقدرها، وأحكمها إحكاما متقنا، حتى إنه جعل على أفعال بني آدم وأقوالهم كراما كاتبين موكلين بهم يكتبون ما يفعلون، مع أنه عالم بما يفعلون قبل أن يفعلوه، ولكن كل هذا من أجل بيان كمال عناية الله بالإنسان، وكمال حفظه ﵎ وأن هذا الكون منظم أحسن نظام ومحكم أحسن إحكام. والله عليم حكيم. (٩٠) وسئل: أيهما أولى: التعبير بالتمثيل أم التعبير بالتشبيه ؟ فأجاب قائلا: التعبير بالتمثيل خير من التعبير بالتشبيه لوجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن نفي التمثيل هو الذي ورد في القرآن الكريم، ولم يرد في القرآن نفي التشبيه، واللفظ الذي هو التعبير القرآني خير من اللفظ الذي هو التعبير الإنساني قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . الوجه الثاني: أن التشبيه لا يصح نفيه على الإطلاق لأنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك اتفقا فيه وإن اختلفا في الحقيقة، فلله وجود

стр. 156

وللإنسان وجود، ولله حياة وللإنسان حياة، وهذا الاشتراك في أصل المعنى - الحياة - نوع من التشابه، لكن الحقيقة أن صفات الخالق ليست كصفات المخلوق، فحياة الخالق ليست كحياة المخلوق، فحياة المخلوق ناقصة مسبوقة بعدم وملحوقة بفناء، وهي أيضا ناقصة في حد ذاتها، يوم يكون طيبا، ويوم يكون مريضا، ويوم يكون متكدرا، ويوم يكون مسرورا، وهي أيضا حياة ناقصة في جميع الصفات، البصر ناقص، السمع ناقص، العلم ناقص، القوة ناقصة، بخلاف حياة الخالق جل وعلا فإنها كاملة من كل وجه. الوجه الثالث: أن بعض أهل التعطيل يسمون المثبتين للصفات مشبهة فإذا قلت: من غير تشبيه فهم هؤلاء أن المراد من غير إثبات صفة ولذلك نقول: إن التعبير بقولنا: من غير تمثيل أولى من التعبير بالتشبيه. (٩١) سئل فضيلة الشيخ عن: الفرق بين التشبيه والتمثيل في الأسماء والصفات ؟ فأجاب بقوله: التشبيه والتمثيل في الأسماء والصفات بينهما فرق، ولهذا ينبغي أن نقول: "من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل"، بدل قول: "من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تشبيه". فالتعبير بالتمثيل أولى لأمور: أولا: أنه الموافق للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ولم يقل: ليس كشبهه شيء ولا

стр. 157

قال: فلا تضربوا لله الأشباه. ثانيا: أن التشبيه صار وصفا يختلف الناس في فهمه فعند بعض الناس إثبات الصفات يسمى تشبيها، ويسمون من أثبت صفة لله مشبها، فتجد ذلك عند المعتزلة كما يقول: الزمخشري في تفسيره الكشاف: وقالت المشبهة، ويقصد أهل السنة والجماعة. ثالثا: أن نفي التشبيه على الإطلاق بين صفات الخالق وصفات المخلوق لا يصح، لأنه ما من صفتين ثابتتين إلا وبينهما اشتراك في أصل المعنى، وهذا الاشتراك نوع من المشابهة: فالعلم مثلا، للإنسان علم، وللرب سبحانه علم، فاشتركا في أصل المعنى، لكن لا يستويان. أما التمثيل فيصح أن تنفي نفيا مطلقا. وأيضا فلا يقال: من غير تأويل بل من غير تحريف؛ لأن التأويل في أسماء الله وصفاته ليس منفيا على كل حال، بل ما دل عليه الدليل فهو تأويل ثابت وهو بمعنى التفسير، وإنما المنفي هو التحريف وهو صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، كما صنع أهل التعطيل الذين اختلفوا فيما نفوا وأثبتوا من أسماء الله وصفاته، فمنهم من أثبت الأسماء وبعض الصفات ونفى أكثر الصفات، ومنهم من أثبت الأسماء ونفى الصفات كلها، ومنهم من نفى الأسماء والصفات كلها، ومنهم من نفى كل إثبات وكل نفي فقال: لا تصف الله بإثبات ولا نفي. وأهل السنة بريئون من هذا ويثبتون لله تعالى كل ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات. وكذلك فقد جاء النص بذم التحريف في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾

стр. 158

ولم يقل: يئولون، والتزام الألفاظ الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة أولى من إحداث ألفاظ أخرى؛ لأن ما جاء في الشرع أشد وأقوى. (٩٢) سئل فضيلة الشيخ: عن صفة الهرولة ؟ فأجاب بقوله: صفة الهرولة ثابتة لله تعالى كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يقول: الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» فذكر الحديث، وفيه: «وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» ، وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل؛ لأنه أخبر بها عن نفسه وهو أعلم بنفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف؛ لأن التكييف قول على الله بغير علم وهو حرام، وبدون تمثيل؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .

стр. 159

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ. . . حفظه الله تعالى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: ففي هذا اليوم وصل إلي كتابكم، وقد فهمت ما فيه، وقد تضمن ملاحظة فضيلتكم على كلامي فيما يتعلق بالحديث القدسي الذي رواه النبي عن ربه ﵎، أنه قال: «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» . وكان في إثبات الهرولة لله تعالى إشكال عندكم. فيا محب: تعلم أن هذا الحديث أخبر الله تعالى به عن نفسه، ونقله عنه أمينه على وحيه ورسوله إلى عباده، ومبلغ رسالته على الوجه الأتم، ونقله عن هذا الرسول أمناء أمته من الصحابة والتابعين، وأئمة الأمة من أهل الحديث والفقه، وتلقته الأمة بالقبول. وتعلم يا محب: أن الله ﵎ أعلم بنفسه وبغيره: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ وتعلم يا محب: أن الله تعالى لم يطلع خلقه على ما علمه إياهم من أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، إلا ليبين لهم الحق حتى لا

стр. 160

يضلوا: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وتعلم يا محب: أنه لا أحد أحسن من الله حديثا ولا أصدق منه قيلا، وأن كلامه جل وعلا في أعلى غاية الفصاحة والبيان. وقد قال سبحانه عن نفسه: «من أتاني يمشي أتيته هرولة» . فلا تستوحش يا أخي من شيء أثبته الله تعالى لنفسه بعد أن علمت ما سبق، واعلم أنك إذا نفيت أن الله تعالى يأتي هرولة فسيكون مضمون هذا النفي صحة أن يقال: إن الله لا يأتي هرولة. وفي هذا ما فيه. ومن المعلوم أن السلف يؤمنون بأن الله تعالى يأتي إتيانا حقيقيا للفصل بين عباده يوم القيامة على الوجه اللائق به، كما دل على ذلك كتاب الله تعالى، وليس في هذا الحديث القدسي إلا أن إتيانه يكون هرولة لمن أتاه يمشي فمن أثبت إتيان الله تعالى، حقيقة لم يشكل عليه أن يكون شيء من هذا الإتيان بصفة الهرولة على الوجه اللائق به. وأي مانع يمنع من أن نؤمن بأن الله تعالى يأتي هرولة، وقد أخبر الله تعالى به عن نفسه وهو يفعل ما يشاء، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وليس في إتيان الله تعالى هرولة على الوجه اللائق به بدون تكييف ولا تمثيل شيء من النقص، حتى يقال: إنه ليس ظاهر الكلام، بل هو فعل من أفعاله يفعله كيف يشاء، ولهذا لم يأت في كلام الله تعالى عنه، ولا في كلام رسول الله ﷺ ما يصرفه عن ذلك كما أتى في الحديث القدسي: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم»

стр. 161

«مرضت فلم تعدني» . الحديث. وأما قول فضيلتكم: "لم أجد عن الصحابة والتابعين ذكر لإثبات هذه الصفة" أي الهرولة، فإن فضيلتكم لا يخفى عليه أن هذه الصفة جاء إثباتها لله تعالى فيما أخبر الله به نفسه عن نفسه " أتيته هرولة "، وفيما نقله عنه أمينه على وحيه ورسوله إلى من أرسله إليهم من خلقه، وفيما رواه الصحابة عن رسول الله ﷺ ، وفيما رواه التابعون عن الصحابة، وفيما رواه أئمة الأمة بعدهم إلى عصرنا هذا، كلهم يقولون عن الله: " أتيته هرولة ". فقد ذكرت في كلام الله في الحديث القدسي، وفي كلام رسوله، وفي كلام الصحابة، وفي كلام التابعين، وفي كلام الأئمة بعدهم رواية ودراية نقلا وقبولا، ولله الحمد. ولا يخفى على فضيلتكم القاعدة العامة عند السلف من أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله تعالى بلا كيف؛ كما اشتهر عنهم قولهم: "أمروها كما جاءت بلا كيف". وهذه القاعدة تجري على كل فرد من أفراد النصوص، وإن لم ينصوا عليه بعينه، ولا يمكننا أن نخرج عنها نصا واحدا إلا بدليل عن السلف أنفسهم، ولو قلنا: إنه لا بد أن ينصوا على كل نص بعينه لم يكن لهذه القاعدة فائدة. ومن ذلك هذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه، فإن ظاهره ثبوت إتيان الله تعالى هرولة، وهذا الظاهر ليس ممتنعا على الله ؛ لأنه لا يتضمن نقصا فيكون داخلا في القاعدة المذكورة، فيثبت لله تعالى حقيقة، ويصان عن الأوهام الباطلة من التمثيل والتكييف. ولا يخفى على فضيلتكم أن هذا الحديث ليس فيه شيء من

стр. 162

المشاكلة؛ فإن الإشكال عندكم فيما ظهر لي ليس في مجرد الإتيان، ولكن في إثبات الهرولة. والهرولة إنما ذكرت في الحديث في إتيان الله تعالى فقط. أما في إتيان المخلوق فقال: " من أتاني يمشي " والفرق بين مطلق المشي والهرولة ظاهر وحينئذ فلا مشاكلة. ثم إن المشاكلة عند من قال بها تكون في أحد الطرفين حقيقة، وفي الثاني غير حقيقة، لكن ذكرت بلفظه للتشاكل. ثم إن فتح باب المشاكلة ينفتح به إشكالات، ألا ترى أن الذاهبين لذلك أنكروا من أجله صفات يثبتها السلف أهل السنة: فقالوا: إن الاستهزاء الذي أخبر الله عنه نفسه في قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ من المشاكلة. وقالوا: إن الخداع الذي أخبر الله به عن نفسه في قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ من المشاكلة. وقالوا: إن المكر الذي أخبر الله به عن نفسه في قوله: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ من المشاكلة. وقالوا: إن الكيد الذي أخبر الله به عن نفسه في قوله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ من المشاكلة. وقالوا: إن الرضى الذي أخبر الله به عن نفسه في قوله: ﴿﵃﴾

стр. 163

من المشاكلة. إلى غير هذا مما ذكروه ونفوا من أجله حقيقة ما وصف الله به نفسه من ذلك. ولعل فضيلتكم يرجع إلى ما كتبته عن القول الثاني في تفسير الحديث، والذي ذهب إليه بعض الناس، فإن العلة فيه عندي غير المشاكلة؛ لأني أرى أن التعليل بالمشاكلة تعليل ينفتح به ما لا يمكن دفعه، كما أنه عند التأمل لا مشاكلة في الحديث لما بينته آنفا. وأما ما تفضل به فضيلته من ملاحظة على قولي: " إن الحديث خرج مخرج المثال فيكون المعنى من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي" من وجهين: أحدها: أن لفظ (مَن) من صيغ العموم. الثاني: أنه تفسير وتأويل لا ينضبط. فلا يخفى على فضيلتكم أن لفظ (مَن) وغيرها من الأسماء الموصلة أو الشرطية، عام في أفراد ما تدل عليه الصلة أو فعل الشرط فقط، فإذا قلت: من أخبرني بقدوم فلان فله كذا، كان عاما في جميع أفراد من يخبرك بقدومه، لكنه لا يتناول من أخبرك بقدوم غيره، أو من أخبرك عنه بشيء غير القدوم، فقوله تعالى في الحديث القدسي: «من أتاني يمشي في عبادة تستلزم المشي» . لم نكن أخرجنا لفظ (مَن) عن العموم حيث جعلناها شاملة لكل فرد من أفراد من أتى الله يمشي، وإتيان الله تعالى مشيا إنما يكون في عبادة

стр. 164

تفتقر إلى المشي ليتحقق أنه أتى الله تعالى مشيا. وبعد هذا يتبين أن ما قلته في التفسير منضبط غير مشكل، وأنه أبعد عن أن يلزمنا الخصوم من أهل التأويل بموافقتهم أو مداهنتهم فيما أولوه من صفات الله حيث أبقي الحديث على حقيقته اللائقة بالله تعالى، من غير تكييف ولا تمثيل. وإن الإنسان ليجد في نفسه الخوف من أن يلقى الله ، وهو يقول: "إن الله تعالى لا يأتي هرولة" بعد أن أثبت الله ذلك لنفسه، وسبحان من قال عن نفسه: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ . ولقد تأملت هذه المسألة، وكلما هممت أن أقول بما ذهب إليه بعض الناس في هذا الحديث، وجدتني خائفا أن أقول في كلام الله ما لا أعلم، وأن بقائي على ما يدل عليه ظاهر الحديث مع تنزيه الله عما لا يليق به من مماثلة الخلق، ومع الكف عن تكييف صفاته أسلم في عقيدتي، وأبعد لي عن التكلف ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإني لأشكر فضيلتكم على ما أتحفتموني به من كلام شيخ الإسلام في نقضه كلام الرازي، فنعم التحفة، ونعم من أتحف بها أصلا ونقلا. ولا يخفى على فضيلتكم ما لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - من التحقيق في المنقول والمعقول مما جعل كلامه - رحمه الله تعالى - له الأثر في النفوس والقبول تغمده الله برحمته وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا. لكن لا يخفى على فضيلتكم أن جل كلامه الذي نقلتم إنما هو في

стр. 165

مسألة التقرب؛ لأنه هو الذي ذكر بلفظ المساحة، ومع ذلك فقد أورده الشيخ رحمه الله تعالى بذلك الترديد حيث قال: "إما أن يكون ظاهر اللفظ في تقرب العبد إلى ربه هو تقرب بالمساحة المذكورة أو لا يكون، فإن كان ذلك هو ظاهر اللفظ، فإما أن يكون ممكنا أو لا يكون، فإن كان ممكنا فالآخر أيضا ممكن، ولا يكون في ذلك مخالفة للظاهر، وإن لم يكن ممكنا فمن أظهر الأشياء للإنسان علمه بنفسه وسعيه، فيكون قد ظهر للمخاطب معنى قربه بنفسه، وقد علم أن قرب ربه إليه من جنس ذلك، فيكون الآخر أيضا ظاهرا في الخطاب. فلا يكون ظاهر الخطاب هو المعنى الممتنع بل ظاهره هو المعنى الحق، ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله تعالى بحركة بدنه شبرا وذراعا ومشيا وهرولة. لكن قد يقال: عدم ظهور هذا هو للقرينة الحسية العقلية، وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه، وذلك لا يمنع أن يكون ظاهر اللفظ متروكا. فيقال: هذه القرينة الحسية الظاهرة لكل أحد هي أبلغ من القرينة اللفظية، فيكون بمعنى الخطاب ما ظهر بها لا ما ظهر بدونها ". اهـ. المقصود منه. فأنت ترى - حفظك الله - أن الشيخ - رحمه الله تعالى - جعل الأمر مترددا بين أن يكون التقرب بالمساحة ظاهر اللفظ أو لا يكون، وأنه إن كان ظاهر اللفظ فإما أن يكون ممكنا أو لا يكون، وأنه إن كان ممكنا فالآخر أيضا ممكن، وإن لم يكن ممكنا فالآخر من جنس ذلك، ولا يمكن أن يكون غير الممكن ظاهر الخطاب لامتناعه، يعني أننا إذا قلنا: إن تقرب العبد إلى ربه بالمساحة (الشبر والذراع) غير ممكن، صار تقرب الله تعالى الذراع والباع غير ممكن، وإذا كان غير ممكن امتنع أن يكون هو ظاهر الخطاب

стр. 166

لأنه لا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله تعالى أمرا مستحيلا. وأما قوله رحمه الله تعالى: "ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله تعالى بحركة بدنه شبرا وذراعا ومشيا وهرولة". فإنه قد يقال: ما الذي يمنع ذلك فإن العبد يتقرب إلى ربه بحركة قلبه وحركة بدنه، ولهذا يقال: القلوب جوالة، فقلب يحوم حول العرش، وقلب يتجول حول الحش. وحركة القلب وشعور العبد بقربه من ربه بقلبه أمر معلوم، وكذلك حركة البدن التي يتقرب العبد بها إلى ربه بقلبه أمر معلوم، وكذلك حركة البدن التي يتقرب العبد بها إلى ربه بكون الحركة في شأن موسى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ . قال ابن كثير ﵀: "كلمه الله تعالى وناداه وقربه فناجاه". ولا يخفى على فضيلتكم ما رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عباد جاءوني شعثا غبرا» . وما رواه أحمد ومسلم من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول:ما أراد هؤلاء» . ودنوه - جل وعلا - كما يعلم فضيلتكم لا ينافي علوه تعالى، قال شيخ الإسلام في الفتاوى: (جمع ابن قاسم) ٤٦ \ ٥) : " وأصل هذا أن قربه سبحانه ودنوه من بعض مخلوقاته لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش، بل هو فوق العرش، ويقرب من خلقه كيف يشاء،

стр. 167

كما قال ذلك من قاله من السلف، وهذا كقربه إلى موسى لما كلمه من الشجرة ". إلى أن قال ٤٦٤: " وإذا كان المنادي هو الله رب العالمين، وقد ناداه من موضع معين وقربه إليه دل ذلك على ما قاله السلف من قربه ودنوه من موسى ﵇، مع أن هذا قرب مما دون السماء". إلى أن قال ٤٦٥: " وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقربه جميع من يقول: إنه فوق العرش، سواء قالوا مع ذلك: إنه تقوم به الأفعال الاختيارية أم لم يقولوا. وأما من ينكر ذلك فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه، فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة، ومنهم من يفسر قربهم بطاعته، ويفسر قربه بإثابته، وهذا تفسير جمهور الجهمية، فإنهم ليس عندهم قرب ولا تقريب أصلا. ومما يدخل في معاني القرب - وليس في الطوائف من ينكره - قرب المعروف والمعبود إلى قلوب العارفين والعابدين، فإن كل من أحب شيئا فإنه لا بد أن يعرفه، ويقرب من قلبه، والذي يبغضه يبعد من قلبه". إلى أن قال ٤٦٦: "والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكلابية، فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته". إلى أن قال: "وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستوائه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث والنقل عنهم بذلك متواتر، وأول من أنكر هذا في الإسلام الجهمية، ومن وافقهم من المعتزلة". وفي ص ٣١ \ ٦: "لكن عموم المسلمين وسلف الأمة وأهل السنة من جميع الطوائف تقر بذلك، فيكون العبد متقربا بحركة روحه وبدنه إلى

стр. 168

ربه، مع إثباتهم أيضا التقرب منهما إلى الأماكن المشرفة، وإثباتهم أيضا تحول روحه وبدنه من حال إلى حال. فالأول: مثل معراج النبي ﷺ وعروج روح العبد إلى ربه، وقربه منه في السجود وغير ذلك. والثاني: مثل الحج إلى بيته وقصده في المساجد. والثالث: مثل ذكره له ودعائه ومحبته وعبادته وهو في بيته، لكن في هذين يقرون أيضا بقرب الروح أيضا إلى الله نفسه فيجمعون بين الأنواع كلها ". قال في ص ١٣ \ ٦: " وإذا كان قرب عباده منه نفسه وقربه منهم ليس ممتنعا عند الجماهير من السلف وأتباعهم من أهل الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام لم يجب أن يتأول كل نص فيه ذكر به، من جهة امتناع القرب عليه، ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد فإن دل على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه، وهذا كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء ". اهـ. ففي هذا الكلام من تقرير تقرب العبد إلى ربه بحركة روحه وبدنه، وأن قرب العباد منه نفسه وقره منهم ليس ممتنعا عند الجماهير من السلف وأتباعهم، ما يخالف ما ذكره في نقضه على الرازي، وعليه فيكون للشيخ رحمه الله تعالى في هذا قولان، ولكن أيهما أقرب أن يكون أرجح عنده؟ قد يقال: إن الثاني أقرب أن يكون أرجح؛ لأن فيه زيادة، ولأنه ساقه جازما به، بخلاف الأول فإنه كان فيه ترديد. والله أعلم.

стр. 169

وخلاصة القول: أن إبقاء النص على ظاهره أولى وأسلم فيما أراه، ولو ذهب ذاهب إلى تأويله لظهور القرينة عنده في ذلك لوسعه الأمر لاحتماله. والله تعالى رقيب على قول كل قائل وقلبه. فنسأل الله تعالى الهداية والتوفيق، لما يحب ويرضى إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 170

فصل قال فضيلة الشيخ غفر الله له ولوالديه، ولجميع المسلمين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وبعد، فقد اطلعت على تعليق كتبه مختصر تفسير المنار الشيخ القاضي محمد أحمد كنعان ص ٣٧٨ - ٣٨٩ جـ ٢ تضمن مسائل ثلاثا يجب التنبيه عليها: الأولى: قوله: " فالإمام مالك وغيره من السلف نفوا الكيف أصلا معلوما ومجهولا؛ لأنهما في النتيجة سواء من حيث نسبة الكيف إلى الله تعالى، والكيف عليه تعالى محال ". وهذا القول غير صحيح، فإن السلف لا ينفون الكيف مطلقا؛ لأن نفي الكيف مطلقا نفي للوجود؛ إذ ما من موجود إلا وله كيفية، لكنها قد تكون معلومة، وقد تكون مجهولة، وكيفية ذات الله تعالى وصفاته مجهولة، وكيفية ذات الله تعالى وصفاته مجهولة لنا، ولا يحل لنا أن نكيف شيئا من ذلك؛ لأننا إن قيدنا هذه الكيفية بما نشاهده فهذا هو التمثيل الممتنع في حق الله تعالى، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته، وإن لم نقيد الكيفية بما نشاهده وإنما تصورنا كيفية معينة لا نظير لها فيما نشاهد كان ذلك قولا على الله تعالى بغير علم، وهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . وعلى هذا فثبت كيفية لا نعلمها ولا يحل

стр. 171

لنا أن نتصورها بشيء معين، سواء قيدناها بمماثل نشاهده أم لا. وأما قوله: "إن الإمام مالك لا يقول: والكيف مجهول ". فالجزم بأنه لا يقول بذلك جزم بما لا علم فيه. وأما كون هذا غير الوارد عنه فصحيح، فإن الوارد بالسند عنه قوله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". كما رواه البيهقي وأبو الشيخ الأصبهاني، وقوله ﵀: "غير معقول" أي أنا لا ندركه بعقولنا، فإذا لم ندركه بعقولنا ولم يرد به السمع، فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والسمعي، فوجب الكف عنه، وتعذرت الإجابة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية: "فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب". موافق لقول الباقين: "أمروها كما جاءت بلا كيف" فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة ". اهـ. فتأمل قول الشيخ: " فإنما نفوا علم الكيفية ". ولم يقل: نفوا الكيفية يتبين لك أن السلف يثبتون الكيفية لكنها مجهولة لنا، ويدل لذلك أن الإمام مالكا وشيخه - رحمهما الله - لم يقولا: الكيف مستحيل أو غير ممكن ولو كان هذا هو الحق الذي يجب لله لبينه السلف ﵏. والحاصل أن نفي الكيفية عن الاستواء مطلقا هو تعطيل محض لهذه الصفة؛ لأننا إذا أثبتنا الاستواء حقيقة لزم أن يكون له كيفية، وهكذا يقال في بقية الصفات. المسألة الثانية قوله: " ولا يجوز أن يفهم من الاستواء معنى لا يليق بالله، مثل الاستقرار، أو الجلوس، أو القعود ". وهذا القول غير صحيح على إطلاقه، فإن قوله: " لا يجوز أن يفهم من الاستواء معنى لا يليق بالله " صحيح فإن كل ما وصف الله تعالى به

стр. 172

نفسه من الاستواء وغيره لا يجوز أن نفهم منه معنى لا يليق بالله، ولكن ما هو المرجع والميزان فيما يليق بالله تعالى وما لا يليق؟ إن قلت: المرجع إلى ذلك العقول لزم من ذلك محذوران عظيمان: أحدهما أن يكون المرجع فيما يجب لله تعالى من صفات الكمال وما ينزه من صفات النقص هو العقل، ومن المعلوم قصور العقول عن إدراك ما يجب لله تعالى إثباتا أو نفيا على سبيل التفصيل. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ . فإذا علم قصور العقول عن ذلك فكيف يمكن أن تكون ميزانا لما لا يمكن أن تدركه؟ ! الثاني: أن عقول هؤلاء الذين زعموا أن المرجع في ذلك العقول كانت مضطربة متناقضة يوجب بعضها ما يرى الآخر امتناعه، فكيف تكون هذه العقول المضطربة أدلة وبراهين في إثبات ما يثبت لله تعالى ونفي ما ينفى عنه؟ ! وأما تمثيله لما لا يليق بالله بتفسير الاستواء على العرش بالاستقرار عليه والجلوس والقعود فغير صحيح، فأما تفسير استواء الله تعالى على عرشه باستقراره عليه فهو مشهور عن السلف، نقله ابن القيم في النونية وغيره. وأما الجلوس والقعود فقد ذكره بعضهم، لكن في نفسي منه شيء. والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: " أو المكان " يعني أنه لا يليق بالله . وهذا أيضا غير صحيح على إطلاقه، فإنه إن أراد بنفي المكان المكان المحيط بالله فهذا النفي صحيح، فإن الله تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء، كيف

стр. 173

﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ . وإن أراد بنفي المكان نفي أن يكون الله تعالى في العلو فهذا النفي غير صحيح، بل هو باطل بدلالة الكتاب والسنة، وإجماع السلف والعقل والفطرة، وقد ثبت «عن النبي ﷺ أنه قال للجارية: " أين الله؟ ". قالت: في السماء. قال لمالكها: " أعتقها فإنها مؤمنة» . وكل من دعا الله فإنه لا ينصرف قلبه إلا إلى العلو، هذه هي الفطرة التي فطر الله الخلق عليها لا ينصرف عنها إلا من اجتالته الشياطين، لا تجد أحدا يدعو الله وهو سليم الفطرة ثم ينصرف قلبه يمينا أو شمالا أو إلى أسفل، أو لا ينصرف إلى جهة، بل لا ينصرف قلبه إلا إلى فوق.

стр. 174

يسبه؛ لأنه محل هذه الأمور المكروهة فهذا محرم؛ لأنه مناف للصبر الواجب وليس بكفر؛ لأنه ما سب الله مباشرة، ولو سب الله مباشرة لكان كافرا. ٩٤ - سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر» . . " الحديث، وبين قول الرسول ﷺ : «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها» الحديث ؟ فأجاب قائلا: حديث «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها» لا أدري عن صحته، والذي أظن أنه ضعيف، ولكن على تقدير صحته فليس هذا من باب السب، إنما هو من باب الخبر وأنه لا خير فيها إلا عالم ومتعلم، أو ذكر الله وما والاه، وأما سب الدهر فهو عيبه ولومه والتسخط مما وقع فيه، وإضافة هذا الشيء إلى الدهر مع أن الأمر كله بيد الله كما جاء في الحديث نفسه: «وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» . ٩٥ - سئل فضيلة الشيخ عن هذه العبارات: " هذا زمان أقشر"، أو "الزمن غدار" أو "يا خيبة الزمن الذي رأيتك فيه "؟ فأجاب بقوله: هذه العبارات التي ذكرت في السؤال تقع على وجهين: الوجه الأولى: أن تكون سبا وقدحا في الزمن فهذا حرام، ولا يجوز؛ لأن ما حصل في الزمن فهو من الله ، فمن سبه فقد سب الله،

стр. 175

ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» . والوجه الثاني: أن يقولها على سبيل الإخبار فهذا لا بأس به، ومنه قوله تعالى عن لوط، ﵊: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي شديد، وكل الناس يقولون: هذا يوم شديد. وهذا يوم فيه كذا وكذا من الأمور وليس فيه شيء. وأما قول: "هذا الزمن غدار" فهذا سب؛ لأن الغدر صفة ذم ولا يجوز. وقول: "يا خيبة اليوم الذي رأيتك فيه" إذا قصد يا خيبتي أنا، فهذا لا بأس فيه، وليس سبا للدهر، وإن قصد الزمن أو اليوم فهذا سب فلا يجوز.

стр. 176

النزول

стр. 177

(٩٦) سئل فضيلة الشيخ: عن حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: «يتنزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» . رواه البخاري ؟ فأجاب بقوله: هذا الحديث حديث عظيم ذكر بعض أهل العلم أنه بلغ حد التواتر عن النبي، ولا شك أنه حديث مستفيض مشهور، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بكتاب مستقل، لما فيه من الفوائد العظيمة، ففيه ثبوت النزول لله لقوله:" يتنزل ربنا" والنزول من صفات الله الفعلية؛ لأنه فعل وهذا النزول نزول الله نفسه حقيقة؛ لأن الرسول أضافه إلى الله، ونحن نعلم أن الرسول أعلم الناس بالله، ونعلم كذلك أن الرسول أفصح الخلق، ونعلم كذلك أنه أصدق الخلق فيما يخبر به، فليس في كلامه شيء من الكذب، ولا يمكن أن يتقول على الله تعالى شيئا لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أحكامه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ . ونعلم كذلك أن رسول الله صلى الله عليه

стр. 178

وسلم أنصح الخلق، وأنه ﷺ لا يساويه أحد من الخلق في النصحية للخلق، ونعلم كذلك أنه ﷺ لا يريد من العباد إلا أن يهتدوا، وهذا من تمام نصحه أنه لا يريد منهم أن يضلوا، فهو ﵊، أعلم الخلق بالله، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق فيما ينطق به، وكذلك لا يريد إلا الهداية للخلق فإذا قال: " ينزل ربنا " فإن أي إنسان يقول: خلاف ظاهر هذا اللفظ قد اتهم النبي ﷺ إما بأنه غير عالم، فمثلا إذا قال: المراد ينزل أمره. نقول: أنت أعلم بالله من رسول الله ﷺ فالرسول يقول: " ينزل ربنا " وأنت تقول: ينزل أمره أأنت أعلم أم رسول الله؟ ! أو أنه اتهمه بأنه لا يريد النصح للخلق حيث عمى عليهم فخاطبهم بما يريد خلافه، ولا شك أن الإنسان الذي يخاطب الناس بما يريد خلافه غير ناصح لهم أو نقول: أنت الآن اتهمت الرسول ﷺ بأنه غير فصيح، بل هو عيي يريد شيئا ولكن لا ينطق به، يريد ينزل أمر ربنا ولكن يقول: ينزل ربنا لأنه لا يفرق بين هذا وهذا، فكلامك هذا لا يخلو من وصمة الرسول ﷺ فعليك أن تتقي الله، وأن تؤمن بما قال الرسول ﷺ من أن الله تعالى نفسه ينزل حقيقة. (٩٧) وسئل فضيلته: هل يستلزم نزول الله أن يخلو العرش منه أو لا ؟ فأجاب بقوله: نقول: أصل هذا السؤال تنطع، وإيراده غير مشكور عليه مورده، لأننا نسأل هل أنت أحرص من الصحابة على فهم صفات الله؟ إن قال: نعم فقد كذب. وإن قال: لا. قلنا: فليسعك ما وسعهم،

стр. 179

فهم ما سألوا الرسول ﷺ وقالوا: يا رسول الله إذا نزل هل يخلو منه العرش؟ وما لك ولهذا السؤال، قل: ينزل واسكت. يخلو منه العرش أو ما يخلو، هذا ليس إليك، أنت مأمور بأن تصدق الخبر ولا سيما ما يتعلق بذات الله وصفاته؛ لأنه أمر فوق العقول فإذا نقول: هذا السؤال تنطع أصلا لا يرد، وكل إنسان يريد الأدب كما تأدب الصحابة مع رسول الله ﷺ فإنه لا يورده، فإذا قدر أن شخصا ابتلي بأن وجد العلماء بحثوا في هذا واختلفوا فيه، فمنهم من يقول: يخلو، ومنهم من يقول: لا يخلو، ومنهم من توقف، فالسبيل الأقوم في هذا هو التوقف، ثم القول بأنه لا يخلو منه العرش، وأضعف الأقوال القول بأنه يخلو منه العرش، فالتوقف أسلمها وليس هذا مما يجب علينا القول به؛ لأن الرسول ﷺ لم يبينه والصحابة لم يستفسروا عنه، ولو كان هذا مما يجب علينا أن نعتقده لبينه الله ورسوله بأي طريق، ونحن نعلم أنه أحيانا يبين الرسول ﷺ الحق من عنده، وأحيانا يتوقف فينزل الوحي، وأحيانا يأتي أعرابي فيسأل عن شيء، وأحيانا يسأل الصحابة أنفسهم عن الشيء، كل هذا لم يرد في هذا الحديث، فإذا لو توقفنا وقلنا: الله أعلم فليس علينا سبيل لأن هذا هو الواقع. (٩٨) وسئل: هل إذا نزل تقله السماء ؟ فأجاب بقوله: هذا لا يكون، لأنك لو قلت: إن السماء تقله لزم أنه يكون محتاجا إليها، كما تكون أنت محتاجا إلى السقف إذا أقلك، ومعلوم أن الله غني عن كل شيء، وأن كل شيء محتاج إلى الله، فإذا نجزم بأن السماء لا تقله، لأنها لو أقلته لكان محتاجا إليها وهذا مستحيل على الله .

стр. 180

(٩٩) وسئل: هل السماء الثانية فما فوقها تكون فوقه إذا نزل إلى السماء الدنيا ؟ فأجاب بقوله: لا، ونجزم بهذا لأننا لو قلنا بإمكان ذلك لبطلت صفة العلو، وصفة العلو لازمة لله، وهي صفة ذاتية لا تنتفي عن الله ولا يمكن أن يكون شيء فوقه. حينئذ يبقى الإنسان منبهتا كيف ينزل إلى السماء الدنيا ولا تقله ولا تكون السماوات الأخرى فوقه هل يمكن هذا؟! الجواب: إذا كنت منبهتا من هذا فإنما تنبهت إذا قست صفات الخالق بصفات المخلوق، صحيح أن المخلوق إذا نزل إلى المصباح صار السطح فوقه وصار سطح المصباح يقله، لكن الخالق لا يمكن أن يقاس بخلقه، فلا تقل: كيف؟ ولم؟ فإذا هذان السؤالان: هل السماء تقله؟ الجواب: لا لأنك إن فرضت هذا لزم أن يكون الله محتاجا إلى السماء، والله تعالى غني عن كل شيء، وكل شيء محتاج إليه. والسؤال الثاني: هل تكون السماوات فوقه ما عدا السماء الدنيا؟ الجواب: لا؛ لأنك لو فرضت ذلك لزم انتفاء صفة العلو لله مع أن العلو من صفات الله الذاتية التي لا ينفك عنها. فالسؤال هذا من أصله بدعة كما قال مالك للذي سأله عن الاستواء كيف استوى؟ قال: "السؤال عنه بدعة " يعني لأنه ما سأل الصحابة عنه، فأنت الآن ابتدعت في دين الله حيث سألت عن أمر ديني ما سأل عنه الصحابة وهم أفضل منك، وأحرص منك على العلم بصفات الله، لكن مع ذلك لو قال: أنا يساورني القلق أخشى أن أعتقد بصفات الله ما لا يجوز، فبينوا لي وأنقذوني، فحينئذ نبين له لأن الإنسان قد يبتلى بمثل هذه
следующие страницы →