← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ . . . . . . . . . . . ــ فينبغي للإنسان أن يتأدب فيما يتعلق بجانب الربوبية، لأن المقام مقام عظيم، والواجب على المرء نحوه أن يستسلم ويسلم. إذًا، نحن نطلق ما أطلقه الله، ونقول: إن الله على كل شيء قدير، بدون استثناء. وفي هذه الآيات من صفات الله تعالى: إثبات عموم علم الله على وجه التفصيل، وإثبات عموم قدرة الله تعالى. والفائدة المسلكية من الإيمان بالعلم والقدرة: قوة مراقبة الله والخوف منه. في هذه الآية إثبات صفة القوة لله . جاءت هذه الآية بعد قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧] ، فالناس يحتاجون إلى رزق الله، أما الله تعالى، فإنه لا يريد منهم رزقًا ولا أن يطعموه. * ﴿الرَّزَّاقُ﴾ : صيغة مبالغة من الرزق، وهو العطاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] ، أي: أعطوهم، والإنسان يسأل الله تعالى في صلاته، ويقول: اللهم ارزقني. وينقسم الرزق إلى قسمين: عام وخاص. فالعام: كل ما ينتفع به البدن، سواء كان حلالا أو حرامًا، وسواء كان

стр. 2312

المرزوق مسلمًا أو كافرًا، ولهذا قال السفاريني: والرزق ما ينفع من حلال ... أو ضده فحل عن المحال لأنه رازق كل الخلق ... وليس مخلوقٌ بغير رزق لأنك لو قلت: إن الرزق هو العطاء الحلال. لكان كل الذين يأكلون الحرام، لم يرزقوا، مع أن الله أعطاهم ما تصلح به أبدانهم، لكن الرزق نوعان: طيب وخبيث، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، ولم يقل: والرزق، أما الخبائث من الرزق، فهي حرام. أما الرزق الخاص، فهو ما يقوم به الدين من العلم النافع والعمل الصالح والرزق الحلال المعين على طاعة الله، ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿الرَّزَّاقُ﴾ ولم يقل: الرازق، لكثرة رزقه وكثرة من يرزقه، فالذي يرزقه الله لا يحصى باعتبار أجناسه، فضلا عن أنواعه، فضلا عن آحاده، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] ، ويعطي الله الرزق بحسب الحال. ولكن إذا قال قائل: إذا كان الله هو الرزاق، فهل أسعى بطلب الرزق: أو أبقى في بيتي ويأتيني الرزق؟ فالجواب نقول: اسعَ لطلب الرزق، كما أن الله غفور، فليس معنى هذا أن لا تعمل وتتسبب للمغفرة. أما قول الشاعر:

стр. 2313

﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ . . . . . . ــ جُنُونٌ مِنْكَ أَنْ تَسْعَى لِرِزْقٍ ... وَيُرْزَقُ فِي غِشَاوَتِهِ الْجَنِينُ فهذا القول باطل. وأما استشهاده بالجنين، فالجواب: أن يقال: الجنين لا يمكن أن يوجه إليه طلب الرزق، لأنه غير قادر، بخلاف القادر. ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] ، فلا بد من سعي، وأن يكون هذا السعي على وفق الشرع. القوة: صفة يتمكن الفاعل بها من الفعل بدون ضعف، والدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤] ، وليست القوة هي القدرة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] ، فالقدرة يقابلها العجز، والقوة يقابلها الضعف، والفرق بينهما: أن القدرة يوصف بها ذو الشعور، والقوة يوصف بها ذو الشعور وغيره. ثانيًا: أن القوة أخص فكل قوي من ذي الشعور قادر، وليس كل قادر قويا. مثال ذلك: تقول: الريح قوية، ولا تقول: قادرة، وتقول: الحديد قوي، ولا تقول: قادر، لكنْ ذو الشعور تقول: إنه قوي، وإنه قادر. ولما قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] . المتين قال ابن عباس ﵄: الشديد. أي الشديد في قوته، الشديد في عزته، الشديد في جميع صفات الجبروت، وهو من حيث المعنى توكيد للقوي.

стр. 2314

وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . . . . . ــ ويجوز أن نخبر عن الله بأنه شديد، ولا نسمي الله بالشديد، بل نسميه بالمتين، لأن الله سمى نفسه بذلك. في هذه الآية إثبات اسمين من أسماء الله، هما: الرزاق، والمتين، وإثبات ثلاث صفات، وهي الرزق، والقوة، وما تضمنه اسم المتين. والفائدة المسلكية في الإيمان بصفة القوة والرزق، أن لا نطلب القوة والرزق إلا من الله تعالى، وأن نؤمن بأن كل قوة مهما عظمت، فلن تقابل قوة الله تعالى. هذه الآية ساقها المؤلف لإثبات اسمين من أسماء الله وما تضمناه من صفة، وهما السميع والبصير، ففيها رد على المعطلة. * قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ : هذا نفي، فهو من الصفات السلبية، والمقصود به إثبات كماله، يعني لكماله لا يماثله شيء من مخلوقاته، وفي هذه الجملة رد على أهل التمثيل. * قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ : السَّمِيعُ له معنيان أحدهما: بمعنى المجيب. والثاني: بمعنى السامع للصوت. أما السميع بمعنى المجيب، فمثلوا له بقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ، أي: لمجيب الدعاء. وأما السميع بمعنى إدراك الصوت، فإنهم قسموه إلى عدة أقسام: الأول: سمع يراد به بيان عموم إدراك سمع الله ، وأنه ما من صوت إلا ويسمعه الله.

стр. 2315

الثاني: سمع يراد به النصر والتأييد. الثالث: سمع يراد به الوعيد والتهديد. مثال الأول: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] ، فهذا فيه بيان إحاطة سمع الله تعالى بكل مسموع، ولهذا قالت عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، والله إني لفي الحجرة، وإن حديثها ليخفى على بعضه". ومثال الثاني: كما في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . ومثال الثالث: الذي يراد به التهديد والوعيد: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ، فإن هذا يراد به تهديدهم ووعيدهم، حيث كانوا يسرون ما لا يرضى من القول. والسمع بمعنى إدراك المسموع من الصفات الذاتية، وإن كان المسموع قد يكون حادثًا. والسمع بمعنى النصر والتأييد من الصفات الفعلية، لأنه مقرون بسبب. والسمع بمعنى الإجابة من الصفات الفعلية أيضًا. * وقوله: الْبَصِيرُ، يعني: المدرك لجميع المبصرات، ويطلق

стр. 2316

البصير بمعنى العليم، فالله بصير، يرى كل شيء وإن خفي، وهو سبحانه بصير بمعنى: عليم بأفعال عباده، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: ١٨] ، والذي نعمل بعضه مرئي وبعضه غير مرئي، فبصر الله إذًا ينقسم إلى قسمين، وكله داخل في قوله: الْبَصِيرُ. في هذه الآية إثبات اسمين من أسماء الله، هما: السميع، والبصير. وثلاث صفات، هي: كمال صفاته من نفي المماثلة، والسمع، والبصر. وفيها من الفوائد المسلكية: الكف عن محاولة تمثيل الله بخلقه، واستشعار عظمته وكماله، والحذر من أن يراك على معصيته أو يسمع منك ما لا يرضاه. واعلم أن النحاة خاضوا خوضًا كثيرًا في قوله: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ ، حيث قالوا: الكاف داخلة على (المثل) ، وظاهره أن لله مثلا ليس له مثل، لأنه لم يقل: ليس كهو، بل قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ ، فهذا ظاهر الآية من حيث اللفظ لا من حيث المعنى؛ لأننا لو قلنا: هذا ظاهرها من حيث المعنى، لكان ظاهر القرآن كفرًا، وهذا مستحيل، ولهذا اختلفت عبارات النحويين في تخريج هذه الآية على أقوال: القول الأول: الكاف زائدة، وأن تقدير الكلام: ليس مثله شيء، وهذا القول مريح، وزيادة الحروف في النفي كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ [فاطر: ١١] ، فيقولون: إن زيادة الحروف في اللغة العربية للتوكيد أمر مطرد. والقول الثاني: قالوا العكس، قالوا: إن الزائد (مثل) ، ويكون

стр. 2317

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . . . . . . . . . . . ــ التقدير: ليس كهو شيء، لكن هذا ضعيف، يضعفه أن الزيادة في الأسماء في اللغة العربية قليلة جدا أو نادرة، بخلاف الحروف، فإذا كنا لا بد أن نقول بالزيادة، فليكن الزائد الحرف، وهي الكاف. والقول الثالث: أن (مثل) بمعنى: صفة، والمعنى: "ليس كصفته شيء"، وقالوا: إن الْمِثْل والْمَثَل والشِّبْه والشَّبَه في اللغة العربية بمعنى واحد، وقد قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] ، أي: صفة الجنة، وهذا ليس ببعيد من الصواب. القول الرابع: إنه ليس في الآية زيادة، لكن إذا قلت: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، لزم من ذلك نفي المثل، وإذا كان ليس للمثل مثل، صار الموجود واحدًا، وعلى هذا، فلا حاجة إلى أن نقدر شيئًا. قالوا: وهذا قد وجد في اللغة العربية، مثل قوله: ليس كمثل الفتى زهير. والحقيقة أن هذه البحوث لو لم تعرض لكم، لكان معنى الآية واضحًا، ومعناها أن الله ليس له مثيل، لكن هذا وجد في الكتب، والراجح أن نقول: إن الكاف زائدة، لكن المعنى الأخير لمن تمكن من تصوره أجود. هذه الآية تكملة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، فأمر بأن نؤدي الأمانات إلى أهلها، ومنها الشهادة للإنسان له أو عليه، وأن نحكم إذا حكمنا بين الناس بالعدل، فبين الله أنه يأمرنا بالقيام بالواجب في طريق الحكم وفي الحكم نفسه، وطريق الحكم الذي هو الشهادة تدخل في عموم قوله: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، والحكم:

стр. 2318

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ، ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ، أصلها: نعم ما ولكن أدغمت الميم بالميم من باب الإدغام الكبير، لأن الإدغام لا يكون بين جنسين إلا إذا كان الأول ساكنًا، وهنا صار الإدغام مع أن الأول مفتوح. * وقوله: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ : جعل الله سبحانه الأمر بهذين الشيئين - أداء الأمانة والحكم بالعدل - موعظة، لأنه تصلح به القلوب، وكل ما يصلح القلوب فهو موعظة، والقيام بهذه الأوامر لا شك أنه يصلح القلب. * ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ، وقوله: كَانَ: هذه فعل، لكنها مسلوبة الزمن، فالمراد بها الدلالة على الوصف فقط، أي: أن الله متصف بالسمع والبصر، وإنما قلنا: إنها مسلوبة الزمن، لأننا لو أبقيناها على دلالتها الزمانية، لكان هذا الوصف قد انتهى، كان في الأول سميعًا بصيرًا، أما الآن فليس كذلك، ومعلوم أن هذا المعنى فاسد باطل، وإنما المراد أنه متصف بهذين الوصفين السمع والبصر على الدوام، و (كان) في مثل هذا السياق يراد به التحقيق. * قوله: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ : نقول فيها كما قلنا في الآية التي قبلها: فيها إثبات السمع لله بقسميه، وإثبات البصر بقسميه. قرأ أبو هريرة هذه الآية، وقال: إن الرسول ﷺ وضع إبهامه وسبابته على عينه وأذنه. والمراد بهذا الوضع تحقيق السمع والبصر، لا إثبات

стр. 2319

العين والأذن، فإن ثبوت العين جاءت في أدلة أخرى، والأذن عند أهل السنة والجماعة لا تثبت لله ولا تنفى عنه لعدم ورود السمع بذلك. فإن قلت: هل لي أن أفعل كما فعل الرسول ﷺ ؟ فالجواب: من العلماء من قال: نعم، افعل كما فعل الرسول، لست أهدى للخلق من رسول الله ﷺ ، ولست أشد تحرزًا من أن يضاف إلى الله ما لا يليق من الرسول ﷺ . ومنهم من قال: لا حاجة إلى أن تفعل ما دمنا نعلم أن المقصود هو التحقيق فهذه الإشارة إذًا غير مقصودة بنفسها، إنما هي مقصودة لغيرها، وحينئذ، لا حاجة إلى أن تشير، لا سيما إذا كان يُخشى من هذه الإشارة توهم الإنسان التمثيل، كما لو كان أمامك عامة من الخلق لا يفهمون الشيء على ما ينبغي، فهذا ينبغي التحرز منه، ولكل مقام مقال. وكذلك ما ورد في حديث ابن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ «قال: "يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله"، ويقبض أصابعه ويبسطها» (١) . فيقال فيه ما قيل في حديث أبي هريرة. والفائدة المسلكية من الإيمان بصفتي السمع والبصر: أن نحذر مخالفة الله في أقوالنا وأفعالنا. وفي الآية من أسماء الله إثبات اسمين هما: السميع، والبصير. ومن الصفات: إثبات السمع، والبصر، والأمر، والموعظة.

стр. 2320

وقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ . ــ هذه آيات في إثبات صفتي المشيئة والإرادة: فالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] . * ﴿وَلَوْلَا﴾ : بمعنى: هلا، فهي للتحضيض، والمراد بها هنا التوبيخ، بمعنى أنه يوبخه على ترك هذا القول. * ﴿إِذْ دَخَلْتَ﴾ : حين دخلت. · ﴿جَنَّتَكَ﴾ : الجنة، بفتح الجيم هي البستان الكثير الأشجار، سميت بذلك لأن من فيها مستتر بأشجارها وغصونها، فهو مستجن فيها، وهذه المادة (الجيم والنون) تدل على الاستتار، ومنه: الجُنة - بضم الجيم - التي يتترس بها الإنسان عند القتال، ومنها: الجنة - بكسر الجيم -، يعني، الجن، لأنهم مستترون. * وقوله: ﴿جَنَّتَكَ﴾ : هذه مفرد، والمعلوم من الآيات أن له جنتين، فما هو الجواب حيث كانت هنا مفردة مع أنهما جنتان؟ الجواب: أن يقال: إن المفرد إذا أضيف يعم فيشمل الجنتين. أو أن هذا القائل أراد أن يقلل من قيمة الجنتين، لأن المقام مقام وعظ وعدم إعجاب بما رزقه الله، كأنه يقول: هاتان الجنتان جنة واحدة، تقليلا لشأنهما، والوجه الأول أقرب إلى قواعد اللغة العربية قُلْتَ: جواب لَوْلَا. * وقوله: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ : مَا: يحتمل أن تكون موصولة، ويحتمل أن تكون شرطية: فإن جعلتها موصولة، فهي خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا ما شاء الله، أي: ليس هذا بإرادتي

стр. 2321

وحولي وقوتي، ولكنه بمشيئة الله، أي: هذا الذي شاءه الله. وإن جعلتها شرطية، ففعل الشرط ﴿شَاءَ﴾ ، وجوابه محذوف، والتقدير: ما شاء الله كان، كما نقول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. والمراد: كان ينبغي لك أن تقول حين دخلت جنتك: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ، لتتبرأ من حولك وقوتك لا تعجب بجنتك. * وقوله: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ : لَا: نافية للجنس. وقُوَّةَ: نكرة في سياق النفي، فتعم، والقوة صفة يتمكن بها الفاعل من فعل ما يريد بدون ضعف. فإن قيل: ما الجمع بين عموم نفي القوة إلا بالله، وبين قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤] ، وقال عن عاد: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ، ولم يقل: لا قوة فيهم، فأثبت للإنسان قوة. فالجواب: أن الجمع بأحد الوجهين: الأول: أن القوة التي في المخلوق كانت من الله ، فلولا أن الله أعطاه القوة، لم يكن قويًا، فالقوة التي عند الإنسان مخلوقة لله، فلا قوة في الحقيقة إلا بالله. الثاني: أن المراد بقوله: لَا قُوَّةَ، أي: لا قوة كاملة إلا بالله . وعلى كل حال، فهذا الرجل الصالح أرشد صاحبه أن يتبرأ من حوله وقوته، ويقول: هذا بمشيئة الله وبقوة الله.

стр. 2322

وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ . . . . . . . ــ في هذه الآية: إثبات اسم من أسماء الله، وهو: الله، وإثبات ثلاث صفات: الألوهية، والقوة، والمشيئة. ومشيئة الله: هي إرادته الكونية، وهي نافذة فيما يحبه وما لا يحبه، ونافذة على جميع العباد بدون تفصيل، ولا بد من وجود ما شاءه بكل حال، فكل ما شاء الله وقع ولا بد، سواء كان فيما يحبه ويرضاه أم لا. الآية الثانية: قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] : لَوْ: حرف امتناع لامتناع، وإذا كان جوابها منفيًا بـ (ما) ، فإن الأفصح حذف اللام، وإذا كان مثبتًا، فالأكثر ثبوت اللام، كما قال تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] . فنقول: الأكثر، ولا نقول: الأفصح، لأنه ورد إثبات اللام وحذفها في القرآن الكريم: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] . وقولنا: إن الأفصح حذف اللام في المنفي، لأن اللام تفيد التوكيد، والنفي ينافي التوكيد، ولهذا كان قول الشاعر: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي خلاف الأفصح، والأفصح: لو نعطى الخيار ما افترقنا. * قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ : الضمير يعود على المؤمنين والكافرين، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] . وفي هذا رد واضح على القدرية الذين ينكرون تعلق فعل العبد بمشيئة

стр. 2323

وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ . . . . . . . . . . . . ــ الله، لأن الله قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ، يعني: ولكنه شاء أن يقتتلوا فاقتتلوا. ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ، أي: يفعل الذي يريده، والإرادة هنا إرادة كونية. * وقوله: ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ : الفعل باعتبار ما يفعله بنفسه فعل مباشر. وباعتبار ما يقدره على العباد فعل غير مباشر، لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا صام وصلى وزكى وحج وجاهد، فالفاعل الإنسان بلا شك، ومعلوم أن فعله هذا بإرادة الله. ولا يصح أن ينسب فعل العبد إلى الله على سبيل المباشرة، لأن المباشر للفعل الإنسان، ولكن يصح أن ينسب إلى الله على سبيل التقدير والخلق. أما ما يفعله الله بنفسه، كاستوائه على عرشه، وكلامه، ونزوله إلى السماء الدنيا، وضحكه. . . وما أشبه ذلك، فهذا ينسب إلى الله تعالى فعلا مباشرة. في هذه الآية من الأسماء: الله. ومن الصفات: المشيئة، والفعل، والإرادة. الآية الثالثة: قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] . * ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ : المحل هو الله ، وكذلك النبي ﵊ يحل ويحرم، لكن بإذن من الله ، قال النبي ﷺ :

стр. 2324

«أحلت لنا ميتتان ودمان» (١) ، وكان ﵊ يقول: «إن الله يحرم عليكم» ، كذا يخبر أنه حرم، وربما يحرم تحريمًا يضيفه إلى نفسه، لكنه بإذن الله. * ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ : هي الإبل والبقر والغنم، والأنعام جمع نعم، كأسباب جمع سبب. * ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾ : إلا الذي يتلى عليكم في هذه السورة، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة، ٣] ، فالاستثناء هنا فيه منقطع وفيه متصل، فبالنسبة للميتة من بهيمة الأنعام متصل، وبالنسبة للحم الخنزير منقطع، لأنه ليس من بهيمة الأنعام. * وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ: غَيْرَ﴾ : حال من الكاف في لَكُمْ، يعني: حال كونكم لا تحلون الصيد وأنتم حرم، وهذا الاستثناء منقطع أيضًا، لأن الصيد ليس من بهيمة الأنعام. وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ، يعني: قاتليه في الإحرام، لأن الذي يفعل الشيء يصير كالمحل له، والصَّيْدِ: هو الحيوان البري المتوحش المأكول، هذا هو الصيد الذي حرم في الإحرام. * وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ : هذه الإرادة شرعية، لأن المقام مقام تشريع، ويجوز أن تكون إرادة شرعية كونية، ونحمل الحكم على

стр. 2325

وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ . . . . . . . . . ــ الحكم الكوني والشرعي، فما أراده كونًا، حكم به وأوقعه، وما أراده شرعًا، حكم به وشرعه لعباده. في هذه الآية من الأسماء: الله. ومن الصفات: التحليل، والحكم، والإرادة. الآية الرابعة: قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] . * قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ : المراد بالإرادة هنا الإرادة الكونية، والمراد بالهداية هداية التوفيق، فتجده منشرح الصدر في شرائع الإسلام وشعائره، يفعلها بفرح وسرور وانطلاق. فإذا عرفت من نفسك هذا، فاعلم أن الله أراد بك خيرًا وأراد لك هداية، أما من ضاق به ذرعًا والعياذ بالله فإن هذا علامة على أن الله لم يرد له هداية، وإلا لانشرح صدره. ولهذا تجدون الصلاة التي هي أثقل ما يكون على المنافقين قرة عيون المخلصين، قال النبي ﷺ : «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١) ، ولا شك أن النبي ﷺ أكمل الناس إيمانًا، فانشرح صدره بالصلاة وصارت قرة عينه. فإذا قيل للشخص: إنه يجب عليك أن تصلي مع الجماعة في المسجد،

стр. 2326

فانشرح صدره، وقال الحمد لله الذي شرع لي ذلك، ولولا أن الله شرعه، لكان بدعة، وأقبل إليه، ورضي به، فهذا علامة على أن الله أراد أن يهديه وأراد به خيرًا. * قال: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ: يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ : بمعنى يوسع، ومنه قول موسى ﵊ لما أرسله الله إلى فرعون: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] ، يعني: وسع لي صدري في مناجاة هذا الرجل ودعوته، لأن فرعون كان جبارًا عنيدًا. وقوله: ﴿لِلْإِسْلَامِ﴾ : هذا عام لأصل الإسلام وفروعه وواجباته، وكلما كان الإنسان بالإسلام وشرائعه أشرح صدرًا، كان أدل على إرادة الله به الهداية. * وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ : من يرد أن يضله، يجعل صدره ضيقا حرجا، أي شديد الضيق، ثم مثل ذلك بقوله: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ، يعني: كأنه حين يعرض عليه الإسلام يتكلف الصعود إلى السماء، ولهذا جاءت الآية: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ ، بالتشديد، ولم يقل: يصعد، كأنه يتكلف الصعود بمشقة شديدة، وهذا الذي يتكلف الصعود لا شك أنه يتعب ويسأم. ولنفرض أن هذا رجل طلب منه أن يصعد جبلا رفيعًا صعبًا، فإذا قام يصعد هذا الجبل، سوف يتكلف، وسوف يضيق نفسه ويرتفع وينتهب، لأنه يجد من هذا ضيقًا. وعلى ما وصل إليه المتأخرون الآن، يقولون: إن الذي يصعد في

стр. 2327

السماء كلما ارتفع وازداد ارتفاعه، كثر عليه الضغط، وصار أشد حرجًا وضيقًا، وسواء كان المعنى الأول أو المعنى الثاني، فإن هذا الرجل الذي يعرض عليه الإسلام وقد أراد الله أن يضله يجد الحرج والضيق كأنما يصعد في السماء. ونأخذ من هذه الآية الكريمة إثبات إرادة الله . والإرادة المذكورة هنا إرادة كونية لا غير، لأنه قال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ ، وهذا التقسيم لا يكون إلا في الأمور الكونيات، أما الشرعية، فالله يريد من كل أحد أن يستسلم لشرع الله. وفيها من السلوك والعبادة أنه يجب على الإنسان أن يتقبل الإسلام كله، أصله وفرعه، وما يتعلق بحق الله وما يتعلق بحق العباد، وأنه يجب عليه أن يشرح صدره لذلك، فإن لم يكن كذلك، فإنه من القسم الثاني الذين أراد الله إضلالهم. قال النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرًا، يفقهه في الدين» (١) ، والفقه في الدين يقتضي قبول الدين، لأن كل من فقه في دين الله وعرفه، قبله وأحبه. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، فهذا إقسام مؤكد بـ (لا) ، وإقسام بأخص ربوبية من الله لعباده -

стр. 2328

وهي ربوبية الله للرسول - على نفي الإيمان عمن لم يقم بهذه الأمور: الأول: تحكيم الرسول ﷺ لقوله: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ ، يعني: الرسول، فمن طلب التحاكم إلى غير الله ورسوله، فإنه ليس بمؤمن، فإما كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، وإما كافر كفرًا دون ذلك. الثاني: انشراح الصدر بحكمه، بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا مما قضى، بل يجدون القبول والانشراح لما قضاه النبي ﷺ . الثالث: أن يسلموا تسليمًا، وأكد التسليم بمصدر، يعني: تسليمًا كاملا. فاحذر أيها المسلم أن ينتفي عنك الإيمان. ولنضرب لهذا مثلا: تجادل رجلان في حكم مسألة شرعية، فاستدل أحدهما بالسنة، فوجد الثاني في ذلك حرجًا وضيقًا، كيف يريد أن يخرج عن متبوعه إلى اتباع هذه السنة؟! فهذا الرجل ناقص بلا شك في إيمانه، لأن المؤمن حقًا هو الذي إذا ظفر بالنص من كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فكأنما ظفر بأكبر غنيمة يفرح بها، ويقول: الحمد لله الذي هداني لهذا. وفلان الذي يتعصب لرأيه ويحاول أن يلوي أعناق النصوص حتى تتجه إلى ما يريده هو لا ما يريده الله ورسوله، فإن هذا على خطر عظيم. أقسام الإرادة: الإرادة تنقسم إلى قسمين:

стр. 2329

القسم الأول: إرادة كونية: وهذه الإرادة مرادفة تمامًا للمشيئة، فـ (أراد) فيها بمعنى (شاء) ، وهذه الإرادة: أولا: تتعلق فيما يحبه الله وفيما لا يحبه. وعلى هذا فإذا قال قائل: هل أراد الله الكفر؟ فقل: بالإرادة الكونية نعم أراده، ولو لم يرده الله ، ما وقع. ثانيًا: يلزم فيها وقوع المراد، يعني: أن ما أراده الله فلا بد أن يقع، ولا يمكن أن يتخلف. القسم الثاني: إرادة شرعية: وهي مرادفة للمحبة، فـ (أراد) فيها بمعنى (أحب) ، فهي: أولا: تختص بما يحبه الله، فلا يريد الله الكفر بالإرادة الشرعية ولا الفسق. ثانيًا: أنه لا يلزم فيها وقوع المراد، بمعنى: أن الله يريد شيئًا ولا يقع، فهو سبحانه يريد من الخلق أن يعبدوه، ولا يلزم وقوع هذا المراد، قد يعبدونه وقد لا يعبدونه، بخلاف الإرادة الكونية. فصار الفرق بين الإرادتين من وجهين: ١ - الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم. ٢ - الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية عامة فيما يحبه وما لا يحبه. فإذا قال قائل: كيف يريد الله تعالى كونًا ما لا يحبه، بمعنى: كيف

стр. 2330

يريد الكفر أو الفسق أو العصيان وهو لا يحبه؟! فالجواب: أن هذا محبوب إلى الله من وجه مكروه إليه من وجه آخر، فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة، مكروه إليه لأنه معصية. ولا مانع من أن يكون الشيء محبوبًا مكروها باعتبارين، فها هو الرجل يقدم طفله الذي هو فلذة كبده وثمرة فؤاده، يقدمه إلى الطبيب ليشق جلده ويخرج المادة المؤذية فيه ولو أتى أحد من الناس يريد أن يشقه بظفره وليس بالمشرط، لقاتله، لكن هو يذهب إلى الطبيب ليشقه، وهو ينظر إليه، وهو فرح مسرور، يذهب به إلى الطبيب ليحمي الحديد على النار حتى تلتهب حمراء، ثم يأخذها ويكوي بها ابنه، وهو راضٍ بذلك، لماذا يرضى بذلك وهو ألم للابن؟ لأنه مراد لغيره للمصلحة العظيمة التي تترتب على ذلك. ونستفيد بمعرفتنا للإرادة من الناحية المسلكية أمرين: الأمر الأول: أن نعلق رجاءنا وخوفنا وجميع أحوالنا وأعمالنا بالله، لأن كل شيء بإرادته وهذا يحقق لنا التوكل. الأمر الثاني: أن نفعل ما يريده الله شرعًا، فإذا علمت أنه مراد لله شرعًا ومحبوب إليه، فإن ذلك يقوي عزمنا على فعله. هذا من فوائد معرفتنا بالإرادة من الناحية المسلكية، فالأول باعتبار الإرادة الكونية، والثاني: باعتبار الإرادة الشرعية.

стр. 2331

قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . . . . . . . . . ــ هذه آيات في إثبات صفة المحبة: الآية الأولى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] . * ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ فعل أمر. والإحسان قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا مندوبًا إليه، فما كان يتوقف عليه أداء الواجب، فهو واجب، وما كان زائدًا على ذلك فهو مستحب. وبناء على ذلك، نقول: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ : فعل الأمر مستعمل في الواجب والمستحب. والإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة الخلق، فالإحسان في عبادة الله فسره النبي ﷺ حين سأله جبريل (١) ، فقال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه» . وهذا أكمل من الذي بعده، لأن الذي يعبد الله كأنه يراه عبادة طلب ورغبة، «فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» ، أي: فإن لم تصل إلى هذه الحال، فاعلم أنه يراك والذي يعبد الله على هذه المرتبة يعبده عبادة خوف وهرب، لأنه يخاف ممن يراه. وأما الإحسان بالنسبة لمعاملة الخلق؟ فقيل في تفسيره: بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. بذل الندى: أي: المعروف، سواء كان ماليًا أو بدنيًا أم جاهيًا.

стр. 2332

كف الأذى: أن لا تؤذي الناس بقولك ولا بفعلك. وطلاقة الوجه: أن لا تكون عبوسًا عند الناس، لكن أحيانًا الإنسان يغضب ويعبس، فنقول: هذا لسبب، وقد يكون من الإحسان إذا كان سببًا لصلاح الحال. ولهذا، إذا رجمنا الزاني أو جلدناه، فهو إحسان إليه. ويدخل في ذلك إحسان المعاملة في البيع، والشراء، والإجارة، والنكاح. . . وغير ذلك، لأنك إذا عاملتهم بالطيب في هذه الأمور، صبرت على المعسر، وأوفيت الحق بسرعة، هذا يعد بذل الندى، فإن اعتديت بالغش والكذب والتزوير، فأنت لم تكف الأذى، لأن هذا أذية. أحسن في عبادة الله وإلى عباد الله. * وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ : هذا تعليل للأمر، فهذا ثواب المحسن، أن الله يحبه، ومحبة الله مرتبة عالية عظيمة، ووالله إن محبة الله لتشترى بالدنيا كلها، وهي أعلى من أن تحب الله، فكون الله يحبك أعلى من أن تحبه أنت، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، ولم يقل: فاتبعوني، تصدقوا في محبتكم لله. مع أن الحال تقتضي هكذا، ولكن قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . ولهذا قال بعض العلماء: الشأن كل الشأن في أن الله يحبك لا أنك تحب الله. كل يدعي أنه يحب الله، لكن الشأن في الذي في السماء ، هل يحبك أم لا؟ إذا أحبك الله ، أحبتك الملائكة في السماء، ثم

стр. 2333

﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . . . . . . . . . ــ يوضع لك القبول في الأرض، فيحبك أهل الأرض (١) ، ويقبلونك، ويقبلون ما جاء منك وهذه من عاجل بشرى المؤمن. وفي هذه الآية من الأسماء: الله. ومن الصفات الألوهية، والمحبة. الآية الثانية: قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] . * ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ : فعل أمر، والإقساط ليس هو القسط، بل هو من فعل رباعي، فالهمزة فيه همزة النفي، هذه الهمزة هي همزة النفي، إذا دخلت على الفعل، نفت معناه، فالفعل (قسط) ، بمعنى: جار، فإذا أدخلت عليه همزة (أقسط) ، صار بمعنى: عدل، أي: أزال القسط، وهو الجور، فيسمون مثل هذه الهمزة همزة السلب، مثل خطئ وأخطأ، خطئ، بمعنى ارتكب الخطأ عن عمد، وأخطأ: ارتكبه عن غير عمد. * فقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ ، أي: اعدلوا، وهذا واجب، فالعدل واجب في كل ما تجب فيه التسوية: يدخل في ذلك العدل في معاملة الله ، ينعم الله عليك بالنعم، فمن العدل أن تقوم بشكره، يبين الله لك الحق، فمن العدل أن تتبع هذا الحق. ويدخل في ذلك العدل في معاملات الخلق: أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، ولهذا قال النبي ﵊: «من أحب أن»

стр. 2334

«يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يجب أن يؤتى إليه» . (١) عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، مثلا: إذا أردت أن تعامل شخصًا معاملة، فاعرضها أولا على نفسك: هل إذا عاملك إنسان بها، هل ترضى أم لا؟ إن كنت ترضى، فعامله، وإلا، فلا تدافعه. ويدخل في ذلك العدل بين الأولاد في العطية، قال النبي ﷺ : «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» . (٢) ويدخل في ذلك العدل بين الورثة في الميراث، فيعطى كل واحد نصيبه، ولا يوصى لأحد منهم بشيء. ويدخل في ذلك العدل بين الزوجات، بأن تقسم لكل واحدة مثل ما تقسم للأخرى. ويدخل في ذلك العدل في نفسك، فلا تكلفها ما لا تطيق من الأعمال، إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا. وعلى هذا فقس. وهنا يجب أن ننبه على أن من الناس من يستعمل بدل العدل: المساواة! وهذا خطأ، لا يقال: مساواة، لأن المساواة قد تقتضي التسوية بين شيئين الحكمة تقتضي التفريق بينهما.

стр. 2335

ومن أجل هذه الدعوة الجائرة إلى التسوية صاروا يقولون: أي فرق بين الذكر والأنثى؟! سووا بين الذكور والإناث! حتى إن الشيوعية قالت: أي فرق بين الحاكم والمحكوم، لا يمكن أن يكون لأحد سلطة على أحد، حتى بين الوالد والولد، ليس للوالد سلطة على الولد. . . وهلم جرا. لكن إذا قلنا بالعدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحقه، زال هذا المحذور، وصارت العبارة سليمة. ولهذا، لم يأتِ في القرآن أبدًا: إن الله يأمر بالتسوية! لكن جاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] ، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وأخطأ على الإسلام من قال: إن دين الإسلام دين المساواة! بل دين الإسلام دين العدل، وهو الجمع بين المتساويين، والتفريق بين المفترقين، إلا أن يريد بالمساواة: العدل، فيكون أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ. ولهذا كان أكثر ما جاء في القرآن نفي المساواة: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] ، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] ، ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] . ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبدًا، إنما يأمر بالعدل.

стр. 2336

﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ . . . . . . . ــ وكلمة (العدل) أيضًا تجدونها مقبوله لدى النفوس. وأحببت أن أنبه على هذا، لئلا نكون في كلامنا إمعة، لأن بعض الناس يأخذ الكلام على عواهنه، فلا يفكر في مدلوله وفيمن وضعه وفي مغزاه عند من وضعه. وفي الآية من الأسماء والصفات ما سبق في التي قبلها. الآية الثالثة: قوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] . * مَا: شرطية، وفعل الشرط: ﴿اسْتَقَامُوا﴾ ، وجوابه: ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾ ، أي: مهما استقام لكم المعاهدون الذين عاهدتم عند المسجد الحرام بالوفاء بالعهد، فاستقيموا لهم في ذلك. وهذه الجملة الشرطية تقتضي بمنطوقها، أنهم إذا استقاموا لنا، وجب أن نستقيم لهم، وأن نوفي بعهدهم. وتدل بمفهومها على أنهم إذا لم يستقيموا، لا نستقيم لهم. والمعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم استقاموا على عهدهم وأمناهم، فيجب علينا أن نستقيم لهم، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ . وقسم خانوا ونقضوا العهد، فهؤلاء لا عهد لهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] .

стр. 2337

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . . . . . ــ وقسم ثالث يظهرون الاستقامة لنا، لكننا نخاف من خيانتهم، بمعنى أنه توجد قرائن تدل على أنهم يريدون الخيانة، فهؤلاء قال الله فيهم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] ، أي: انبذ إليهم عهدهم، فقل: لا عهد بيننا وبينكم. فإذا قال قائل: كيف ينبذ العهد إليهم وهم معاهدون؟! قلنا: لخوف الخيانة، فهؤلاء لا نأمنهم، لأنه يمكن في يوم من الأيام أن يصبحونا، فهؤلاء ننبذ إليهم على سواء، ولا نخونهم ما دام العهد قائمًا، لأنه لو قال المسلمون: نحن نخاف منهم الخيانة، سنبادرهم بالقتال. قلنا: هذا حرام، لا تقاتلوهم حتى تنبذوا إليهم العهد. * وقوله: ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ : المتقون هم الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا من أحسن وأجمع ما يقال في تعريف التقوى. وفي الآية من الأسماء والصفات كالتي قبلها. الآية الرابعة: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . * التواب: صيغة مبالغة من التوبة، وهو كثير الرجوع إلى الله، والتوبة هي الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته. وشروطها خمسة: الأول: الإخلاص لله تعالى بأن يكون الحامل له على التوبة مخافة الله ورجاء ثوابه. الثاني: الندم على ما فعل من الذنب، وعلامة ذلك أن يتمنى أنه لم يقع منه.

стр. 2338

وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ...... ــ الثالث: الإقلاع عن الذنب، بتركه إن كان محرمًا، أو تداركه إن كان واجبًا يمكن تداركه. الرابع: العزم على أن لا يعود إليه. الخامس: أن تكون في وقت تقبل فيه التوبة، وهو ما كان قبل حضور الموت وطلوع الشمس من مغربها، فإن كانت بعد حضور الموت أو بعد طلوع الشمس من مغربها، لم تقبل. فالتواب: كثير التوبة. ومعلوم أن كثرة التوبة تسلتزم كثرة الذنب، ومن هنا نفهم بأن الإنسان مهما كثر ذنبه، إذا أحدث لكل ذنب توبة، فإن الله تعالى يحبه، والتائب مرة واحدة من ذنب واحد محبوب إلى الله من باب أولى، لأن من كثرت ذنوبه وكثرت توبته يحبه الله، فمن قلت ذنوبه، كانت محبة الله له بالتوبة من باب أولى. * وقوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ : الذين يتطهرون من الأحداث ومن الأنجاس في أبدانهم وما يجب تطهيره. وهنا جمع بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن: طهارة الباطن بقوله: ﴿التَّوَّابِينَ﴾ ، والظاهر بقوله: ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . وفي الآية من الأسماء والصفات ما سبق في التي قبلها. الآية الخامسة: قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . يسمي علماء السلف هذه الآية: آية المحنة، يعني الامتحان، لأن قومًا ادعوا أنهم يحبون الله فأمر الله نبيه أن يقول لهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ، وهذا تحدٍ لكل من ادعى محبة الله، أن يقال له: إن كنت

стр. 2339

وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .... ــ صادقًا في محبة الله، فاتبع الرسول، فمن أحدث في دين رسول الله ﷺ ما ليس منه، وقال: إنني أحب الله ورسوله بما أحدثته، قلنا له: هذا كذب؛ لو كانت محبتك صادقة لاتبعت الرسول ﵊، ولم تتقدم بين يديه بإدخال شيء في شريعته ليس من دينه، فكل من كان أتبع لرسول الله ﷺ ، كان لله أحب. وإذا أحب الله وقام بعبادته، فإن الله تعالى يحبه، بل إن الله يعطيه أكثر مما عمل، يقول تعالى في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» ونفس الله أعظم من نفوسنا. «ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه» . وفي الحديث أيضًا: «أن من تقرب إليه شبرًا تقرب الله إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا، تقرب إليه باعًا، ومن أتى إلى الله يمشي، أتاه الله هرولة» . (١) إذا فعطاء الله وثوابه أكثر من عملك. وفي الآية من الأسماء والصفات مما سبق في التي قبلها. الآية السادسة: قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] . * الفاء واقعة في جواب الشرط في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ، أي: إذا ارتددتم عن دين الله فإن ذلك لا يضر الله شيئًا، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ،

стр. 2340

وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . * فكل من ارتد عن دين الله، فإن الله لا يعبأ به؛ لأنه تعالى غني عنه، بل يزيله ويأتي بخير منه، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ بدل منهم ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ، وإذا كانوا يحبون الله ويحبهم الله فسوف يقومون بطاعته. *وتمام الآية: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ : أما المؤمنين أذلة، يخفضون أجنحتهم للمؤمنين، ويلينون لهم، ويتطامنون، ومع الكفار أعزة أقوياء، لا يظهرون الذل أمام الكافر أبدًا. وقد علمنا الرسول ﵊: «وإذا لقيتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه» (١) فإذا لاقاكم اليهود والنصارى، ولو كانوا ألفًا وأنتم عشرة، نشق هذا الجمع، ولا نفسح لهم الطريق، بل نلجئهم إلى أضيقه، فنريهم العز بديننا لا بأنفسنا؛ لأننا نحن بشر وهم بشر، حتى يتبين لهم أن دين الإسلام هو الظاهر، وأن المتمسك به هو العزيز. ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ : يجاهدون في سبيل الله كل من قام ضد دين الله من كافر وفاسق وملحد ومارق يجاهدونه، وكل إنسان يقابلونه من السلاح بما يليق به، فمن قاتلهم بالحديد والنار، قاتلوه بالحديد والنار، ومن قاتلهم بالجدال والخصام الكلامي، جادلوه بمثل ذلك، فهم يجاهدون في الله بكل نوع من أنواع الجهاد.

стр. 2341

وقوله: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص﴾ (١) ...... ــ ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ : لا يخافون نقد الناس عليهم، يقولون الحق ولو كان على أنفسهم. لكنهم يستعملون الحكمة في هذا الجهاد ويرومون الوصول إلى الغاية، فإذا رأوا أن الدعوة تستوجب التأخر في بعض الأمور تأخروا، وإذا رأوا أن الدعوة تقتضي اللين في بعض الأحوال استعملوه؛ لأنهم يريدون الوصول إلى غاية معينة، والوسيلة حسب ما تقتضيه الحال. * ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الآية من الأسماء والصفات ما سبق في التي قبلها، وزيادة أن الله تعالى يكون محبوبًا. الآية السابعة: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . *هذه الآية في سورة الصف، وسورة الصف في الحقيقة هي سورة الجهاد؛ لأن الله تعالى بدأها بالثناء على المقاتلين في سبيله، ثم دعا إلى الجهاد في آخرها، ثم ذكر بين ذلك أن الله سيظهر دينه على كل الأديان ولو كره المشركون. * ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ : لا يتقدم أحد على أحد ولا يتأخر، حتى في الجهاد. والصلاة جهاد مصغر، فيها قائد يجب اتباعه، فإن لم تتبعه، بطلت

стр. 2342

صلاتك، قال النبي- ﷺ : «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار» (١) ، والصف في الصلاة نظير الصف في الجهاد، وكان الرسول- ﵊ يصفهم في الجهاد كما يصفهم في الصلاة " «كأنهم بنيان» والبنيان كما قال الرسول ﵊: «يشد بعضه بعضا» ، (٢) يتماسك بعضه ببعض؛ ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ، فليس كالمفرق: فالمرصوص أشد تماسكًا. فهؤلاء الذين علق الله المحبة لهم بأعمالهم لهم عدة صفات: أولًا: يقاتلون، فلا يركنون إلى الخلود والخمول والكسل والجمود الذي يضعف الدين والدنيا. ثانيًا: الإخلاص، لقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ . ثالثًا: يشد بعضهم بعضًا، لقوله: ﴿صَفًّا﴾ . رابعًا: أنهم كالبنيان، والبنيان حصن منيع. خامسًا: لا يتخللهم ما يمزقهم، لقوله: ﴿مَرْصُوصٌ﴾ . هذه خمس صفات علق الله المحبة لهؤلاء عليها. وفي الآية من الأسماء والصفات ما سبق في التي قبلها.

стр. 2343

وقوله: ﴿وهو الغفور الودود﴾ .... ــ الآية الثامنة: قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] . ﴿الْغَفُورُ﴾ : الساتر لذنوب عباده المتجاوز عنها. ﴿الْوَدُودُ﴾ مأخوذ من الود، وهو خالص المحبة، وهي بمعنى: واد، وبمعنى: مودود؛ لأنه محب ومحبوب، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، فالله واد ومودود، واد لأوليائه، وأولياؤه يودونه يحبونه، يحبون الوصول إليه وإلى جنته ورضوانه. وفي الآية اسمان من أسماء الله: الغفور، والودود، وصفتان: المغفرة، والود. وأتمنى لو أن المؤلف أضاف آية تاسعة في المحبة، وهي الخلة، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ، والخليل هو من كان في أعلى المحبة، فالخلة أعلى أنواع المحبة؛ لأن الخليل هو الذي وصل حبه إلى سويداء القلب وتخلل مجاري عروقه، وليس فوق الخلة شيء من أنواع المحبة أبدًا. يقول الشاعر لمعشوقته: قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلًا فالنبي ﵊ يحب أصحابه كلهم، لكن ما اتخذ واحدًا منهم خليلًا أبدًا، قال النبي -عليه الصلاة -وهو يخطب الناس: «لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر» (١) إذًا، أبو بكر هو أحب الناس

стр. 2344

إليه، لكن لم يصل إلى درجة الخلة؛ لأن الرسول ﷺ لم يتخذ أحدًا خليلًا، لكن أخوة الإسلام ومودته، وأما الخلة فهي بينه وبين ربه، قال النبي ﷺ : «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا» . (١) والخلة لا نعلم أنها ثبتت لأحد من البشر إلا لاثنين، هما إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله اتخذني خليلًا» . وهذه الخلة صفة من صفات الله ؛ لأنها أعلى أنواع المحبة، وهي توقيفية، فلا يجوز أن نثبت لأحد من البشر أنه خليل إلا بدليل، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا هذين الرسولين الكريمين، فهما خليلان لله . وهذه الآية: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ هي التي استشهد بها من قتل الجعد بن درهم رأس المعطلة الجهمية، أول ما أنكر قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، فقتله خالد بن عبد الله القسري ﵀، حيث خرج به موثقًا في يوم عيد الأضحى، وخطب الناس، وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه. ويقول ابن القيم في ذلك: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ... القسري يوم ذبائح القربان

стр. 2345

إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان فلدينا الآن محبة وود وخلة، فالمحبة والود مطلقة، والخلة خاصة بإبراهيم ومحمد. ويجب أن يكون اعتمادنا في الأمور الغيبية على الأدلة السمعية، لكن لا مانع من أن نستدل بأدلة عقلية؛ لإلزام من أنكر أن تكون المحبة ثابتة بالأدلة العقلية، مثل الأشاعرة، يقولون: لا يمكن أن تثبت المحبة بين الله وبين العبد أبدًا؛ لأن العقل لا يدل عليها، وكل ما لا يدل عليه العقل فإنه يجب أن ننزه الله عنه. فنحن نقول: نثبت المحبة بالأدلة العقلية، كما هي ثابتة عندنا بالأدلة السمعية؛ احتجاجًا على من أنكر ثبوتها بالعقل، فنقول وبالله التوفيق: إثابة الطائعين بالجنات والنصر والتأييد وغيره، هذا يدل بلا شك على المحبة، ونحن نشاهد بأعيننا ونسمع بآذاننا عمن سبق وعمن لحق أن الله أيد من أيد من عباده المؤمنين ونصرهم وأثابهم، وهل هذا إلا دليل على المحبة لمن أيدهم ونصرهم وأثابهم ؟! وهنا سؤالان: الأول: بماذا ينال الإنسان محبة الله ؟ وهذه هي التي يطلبها كل إنسان، والمحبة عبارة عن أمر فطري يكون في الإنسان ولا يملكه؛ ولهذا يروى أن الرسول ﵊ قال في العدل بين زوجاته:

стр. 2346

«هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» . (١) فالجواب: أن المحبة لها أسباب كثيرة: منها: أن ينظر الإنسان: من الذي خلقه؟ ومن الذي أمده بالنعم منذ كان في بطن أمه؟ ومن الذي أجرى إليك الدم في عروقك قبل أن تنزل إلى الأرض إلا الله ؟ من الذي دفع عنك النقم التي انعقدت أسبابها، وكثيرًا ما تشاهد بعينك آفات ونقمًا تهلكك، فيرفعها الله عنك؟ وهذا لا شك أنه يجلب المحبة؛ ولهذا ورد في الأثر: «أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم» . (٢) وأعتقد لو أن أحدًا أهدى إليك قلمًا لأحببته، فإذا كان كذلك، فأنت انظر نعمة الله عليك النعم العظيمة الكثيرة التي لا تحصيها، تحب الله. ولهذا إذا جاءت النعمة وأنت في حاجة شديدة إليها، تجد قلبك ينشرح، وتحب الذي أسداها إليك، بخلاف النعم الدائمة، فأنت تذكر هذه النعم التي أعطاك الله، وتذكر أيضًا أن الله فضلك على كثير من عباده المؤمنين، إن كان الله من عليك بالعلم فقد فضلك بالعلم، أو بالعبادة فقد فضلك بالعبادة، أو بالمال فقد فضلك بالمال، أو بالأهل فقد فضلك بالأهل، أو بالقوت فقد فضلك بالقوت، وما من نعمة إلا وتحتها ما هو دونها، فأنت إذا رأيت هذه النعمة العظيمة، شكرت الله وأحببته.

стр. 2347

ومنها: محبة ما يحبه الله من الأعمال القولية والفعلية والقلبية، تحب الذي يحبه الله، فهذا يجعلك تحب الله؛ لأن الله يجازيك على هذا أن يضع محبته في قلبك، فتحب الله إذا قمت بما يحب، وكذلك تحب من يحب، والفرق بينهما ظاهر، الأخيرة من الأشخاص، والأولى من الأعمال؛ لأننا أتينا بـ (ما) التي لغير العاقل من الأعمال والأماكن والأزمان، وهذه (من) للعاقل من الأشخاص، تحب النبي ﵊، تحب إبراهيم، تحب موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء، تحب الصديقين، كأبي بكر، والشهداء، وغير ذلك ممن يحبهم الله؛ فهذا يجلب لك محبة الله، وهو أيضًا من أثار محبة الله، فهو سبب وأثر. ومنها: كثرة ذكر الله، بحيث يكون دائمًا على بالك، حتى تكون كلما شاهدت شيئًا، استدللت به عليه ، حتى يكون قلبك دائمًا مشغولًا بالله، معرضًا عما سواه، فهذا يجلب لك محبة الله . وهذه الأسباب الثلاثة هي عندي من أقوى أسباب محبة الله . السؤال الثاني: ما هي الآثار المسلكية التي يستلزمها ما ذكر؟ والجواب: أولًا: قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] :يقتضي أن نحسن، وأن نحرص على الإحسان؛ لأن الله يحبه، وكل شيء يحبه الله فإننا نحرص عليه. ثانيًا: قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] يقتضي أن نعدل ونحرص على العدل.

стр. 2348

ثالثًا: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] : يقتضي أن نتقي الله ، لا نتقي المخلوقين بحيث إذا كان عندنا من نستحي منه من الناس، تركنا المعاصي، وإذا لم يكن، عصينا، فالتقوى أن نتقي الله ، ولا يهمك الناس. أصلح ما بينك وبين الله، يصلح الله ما بينك وبين الناس. انظر يا أخي إلى الشيء الذي بينك وبين ربك، ولا يهمك غير ذلك؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] افعل ما يقتضيه الشرع، وستكون لك العاقبة. رابعًا: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهذه تستوجب أن أكثر التوبة إلى الله ، أكثر أن أرجع إلى الله بقلبي وقالبي، ومجرد قول الإنسان: أتوب إلى الله. هذا قد لا ينفع، لكن تستحضر وأنت تقول:" أتوب إلى الله "أن بين يديك معاصي، ترجع إلى الله منها وتتوب؛ حتى تنال بذلك محبة الله. ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إذا غسلت ثوبك من النجاسة، تحس بأن الله أحبك؛ لأن الله يحب المتطهرين؛ إذا توضأت تحس بأن الله أحبك؛ لأنك تطهرت؛ إذا اغتسلت تحس أن الله أحبك؛ لأن الله يحب المتطهرين.... ووالله إننا لغافلون عن هذه المعاني، أكثر ما نستعمل الطهارة من النجاسة أو من الأحداث، لأنها شرط لصحة الصلاة؛ خوفًا من أن تفسد صلاتنا، لكن يغيب عنا كثيرًا أن نشعر بأن هذا قربة وسبب لمحبة الله لنا، لو كنا نستحضر عندما يغسل الإنسان نقطة بول أصابت ثوبه أن ذلك يجلب محبة الله له لحصلنا خيرًا كثيرًا، لكننا في غفلة.

стр. 2349

خامسًا: قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] هذا أيضًا يستوجب أن نحرص غاية الحرص على اتباع النبي- ﷺ بحيث نترسم طريقه، لا نخرج منه، ولا نقصر عنه، ولا نزيد ولا ننقص. وشعورنا هذا يحمينا من البدع، ويحمينا من التقصير، ويحمينا من الزيادة والغلو، ولو أننا نشعر بهذه الأمور، فانظر كيف يكون سلوكنا آدابنا وأخلاقنا وعباداتنا. سادسًا: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] نحذر به من الردة عن الإسلام، التي منها ترك الصلاة مثلًا، فإذا علمنا أن الله يهددنا بأننا إن ارتددنا عن ديننا أهلكنا الله، وأتى بقوم يحبهم ويحبونه، ويقومون بواجبهم نحو ربهم، فإننا نلازم طاعة الله والابتعاد عن كل ما يقرب للردة. سابعًا: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . إذا آمنا بهذه المحبة، فعلنا هذه الأسباب الخمسة التي تستلزمها وتوجبها: القتال، وعدم التواني، والإخلاص، بأن يكون في سبيل الله، أن يشد بعضنا بعضًا كأننا بنيان، أن نحكم الرابطة بيننا إحكامًا قويًا كالبنيان المرصوص، أن نصف، وهذا يقتضي التساوي حسًا، حتى لا تختلف القلوب، وهو مما يؤكد الألفة، والإنسان إذا رأى واحدًا عن يمينه وواحدًا عن يساره، يقوى على الإقدام، لكن لو يحيطون به من جميع الجوانب، فستشتد همته.

стр. 2350

فصار في هذه الآيات ثلاثة مباحث: ١ -إثبات المحبة بالأدلة السمعية. ٢ -أسبابها. ٣ -الآثار المسلكية في الإيمان بها. أما أهل البدع الذين أنكروها، فليس عندهم إلا حجة واهية، يقولون: أولًا: إن العقل لا يدل عليها. ثانيًا: إن المحبة إنما تكون بين اثنين متجانسين، لا تكون بين رب ومخلوق أبدًا، ولا بأس أن تكون بين المخلوقات. ونحن نرد عليهم فنقول: نجيبكم عن الأول - وهو أن العقل لا يدل عليها - بجوابين: أحدهما: بالتسليم، والثاني: بالمنع. التسليم: نقول: سلمنا أن العقل لا يدل على المحبة، فالسمع دل عليها، وهو دليل قائم بنفسه، والله يقول في القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ،فإذا كان تبيانًا، فهو دليل قائم بنفسه، "وانتفاء الدليل المعين لا يلزم منه انتفاء المدلول"؛ لأن المدلول قد يكون له أدلة متعددة، سواء الحسيات أو المعنويات: فالحسيات: مثل بلد له عدة طرق توصل إليه، فإذا انسد طريق، ذهبنا مع الطريق الثاني.
следующие страницы →