← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] قالوا: نعم، نحن نود هذا. فقالت: اتبعوني. فتبعوها، قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣] ولم يرضع من امرأة قط، مع أنه رضيع،لكن هذا من كمال قدرة الله وصدق وعده؛ لأن الله قال لها: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] . الأم شفقتها على ابنها لا أحد يتصورها، قيل لها: اجعلي ابنك في صندوق، وألقيه في البحر، وسيأتي إليك. لولا الإيمان الذي مع هذه المرأة، ما فعلت هذا الشيء،تلقي ابنها في البحر! لو أن ابنها سقط في تابوته في البحر لجرته،فكيف وهي التي تلقيه؟! لكن لثقتها بالرب ووعده ألقته في اليم. وقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ، بالإفراد، هل ينافي ما سبق من ذكرها بالجمع؟! الجواب: لا تنافي؛ وذلك لأن المفرد المضاف يعم فيشمل كل ما ثبت لله من عين، وحينئذ لا منافاة بين المفرد وبين الجمع أو التثنية. إذًا، يبقى النظر بين التثنية والجمع، فكيف نجمع بينهما؟! الجواب أن نقول: إن كان أقل الجمع اثنين، فلا منافاة؛ لأننا نقول: هذا الجمع دال على اثنتين، فلا ينافيه. وإن كان أقل الجمع ثلاثة، فإن هذا الجمع لا يراد به الثلاثة، وإنما يراد به التعظيم والتناسب بين ضمير الجمع وبين المضاف إليه. وقد فسر أهل التحريف والتعطيل العين بالرؤية بدون عين، وقالوا:

стр. 2417

وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١) ...................... ــ ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ : برؤية منا، ولكن لا عين، والعين لا يمكن أن تثبت لله أبدًا؛ لأن العين جزء من الجسم، فإذا أثبتنا العين لله أثبتنا تجزئة وجسمًا، وهذا شيء ممتنع، فلا يجوز، ولكنه ذكر العين من باب تأكيد الرؤية، يعني: كأنما نراك ولنا عين، والأمر ليس كذلك!! فنقول لهم: هذا القول خطأ من عدة أوجه: الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر اللفظ. الثاني: أنه مخالف لإجماع السلف. الثالث: أنه لا دليل عليه، أي: أن المراد بالعين مجرد الرؤية. الرابع: أننا إذا قلنا بأنها الرؤية، وأثبت الله لنفسه عينًا، فلازم ذلك أنه يرى بتلك العين، وحينئذ يكون في الآية دليل على أنها عين حقيقية. صفة السمع والبصر لله تعالى ذكر المؤلف ﵀ -في إثبات صفتي السمع والبصر آيات سبعًا: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] . * ﴿قَدْ﴾ : للتحقيق. والمجادلة: هي التي جاءت إلى النبي ﷺ -تشتكي زوجها حين ظاهر منها. والظهار: أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي. أو كلمة نحوها.

стр. 2418

وكان الظهار في الجاهلية طلاقًا بائنًا، فجاءت تشتكي إلى رسول الله ﷺ وتبين له كيف يطلقها هذا الرجل ذلك الطلاق البائن وهي أم أولاده، وكانت تحاور النبي ﷺ أي: تراجعه الكلام، فأفتاها الله بما أفتاها به في الآيات المذكورة. *والشاهد من هذه الآيات قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ ، ففي هذا إثبات السمع لله ، وأنه يسمع الأصوات مهما بعدت ومهما خفيت. قالت عائشة ﵂: "تبارك (أو قالت: الحمد لله) الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي ناحية البيت، وإني ليخفى على بعض حديثها".هذا معنى حديثها. والسمع المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: سمع يتعلق بالمسموعات، فيكون معناه إدراك الصوت. ٢ - وسمع بمعنى الاستجابة، فيكون معناه أن الله يجيب من دعاه؛ لأن الدعاء صوت ينطلق من الداعي، وسمع الله دعاءه يعني: استجاب دعاءه، وليس المراد سمعه مجرد سماع فقط؛ لأن هذا لا فائدة منه، بل الفائدة أن يستجيب الله الدعاء. فالسمع الذي بمعنى إدراك الصوت ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقصد به التأييد. والثاني: ما يقصد به التهديد. والثالث: ما يقصد به بيان إحاطة الله .

стр. 2419

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (١) ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٢) ............................. ــ ١ - أما ما يقصد به التهديد، فكقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] ،وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] . ٢ -وأما ما يقصد به التأييد، فكقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ، أراد الله أن يؤيد موسى وهارون بذكر كونه معهما يسمع ويرى، أي: يسمع ما يقولان وما يقال لهما ويراهما ومن أرسلا إليه، وما يفعلان، وما يفعل بهما. وأما ما يقصد به بيان الإحاطة، فمثل هذه الآية، وهي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] . (١) الآية الثانية: قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] . * ﴿لَقَدْ﴾ : جملة مؤكدة باللام، و (قد) ، والقسم المقدر، تقديره: والله، فهي مؤكدة بثلاث مؤكدات. والذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ : هم اليهود قاتلهم الله، فهم وصفوا الله بالعيب، قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ . وسبب قولهم هذا: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ،قالوا للرسول ﷺ : يا محمد، إن ربك افتقر، يسأل القرض منا. (٢) الآية الثالثة: قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] .

стр. 2420

وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١) .................. ــ * ﴿أَمْ﴾ في مثل هذا التركيب، يقولون: إنها متضمنة معنى (بل) ، والهمزة، يعني: بل أيحسبون، ففيها إضراب وفيها استفهام، أي: بل أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم. * والسر: ما يسره الإنسان إلى صاحبه. والنجوى: ما يناجي به صاحبه ويخاطبه، فهو أعلى من السر. والنداء: ما يرفع به صوته لصاحبه. فها هنا ثلاثة أشياء: سر ومناجاة ونداء. فمثلًا: إذا كان شخص إلى جانب: وساررته، أي: كلمته بكلام لا يسمعه غيره، نسمي هذا مسارة. وإذا كان الحديث بين القوم يسمعونه كلهم ويتجاذبونه، سمي مناجاة. وأما المناداة، فتكون من بعيد لبعيد. فهؤلاء يسرون ما يقولونه من المعاصي، ويتناجون بها، فيقول الله مهددًا إياهم: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ . * و ﴿بَلَى﴾ : حرف إيجاب، يعني: بلى نسمع، وزيادة على ذلك: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ، أي: عندهم يكتبون ما يسرون وما به يتناجون، والمراد بالرسل هنا الملائكة الموكلون بكتابة أعمال بني آدم، ففي هذه الآية إثبات أن الله تعالى يسمع سرهم ونجواهم. (١) الآية الرابعة: قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . * الخطاب لموسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام- يقول الله سبحانه

стр. 2421

وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (١) .............. ــ وتعالى لهما: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ، أي: أسمع ما تقولان، وأسمع ما يقال لكما، وأراكما، وأرى أن من أرسلتما إليه، وأرى ما تفعلان، وأرى ما يفعل بكما. لأنه إما أن يساء إليهما بالقول أو بالفعل، فإن كان بالقول فهو مسموع عند الله، وإن كان بالفعل، فهو مرئي عند الله. (١) الآية الخامسة: قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] . * الضمير في ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يعود إلى من يسيء إلى النبي ﷺ لقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ٩-١٤] ،وقد ذكر المفسرون أن المراد به أبو جهل (١) . وفي هذه الآية: إثبات صفة الرؤية لله . والرؤية المضافة إلى الله لها معنيان. المعنى الأول: العلم. المعنى الثاني: رؤية المبصرات، يعني: إدراكها بالبصر. فمن الأول: قوله تعالى عن القيامة: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] ،فالرؤية هنا رؤية العلم؛ لأن اليوم ليس جسمًا يرى، وأيضًا هو لم يكن بعد، فمعنى: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ ، أي: نعلمه قريبًا. *وأما قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ، فهي صالحة لأن تكون بمعنى العلم وبمعنى الرؤية البصرية، وإذا كانت صالحة لهما، ولا منافاة بينهما،

стр. 2422

﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) ............... ــ وجب أن تحمل عليهما جميعًا، فيقال: إن الله يرى، أي: يعلم ما يفعله هذا الرجل وما يقوله، ويراه أيضًا. (١) الآية السادسة: قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٨-٢٢٠] . * وقبل هذه الآية قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] . * والرؤية هنا رؤية البصر؛ لأن قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ لا تصح أن تكون بمعنى العلم؛ لأن الله يعلم به حين يقوم وقبل أن يقوم، وأيضًا لقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ وهو يؤيد أن المراد بالرؤية هنا رؤية البصر. * ومعنى الآية: أن الله تعالى يراه حين يقوم للصلاة وحده وحين يتقلب في الصلاة مع الساجدين في صلاة الجماعة. * ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) : (إِنَّهُ﴾ ، أي: الله الذي يراك حين تقوم: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . وفي الآية هنا ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾ ، من فوائده الحصر، فهل الحصر هنا حقيقي، بمعنى: أنه حصر لا يوجد شيء من المحصور في غير المحصور فيه، أو هو إضافي؟ الجواب: هو إضافي من وجه،حقيقي من وجه؛ لأن المراد بـ ﴿السَّمِيعُ﴾ هنا: ذو السمع الكامل المدرك لكل مسموع، وهذا هو الخاص بالله ، والحصر بهذا الاعتبار حقيقي، أما مطلق السمع فقد يكون من الإنسان، كما في قوله تعالى: ( ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] ،

стр. 2423

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ............................ ــ فجعل الله تعالى الإنسان سميعًا بصيرًا. وكذلك ﴿عَلِيمٍ﴾ ، فإن الإنسان عليم، كما قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ، لكن العلم المطلق - أي: الكامل - خاص بالله ، فالحصر بهذا الاعتبار حقيقي. وفي هذه الآية الجمع بين السمع والرؤية. الآية السابعة: قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] . * والذي قبل هذه الآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٣-١٠٤] . * في هذه الآية يقول: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ . قال ابن كثير وغيره: قال مجاهد: هذا وعيد - يعني من الله تعالى - للمخالفين أوامره، بأن أعمالهم ستعرض عليه وعلى الرسول والمؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، وقد يظهر ذلك للناس في الدنيا. والرؤية هنا شاملة للعلمية والبصرية. ففي الآية: إثبات الرؤية بمعنييها: الرؤية العلمية، والرؤية البصرية. وخلاصة ما سبق من صفتي السمع والرؤية: أن السمع ينقسم إلى قسمين:

стр. 2424

١ - سمع بمعنى الاستجابة. ٢ - وسمع بمعنى إدراك الصوت. وأن إدراك الصوت ثلاثة أقسام. وكذلك الرؤية تنقسم إلى قسمين: ١ - رؤية بمعنى العلم. ٢ - ورؤية بمعنى إدراك المبصرات. وكل ذلك ثابت لله . والرؤية التي بمعنى إدراك المبصرات ثلاثة أقسام: ١ - قسم يقصد به النصر والتأييد، كقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . ٢ - وقسم يقصد به الإحاطة والعلم، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [البقرة: ٢٧١] . ٣ - وقسم يقصد به التهديد، مثل قوله: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤] . ما نستفيده من الناحية المسلكية في الإيمان بصفتي السمع والرؤية: -أما الرؤية، فنستفيد من الإيمان بها الخوف والرجاء: الخوف عند المعصية؛ لأن الله يرانا، والرجاء عند الطاعة؛ لأن الله يرانا. ولا شك أنه سيثيبنا على هذا، فتتقوى عزائمنا بطاعة الله، وتضعف إرادتنا لمعصيته. - وأما السمع، فالأمر فيه ظاهر؛ لأن الإنسان إذا آمن بسمع الله، استلزم إيمانه كمال مراقبة الله تعالى فيما يقول خوفًا ورجاءً: خوفًا، فلا

стр. 2425

وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ ................ ــ يقول ما يسمع الله تعالى منه من السوء، ورجاء فيقول الكلام الذي يرضي الله . صفة المكر والكيد والمحال لله تعالى ذكر المؤلف- ﵀ -ثلاث صفات متقاربه في أربع آيات: المحال، والمكر، والكيد. الآية الأولى: في المحال، وهي قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [سورة الرعد: ١٣] . * أي: شديد الأخذ بالعقوبة. وقيل: إن المحال بمعنى المكر؛ أي: شديد المكر، وكأنه على هذا التفسير مأخوذ من الحيلة،وهي أن يتخيل بخصمه حتى يتوقع به. وهذا المعنى ظاهر صنيع المؤلف ﵀؛ لأنه ذكرها في سياق آيات المكر والكيد. والمكر؛ قال العلماء في تفسيره: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم؛ يعني: أن تفعل أسبابًا خفية فتوقع بخصمك وهو لا يحص ولا يدري، ولكنها بالنسبة لك معلومة مدبرة. والمكر يكون في موضع مدحًا ويكون في ذمًا: فإن كان في مقابلة من يمكر؛ فهو مدح؛ لأنه يقتضي أنك أنت أقوى منه. وإن كان في غير ذلك؛ فهو ذم ويسمي خيانة. ولهذا لم يصف الله نفسه به إلا على سبيل المقابلة والتقييد؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، ولا يوصف الله سبحانه

стр. 2426

وتعالى به على الإطلاق؛ فلا يقال: إن الله ماكر! لا على سبيل الخبر، ولا على سبيل التسمية ولا يقال: إنه كائد،لا على سبيل الخبر، ولا على سبيل التسمية؛ ذلك لأن هذا المعنى يكون مدحًا في حال ويكون ذمًا في حال؛ فلا يمكن أن نصف الله به على سبيل الإطلاق. فأما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ؛ فهذا كمال؛ ولهذا لم يقل: أمكر الماكرين بل قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ؛ فلا يكون مكره إلا خيرًا؛ ولهذا يصح أن نصفه بذلك؛ فنقول: هو خير الماكرين. أو نصفه بصفة المكر في سبيل المقابلة؛ أي: مقابلة من يمكر به، فنقول: إن الله تعالى ماكر بالماكرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ . الآية الثانية: في المكر، وهي قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٥٤] . * هذه نزلت في عيسى بن مريم ﵊، مكر به اليهود ليقتلوه، ولكن كان الله تعالى أعظم منهم مكرًا، رفعه الله، وألقى شبهه على أحدهم، على الذي تولى كبره وأراد أن يقتله، فلما دخل عليه هذا الذي يريد القتل، وإذا عيسى قد رفع، فدخل الناس، فقالوا: أنت عيسى؟ قال: لست عيسى، فقالوا: أنت هو. لأن الله تعالى ألقى عليه شبهه، فقتل هذا الرجل الذي كان يريد أن يقتل عيسى بن مريم؛ فكان مكره عائدًا عليه، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ . الآية الثالثة: في المكر أيضًا، وهي قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] .

стр. 2427

* هذا في قوم صالح، كان في المدينة التي كان يدعو الناس فيها إلى الله تسعة رهط-أي: أنفار - ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] ؛ يعني: لنقتلنه بالليل، ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] ؛ يعني: أنهم قتلوه بالليل؛ فما يشاهدونه. لكن مكروا ومكر الله! قيل: إنهم لما خرجوا ليقتلوه، فلجئوا إلى غار ينتظرون الليل، انطبق عليهم الغار، فهلكوا، وصالح وأهله لم يمسهم سوء، فيقول الله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ . * ﴿وَمَكَرْنَا﴾ : في الموضعين منكرة للتعظيم؛ أي: مكروا مكرًا عظيمًا، ومكرنا مكرًا أعظم. الآية الرابعة: في الكيد، وهي قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥-١٦] . * ﴿إِنَّهُمْ﴾ ؛ أي: كفار مكة، ﴿يَكِيدُونَ﴾ للرسول ﷺ ﴿كَيْدًا﴾ لا نظير له في التنفير منه ومن دعوته، ولكن الله تعالى يكيد كيدًا أعظم وأشد. * ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ ؛ يعني: كيدًا أعظم من كيدهم. ومن كيدهم ومكرهم ما ذكره الله في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] : ثلاثة آراء. ١ - ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ؛ يعني: يحبسوك. ٢ - ﴿يَقْتُلُوكَ﴾ ؛ يعني: يعدموك. ٣ - ﴿يُخْرِجُوكَ﴾ ؛ يعني: يطردوك.

стр. 2428

وكان رأي القتل أفضل الآراء عندهم بمشورة من إبليس؛ لأن إبليس جاءهم بصورة شيخ نجدي، وقال لهم: انتخبوا عشرة شبان من عشر قبائل من قريش، وأعطوا كل واحد سيفًا،ثم يعمدون إلى محمد ﷺ ، فيقتلونه قتلة رجل واحد، فيضيع دمه في القبائل، فلا تستطيع بنو هاشم أن تقتل واحدًا من هؤلاء الشبان،وحينئذ يلجئون إلى الدية، فتسلمون منه. فقالوا: هذا الرأي! وأجمعوا على ذلك. ولكنهم مكروا مكرًا والله تعالى يمكر خيرًا منه؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ؛ فما حصل لهم الذي يريدون، بل إن الرسول ﵊ خرج من بيته يذر التراب على رؤوس العشرة هؤلاء، ويقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] فكانوا ينتظرون الرسول ﵊ -يخرج، فخرج من بينهم، ولم يشعروا به. إذًا، صار مكر الله أعظم من مكرهم؛ لأنه أنجى رسوله منهم وهاجر. *قال هنا: ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥-١٦] والتنكير فيها للتعظيم، وكان كيد الله أعظم من كيدهم. وهكذا يكيد الله لكل من انتصر لدينه، فإنه يكيد له ويؤيده، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] ،يعني: عملنا عملًا حصل به مقصوده دون أن يشعر به أحد. وهذا من فضل الله على المرء، أن يقيه شر خصمه على وجه الكيد والمكر على هذا الخصم الذي أراد الإيقاع به.

стр. 2429

فإن قلت: ما هو تعريف المكر والكيد والمحال؟ فالجواب: تعريفها عند أهل العلم: التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم؛ يعني: أن توقع بخصمك بأسباب خفية لا يدري عنها. وهي في محلها صفة كمال يحمد عليها،وفي غير محلها صفة نقص يذم عليها. ويذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ -لما بارز عمرو بن ود -والفائدة من المبارزة أنه إذا غلب أحدهما أنكسرت قلوب خصومه-فلما خرج عمرو، صرخ علي: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو، فلما التفت ضربه علي ﵁ على رقبته حتى أطاح برأسه. هذا خداع، لكنه جائز، ويحمد عليه؛ لأنه في موضعه؛ فإن هذا الرجل ما خرج ليكرم علي بن أبي طالب ويهنئه، ولكنه خرج ليقتله؛ فكاد له علي بذلك. والمكر والكيد والمحال من صفات الله الفعلية التي لا يوصف بها على سبيل الإطلاق؛ لأنها تكون مدحًا في حال، وذمًا في حال؛ فيوصف بها حين تكون مدحًا، ولا يوصف بها إذا لم تكن مدحًا؛ فيقال: الله خير الماكرين، خير الكائدين، أو يقال: الله ماكر بالماكرين، خادع لمن يخادعه. والاستهزاء من هذا الباب، فلا يصح أن نخبر عن الله بأنه مستهزئ على الإطلاق؛ لأن الاستهزاء نوع من اللعب، وهو منفي عن الله؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان:

стр. 2430

٣٨] ، لكن في مقابلة من يستهزئ به يكون كمالًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ، قال الله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] . فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه المعاني لله على سبيل الحقيقة. لكن أهل التحريف يقولون: لا يمكن أن يوصف بها أبدًا، لكن ذكر مكر الله ومكرهم من باب المشاكلة اللفظية، والمعنى مختلف؛ مثل: ( ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] . ونحن نقول لهم: هذا خلاف ظاهر النص، وخلاف إجماع السلف. وقد قلنا سابقًا: إذا قال قائل: أئت لنا بقول لأبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي يقولون فيه: إن المراد بالمكر والاستهزاء والخداع الحقيقة! فنقول لهم: نعم؛ هم قرؤوا القرآن وآمنوا به، وكونهم لم ينقلوا هذا المعنى المتبادر إلى معنى آخر يدل على أنهم أقروا به، وأن هذا إجماع؛ ولهذا يكفينا أن نقول في الإجماع: لم ينقل عن واحد منهم خلاف ظاهر الكلام، وأنه فسر الرضى بالثواب، أو الكيد بالعقوبة. . . ونحو ذلك. وهذه الشبهة ربما يوردها علينا أحد من الناس؛ يقولون: أنتم تقولون: هذا إجماع السلف؛ أين إجماعهم؟ نقول: عدم نقل ما يخالف ظاهرها عنهم دليل الإجماع. ما نستفيده من الناحية المسلكية في إثبات صفة المكر والكيد والمحال:

стр. 2431

المكر: يستفيد به الإنسان بالنسبة للأمر المسلكي مراقبة الله ، وعدم التحيل على محارمه، وما أكثر المتحيلين على المحارم، فهؤلاء المتحيلون على المحارم إذا علموا أن الله تعالى خير منهم مكرًا وأسرع منهم مكرًا، فإن ذلك يستلزم أن ينتهوا عن المكر. ربما يفعل الإنسان شيئًا فيما يبدو للناس أنه جائز لا بأس به، لكنه عند الله ليس بجائز، فيخاف، ويحذر. وهذا له أمثلة كثيرة جدًا في البيوع والأنكحة وغيرهما: مثال ذلك في البيوع: رجل جاء إلى آخر؛ قال: أقرضني عشرة آلاف درهم. قال: لا أقرضك إلا باثني عشر ألف،وهذا ربًا وحرام سيتجنبه؛ لأنه يعرف أنه ربًا صريح، لكن باع عليه سلعة باثنى عشر آلفًا مؤجلة إلى سنة بيعًا تامًا وكتبت الوثيقة بينهما، ثم إن البائع أتى إلى المشترى، وقال: بعنيه بعشرة آلاف نقدًا. فقال: بعتك إياه. وكتبوا بينهما وثيقة بالبيع. فظاهر هذا البيع الصحة، ولكن نقول: هذه حيلة؛ فإن هذا لما عرف أنه لا يجوز أن يعطيه عشرة آلاف باثني عشر ألفًا، قال: أبيع السلعة عليه باثني عشر، وأشتريها نقدًا بعشرة. ربما يتسمر الإنسان في هذه المعاملة؛ لأنها أمام الناس معاملة ليس فيها شيء، لكنها عند الله تحيل على محارمه، وقد يملي الله تعالى لهذا الظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته؛ يعني: يتركه ينمو ماله ويزداد وينمو بهذا الربا لكن إذا أخذه لم يفلته، وتكون هذه الأشياء خسارة عليه فيما بعد، ومآله إلى الإفلاس، ومن الكلمات المشهورة على ألسنة الناس: من عاش في الحيلة مات فقيرًا.

стр. 2432

وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ . . ..... ــ مثال في الأنكحة: امرأة طلقها زوجها ثلاثًا؛ فلا تحل له إلا بعد زوج، فجاء صديق له، فتزوجها بشرط أنه متى حللها -يعني: متى جامعها -طلقها، ولما طلقها أنت بالعدة، وتزوجها الأول، فإنها ظاهرًا تحل للزوج الأول، لكنها باطنًا لا تحل؛ لأن هذه حيلة. فمتى علمنا أن الله أسرع مكرًا، وأن الله خير الماكرين؛ أوجب لنا ذلك أن نبتعد غاية البعد عن التحيل على محارم الله. صفة العفو والمغفرة والرحمة والعزة (١) ذكر المؤلف ﵀ -أربع آيات في صفة العفو والقدرة والمغفرة والرحمة والعزة: الآية الأولى: في العفو والمقدرة: قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] . * يعني: إن تفعلوا خيرًا فتبدوه؛ أي: تظهروه للناس، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ؛ يعني: عن الناس- فإن الله تعالى يعلمه، ولا يخفى عليه شيء. وفي الآية الثانية: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ، وهذا أعم، يشمل الخير والشر وما ليس بخير ولا شر. ولكل آية مكانها ومناسبتها لمن تأمل. وقوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ : العفو: هو التجاوز عن العقوبة؛

стр. 2433

فإذا أساء إليكم إنسان، فعفوت عنه؛ فإن الله يعلم ذلك. ولكن العفو يشترك للثناء على فاعله أن يكون مقرونًا بالإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ، وذلك أن العفو قد يكون سببًا للزيادة في الطغيان والعدوان، وقد يكون سببًا للانتهاء عن ذلك، وقد لا يزيد المعتدي ولا ينقصه. ١ -فإذا كان سببًا للزيادة في الطغيان؛ كان العفو هنا مذمومًا، وربما يكون ممنوعًا؛ مثل أن نعفوا عن هذا المجرم، ونعلم - أو يغلب على الظن -أنه يذهب فيجرم إجرامًا أكبر، فهنا لا يمدح العافي عنه، بل يذم. ٢ -وقد يكون العفو سببًا للانتهاء عن العدوان؛ بحيث يخجل ويقول: هذا الذي عفا عني لا يمكن أن أعتدي عليه مرة أخرى، ولا على أحد غيره. فيخجل أن يكون هو من المعتدين وهذا الرجل من العافين؛ فالعفو محمود ومطلوب،وقد يكون واجبًا. ٣ -وقد يكون العفو لا يؤثر ازديادًا ولا نقصًا، فهو أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . *وهنا يقول تعالى: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ؛ يعني: إذا عفوتم عن السوء؛ عفا الله عنكم، ويؤخذ هذا الحكم من الجواب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ؛ يعني: فيعفو عنكم مع قدرته على الانتقام منكم، وجمع الله تعالى هنا بين العفو والقدير؛ لأن كمال العفو أن يكون عن قدرة. أما العفو الذي يكون عن عجز؛ فهذا لا يمدح فاعله؛ لأنه عاجز عن الأخذ بالثأر. وأما العفو الذي لا يكون مع قدرة، فقد يمدح،لكنه ليس عفوًا كاملًا، بل العفو الكامل ما كان عن قدرة.

стр. 2434

﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ ........... ــ ولهذا جمع الله تعالى بين هذين الاسمين (العفو) و (التقدير) : فالعفو: هو المتجاوز عن سيئات عباده، والغالب أن العفو يكون عن ترك الواجبات، والمغفرة عن فعل المحرمات. والقدير: ذو القدرة،وهي صفة يتمكن بها الفاعل من الفعل بدون عجز. وهذان الاسمان يتضمنان صفتين، وهما العفو والقدرة. (١) الآية الثانية: في المغفرة والرحمة: قوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النور: ٢٢] . *هذه الآية نزلت في أبي بكر ﵁، وذلك أن مسطح بن أثاثه ﵁ كان ابن خالة أبي بكر، وكان ممن تكلموا في الإفك. وقصة الإفك: أن قومًا من المنافقين تكلموا في عرض عائشة ﵂ وليس والله قصدهم عائشة، لكن قصدهم رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: أن يدنسوا فراشه، وأن يلحقوه العار والعياذ بالله! ولكن الله -ولله الحمد- فضحهم، وقال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النور: ١١] تكلموا فيها، وكان أكثر من تكلم فيها المنافقون، وتكلم فيها نفر من الصحابة ﵃ -معروفون بالصلاح، ومنهم مسطح بن أثاثة، فلما تكلم فيها -وكان هذا من أكبر القطيعة قطعية الرحم، أن يتكلم إنسان في قريبه بما يخدش كرامته، لا سيما وأن ذلك في أم المؤمنين زوجة رسول

стр. 2435

الله ﷺ ، أقسم أبو بكر ألا ينفق عليه، وكان أبو بكر هو الذي ينفق عليه، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وكل هذه الأوصاف ثابتة في حق مسطح، فهو قريب ومسكين ومهاجر ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] ، فقال أبو بكر ﵁: بلى والله، نحب أن يغفر الله لنا! فرد عليه النفقة. هذا هو ما نزلت فيه الآية. أما تفسيرها، فقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ : اللام لام الأمر، وسكنت لأنها أتت بعد الواو، ولام الأمر تسكن إذا وقعت بعد الواو، كما هنا أو بعد الفاء، أو بعد (ثم) : قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ، هذا إذا كانت لام أمر، أما إذا كانت لام تعليل، فإنها تبقى مكسورة، لا تسكن، وإن وليت هذه الحروف. قوله: ﴿وَلْيَعْفُوا﴾ ، يعني: يتجاوزوا عن الأخذ بالذنب. ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ ، يعني: يعرضوا عن هذا الأمر، ولا يتكلموا فيه، مأخوذ من صفحة العنق، وهي جانبه؛ لأن الإنسان إذا أعرض، فالذي يبدو منه صفحة العنق. والفرق بين العفو والصفح: أن الإنسان قد يعفو ولا يصفح، بل يذكر هذا العدوان وهذه الإساءة، لكنه لا يأخذ بالندب، فالصفح أبلغ من مجرد العفو.

стр. 2436

وقوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ : ألا: للعرض، والجواب: بلى نحب ذلك، فإذا كنا نحب أن يغفر الله لنا، فلنتعرض لأسباب المغفرة. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ : غفور: هذه إما أن تكون اسم فاعل للمبالغة، وإما أن تكون صفة مشبهة، فإذا كانت صفة مشبهة، فهي دالة على الوصف اللازم الثابت، هذا هو مقتضى الصفة المشبهة، وإن كانت اسم فاعل محولا إلى صيغة التكثير، كانت دالة على وقوع المغفرة من الله بكثرة. وبعد هذا نقول: إنها جامعة بين الأمرين، فهي صفة مشبهة؛ لأن المغفرة صفة دائمة لله ، وهي أيضا فعل يقع بكثرة، فما أكثر مغفرة الله وما أعظمها. وقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ : هذه أيضا اسم فاعل محول إلى صيغة المبالغة، وأصل اسم الفاعل من رحم: راحم، لكن حول إلى رحيم لكثرة رحمة الله وكثرة من يرحمهم الله . والله يقرن بين هذين الاسمين؛ لأنهما دالان على معنى متشابه، ففي المغفرة زوال المكروب وآثار الذنب، وفي الرحمة حصول المطلوب، كما قال الله تعالى للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» .

стр. 2437

وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ــ الآية الثالثة: في العزة، وهي قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] . هذه الآية نزلت في مقابلة قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] ، يريدون أنهم الأعز، وأن رسول الله والمؤمنين الأذلون، فبين الله تعالى أنه لا عزة لهم، فضلا عن أن يكونوا هم الأعزون، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ومقتضى قول المنافقين أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمؤمنين هم الذين يخرجون المنافقين؛ لأنهم أهل العزة، والمنافقون أهل الذلة، ولهذا كانوا يحسبون كل صيحة عليهم، وذلك لذلهم وهلعهم، وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا، قالوا: آمنا، خوفا وجبنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزءون! وهذا غاية الذل. أما المؤمنون، فكانوا أعزاء بدينهم، قال الله عنهم في مجادلة أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] ، فيعلنونها صريحة، لا يخافون في الله لومة لائم. وفي هذه الآية الكريمة إثبات العزة لله . وذكر أهل العلم أن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع: ١- فعزة القدر: معناه أن الله تعالى ذو قدر عزيز، يعني: لا نظير له. ٢- وعزة القهر: هي عزة الغلبة، يعني: أنه غالب كل شيء، قاهر كل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]

стр. 2438

يعني: غلبني في الخطاب. فالله سبحانه عزيز له بل هو غالب كل شيء. ٣- وعزة الامتناع: وهي أن الله تعالى يمتنع أن يناله سوء أو نقص، فهو مأخوذ من القوة والصلابة، ومنه قولهم: أرض عزاز، يعني قوية شديدة. هذه معاني العزة التي أثبتها الله تعالى لنفسه، وهي تدل على كمال قهره وسلطانه، وعلى كمال صفاته، وعلى تمام تنزهه عن النقص. تدل على كمال قهره وسلطانه في عزة القهر. وعلى تمام صفاته وكمالها وأنه لا مثيل لها في عزة القدر. وعلى تمام تنزهه عن العيب والنقص في عزة الامتناع. قوله: ﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، يعني: أن الرسول ﷺ ، له عزة، وللمؤمنين أيضا عزة وغلبة. ولكن يجب أن نعلم أن العزة التي أثبتها الله لرسوله وللمؤمنين ليست كعزة الله، فإن عزة الرسول عليه الصلاة والمؤمنين قد يشوبها ذلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] ، وقد يغلبون أحيانا لحكمة يريدها الله ، ففي أحد لم يحصل لهم تمام العزة؛ لأنهم غلبوا في النهاية لحكم عظيمة، وكذلك في حنين ولوا مدبرين، ولم يبق مع النبي ﷺ ، من اثني عشر ألفا إلا نحو مئة رجل. هذا أيضا فقد للعزة، لكنه مؤقت. أما عزة الله ، فلا يمكن أبدا أن تفقد. وبهذا عرفنا أن العزة التي أثبتها الله لرسوله وللمؤمنين ليست كالعزة التي أثبتها لنفسه.

стр. 2439

وقوله عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . ــ وهذا أيضا يمكن أن يؤخذ من القاعدة العامة، وهي أنه: لا يلزم من اتفاق الاسمين أن يتماثل المسميان، ولا من اتفاق الصفتين أن يتماثل الموصوفان. الآية الرابعة: في العزة أيضا، وهي قوله عن إبليس: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾ [ص: ٨٢] . الباء هنا للقسم، لكنه اختار القسم بالعزة دون غيرها من الصفات؛ لأن المقام مقام مغالبة، فكأنه قال: بعزتك التي تغلب بها من سواك لأغوين هؤلاء وأسيطر عليهم، يعني بني آدم، حتى يخرجوا من الرشد إلى الغي. ويستثنى من هذا عباد الله المخلصون، فإن إبليس لا يستطيع أن يغويهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] . ففي هاتين الآيتين إثبات العزة لله. وفي الآية الثالثة إثبات أن الشيطان يقر بصفات الله!. فكيف نجد من بني آدم من ينكر صفات الله أو بعضها، أيكون الشيطان أعلم بالله وأعقل مسلكا من هؤلاء النفاة؟ ! . ما نستفيده من الناحية المسلكية: في العفو والصفح: هو أننا إذا علمنا أن الله عفو، وأنه قدير، أوجب لنا ذلك أن نسأله العفو دائما، وأن نرجو منه العفو عما حصل منا من التقصير في الواجب. أما العزة أيضا: نقول: إذا علمنا أن الله عزيز، فإننا لا يمكن أن نفعل

стр. 2440

وقوله: ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾ ــ فعلا نحارب الله فيه. مثلا الإنسان المرابي معاملته مع الله المحاربة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . إذا علمنا أن الله ذو عزة لا يغلب، فإنه لا يمكننا أن نقدم على محاربة الله . قطع الطريق محاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] ، فإذا علمنا أن قطع الطريق محاربة لله، وأن العزة لله، امتنعنا عن العمل، لأن الله هو الغالب. ويمكن أن نقول فيها فائدة من الناحية المسلكية أيضا، وهي أن الإنسان المؤمن ينبغي له أن يكون عزيزا في دينه، بحيث لا يذل أمام أحد من الناس، كائنا من كان، إلا على المؤمنين، فيكون عزيزا على الكافرين، ذليلا على المؤمنين. إثبات الاسم لله تعالى ذكر المؤلف ﵀ آية في إثبات الاسم لله تعالى، وآيات أخرى كثيرة في تنزيه الله تعالى ونفي المثيل عنه. آية إثبات الاسم: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] . ﴿تَبَارَكَ﴾ : قال العلماء: معناها: تعالى وتعاظم إن وصف بها الله، كقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ، وإن وصف بها اسم الله، كان معناها: أن البركة تكون باسم الله، أي أن اسم الله إذا صاحب شيئا، صارت فيه البركة.

стр. 2441

ولهذا جاء في الحديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ " بسم الله " فهو أبتر» (١) ، أي: ناقص البركة. بل إن التسمية تفيد حل الشيء الذي يحرم بدونها، فإنه إذا سمى الله على الذبيحة صارت حلالا، وإذا لم يسم صارت حراما وميتة، وهناك فرق بين الحلال الطيب الطاهر، والميتة النجسة الخبيثة. وإذا سمى الإنسان على طهارة الحدث، صحت، وإذا لم يسم، لم تصح على أحد القولين. وإذا سمى الإنسان على طعامه، لم يأكل معه الشيطان، وإن لم يسم، أكل معه. وإذا سمى الإنسان على جماعه، وقال: «اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا» ثم قدر بينهما ولد، لم يضره الشيطان أبدا، وإن لم يفعل، فالولد عرضة لضرر الشيطان. وعليه، فنقول: إن ﴿فَتَبَارَكَ﴾ هنا ليست بمعنى: تعالَى وتعاظَم، بل يتعين أن يكون معناها: حلت البركة باسم الله، أي أن اسمه سبب للبركة إذا صحب شيئا. وقوله: ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ : (ذي) : بمعنى صاحب، وهي

стр. 2442

وقوله: ﴿فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا﴾ . ــ صفة لـ (رب) ، لا لـ (اسم) ، لو كانت صفة لـ (اسم) ، لكانت، ذو. و ﴿الْجَلَالِ﴾ ، بمعنى: العظمة. والإكرام، بمعنى: التكريم، وهو صالح؛ لأن يكون الإكرام من الله لمن أطاعه، وممن أطاعه له. فـ ﴿الْجَلَالِ﴾ : عظمته في نفسه، ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ : عظمته في قلوب المؤمنين، فيكرمونه ويكرمهم. آيات الصفات المنفية في تنزيه الله ونفي المثل عنه قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] . شرع المؤلف ﵀ بالصفات السلبية، أي صفات النفي. وقد مر علينا فيما سبق أن صفات الله ثبوتية وسلبية أي: منفية؛ لأن الكمال لا يتحقق إلا بالإثبات والنفي، إثبات الكمالات، ونفي النقائض. قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ : الفاء مفرعة على ما سبق، وهو قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم: ٦٥] ، فذكر الربوبية ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ، وفرع على ذلك وجوب عبادته؛ لأن كل من أقر بالربوبية، لزمه الإقرار بالعبودية والألوهية، وإلا صار متناقضا. فقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ ، أي: تذلل له محبة وتعظيما، والعبادة، يراد بها المتعبد به، ويراد بها التعبد الذي هو فعل العبد، كما سبق في المقدمة.

стр. 2443

وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ــ وقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ : اصطبر، أصلها في اللغة: اصتبر، فأبدلت التاء طاء لعلة تصريفية. والصبر: حبس النفس. وكلمة (اصطبر) أبلغ من (اصبر) ؛ لأنها تدل على معاناة، فالمعنى اصبر، وإن شق عليك ذلك، واثبت ثبات القرين لقرينه في القتال. وقوله: ﴿لِعِبَادَتِهِ﴾ ، قيل: إن اللام بمعنى (على) ، أي: اصطبر عليها، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] .. وقيل: بل اللام على أصلها، أي: اصطبر لها، أي كن مقابلا لها بالصبر، كما يقابل القرين قرينه في ميدان القتال. وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ : الاستفهام للنفي، وإذا كان الاستفهام بمعنى النفي، كان مشربا معنى التحدي، يعني: إن كنت صادقا، فأخبرنا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ؟ و (السمي) : الشبيه والنظير. يعني: هل تعلم له مساميا أو نظيرا يستحق مثل اسمه؟ والجواب: لا. فإذا كان كذلك، فالواجب أن تعبده وحده. وفيها من الصفات: قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ، وهي من الصفات السلبية. فما الذي تتضمنه من صفات الكمال (لأننا ذكرنا فيما سبق أن الصفات السلبية لا بد أن تتضمن ثبوتا) فما هو الثبوت الذي تضمنه النفي هنا؟ الجواب: الكمال المطلق، فيكون المعنى: هل تعلم له سميا لثبوت كماله المطلق الذي لا يساميه أحد فيه؟ . الآية الثانية: قوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٤] .

стр. 2444

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ــ تقدم الكلام عليها، أي: ليس يكافئه أحد، وهو نكرة في سياق النفي فتعم. و ﴿كُفُوًا﴾ : فيها ثلاث قراءات: كفوا، وكفئا، وكفؤا، فهي بالهمزة ساكنة الفاء ومضمومتها، وبالواو مضمومة الفاء لا غير، وبهذا نعرف خطأ الذين يقرءون بتسكين الفاء مع الواو (كفوا) . هذه الآية أيضا فيها نفي الكفء لله ، وذلك لكمال صفاته، فلا أحد يكافئه، لا في علمه، ولا سمعه، ولا بصره، ولا قدرته، ولا عزته، ولا حكمته، ولا غير ذلك من صفاته. الآية الثالثة: قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . هذا مفرع على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ ، وكل هذا من توحيد الربوبية، ثم قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢١-٢٢] يعني: في الألوهية؛ لأن أولئك القوم المخاطبين لم يجعلوا لله أندادا في الربوبية، إذا فلا تجعلوا لله أندادا في الألوهية كما أنكم تقرون أنه ليس له أندادا في الربوبية. وقوله: ﴿أَنْدَادًا﴾ : جمع ند، وند الشيء ما كان منادا (أي مكافئا) له ومشابها، وما زال الناس يقولون: هذا ند لهذا، أي: مقابل له ومكافئ له. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ : الجملة هنا حالية، وصاحب الحال هي الواو في قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾ ، والمفعول محذوف، يعني: وأنتم تعلمون

стр. 2445

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ . ــ أنه لا ند له. الجملة الحالية هنا صفة كاشفة، والصفة الكاشفة كالتعليل للحكم، فكأنه قال: لا تجعلوا لله أندادا؛ لأنكم تعلمون أنه لا ند له، فإذا كنتم تعلمون ذلك، فكيف تجعلونه فتخالفون علمكم؟ ! وهذه أيضا سلبية، وذلك من قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، لأنه لا ند له، لكمال صفاته. الآية الرابعة: قوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ [البقرة: ١٦٥] . ومن: تبعيضية، والميزان لـ (من) التبعيضية أن يحل محلها: بعض، يعني: وبعض الناس. ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ : يتخذهم أندادا، يعني: في المحبة، كما فسره بقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ، ويجوز أن نقول: إن المراد بالأنداد ما هو أعم من المحبة، يعني: أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله، وينذرون لهم كما ينذرون لله؛ لأنهم يحبونهم كحب الله، يحبون هذه الأنداد كحب الله . وهذا إشراك في المحبة، بحيث تجعل غير الله مثل الله في محبته. وينطبق ذلك على من أحب رسول الله كحب الله؛ لأنه يجب أن تحب رسول الله ﷺ محبة ليست كمحبة الله؛ لأنك إنما تحب الرسول ﷺ تبعا

стр. 2446

لمحبة الله ، لا على أنه مناد لله، فكيف بمن يحبون الرسول ﷺ أكثر مما يحبون الله؟! وهنا يجب أن نعرف الفرق بين المحبة مع الله والمحبة لله: المحبة مع الله: أن تجعل غير الله مثله في محبته أو أكثر. وهذا شرك.. والمحبة في الله أو لله: هي أن تحب الشيء تبعا لمحبة الله . والذي نستفيده من الناحية المسلكية في هذه الآيات: أولا: في قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ : إذا علمنا أن الله تعالى موصوف بالجلال، فإن ذلك يستوجب أن نعظمه، وأن نجله. وإذا علمنا أنه موصوف بالإكرام فإن ذلك يستوجب أن نرجو كرمه وفضله. وبذلك نعظمه بما يستحقه من التعظيم والتكريم. ثانيا: قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ، فالفوائد المسلكية في ذلك هو أن يعبد العبد ربه، ويصطبر للعبادة، لا يمل، ولا يتعب، ولا يضجر، بل يصبر عليها صبر القرين لقرينه في المبارزة في الجهاد. ثالثا: قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ، ففيها تنزيه لله ، وأن الإنسان يشعر في قلبه بأن الله تعالى منزه عن كل نقص، وأنه لا مثيل له، ولا ند له، وبهذا يعظمه حق تعظيمه بقدر استطاعته. رابعا: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ ، فمن فوائدها من الناحية المسلكية: أنه لا يجوز للإنسان أن يتخذ أحدا من الناس محبوبا

стр. 2447

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ــ كمحبة الله، وهذه تسمى المحبة مع الله. الآية الخامسة: قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] . ﴿وَقُلِ﴾ : الخطاب في مثل هذا: إما خاص بالرسول ﵊، أو عام لكل من يصح توجيه الخطاب إليه. فإن كان خاصا بالرسول ﷺ ، فهو خاص به بالقصد الأول، وأمته تبع له. وإن كان عاما، فهو يشمل الرسول ﷺ وغيره بالقصد الأول. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ : سبق تفسير هذه الجملة، وأن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. وقوله: لله: اللام هنا للاستحقاق والاختصاص: للاستحقاق؛ لأن الله تعالى يحمد وهو أهل للحمد. والاختصاص؛ لأن الحمد الذي يحمد الله به ليس كالحمد الذي يحمد به غيره، بل هو أكمل وأعظم وأعم وأشمل. وقوله: ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ : هذا من الصفات السلبية: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لكمال صفاته وكمال غناه عن غيره؛ ولأنه لا مثيل له، فلو اتخذ ولدا، لكان الولد مثله، لو كان له ولد، لكان محتاجا إلى الولد يساعده ويعينه، لو كان له ولد، لكان ناقصا؛ لأنه إذا شابهه أحد من خلقه، فهو نقص.

стр. 2448

وقوله ﴿وَلَدًا﴾ يشمل الذكر والأنثى ففيه رد على اليهود والنصارى والمشركين: اليهود قالوا: لله ولد، وهو عزير. والنصارى قالوا: لله ولد، وهو المسيح. والمشركون قالوا: لله ولد، وهم الملائكة. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ : هذا معطوف على قوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ ، يعني: والذي لم يكن له شريك في الملك، لا في الخلق، ولا في الملك، ولا في التدبير. كل ما سوى الله، فهو مخلوق لله، مملوك له، يدبره كما يشاء، ولم يشاركه أحد في ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٣] على سبيل التعيين، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٣] على سبيل الشيوع، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٣] ، لم يعاونه أحد في هذه السماوات والأرض، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣] ، وبهذا تقطعت جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون في آلهتهم. فالآلهة هذه لا تملك من السماوات والأرض شيئا معينا، وليست شريكة لله، ولا معينة، ولا شفاعة، إلا بإذنه، يقول: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] . وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ : لم يكن له ولي، لكنه قيد بقوله: ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ .

стр. 2449

ومن هنا للتعليل؛ لأن الله تعالى له أولياء: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢-٦٣] ، وقال تعالى في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا، فقد آذنته بالحرب» .." ولكن الولي المنفي هو الولي من الذل؛ لأن الله تعالى له العزة جميعا، فلا يلحقه الذل بوجه من الوجوه، لكمال عزته. وقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ، يعني: كبر الله تكبيرا، بلسانك وجنانك: اعتقد في قلبك أن الله أكبر من كل شيء، وأن له الكبرياء في السماوات والأرض، وكذلك بلسانك تكبره، تقول: الله أكبر! وكان من هدي النبي ﷺ وأصحابه أنهم يكبرون كلما علوا نشرا، أي: مرتفعا، وهذا في السفر؛ لأن الإنسان إذا علا في مكانه، قد يشعر في قلبه أنه مستعل على غيره، فيقول: الله أكبر. من أجل أن يخفف تلك العلياء التي شعر بها حين علا وارتفع. وكانوا إذا هبطوا، قالوا: سبحان الله؛ لأن النزول سفول، فيقول: سبحان الله، أي: أنزهه عن السفول الذي أنا الآن فيه. وقوله: ﴿تَكْبِيرًا﴾ : هذا مصدر مؤكد، يراد به التعظيم، أي: كبره تكبيرا عظيما. والذي نستفيده من الناحية المسلكية في هذه الآية: أن الإنسان يشعر بكمال غنى الله عز جل عن كل أحد، وانفراده

стр. 2450

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ــ بالملك، وتمام عزته وسلطانه، وحينئذ يعظم الله بما يستحق أن يعظم به بقدر استطاعته. ونستفيد حمد الله تعالى على تنزهه عن العيوب، كما يحمد على صفات الكمال الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] . ﴿يُسَبِّحُ﴾ ، بمعنى: ينزه عن كل صفة نقص وعيب، و (سبح) تتعدى بنفسها وتتعدى باللام. - أما تعديها بنفسها، فمثل قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩] . - وأما تعديها باللام، فهي كثيرة، فكل السور المبدوءة بهذا متعدية باللام. قال العلماء: وإذا أريد مجرد الفعل، تعدت بنفسها: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ ، أي: تقولوا: سبحان الله! وإذا أريد بيان القصد والإخلاص، تعدت باللام، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ ، أي: سبحوا إخلاصا لله واستحقاقا. فاللام هنا تبين كمال الإرادة من الفاعل، وكمال الاستحقاق من المسبح، وهو الله. وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ : عام يشمل كل شيء. لكن التسبيح نوعان: تسبيح بلسان المقال، وتسبيح بلسان الحال.

стр. 2451

﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ــ - أما التسبيح بلسان الحال، فهو عام: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] . - وأما التسبيح بلسان المقال، فهو عام كذلك، لكن يخرج منه الكافر، فإن الكافر لم يسبح الله بلسانه، ولهذا يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] ، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] فهم لم يسبحوا الله تعالى؛ لأنهم أشركوا به ووصفوه بما لا يليق به. فالتسبيح بلسان الحال يعني: أن حال كل شيء في السماوات والأرض تدل على تنزيه الله عن العبث وعن النقص، حتى الكافر إذا تأملت حاله، وجدتها تدل على تنزه الله تعالى عن النقص والعيب. وأما التسبيح بلسان المقال، فيعني: أن يقول: سبحان الله. وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . هذه الصفات الأخيرة صفات ثبوتية، وسبق ذكر معناها، لكن يسبح لله صفة سلبية؛ لأن معناها، تنزيهه عما لا يليق به. الآية السابعة والثامنة: وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١-٢] . ﴿تَبَارَكَ﴾ بمعنى: تعالى وتعاظم. و ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ : هو الله .

стр. 2452

وقوله: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ ، يعني به: القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين المسلم والكافر، وبين البر والفاجر، وبين الضار والنافع، وغير ذلك مما فيه الفرقان، فكله فرقان. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ : محمد ﵊، فوصفه بالعبودية في مقام التحدث عن تنزل القرآن عليه، وهذا المقام من أشرف مقامات النبي ﷺ . ولهذا وصفه الله تعالى بالعبودية في مقام تنزل القرآن عليه، كما هنا، وكما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] ، ووصفه بالعبودية في مقام الدفاع عنه والتحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] ، ووصفه بالعبودية في مقام تكريمه بالمعراج، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] ، وقال في سورة النجم: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] ، مما يدل على أن وصف الإنسان بالعبودية لله يعد كمالا؛ لأن العبودية لله هي حقيقة الحرية، فمن لم يتعبد له، كان عابدا لغيره. قال ابن القيم رحم الله: هربوا من الرق الذي خلقوا له ... وبلوا برق النفس والشيطان و" الرق الذي خلقوا له ": عبادة الله . و" بلوا برق النفس والشيطان ": حيث صاروا أرقاء لنفوسهم، وأرقاء للشيطان، فما من إنسان يفر من عبودية الله، إلا وقع في عبودية هواه وشيطانه، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] .

стр. 2453

قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ : اللام هنا للتعليل، والضمير في ﴿لِيَكُونَ﴾ عائد على النبي ﵊؛ لأنه أقرب مذكور، ولأن الله تعالى قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢] ، وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ، فالمنذر: الرسول ﵊. وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ : يشمل الجن والإنس. وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ : تقدم معناها. وقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ : سبق معناهما، وهما صفة سلبية. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ : الخلق: الإيجاد على وجه معين. والتقدير: بمعنى التسوية أو بمعنى القضاء في الأزل، والأول أصح، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢] ، وبه تكون الآية على الترتيب الذكري والمعنوي، وعلى الثاني تكون الآية على الترتيب الذكري. ونستفيد من هذه الآيات من الناحية المسلكية: أنه يجب علينا أن نعرف عظمة الله ، وننزهه عن كل نقص، وإذا علمنا ذلك، ازددنا محبة له وتعظيما. ومن آيتي الفرقان نستفيد بيان هذا القرآن العظيم، وأنه مرجع العباد، وأن الإنسان إذا أراد أن تتبين له الأمور، فليرجع إلى القرآن؛ لأن الله سماه فرقانا: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] . ونستفيد أيضا من الناحية المسلكية التربوية: أن تتأكد وتزداد محبتنا

стр. 2454

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ــ لرسول الله ﷺ حيث كان عبدا لله، قائما بإبلاغ الرسالة وإنذار الخلق. ونستفيد أيضا: أن النبي ﵊ آخر الرسل، فلا نصدق بأي دعوى للنبوة من بعده؛ لقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ ، ولو كان بعده رسول، لكان تنتهي رسالته بهذا الرسول، ولا كانت للعالمين كلهم. الآية التاسعة والعاشرة: قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١-٩٢] . ينفي الله تعالى في هذه الآية أن يكون اتخذ ولدا، أو أن يكون معه إله. ويتأكد هذا النفي بدخول من في قوله من ولد، وقوله: من إله؛ لأن زيادة حرف الجر في سياق النفي ونحوه تفيد التوكيد. فقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ ، يعني: ما اصطفى أحدا يكون ولدا له، لا عزير، ولا المسيح، ولا الملائكة ولا غيرهم؛ لأنه الغني عما سواه. وإذا انتفى اتخاذه الولد فانتفاء أن يكون والدا من باب أولى. وقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ : إله، بمعنى: مألوه، مثل: بناء، بمعنى: مبني، وفراش، بمعنى: مفروش، فالإله بمعنى المألوه، أي: المعبود المتذلل له.

стр. 2455

يعني: ما كان معه من إله حق، أما الآلهات الباطلة، فهي موجودة، لكن لكونها باطلة، كانت كالعدم، فصح أن يقال: ما كان مع الله من إله. إذا، يعني: لو كان معه إله. ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ : لو كان هناك إله آخر يساوي الله ، لكان له ملك خاص ولله ملك خاص، يعني: لانفرد كل واحد منهم بما خلق، قال: هذا خلقي لي، وكذلك الآخر. وحينئذ، يريد كل منهما أن يسيطر على الآخر كما جرت به العادة، فملوك الدنيا كل واحد منهم يريد أن يسيطر على الآخر، وتكون المملكة كلها له، وحينئذ: إما أن يتمانعا، فيعجز كل واحد منهما عن الآخر، وإذا عجز كل واحد منهما عن الآخر، ما صح أن يكون واحد منهما إلها؛ لأن الإله لا يكون عاجزا. وإما أن يعلو أحدهما على الآخر، فالعالي هو الإله. فترجع المسألة إلى أنه لا بد أن يكون للعالم إله واحد، ولا يمكن أن يكون للعالم إلهان أبدا؛ لأن القضية لا تخرج من هذين الاحتمالين. كما أننا أيضا إذا شاهدنا الكون علويه وسفليه، وجدنا أنه كون يصدر عن مدبر واحد، وإلا لكان فيه تناقض، فأحد الإلهين يقول مثلا: أنا أريد الشمس تخرج من المغرب! والثاني يقول: أريدها تطلع من المشرق! واتفاق الإرادتين بعيد جدا، ولا سيما أن المقام مقام سلطة، فكل واحد
следующие страницы →