← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

«هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» . (١) فالجواب: أن المحبة لها أسباب كثيرة: منها: أن ينظر الإنسان: من الذي خلقه؟ ومن الذي أمده بالنعم منذ كان في بطن أمه؟ ومن الذي أجرى إليك الدم في عروقك قبل أن تنزل إلى الأرض إلا الله ؟ من الذي دفع عنك النقم التي انعقدت أسبابها، وكثيرًا ما تشاهد بعينك آفات ونقمًا تهلكك، فيرفعها الله عنك؟ وهذا لا شك أنه يجلب المحبة؛ ولهذا ورد في الأثر: «أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم» . (٢) وأعتقد لو أن أحدًا أهدى إليك قلمًا لأحببته، فإذا كان كذلك، فأنت انظر نعمة الله عليك النعم العظيمة الكثيرة التي لا تحصيها، تحب الله. ولهذا إذا جاءت النعمة وأنت في حاجة شديدة إليها، تجد قلبك ينشرح، وتحب الذي أسداها إليك، بخلاف النعم الدائمة، فأنت تذكر هذه النعم التي أعطاك الله، وتذكر أيضًا أن الله فضلك على كثير من عباده المؤمنين، إن كان الله من عليك بالعلم فقد فضلك بالعلم، أو بالعبادة فقد فضلك بالعبادة، أو بالمال فقد فضلك بالمال، أو بالأهل فقد فضلك بالأهل، أو بالقوت فقد فضلك بالقوت، وما من نعمة إلا وتحتها ما هو دونها، فأنت إذا رأيت هذه النعمة العظيمة، شكرت الله وأحببته.

стр. 2347

ومنها: محبة ما يحبه الله من الأعمال القولية والفعلية والقلبية، تحب الذي يحبه الله، فهذا يجعلك تحب الله؛ لأن الله يجازيك على هذا أن يضع محبته في قلبك، فتحب الله إذا قمت بما يحب، وكذلك تحب من يحب، والفرق بينهما ظاهر، الأخيرة من الأشخاص، والأولى من الأعمال؛ لأننا أتينا بـ (ما) التي لغير العاقل من الأعمال والأماكن والأزمان، وهذه (من) للعاقل من الأشخاص، تحب النبي ﵊، تحب إبراهيم، تحب موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء، تحب الصديقين، كأبي بكر، والشهداء، وغير ذلك ممن يحبهم الله؛ فهذا يجلب لك محبة الله، وهو أيضًا من أثار محبة الله، فهو سبب وأثر. ومنها: كثرة ذكر الله، بحيث يكون دائمًا على بالك، حتى تكون كلما شاهدت شيئًا، استدللت به عليه ، حتى يكون قلبك دائمًا مشغولًا بالله، معرضًا عما سواه، فهذا يجلب لك محبة الله . وهذه الأسباب الثلاثة هي عندي من أقوى أسباب محبة الله . السؤال الثاني: ما هي الآثار المسلكية التي يستلزمها ما ذكر؟ والجواب: أولًا: قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] :يقتضي أن نحسن، وأن نحرص على الإحسان؛ لأن الله يحبه، وكل شيء يحبه الله فإننا نحرص عليه. ثانيًا: قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] يقتضي أن نعدل ونحرص على العدل.

стр. 2348

ثالثًا: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] : يقتضي أن نتقي الله ، لا نتقي المخلوقين بحيث إذا كان عندنا من نستحي منه من الناس، تركنا المعاصي، وإذا لم يكن، عصينا، فالتقوى أن نتقي الله ، ولا يهمك الناس. أصلح ما بينك وبين الله، يصلح الله ما بينك وبين الناس. انظر يا أخي إلى الشيء الذي بينك وبين ربك، ولا يهمك غير ذلك؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] افعل ما يقتضيه الشرع، وستكون لك العاقبة. رابعًا: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهذه تستوجب أن أكثر التوبة إلى الله ، أكثر أن أرجع إلى الله بقلبي وقالبي، ومجرد قول الإنسان: أتوب إلى الله. هذا قد لا ينفع، لكن تستحضر وأنت تقول:" أتوب إلى الله "أن بين يديك معاصي، ترجع إلى الله منها وتتوب؛ حتى تنال بذلك محبة الله. ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إذا غسلت ثوبك من النجاسة، تحس بأن الله أحبك؛ لأن الله يحب المتطهرين؛ إذا توضأت تحس بأن الله أحبك؛ لأنك تطهرت؛ إذا اغتسلت تحس أن الله أحبك؛ لأن الله يحب المتطهرين.... ووالله إننا لغافلون عن هذه المعاني، أكثر ما نستعمل الطهارة من النجاسة أو من الأحداث، لأنها شرط لصحة الصلاة؛ خوفًا من أن تفسد صلاتنا، لكن يغيب عنا كثيرًا أن نشعر بأن هذا قربة وسبب لمحبة الله لنا، لو كنا نستحضر عندما يغسل الإنسان نقطة بول أصابت ثوبه أن ذلك يجلب محبة الله له لحصلنا خيرًا كثيرًا، لكننا في غفلة.

стр. 2349

خامسًا: قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] هذا أيضًا يستوجب أن نحرص غاية الحرص على اتباع النبي- ﷺ بحيث نترسم طريقه، لا نخرج منه، ولا نقصر عنه، ولا نزيد ولا ننقص. وشعورنا هذا يحمينا من البدع، ويحمينا من التقصير، ويحمينا من الزيادة والغلو، ولو أننا نشعر بهذه الأمور، فانظر كيف يكون سلوكنا آدابنا وأخلاقنا وعباداتنا. سادسًا: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] نحذر به من الردة عن الإسلام، التي منها ترك الصلاة مثلًا، فإذا علمنا أن الله يهددنا بأننا إن ارتددنا عن ديننا أهلكنا الله، وأتى بقوم يحبهم ويحبونه، ويقومون بواجبهم نحو ربهم، فإننا نلازم طاعة الله والابتعاد عن كل ما يقرب للردة. سابعًا: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . إذا آمنا بهذه المحبة، فعلنا هذه الأسباب الخمسة التي تستلزمها وتوجبها: القتال، وعدم التواني، والإخلاص، بأن يكون في سبيل الله، أن يشد بعضنا بعضًا كأننا بنيان، أن نحكم الرابطة بيننا إحكامًا قويًا كالبنيان المرصوص، أن نصف، وهذا يقتضي التساوي حسًا، حتى لا تختلف القلوب، وهو مما يؤكد الألفة، والإنسان إذا رأى واحدًا عن يمينه وواحدًا عن يساره، يقوى على الإقدام، لكن لو يحيطون به من جميع الجوانب، فستشتد همته.

стр. 2350

فصار في هذه الآيات ثلاثة مباحث: ١ -إثبات المحبة بالأدلة السمعية. ٢ -أسبابها. ٣ -الآثار المسلكية في الإيمان بها. أما أهل البدع الذين أنكروها، فليس عندهم إلا حجة واهية، يقولون: أولًا: إن العقل لا يدل عليها. ثانيًا: إن المحبة إنما تكون بين اثنين متجانسين، لا تكون بين رب ومخلوق أبدًا، ولا بأس أن تكون بين المخلوقات. ونحن نرد عليهم فنقول: نجيبكم عن الأول - وهو أن العقل لا يدل عليها - بجوابين: أحدهما: بالتسليم، والثاني: بالمنع. التسليم: نقول: سلمنا أن العقل لا يدل على المحبة، فالسمع دل عليها، وهو دليل قائم بنفسه، والله يقول في القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ،فإذا كان تبيانًا، فهو دليل قائم بنفسه، "وانتفاء الدليل المعين لا يلزم منه انتفاء المدلول"؛ لأن المدلول قد يكون له أدلة متعددة، سواء الحسيات أو المعنويات: فالحسيات: مثل بلد له عدة طرق توصل إليه، فإذا انسد طريق، ذهبنا مع الطريق الثاني.

стр. 2351

وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) ................................................ ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (١) ............................................. ــ أما المعنويات، فكم من حكم واحد يكون له عدة أدلة، وجوب الطهارة للصلاة مثلًا فيه أدلة متعددة. فإذًا،إذا قلتم: إن العقل لا يدل على إثبات المحبة بين الخالق والمخلوق، فإن السمع دل عليه بأجلى دليل وأوضح بيان. الجواب الثاني: المنع؛ أن نمنع دعوى أن العقل لا يدل عليها، ونقول: بل العقل دل على إثبات المحبة بين الخالق والمخلوق، كما سبق. وأما قولكم: إن المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، فيكفي أن نقول: لا قبول لدعواكم؛ لأن المنع كاف في رد الحجة، إذ إن الأصل عدم الثبوت، فنقول: دعواكم أنها لا تكون إلا بين متجانسين ممنوع، بل هي تكون بين غير المتجانسين، فالإنسان عنده ساعة قديمة ما أتعبته بالصيانة وما فسدت عليه قط فتجده يحبها، وعنده ساعة تأخذ نصف وقته في التصليح فتجده يبغضها. وأيضًا نجد أن البهائم تحب وتحب. فنحن - ولله الحمد - نثبت لله المحبة بينه وبين عباده. صفة الرحمة (١) هذه آيات في إثبات صفة الرحمة: الآية الأولى: قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] . هذه آية أتى بها المؤلف ليثبت حكمًا، وليست مقدمة لما بعدها، وقد سبق لنا شرح البسملة، فلا حاجة إلى إعادته. وفيها من أسماء الله ثلاثة: الله، الرحمن، الرحيم. ومن صفاته:

стр. 2352

الألوهية، والرحمة (١) الآية الثانية: قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] . هذا يقوله الملائكة: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] . ما أعظم الإيمان وأعظم فائدته! الملائكة حول العرش يحملونه، يدعون الله للمؤمن. *وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾ : يدل على أن كل شيء وصله علم الله، وهو واصل لكل شيء، فإن رحمته وصلت إليه؛ لأن الله قرن بينهما في الحكم ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ . وهذه هي الرحمة العامة التي تشمل جميع المخلوقات، حتى الكفار؛ لأن الله قرن الرحمة هذه مع العلم، فكل ما بلغه علم الله، وعلم الله بالغ لكل شيء، فقد بلغته رحمته، فكما يعلم الكافر، يرحم الكافر أيضًا. لكن رحمته للكافر رحمة جسدية بدنية دنيوية قاصرة غاية القصور بالنسبة لرحمة المؤمن، فالذي يرزق الكافر هو الله الذي يرزقه بالطعام والشراب واللباس والمسكن والمنكح وغير ذلك. أما المؤمنون، فرحمتهم رحمة أخص من هذه وأعظم؛ لأنها رحمة إيمانية دينية دنيوية. ولهذا تجد المؤمن أحسن حالًا من الكافر، حتى في أمور الدنيا؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

стр. 2353

﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١) ...................................................... ــ [النحل: ٩٧] الحياة الطيبة هذه مفقودة بالنسبة للكفار، حياتهم كحياة البهائم، إذا شبع روث، وإذا لم يشبع جلس يصرخ،هكذا هؤلاء الكفار، إن شبعوا بطروا، وإلا جلسوا يصرخون ولا يستفيدون من دنياهم، لكن المؤمن إن أصابته سراء شكر، فهو في خير في هذا وفي هذا، وقلبه منشرح مطمئن متفق مع القضاء والقدر، لا جزع عند البلاء، ولا بطر عند النعماء، بل هو متوازن مستقيم معتدل. فهذا فرق ما بين الرحمة هذه وهذه. لكن مع الأسف الشديد أيها الأخوة: إن منا أناسًا آلافًا يريدون أن يلحقوا بركب الكفار في الدنيا، حتى جعلوا الدنيا هي همهم، إن أعطوا رضوا، وإن لم يعطوا إذا هم يسخطون هؤلاء، مهما بلغوا في الرفاهية الدنيوية فهم في جحيم، لم يذوقوا لذة الدنيا أبدًا، إنما ذاقها من آمن بالله وعمل صالحًا؛ ولهذا قال بعض السلف: والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. لأنه حال بينهم وبين هذا النعيم ما هم عليه من الفسوق والعصيان والركون إلى الدنيا، وأنها أكبر همهم ومبلغ علمهم. قوله: ﴿رَحْمَةً وَعِلْمًا) : (رَحْمَةً﴾ : تمييز محول عن الفاعل، وكذلك ﴿وَعِلْمًا﴾ ؛ لأن الأصل: ربنا وسعت رحمتك وعلمك كل شيء. وفي الآية من صفات الله: الربوبية،وعموم الرحمة، والعلم. (١) الآية الثالثة: قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] .

стр. 2354

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) . ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٢) ................. ــ * ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ : متعلق بـ (رحيم) ، وتقديم المعمول يدل على الحصر، فيكون معنى الآية: وكان بالمؤمنين لا غيرهم رحيمًا. ولكن كيف نجمع بين هذه الآية والتي قبلها: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧] ؟ نقول: الرحمة التي هنا غير الرحمة التي هناك، هذه رحمة خاصة متصلة برحمة الآخرة لا ينالها الكفار، بخلاف الأولى. هذا هو الجمع بينهما، وإلا فكل مرحوم، لكن فرق بين الرحمة الخاصة والرحمة العامة. وفي الآية من الصفات: الرحمة. ومن الناحية المسلكية: الترغيب في الإيمان. (١) الآية الرابعة: قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦ (يقول ﷻ ممتدحًا مثنيًا على نفسه ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ، فأثنى على نفسه بأن رحمته وسعت كل شيء من أهل السماء ومن أهل الأرض. ونقول فيها ما قلنا في الآية الثانية، فليرجع إليه. (٢) الآية الخامسة: قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] . * ﴿كَتَبَ﴾ : بمعنى: أوجب على نفسه الرحمة، فالله لكرمه وفضله وجوده أوجب على نفسه الرحمة، وجعل رحمته سابقه لغضبه، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ، لكن حلمه ورحمته أوجبت أن يبقى الخلق إلى أجل مسمى. *ومن رحمته ما ذكره بقوله:

стр. 2355

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ....................... ــ ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] : هذه من رحمته. * ﴿سُوءًا﴾ : نكرة في سياق الشرط، فتعم كل سوء، حتى الشرك. * ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ : يعني: بسفه، وليس المراد بها عدم العلم، والسفه عدم الحكمة؛ لأن كل من عصى الله فقد عصاه بجهالة وسفه وعدم حكمة. ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ : فيغفر ذنبه ويرحمه. ولم يختم الآية بهذا، إلا سينال التائب المغفرة والرحمة، هذا من رحمته التي كتبها على نفسه، وإلا لكان مقتضى العدل أن يؤاخذه على ذنبه، ويجزيه على عمله الصالح. فلو أن رجلًا أذنب خمسين يومًا، ثم تاب وأصلح خمسين يومًا، فالعدل أن نعذبه عن خمسين يومًا، ونجازيه بالثواب عن خمسين يومًا، لكن الله كتب على نفسه الرحمة، فكل الخمسين يومًا التي ذهبت من السوء تمحى وتزول بساعة، وزد على ذلك: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ؛السيئات الماضية تكون حسنات؛ لأن كل حسنة عنها توبة، وكل توبة فيها أجر. فظهر بهذا أثر قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ . وفي الآية من صفات الله: الربوبية، والإيجاب، والرحمة. (١) الآية السادسة: قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] . * الله هو الغفور الرحيم، جمع بين هذين الاسمين؛ لأن بالمغفرة سقوط عقوبة الذنوب، وبالرحمة حصول المطلوب، والإنسان مفقتر إلى هذا وهذا، ومفتقر إلى مغفرة ينجو بها من آثامه، ومفتقر إلى رحمة يسعد بها بحصول مطلوبة.

стр. 2356

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١) .......................................... ــ فـ ﴿الْغَفُورُ﴾ : صيغة مبالغة مأخوذة من الغفر، وهو الستر مع الوقاية؛ لأنه مأخوذ من المغفر، والمغفر شيء يوضع على الرأس في القتال يقي من السهام، وهذا المغفر تحصل به فائدتان هما: ستر الرأس،والوقاية. فـ ﴿الْغَفُورُ﴾ : الذي يستر ذنوب عباده ويقيهم آثامها بالعفو عنها. ويدل على هذا ما ثبت في الصحيح: «أن الله يخلو يوم القيامة بعبده، ويقرره بذنوبه، يقول: عملت كذا، وعملت كذا.. حتى يقر، فيقول الله له: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» . (١) *أما ﴿الرَّحِيمُ﴾ :فهو ذو الرحمة الشاملة.وسبق الكلام في ذلك. (١) الآية السابعة: قوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] ، قالها عن يعقوب حين أرسل مع أبنائه أخا يوسف الشقيق؛ لأن يوسف ﵊ قال: لا كيل لكم إذا رجعتم، إلا إذا أتيتم بأخيكم، فبلغوا والدهم هذه الرسالة، ومن أجل الحاجة أرسله معهم، وقال لهم عند وداعه: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] يعني: لن تحفظوه، لكن الله هو الذي يحفظه. * ﴿خَيْرٌ حَافِظًا﴾ : حَافِظًا: قال العلماء: إنها تمييز، كقول

стр. 2357

العرب: لله دره فارسًا. وقيل: إنها حال من فاعل ﴿خَيْرٌ﴾ في قوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ ، أي: حال كونه حافظًا. الشاهد من الآية هنا قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ، حيث أثبت الله الرحمة، بل بين أنه أرحم الراحمين، لو جمعت رحمة الخلق كلهم، بل رحمات الخلق كلهم، لكانت رحمة الله أشد وأعظم. أرحم ما يكون من الخلق بالخلق رحمة الأم ولدها، فإن رحمة الأم ولدها لا يساويها شيء من رحمة الناس أبدًا، حتى الأب لا يرحم أولاده مثل أمهم في الغالب. «جاءت امرأة في السبي تطلب ولدها وتبحث عنه، فلما رأته، أخذته بشفقة وضمته إلى صدرها أمام الناس وأمام الرسول ﵊، فقال النبي ﷺ : "أترون أن هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ ". قالوا: لا والله يا رسول الله. قال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها» . (١) ﷻ ، عز ملكه وسلطانه. كل الراحمين إذا جمعت رحماتهم كلهم، فليست بشيء عند رحمة الله. ويدلك على هذا أن الله خلق مئة رحمة، وضع منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلائق في الدنيا. (٢)

стр. 2358

كل الخلائق تتراحم، البهائم والعقلاء؛ ولهذا تجد البعير الجموح الرموح ترفع رجلها عن ولدها مخافة أن تصيبه عندما يرضع،حتى يرضع بسهولة ويسر، وكذلك تجد السباع الشرسة تجدها تحن على ولدها وإذا جاءها أحد في جحرها مع أولادها، ترمي نفسها عليه، فتدافع عنهم، حتى ترده عن أولادها. وقد دل على ثبوت رحمة الله تعالى: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل: فأما الكتاب، فجاء به إثبات الرحمة على وجوه متنوعة: تارة بالاسم، كقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] وتارة بالصفة، كقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] وتارة بالفعل، كقوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] وتارة باسم التفضيل، كقوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] . وبمثل هذه الوجوه جاءت السنة. وأما الأدلة العقلية على ثبوت الرحمة لله تعالى، فمنها ما نرى من الخيرات الكثيرة التي تحصل بأمر الله ، ومنها ما نرى من النقم الكثيرة التي تندفع بأمر الله، كله دال على إثبات الرحمة عقلًا. فالناس في جدب وفي قحط، الأرض مجدبة، والسماء قاحطة، لا مطر، ولا نبات، فينزل الله المطر، وتنبت الأرض، وتشبع الأنعام، ويسقي الناس.. حتى العامي الذي لم يدرس، لو سألته وقلت: هذا من أي شيء؟ فسيقول: هذا من رحمة الله،ولا يشك أحد في هذا أبدًا.

стр. 2359

فرحمة الله ثابتة بالدليل السمعي والدليل العقلي. وأنكر الأشاعرة وغيرهم من أهل التعطيل أن يكون الله تعالى متصفًا بالرحمة، قالوا: لأن العقل لم يدل عليها. وثانيًا: لأن الرحمة رقة وضعف وتطامن للمرحوم، وهذا لا يليق بالله ؛ لأن الله أعظم من أن يرحم بالمعنى الذي هو الرحمة، ولا يمكن أن يكون لله رحمة!! وقالوا: المراد بالرحمة: إرادة الإحسان، أو: الإحسان نفسه، أي: إما النعم، أو إرادة النعم. فتأمل الآن كيف سلبوا هذه الصفة العظيمة التي كل مؤمن يرجوها ويؤملها، كل إنسان لو سألته: ماذا تريد؟ قال: أريد رحمة الله ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] . أنكروا هذا، قالوا: لا يمكن أن يوصف الله بالرحمة!! ونحن نرد عليهم قولهم من وجهين: بالتسليم، والمنع: التسليم أن نقول: هب أن العقل لا يدل عليها، ولكن السمع دل عليها، فثبتت بدليل آخر، والقاعدة العامة عند جميع العقلاء: أن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول؛ لأنه قد يثبت بدليل آخر. فهب أن الرحمة لم تثبت بالعقل، لكن ثبتت بالسمع، وكم من أشياء ثبتت بأدلة كثيرة. أما المنع، فنقول: إن قولكم: إن العقل لا يدل على الرحمة: قول باطل، بل العقل يدل على الرحمة، فهذه النعم المشهودة والمسموعة، وهذه النقم المدفوعة، ما سببها؟ إن سببها الرحمة بلا شك، ولو كان الله لا

стр. 2360

يرحم العباد، ما أعطاهم النعم، ولا دفع عنهم النقم! وهذا أمر مشهود، يشهد به الخاص والعام، العامي في دكانه أو سوقه يعرف أن هذه النعم من آثار الرحمة. والعجيب أن هؤلاء القوم أثبتوا صفة الإرادة عن طريق التخصيص، قالوا: الإرادة ثابتة لله تعالى بالسمع والعقل: بالسمع: واضح. وبالعقل: لأن التخصيص يدل على الإرادة، ومعنى التخصيص يعني تخصيص المخلوقات بما هي عليه يدل على الإرادة، كون هذه السماء سماء، وهذه الأرض أرضًا، وهذه النجوم وهذه الشمس ... هذه مختلفة بسبب الإرادة، أراد الله أن تكون السماء سماء، فكانت، وأن تكون الأرض أرضًا، فكانت، والنجم نجمًا، فكان.... وهكذا. قالوا: فالتخصيص يدل على الإرادة؛ لأنه لولا الإرادة لكان الكل شيئًا واحدًا! نقول لهم: يا سبحان الله العظيم! هذا الدليل على الإرادة بالنسبة لدلالة النعم على الرحمة أضعف وأخفى من دلالة النعم على الرحمة؛ لأن دلالة النعم على الرحمة يستوي في علمها العام والخاص، ودلالة التخصيص على الإرادة لا يعرفها إلا الخاص من طلبة العلم، فكيف تنكرون ما هو أجلى وتثبتون ما هو أخفى؟! وهل هذا إلا تناقض منكم؟! ما نستفيده من الناحية المسلكية في هذه الآيات: الأمر المسلكي: هو أن الإنسان ما دام يعرف أن الله تعالى رحيم، فسوف يتعلق برحمة الله، ويكون منتظرًا لها، فيحمله هذا الاعتقاد على

стр. 2361

وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١) .......................................... ــ فعل كل سبب يوصل إلى الرحمة؛ مثل: الإحسان، قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] والتقوى، قال تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ،والإيمان، فإنه من أسباب رحمة الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وكلما كان الإيمان أقوى، كانت الرحمة إلى صاحبه أقرب بإذن الله . صفة الرضى هذه من آيات الرضى، فالله موصوف بالرضى، وهو يرضى عن العمل، ويرضى عن العامل. يعني: أن رضى الله متعلق بالعمل وبالعامل. أما بالعمل، فمثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] أي: يرض الشكر لكم. وكما في قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وكما في الحديث الصحيح: "إن «الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا» ... ". فهذا الرضى متعلق بالعمل. ويتعلق الرضى أيضًا بالعامل، مثل هذه الآية التي ساقها المؤلف: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] . فرضى الله صفة ثابتة لله ، وهي في نفسه، وليست شيئًا منفصلًا عنه كما يدعيه أهل التعطيل.

стр. 2362

ولو قال لك قائل: فسر لي الرضى. لم تتمكن من تفسيره؛ لأن الرضى صفة في الإنسان غريزية، والغرائز لا يمكن لإنسان أن يفسرها بأجلى وأوضح من لفظها. فنقول: الرضى صفة في الله ، وهي صفة حقيقية، متعلقة بمشيئته، فهي من الصفات الفعلية، يرضى عن المؤمنين،وعن المتقين،وعن المقسطين وعن الشاكرين، ولا يرضى عن القوم الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يرضى عن المنافقين، فهو يرضى عن أناس ولا يرضى عن أناس، ويرضى أعمالًا ويكره أعمالًا. ووصف الله تعالى بالرضى ثابت بالدليل السمعي، كما سبق، وبالدليل العقلي، فإن كونه يثيب الطائعين ويجزيهم على أعمالهم وطاعاتهم يدل على الرضى. فإن قلت: استدلالك بالمثوبة على رضى الله قد ينازع فيه؛ لأن الله سبحانه قد يعطي الفاسق من النعم أكثر مما يعطي الشاكر. وهذا إيراد قوي. ولكن الجواب عنه أن يقال: إعطاؤه الفاسق المقيم على معصيته استدراج، وليس عن رضى: كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢-١٨٣] . وقال النبي ﷺ : «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه، لم يفلته» ، وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾

стр. 2363

وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ (١) ................................................................................... ــ [هود: ١٠٢] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤-٤٥] . أما إذا جاءت المثوبة والإنسان مقيم على طاعة الله، فإننا نعرف أن ذلك صادر عن رضى الله عنه. آيات صفات الغضب والسخط والكراهية والبغض ذكر المؤلف ﵀ -في هذه الصفات خمس آيات: الآية الأولى: قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] . * ﴿وَمَنْ﴾ : شرطية. و (من) الشرطية تفيد العموم. ﴿مُؤْمِنًا﴾ : هو من آمن بالله ورسوله، فخرج به الكافر والمنافق. لكن من قتل كافرًا له عهد أو ذمة أو أمان، فهو آثم، لكن لا يستحق الوعيد المذكور في الآية. وأما المنافق فهو معصوم الدم ظاهرًا، ما لم يعلن بنفاقه. وقوله ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ : يدل على إخراج الصغير وغير العاقل؛ لأن

стр. 2364

هؤلاء ليس لهم قصد معتبر ولا عمد، وعلى إخراج المخطئ، وقد سبق بيانه في الآية التي قبلها. فالذي يقتل مؤمنًا متعمدًا جزاؤه هذا الجزاء العظيم. ﴿جَهَنَّمُ﴾ : اسم من أسماء النار. ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ ، أي: ماكثًا فيها. ( ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ : الغضب صفة ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق به، وهي من صفاته الفعلية. ﴿وَلَعَنَهُ﴾ : اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله. فهذه أربعة أنواع من العقوبة، والخامس قوله: ( ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ . خمس عقوبات، واحدة منها كافية في الردع والزجر لمن كان له قلب. ولكن يشكل على منهج أهل السنة ذكر الخلود في النار، حيث رتب على القتل، والقتل ليس بكفر، ولا خلود في النار عند أهل السنة إلا بالكفر. وأجيب عن ذلك بعدة أوجه: الوجه الأول: أن هذه في الكافر إذا قتل المؤمن. لكن هذا القول ليس بشيء؛ لأن الكافر جزاؤه جهنم خالدًا فيها وإن لم يقتل المؤمن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤-٦٥] .

стр. 2365

الوجه الثاني: أن هذا فيمن استحل القتل؛ لأن الذي يستحل قتل المؤمن كافر. وعجب الإمام أحمد من هذا الجواب، قال: كيف هذا؟! إذا استحل قتله فهو كافر وإن لم يقتله، وهو مخلد في النار وإن لم يقتله. ولا يستقيم هذا الجواب أيضًا. الوجه الثالث: أن هذه الجملة على تقدير شرط، أي: فجزاؤه جهنم خالدًا فيها إن جازاه. وفي هذا نظر، أي فائدة في قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ، ما دام المعنى إن جازاه فنحن الآن نسأل: إذا جازاه، فهل هذا جزاؤه؟ فإذا قيل: نعم، فمعناه أنه صار خالدًا في النار، فتعود المشكلة مرة أخرى، ولا نتخلص. فهذه ثلاثة أجوبة لا تسلم من الاعتراض. الوجه الرابع: أن هذا سبب، ولكن إذا وجد مانع لم ينفذ السبب، كما نقول: القرابة سبب للإرث، فإذا كان القريب رقيقًا، لم يرث؛ لوجود المانع وهو الرق. ولكن يرد علينا الإشكال من وجه آخر، وهو: ما الفائدة من هذا الوعيد؟ فنقول: الفائدة أن الإنسان الذي يقتل مؤمنًا متعمدًا قد فعل السبب الذي يخلد به في النار، وحينئذ يكون وجود المانع محتملًا، قد يوجد،

стр. 2366

وقد لا يوجد، فهو على خطر جدًا؛ ولهذا قال النبي- ﷺ : «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» . فإذا أصاب دمًا حرامًا -والعياذ بالله- فإنه قد يضيق بدينه حتى يخرج منه. وعلى هذا، فيكون الوعيد هنا باعتبار المال؛ لأنه يخشى أن يكون هذا القتل سببًا لكفره، وحينئذ يموت على الكفر، فيخلد. فيكون في هذه الآية على هذا التقدير ذكر سبب السبب، فالقتل عمدًا سبب لأن يموت الإنسان على الكفر، والكفر سبب للتخليد في النار. وأظن هذا إذا تأمله الإنسان يجد أنه ليس فيه إشكال. الوجه الخامس: أن المراد بالخلود المكث الطويل، وليس المراد به المكث الدائم؛ لأن اللغة العربية يطلق فيها الخلود على المكث الطويل كما يقال: فلان خالد في الحبس، والحبس ليس بدائم. ويقولون: فلان خالد خلود الجبال، ومعلوم أن الجبال ينسفها ربي نسفًا فيذرها قاعًا صفصفًا. وهذا أيضًا جواب سهل لا يحتاج إلى تعب، فنقول: إن الله لم يذكر التأبيد، لم يقل: خالدًا فيها أبدًا بل قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ ، والمعنى: أنه ماكث مكثًا طويلًا. الوجه السادس: أن يقال: إن هذا من باب الوعيد، والوعيد يجوز إخلافه؛ لأنه انتقال من العدل إلى الكرم، والانتقال من العدل إلى الكرم كرم وثناء،وأنشدوا عليه قول الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

стр. 2367

أوعدته بالعقوبة ووعدته بالثواب، لمخلف إيعادي ومنجز موعدي. وأنت إذا قلت لابنك: والله، إن ذهبت إلى السوق، لأضربنك بهذا العصا. ثم ذهب إلى السوق، فلما رجع، ضربته بيدك، فهذا العقاب أهون على ابنك، فإذا توعد الله القاتل بهذا الوعيد، ثم عفا عنه، فهذا كرم. ولكن هذا في الحقيقة فيه شيء من النظر؛ لأننا نقول: إن نفذ الوعيد، فالإشكال باق، وإن لم ينفذ، فلا فائدة منه. هذه ستة أوجه في الجواب عن الآية، وأقربها الخامس، ثم الرابع. مسألة: إذا تاب القاتل، هل يستحق الوعيد؟ الجواب: لا يستحق الوعيد بنص القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠] وهذا واضح، أن من تاب - حتى من القتل، فإن الله تعالى يبدل سيئاته حسنات. والحديث الصحيح في «قصة الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا، فألقى الله في نفسه التوبة، فجاء إلى عابد، فقال له: إنه قتل تسعًا وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فالعابد استعظم الأمر وقال: ليس لك توبة! فقتله، فأتم به المائة. فدل على عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟!»

стр. 2368

«ولكن هذه القرية ظالم أهلها، فاذهب إلى القرية الفلانية، فيها أهل خير وصلاة، فسافر الرجل، وهاجر من بلده إلى بلد الخير والصلاح، فوافته المنية في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، حتى أنزل الله بينهم حكمًا، وقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فكان أقرب إلى أهل القرية الصالحة فقبضته ملائكة الرحمة» . فانظر كيف كان من بني إسرائيل فقبلت توبته، مع أن الله جعل عليهم آصارًا وأغلالًا، وهذه الأمة رفع عنها الآصار والأغلال، فالتوبة في حقها أسهل، فإذا كان هذا في بني إسرائيل، فكيف بهذه الأمة؟! فإن قلت: ماذا تقول فيما صح عن ابن عباس ﵄: أن القاتل ليس له توبة؟! فالجواب: من أحد الوجهين: إما أن ابن عباس ﵄ استبعد أن يكون للقاتل عمدًا توبة، ورأى أنه لا يوفق للتوبة، وإذا لم يوفق للتوبة، فإنه لا يسقط عنه الإثم، بل يؤاخذ به. وإما أن يقال: إن مراد ابن عباس ﵄: أن لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول؛ لأن القاتل عمدًا يتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله، وحق المقتول، والثالث لأولياء المقتول.

стр. 2369

وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (١) ........................ ــ أ-أما حق الله، فلا شك أن التوبة ترفع؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] ،وهذه في التائبين. ب- وأما حق أولياء المقتول، فيسقط إذا سلم الإنسان نفسه لهم، أتى إليهم وقال: أنا قتلت صاحبكم، واصنعوا ما شئتم فهم إما أن يقتصوا، أو يأخذوا الدية، أو يعفوا، والحق لهم. جـ- وأما حق المقتول، فلا سبيل إلى التخلص منه في الدنيا. وعلى هذا يحمل قول ابن عباس أنه لا توبة له، أي: بالنسبة لحق المقتول. على أن الذي يظهر لي أنه إذا تاب توبة نصوحًا، فإنه حتى حق المقتول يسقط، لا إهدارًا لحقه، ولكن الله بفضله يتحمل عن القاتل، ويعطي المقتول رفعة درجات في الجنة أو عفوًا عن السيئات؛ لأن التوبة الخالصة لا تبقي شيئًا، ويؤيد هذا عموم آية الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] . وفي هذه الآية من صفات الله: الغضب، واللعن،وإعداد العذاب. وفيها من الناحية المسلكية التحذير من قتل المؤمن عمدًا. (١) * الآية الثانية: قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] .

стр. 2370

وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (١) ................................................ ــ ﴿ذَلِكَ﴾ : المشار إليه ما سبق، والذي سبق هو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧-٢٨] يعني: فكيف تكون حالهم في تلك اللحظات إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت؟ ! ﴿ذَلِكَ﴾ ، أي: ضرب الوجوه والأدبار. ﴿بِأَنَّهُمُ﴾ ، أي: بسبب، فالباء للسببية. ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ ، أي: الذي أسخط الله، فصاروا يفعلون كل ما به سخط الله من عقيدة أو قول أو فعل. أما ما فيه رضي الله، فحالهم فيه قوله: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ ، أي كرهوا ما فيه رضاه، فصارت عاقبتهم تلك العاقبة الوخيمة، أنهم عند الوفاة تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم. وفي هذه الآية من صفات الله: إثبات السخط والرضى. وسبق الكلام على صفة الرضى، وأما السخط، فمعناه قريب من معنى الغضب. (١) الآية الثالثة: قوله: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥] . ﴿آسَفُونَا﴾ ، يعني: أعضبونا وأسخطونا. ﴿فَلَمَّا﴾ : هنا شرطية، فعل الشرط فيها: ﴿آسَفُونَا﴾ ، وجوابه:

стр. 2371

﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ . ففيها رد على من فسروا السخط والغضب بالانتقام؛ لأن أهل التعطيل من الأشعرية وغيرهم يقولون: إن المراد بالسخط والغضب:الانتقام، أو إرادة الانتقام، ولا يفسرون السخط والغضب بصفة من صفات الله يتصف بها هو نفسه، فيقولون: غضبه، أي انتقامه، أو إرادة انتقامه، فهم إما أن يفسروا الغضب بالمفعول المنفصل عن الله وهو الانتقام، أو بالإرادة؛ لأنهم يقرون بها، ولا يفسرونه بأنه صفة ثابتة لله على وجه الحقيقة تليق به. ونحن نقول لهم: بل السخط والغضب غير الانتقام، والانتقام نتيجة الغضب والسخط، كما نقول: إن الثواب نتيجة الرضى، فالله يسخط على هؤلاء القوم ويغضب عليهم ثم ينتقم منهم. وإذا قالوا: إن العقل يمنع ثبوت السخط والغضب لله . فإننا نجيبهم بما سبق في صفة الرضى؛ لأن الباب واحد. ونقول: بل العقل يدل على السخط والغضب، فإن الانتقام من المجرمين وتعذيب الكافرين دليل على السخط والغضب، وليس دليلًا على الرضى، ولا على انتفاء الغضب والسخط. ونقول: هذه الآية: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] ترد عليكم؛ لأنه جعل الانتقام غير الغضب؛ لأن الشرط غير المشروط. مسألة: بقي أن يقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ : نحن نعرف أن الأسف هو الحزن

стр. 2372

وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ (١) .................................... ــ والندم على شيء مضى على النادم لا يستطيع رفعه، فهل يوصف الله بالحزن والندم؟ الجواب: لا، ونجيب عن الآية بأن الأسف في اللغة له معنيان: المعنى الأول: الأسف بمعنى الحزن، مثل قول الله تعالى عن يعقوب: ( ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] . الثاني: الأسف بمعنى الغضب، فيقال: أسف عليه يأسف، بمعنى: غضب عليه. والمعنى الأول: ممتنع بالنسبة لله . والثاني: مثبت لله؛ لأن الله تعالى وصف به نفسه، فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ . وفي الآية من صفات الله: الغضب، والانتقام. ومن الناحية المسلكية: التحذير مما يغضب الله تعالى. (١) الآية الرابعة: قوله: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾ [التوبة: ٤٦] . يعني بذلك المنافقين الذين لم يخرجوا مع النبي ﷺ -في الغزوات؛ لأن الله تعالى كره انبعاثهم؛ لأن عملهم غير خالص له، والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك؛ ولأنهم إذا خرجوا، كانوا كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] ، وإذا كانوا غير مخلصين، وكانوا مفسدين، فإن الله يكره الفساد ويكره الشرك: فـ ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ ، يعني: جعل هممهم فاترة عن الخروج للجهاد.

стр. 2373

﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] قيل: يحتمل أن الله قال ذلك كونًا. ويحتمل أن بعضهم يقول لبعض: اقعد مع القاعدين، ففلان لم يخرج، وفلان لم يخرج، ممن عذرهم الله ، كالمريض والأعمى والأعرج، ويقولون: إذا قدم النبي ﷺ اعتذرنا إليه واستغفر لنا وكفانا. ويمكن أن نجمع بين القولين؛ لأنه إذا قيل لهم ذلك، وقعدوا، فهم ما قعدوا إلا يقول الله . وفي الآية هنا إثبات أن الله يكره، وهذا أيضًا ثابت في الكتاب والسنة: قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ .....) إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٣٨] . وكما في هذه الآية التي ذكرها المؤلف: ( ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] . وقال النبي- ﷺ : «إن الله كره لكم قيل وقال» . فالكراهة ثابتة بالكتاب والسنة، أن الله تعالى يكره. وكراهة الله للشيء تكون للعمل، كما في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] ،وكما في قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] .

стр. 2374

وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) ............................ ــ وتكون أيضًا للعامل، كما جاء في الحديث: «إن الله تعالى إذا أبغض عبدًا، نادى جبريل إني أبغض فلانًا، فأبغضه» . الآية الخامسة: قوله: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٣] . * ﴿كَبُرَ﴾ بمعنى: عظم. * ( ﴿مَقْتًا﴾ : تمييز محول عن الفاعل، والمقت أشد البغض، وفاعل ﴿كَبُرَ﴾ بعد أن حول الفاعل إلى تمييز: (أن) وما دخلت عليه في قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . وهذه الآية تعليل للآية التي قبلها وبيان لعاقبتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣] فإن هذا من أكبر الأمور أن يقول الإنسان ما لا يفعل. ووجه ذلك أن يقال: إذا كنت تقول الشيء ولا تفعله، فأنت بين أمرين: إما كاذب فيما نقول، ولكن تخوف الناس فنقول لهم الشيء وليس بحقيقة. وإما أنك مستكبر عما تقول، تأمر الناس به ولا تفعله، وتنهى الناس عنه وتفعله. وفي الآية من الصفات: المقت، وأنه يتفاوت. ومن الناحية المسلكية: التحذير من أن يقول الإنسان ما لا يفعل.

стр. 2375

قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (١) ................... ــ آيات صفة المجيء والإتيان ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- ل إثبات صفة المجيء والإتيان آيات أربع: الآية الأولى: قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] . * قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ) : (هَلْ﴾ : استفهام بمعنى النفي، يعني: ما ينظرون، وكلما وجدت (إلا) بعد الاستفهام، فالاستفهام يكون للنفي، هذه قاعدة، قال النبي ﵊: «هل أنت إلا أصبع دميت» ، أي: ما أنت. *ومعنى: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ هنا: ينتظرون؛ لأنها لم تتعد بـ (إلى) ، فلو تعدت بـ (إلى) لكان معناها النظر بالعين غالبًا، أما إذا تعدت بنفسها، فهي بمعنى: ينتظرون. أي: ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وذلك يوم القيامة. * ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ : و ﴿فِي﴾ : هنا بمعنى (مع) ، فهي للمصاحبة، وليس للظرفية قطعًا؛ لأنها لو كانت للظرفية لكانت الظلل محيطة بالله، ومعلوم أن الله تعالى واسع عليم، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته.

стр. 2376

وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (١) .................... ــ * فـ ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ ، أي: مع الظلل، فإن الله عند نزوله جل وعلا للفصل بين عباده ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ : غمام أبيض، ظلل عظيمة، لمجيء الله ﵎. * وقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الغمام، قال العلماء: إنه السحاب الأبيض، كما قال تعالى ممتنًا على بني إسرائيل: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧] والسحاب الأبيض يبقي الجوز مستنيرًا، بخلاف الأسود والأحمر، فإنه تحصل به الظلمة، وهو أجمل منظرًا. * وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ : الملائكة -بالرفع- معطوف على لفظ الجلالة الله، يعني: أو تأتيهم الملائكة، وسبق بيان اشتقاق هذه الكلمة، ومن هم الملائكة. والملائكة تأتي يوم القيامة؛ لأنها تنزل في الأرض، ينزل أهل السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة،وهكذا ... إلى السابعة، يحيطون بالناس. وهذا تحذير من هذا اليوم الذي يأتي على هذا الوجه، فهو مشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة، يحذر الله به هؤلاء المكذبين. (١) الآية الثانية: قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] . * نقول في ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما قلناه في الآية السابقة، أي: ما ينتظر هؤلاء إلا واحدة من هذه الأحوال: أولًا: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، أي: لقبض أرواحهم، قال الله

стр. 2377

﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١) ................ ــ تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] . ثانيًا: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يوم القيامة للقضاء بينهم. ثالثا: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ : وهذه طلوع الشمس من مغربها، فسرها بذلك النبي ﷺ . وإنما ذكر الله هذه الأحوال الثلاث: لأن الملائكة إذا نزلت لقبض أرواحهم، لا تقبل منهم التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [الإنسان: ١٨] . وكذلك أيضًا إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن التوبة لا تقبل، وحينئذ لا يستطيعون خلاصًا مما هم عليه. وذكر الحالة الثالثة بين الحالين؛ لأنه وقت الجزاء وثمرة العمل، فلا يستطيعون التخلص في تلك الحال مما عملوه. والغرض من هذه الآية والتي قبلها تحذير هؤلاء المكذبين من أن يفوتهم الأوان ثم لا يستطيعون الخلاص من أعمالهم. (١) الآية الثالثة: قوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١-٢٢] . * ﴿كَلَّا﴾ هنا للتنبيه، مثل (ألا) .

стр. 2378

﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ (١) .............................. ــ * وقوله: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ : هذا يوم القيامة. وأكد هذا الدك؛لعظمته، لأنها تدك الجبال والشعاب وكل شيء يدك، حتى تكون الأرض كالأديم، والأديم هو الجلد، قال الله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٦-١٠٧] . ويحتمل أن يكون تكرار الدك تأسيسًا لا تأكيدًا، ويكون المعنى: دكًا بعد دك. * قال ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) : (وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ، يعني: يوم القيامة، بعد أن تدك الأرض وتسوى ويحشر الناس يأتي الله للقضاء بين عباده. * وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ : (الـ) هنا للعموم، يعني: وكل ملك، يعني: الملائكة ينزلون في الأرض. * ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ ، أي: صفًا من وراء صف، كما جاء في الأثر: «تنزل ملائكة السماء الدنيا فيصفون، ومن ورائهم ملائكة السماء الثانية، ومن ورائهم ملائكة السماء الثالثة» (١) هكذا. (١) الآية الرابعة: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] . * يعني: اذكر يوم تشقق السماء بالغمام. * و ﴿تَشَقَّقُ﴾ : أبلغ من تنشق؛ لأن ظاهرها تشقق شيئًا فشيئًا،

стр. 2379

ويخرج هذا الغمام، يثور ثوران الدخان، ينبعث شيئًا فشيئًا. تشقق السماء بالغمام، مثل ما يقال: تشقق الأرض بالنبات، يعني: يخرج الغمام من السماء ويثور متتابعًا، وذلك لمجيء الله للفصل بين عباده، فهو يوم رهيب عظيم. * قوله: ( ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ : ينزلون من السماوات شيئًا فشيئًا، تنزل ملائكة السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة ... وهكذا. وهذه الآية في سياقها ليس فيها ذكر مجيء الله، لكن فيها الإشارة إلى ذلك؛ لأن تشقق السماء بالغمام إنما يكون لمجيء الله تعالى، بدليل الآيات السابقة. هذه أربع آيات ساقها المؤلف لإثبات صفة من صفات الله، وهي: المجيء والإتيان. وأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله يأتي بنفسه هو؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك عن نفسه، وهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره،وأصدق قيلًا من غيره،وأحسن حديثًا، فكلامه مشتمل على أكمل العلم والصدق والبيان والإرادة، فالله يريد أن يبين لنا الحق وهو أعلم وأصدق وأحسن حديثًا. لكن يبقى السؤال: هل نعلم كيفية هذا المجيء؟ الجواب: لا نعلمه؛ لأن الله أخبرنا أنه يجيء، ولم يخبرنا كيف يجيء؛ ولأن الكيفية لا تعلم إلا بالمشاهدة أو مشاهدة النظير أو الخبر الصادق عنها، وكل هذا لا يوجد في صفات الله تعالى؛ ولأنه إذا

стр. 2380

جهلت الذات، جهلت الصفات، أي: كيفيتها، فالذات موجودة وحقيقية،ونعرفها،ونعرف ما معنى الذات، وما معنى الذات،وما معنى النفس، وكذلك نعرف ما معنى المجيء، لكن كيفية الذات أو النفس وكيفية المجيء غير معلوم لنا. فنؤمن بأن الله يأتي حقيقة وعلى كيفية تليق به مجهولة لنا. مخالفو أهل السنة والجماعة والرد عليهم: وخالف أهل السنة والجماعة في هذه الصفة أهل التحريف والتعطيل، فقالوا: إن الله لا يأتي؛ لأنك إذا أثبت أن الله يأتي، ثبت أنه جسم، والأجسام متماثلة. فنقول: هذه دعوى وقياس باطل؛ لأنه في مقابلة النص، وكل شيء يعود إلى النص بالإبطال، فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] . فإذا قلت: إن هذا الذي عاد النص بالإبطال هو الحق، صار النص باطلًا ولا بد، وبطلان النص مستحيل. وإن قلت: إن النص هو الحق، صار هذا باطلًا ولا بد. ثم نقول: ما المانع من أن يأتي الله تعالى بنفسه على الكيفية التي يريدها؟ يقولون: المانع أنك إذا أثبت ذلك، فأنت ممثل. نقول: هذا خطأ؛ فإننا نعلم أن المجيء والإتيان يختلف حتى بالنسبة للمخلوق، فالإنسان النشيط الذي يأتي كأنما ينحدر من مرتفع من نشاطه، لكنه لا يمشي مرحًا وإن شئت فقل: إنه يمش مرحًا: هل هذا كالإنسان الذي يمشي على عصا ولا ينقل رجلًا من مكانها إلا بعد تعب.

стр. 2381

والإتيان يختلف من وجه آخر، فإتيان إنسان مثلًا من كبراء البلد أو من ولاة الأمور ليس كإتيان شخص لا يحتفى به. ماذا يقول المعطل في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ونحوها؟ الجواب: يقول: المعنى: جاء أمر ربك، وأتى أمر ربك؟ لأن الله تعالى قال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] فيجب أن نفسر كل إتيان أضافه الله إلى نفسه بهذه الآية، ونقول: المراد: أتى أمر الله. فيقال: إن هذا الدليل الذي استدللت به هو دليل عليك وليس لك،لو كان الله تعالى يريد إتيان أمره في الآيات الأخرى، فما الذي يمنعه أن يقول: أمره؟ فلما أراد الأمر، عبر بالأمر، ولما لم يرده، لم يعبر به. وهذا في الواقع دليل عليك؛ لأن الآيات الأخرى ليس فيها إجمال حتى نقول: إنها بينت بهذه الآية. فالآيات الأخرى واضحة، وفي بعضها تقسيم يمنع إرادة مجيء الأمر: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] ، هل يستقيم لشخص أن يقول: ﴿يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أي: أمره في مثل هذا التقسيم؟ فإذا قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] . فالجواب: أن المراد بذلك إتيان الفتح أو الأمر، لكن أضاف الله الإتيان به إلى نفسه؛ لأنه من عنده، وهذا أسلوب معروف في اللغة العربية، فالإتيان إذا قيد بحرف جر مثلًا، فالمراد به ذلك المجرور، وإذا أطلق وأضيف إلى الله بدون قيد، فالمراد به إتيان الله حقيقة.

стр. 2382

وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (١) .............. ــ الآداب المسلكية المستفادة من الإيمان بصفة المجيء والإتيان لله تعالى: الثمرة هي الخوف من هذا المقام وهذا المشهد العظيم الذي يأتي فيه الرب للفصل بين عباده وتنزل الملائكة، ولا يبقى أمامك إلا الرب والمخلوقات كلها، فإن عملت خيرًا، جوزيت به، وإن عملت سوى ذلك، فإنك ستجزى به، كما قال النبي ﵊: «إن الإنسان يخلو به الله ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار، ولو بشق تمرة» . فالإيمان يمثل هذه الأشياء العظيمة لا شك أنه يولد للإنسان رهبة وخوفًا من الله واستقامة على دينه. صفة الوجه لله سبحانه. (١) ذكر المؤلف- ﵀ -ل إثبات صفة الوجه لله تعالى آيتين: الآية الأولى: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وهذه معطوفة على قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧] ، ولهذا قال بعض السلف: ينبغي إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ، أن تصلها بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، حتى يتبين نقص المخلوق وكمال الخالق، وذلك للتقابل، هذا فناء وهذا بقاء، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧] .

стр. 2383

* قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، أي: لا يفنى. والوجه: معناه معلوم، لكن كيفيته مجهولة، لا نعلم كيف وجه الله ، كسائر صفاته، لكننا نؤمن بأن له وجهًا موصوفًا بالجلال والإكرام، وموصوفًا بالبهاء والعظمة والنور العظيم، حتى قال النبي ﵊: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» . (سبحان وجهه) ، يعني: بهاءه وعظمته وجلاله ونوره. (ما انتهى إليه بصره من خلقه) : وبصره ينتهي إلى كل شيء، وعليه، فلو كشف هذا الحجاب - حجاب النور -عن وجهه لاحترق كل شيء. لهذا نقول: هذا الوجه وجه عظيم، لا يمكن أبدًا أن يماثل أوجه المخلوقات. وبناء على هذا نقول: من عقيدتنا أننا نثبت أن لله وجهًا حقيقة، ونأخذه من قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ، ونقول بأن هذا الوجه لا يماثل أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ونجهل كيفية هذا الوجه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] . فإن حاول أحد أن يتصور هذه الكيفية بقلبه أو أن يتحدث عنها بلسانه، قلنا: إنك مبتدع ضال، قائل على الله ما لا تعلم، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]

стр. 2384

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . وهنا قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، أضاف الربوبية إلى محمد ﷺ وهذه الربوبية أخص ما يكون من أنواع الربوبية؛ لأن الربوبية عامة وخاصة، والخاصة خاصة أخص، وخاص فوق ذلك، كربوبية الله تعالى لرسله، فالربوبية الأخص أفضل بلا شك. * وقوله: ﴿ذُو﴾ : صفة لوجه، والدليل الرفع، ولو كانت صفة للرب، لقال ذي الجلال كما قال في نفس السورة: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ،فلما قال: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ ، علمنا أنه وصف للوجه. * ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ : هي مصدر من أكرم، صالحة للمكرم والمكرم، فالله مكرم، وإكرامه تعالى القيام بطاعته، ومكرم لمن يستحق الإكرام من خلقه بما أعد لهم من الثواب. فهو لجلاله وكمال سلطانه وعظمته أهل؛ لأن يكرم ويثنى عليه وإكرام كل أحد بحسبه، فإكرام الله أن تقدره حق قدره، وأن تعظمه حق تعظيمه، لا لاحتياجه إلى إكرامك، ولكن ليمن عليك بالجزاء. الآية الثانية: قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .

стр. 2385

* قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ ، أي: فان، كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] . * وقوله: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ : توازي قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ . فالمعنى: كل شيء فان وزائل، إلا وجه الله ، فإنه باق، ولهذا قال: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] فهو الحكم الباقي الذي يرجع إليه الناس ليحكم بينهم. وقيل في معنى الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ، أي: إلا ما أريد به وجهه. قالوا: لأن سياق الآية يدل على ذلك: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] كأنه يقول: لا تدع مع الله إلهًا آخر فتشرك به؛ لأن عملك وإشراكك هالك، أي: ضائع سدى إلا ما أخلصته لوجه الله، فإنه يبقى؛ لأن العمل الصالح له ثواب باقى لا يفنى في جنات النعيم. ولكن المعنى الأول أسد وأقوى. وعلى طريقة من يقول بجواز استعمال المشترك في معنييه، نقول: يمكن أن نحمل الآية على المعنيين؛ إذ لا منافاة بينهما، فتحمل على هذا وهذا، فيقال: كل شيء يفنى إلا وجه الله ، وكل شيء من الأعمال يذهب هباء، إلا ما أريد به وجه الله. وعلى أي التقديرين، ففي الآية دليل على ثبوت الوجه لله . وهو من الصفات الذاتية الخبرية التي مسماها بالنسبة إلينا أبعاض
следующие страницы →