← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ــ - أما التسبيح بلسان الحال، فهو عام: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] . - وأما التسبيح بلسان المقال، فهو عام كذلك، لكن يخرج منه الكافر، فإن الكافر لم يسبح الله بلسانه، ولهذا يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] ، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] فهم لم يسبحوا الله تعالى؛ لأنهم أشركوا به ووصفوه بما لا يليق به. فالتسبيح بلسان الحال يعني: أن حال كل شيء في السماوات والأرض تدل على تنزيه الله عن العبث وعن النقص، حتى الكافر إذا تأملت حاله، وجدتها تدل على تنزه الله تعالى عن النقص والعيب. وأما التسبيح بلسان المقال، فيعني: أن يقول: سبحان الله. وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . هذه الصفات الأخيرة صفات ثبوتية، وسبق ذكر معناها، لكن يسبح لله صفة سلبية؛ لأن معناها، تنزيهه عما لا يليق به. الآية السابعة والثامنة: وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١-٢] . ﴿تَبَارَكَ﴾ بمعنى: تعالى وتعاظم. و ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ : هو الله .

стр. 2452

وقوله: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ ، يعني به: القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين المسلم والكافر، وبين البر والفاجر، وبين الضار والنافع، وغير ذلك مما فيه الفرقان، فكله فرقان. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ : محمد ﵊، فوصفه بالعبودية في مقام التحدث عن تنزل القرآن عليه، وهذا المقام من أشرف مقامات النبي ﷺ . ولهذا وصفه الله تعالى بالعبودية في مقام تنزل القرآن عليه، كما هنا، وكما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] ، ووصفه بالعبودية في مقام الدفاع عنه والتحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] ، ووصفه بالعبودية في مقام تكريمه بالمعراج، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] ، وقال في سورة النجم: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] ، مما يدل على أن وصف الإنسان بالعبودية لله يعد كمالا؛ لأن العبودية لله هي حقيقة الحرية، فمن لم يتعبد له، كان عابدا لغيره. قال ابن القيم رحم الله: هربوا من الرق الذي خلقوا له ... وبلوا برق النفس والشيطان و" الرق الذي خلقوا له ": عبادة الله . و" بلوا برق النفس والشيطان ": حيث صاروا أرقاء لنفوسهم، وأرقاء للشيطان، فما من إنسان يفر من عبودية الله، إلا وقع في عبودية هواه وشيطانه، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] .

стр. 2453

قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ : اللام هنا للتعليل، والضمير في ﴿لِيَكُونَ﴾ عائد على النبي ﵊؛ لأنه أقرب مذكور، ولأن الله تعالى قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢] ، وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ، فالمنذر: الرسول ﵊. وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ : يشمل الجن والإنس. وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ : تقدم معناها. وقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ : سبق معناهما، وهما صفة سلبية. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ : الخلق: الإيجاد على وجه معين. والتقدير: بمعنى التسوية أو بمعنى القضاء في الأزل، والأول أصح، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢] ، وبه تكون الآية على الترتيب الذكري والمعنوي، وعلى الثاني تكون الآية على الترتيب الذكري. ونستفيد من هذه الآيات من الناحية المسلكية: أنه يجب علينا أن نعرف عظمة الله ، وننزهه عن كل نقص، وإذا علمنا ذلك، ازددنا محبة له وتعظيما. ومن آيتي الفرقان نستفيد بيان هذا القرآن العظيم، وأنه مرجع العباد، وأن الإنسان إذا أراد أن تتبين له الأمور، فليرجع إلى القرآن؛ لأن الله سماه فرقانا: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] . ونستفيد أيضا من الناحية المسلكية التربوية: أن تتأكد وتزداد محبتنا

стр. 2454

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ــ لرسول الله ﷺ حيث كان عبدا لله، قائما بإبلاغ الرسالة وإنذار الخلق. ونستفيد أيضا: أن النبي ﵊ آخر الرسل، فلا نصدق بأي دعوى للنبوة من بعده؛ لقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ ، ولو كان بعده رسول، لكان تنتهي رسالته بهذا الرسول، ولا كانت للعالمين كلهم. الآية التاسعة والعاشرة: قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١-٩٢] . ينفي الله تعالى في هذه الآية أن يكون اتخذ ولدا، أو أن يكون معه إله. ويتأكد هذا النفي بدخول من في قوله من ولد، وقوله: من إله؛ لأن زيادة حرف الجر في سياق النفي ونحوه تفيد التوكيد. فقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ ، يعني: ما اصطفى أحدا يكون ولدا له، لا عزير، ولا المسيح، ولا الملائكة ولا غيرهم؛ لأنه الغني عما سواه. وإذا انتفى اتخاذه الولد فانتفاء أن يكون والدا من باب أولى. وقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ : إله، بمعنى: مألوه، مثل: بناء، بمعنى: مبني، وفراش، بمعنى: مفروش، فالإله بمعنى المألوه، أي: المعبود المتذلل له.

стр. 2455

يعني: ما كان معه من إله حق، أما الآلهات الباطلة، فهي موجودة، لكن لكونها باطلة، كانت كالعدم، فصح أن يقال: ما كان مع الله من إله. إذا، يعني: لو كان معه إله. ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ : لو كان هناك إله آخر يساوي الله ، لكان له ملك خاص ولله ملك خاص، يعني: لانفرد كل واحد منهم بما خلق، قال: هذا خلقي لي، وكذلك الآخر. وحينئذ، يريد كل منهما أن يسيطر على الآخر كما جرت به العادة، فملوك الدنيا كل واحد منهم يريد أن يسيطر على الآخر، وتكون المملكة كلها له، وحينئذ: إما أن يتمانعا، فيعجز كل واحد منهما عن الآخر، وإذا عجز كل واحد منهما عن الآخر، ما صح أن يكون واحد منهما إلها؛ لأن الإله لا يكون عاجزا. وإما أن يعلو أحدهما على الآخر، فالعالي هو الإله. فترجع المسألة إلى أنه لا بد أن يكون للعالم إله واحد، ولا يمكن أن يكون للعالم إلهان أبدا؛ لأن القضية لا تخرج من هذين الاحتمالين. كما أننا أيضا إذا شاهدنا الكون علويه وسفليه، وجدنا أنه كون يصدر عن مدبر واحد، وإلا لكان فيه تناقض، فأحد الإلهين يقول مثلا: أنا أريد الشمس تخرج من المغرب! والثاني يقول: أريدها تطلع من المشرق! واتفاق الإرادتين بعيد جدا، ولا سيما أن المقام مقام سلطة، فكل واحد

стр. 2456

يريد أن يفرض رأيه. ومعلوم أننا لا نشاهد الآن الشمس تطلع يوما مع هذا ويوما مع هذا، أو يوما تتأخر؛ لأن الثاني منعها ويوما تتقدم؛ لأن الأول أمر الثاني بإخراجها، فلا نجد هذا، نجد الكون كله واحدا متناسبا متناسقا، مما يدل دلالة ظاهرة على أن المدبر له واحد، وهو الله . فبين الله بدليل عقلي أنه لا يمكن التعدد، إذ لو أمكن التعدد، لحصل هذا، لانفصل كل واحد عن الثاني، وذهب كل إله بما خلق، وحينئذ إما أن يعجز أحدهما عن الآخر، وإما أن يعلو أحدهما الآخر، فإن كان الأول، لم يصلح أي واحد منهما للألوهية، وإن كان الثاني، فالعالي هو الإله، وحينئذ يكون الإله واحدا. فإن قيل: ألا يمكن أن يصطلحا وينفرد كل واحد بما خلق؟ فالجواب: أنه لو أمكن ووقع، لزم أن يختل نظام العالم. ثم إن اصطلاحهما لا يكون إلا لخوف كل واحد منهما من الآخر، وحينئذ لا تصلح الربوبية لواحد منهما، لعجزه عن مقاومة الآخر. ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، أي: تنزيها لله عما يصفه به الملحدون المشركون الذين يقولون في الله سبحانه ما لا يليق به. ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ : الغيب: ما غاب عن الناس، والشهادة: ما شهده الناس. ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ: فَتَعَالَى﴾ ، يعني: ترفع وتقدس وتنزه.

стр. 2457

﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ــ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ : عن الأصنام التي جعلوها آلهة مع الله تعالى. وفي هاتين الآيتين من صفات النفي: تنزه الله تعالى عن اتخاذ الولد الذي وصفه به الكافرون، وعن الشريك له في الألوهية الذي أشرك به المشركون. وهذا النفي لكمال غناه وكمال ربوبيته وإلهيته. ونستفيد منهما من الناحية المسلكية: أن الإيمان بذلك يحمل الإنسان على الإخلاص لله . الآية الحادية عشرة: قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] . يعني: لا تجعلوا لله مثلا، فتقولون: مثل الله كمثل كذا وكذا أو تجعلوا له شريكا في العبادة. يعني ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، بمعنى: أنه يعلم بأنه ليس له مثل، وقد أخبركم بأنه لا مثل له، في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ... وما أشبه ذلك، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون. وقد يقال: إن هذه الجملة تتضمن الدليل الواضح على أن الله ليس له مثل، وأنها كضرب المثل في امتناع المثل؛ لأننا نحن لا نعلم والله يعلم، فإذا انتفى العلم عنا، وثبت لله، فأين المماثلة؟ ! هل يماثل الجاهل من كان عالما؟ !

стр. 2458

ويدلك على نقص علمنا: أن الإنسان لا يعلم ما يفعله في اليوم التالي: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] ، وأن الإنسان لا يعلم روحه التي بين جنبيه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] . وما زال الفلاسفة والمتفلسفة وغيرهم يبحثون عن حقيقة هذه الروح، ولم يصلوا إلى حقيقتها، مع أنها هي مادة الحياة، وهذا يدل على نقصان العلم في المخلوق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] . فإن قلت: كيف تجمع بين هذه الآية: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] وبين قوله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] ؟ الجواب: أنه هناك يخاطب الذين يشركون به في الألوهية فيقول: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في العبادة والألوهية ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الربوبية، بدليل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الَّذِي ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١-٢٢] . أما هنا: ففي باب الصفات: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ، فتقولوا: مثلا: إن يد الله مثل يد كذا! وجه الله مثل وجه كذا! وذات الله مثل الذات الفلانية ... وما أشبه هذا؛ لأن الله تعالى يعلم وأنتم لا تعلمون وقد أخبركم بأنه لا مثيل له. أو يقال: إن إثبات العلم لهم خاص في باب الربوبية، ونفيه عنهم خاص في باب الألوهية، حيث أشركوا بالله فيها، فنزلوا منزلة الجاهل.

стр. 2459

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ــ وهذه الآية تتضمن من الكمال، كمال صفات الله ، حيث إنه لا مثيل له. أما الفائدة المسلكية التي تؤخذ من هذه الآية، فهي: كمال تعظيمنا للرب ؛ لأننا إذا علمنا أنه لا مثيل له، تعلقنا به رجاء وخوفا، وعظمناه، وعلمنا أنه لا يمكن أن يماثله سلطان ولا ملك ولا وزير ولا رئيس، مهما كانت عظمة ملكيتهم ورئاستهم ووزارتهم؛ لأن الله سبحانه ليس له مثل. الآية الثانية عشرة: قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . ﴿قُلْ﴾ : الخطاب للنبي ﷺ ، أي: قل معلنا للناس. ﴿إِنَّمَا﴾ : أداة حصر، وذلك لمقابلة تحريم من حرم ما أحل الله. ﴿حَرَّمَ﴾ ، بمعنى: منع، وأصل هذه المادة (ح ر م) تدل على المنع، ومنه حريم البئر: للأرض التي تحميه حوله؛ لأنه يمنع من التعدي عليه. ﴿الْفَوَاحِشَ﴾ : جمع فاحشة، وهي الذنب الذي يستفحش، مثل: الزنى واللواط. والزنى، قال الله فيه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] . وفي اللواط، قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] . ومن الزنى أن يتزوج الإنسان امرأة لا تحل له لقرابة أو رضاع

стр. 2460

أو مصاهرة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢] ، بل إن هذا أشد من الزنى؛ لأنه وصفه بثلاثة أوصاف: فاحشة، ومقت، وساء سبيلا، وفي الزنى وصفه الله بوصفين: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] . وقوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ : قيل: إن المعنى ما ظهر فحشه وما خفي، وقيل: المعنى ما ظهر للناس وما بطن عنهم، باعتبار فعل الفاعل، لا باعتبار العمل، أي: ما أظهره الإنسان للإنسان وما أبطنه. قوله: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ، يعني: حرم الإثم والبغي بغير الحق. والإثم: المراد به ما يكون سببا له من المعاصي. والبغي: العدوان على الناس، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] . وفي قوله: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ : إشارة إلى أن كل بغي فهو بغير حق، وليس المراد أن البغي ينقسم إلى قسمين: بغي بحق، وبغي بغير حق؛ لأن البغي كله بغير حق. وعلى هذا فيكون الوصف هنا من باب الوصف الكاشف، ويسميها العلماء صفة كاشفة، أي: مبينة، وهي التي تكون كالتعليل لموصوفها. قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ : هذه معطوفة على ما سبق، يعني: وحرم ربي أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، يعني: أن تجعلوا له شريكا لم ينزل به سلطانا، أي حجة، وسميت الحجة سلطانا؛ لأنها سلطة للمحتج بها.

стр. 2461

وهذا القيد: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ : نقول فيه كما قلنا في: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ، أي: أنه قيد كاشف؛ لأن كل من أشرك بالله، فليس له سلطان بشركه. قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، يعني: وحرم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون، فحرام علينا أن نقول على الله ما لا نعلم، سواء كان في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه. فهذه خمسة أشياء حرمها الله علينا. وفيها رد على المشركين الذين حرموا ما لم يحرمه الله. إذا قال قائل: أين الصفة السلبية في هذه الآية؟ قلنا: هي ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، فالاثنتان جميعا من باب الصفات السلبية: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا﴾ ، يعني: لا تجعلوا لله شريكا لكماله. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كذلك، لكماله، فإنه من تمام سلطانه أن لا يقول عليه أحد ما لا يعلم. الفائدة المسلكية من هذه الآية هي: أن تتجنب هذه الأشياء الخمسة التي صرح الله تعالى بتحريمها. وقد قال أهل العلم: إن هذه المحرمات الخمسة مما أجمعت الشرائع على تحريمها. ويدخل في القول على الله بغير علم تحريف نصوص الكتاب والسنة في الصفات وغيرها، فإن الإنسان إذا حرف نصوص الصفات، مثل أن يقول: المراد باليدين النعمة فقد قال على الله ما لا يعلم من وجهين: الوجه الأول: أنه نفى الظاهر بلا علم. والثاني: أثبت لله خلافه بغير دليل.

стр. 2462

وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في سبعة مواضع في سورة الأعراف، قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ــ فهو يقول: لم يرد الله كذا، وأراد كذا، فنقول: هات الدليل على أنه لم يرد، وعلى أنه أراد كذا! فإن لم تأت بالدليل، فإنك قد قلت على الله ما لا تعلم. استواء الله على عرشه ذكر المؤلف ﵀ ثبوت استواء الله على عرشه وأنه في سبعة مواضع من القرآن: الموضع الأول: قوله في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . الله خبر إن. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ : أوجدهما من العدم على وجه الإحكام والإتقان. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ : ومدة هذه الأيام كأيامنا التي نعرف؛ لأن الله ذكرها منكّرة، فتحمل على ما كان معروفا. وأول هذه الأيام يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة. منها أربعة أيام للأرض، ويومان للسماء، كما فصل الله ذلك في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾

стр. 2463

[فصلت: ٩-١٠] ، فصارت أربعة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١١-١٢] . وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ : ثم: للترتيب. استوى، بمعنى: علا. والعرش: هو ذلك السقف المحيط بالمخلوقات، ولا نعلم مادة هذا العرش؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ حديث صحيح يبين من أين خلق هذا العرش، لكننا نعلم أنه أكبر المخلوقات التي نعرفها. وأصل العرش في اللغة: السرير الذي يختص به الملك، ومعلوم أن السرير الذي يختص به الملك سيكون سريرا عظيما فخما لا نظير له. وفي هذه الآية من صفات الله تعالى عدة صفات، لكن المؤلف ساقها لإثبات صفة واحدة، وهي الاستواء على العرش. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله تعالى مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ولا يماثل استواء المخلوقين. فإن سألت: ما معنى الاستواء عندهم؟ فمعناه العلو والاستقرار. وقد ورد عن السلف في تفسيره أربعة معان: الأول: علا، والثاني: ارتفع، والثالث: صعد. والرابع: استقر. لكن (علا) و (ارتفع) و (صعد) معناها واحد، وأما (استقر) ، فهو يختلف عنها. ودليلهم في ذلك: أنها في جميع مواردها في اللغة العربية لم تأت إلا لهذا المعنى إذا كانت متعدية بـ (على) :

стр. 2464

قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] . وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٢-١٣] . وفسره أهل التعطيل بأن المراد به الاستيلاء، وقالوا: معنى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، يعني: ثم استولى عليه. واستدلوا لتحريفهم هذا بدليل موجب وبدليل سالب: - أما الدليل الموجب، فقالوا: إننا نستدل بقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق (بشر) : ابن مروان، (استوى) ، يعني: استولى على العراق. قالوا: وهذا بيت من رجل عربي، ولا يمكن أن يكون المراد به استوى على العراق، يعني علا على العراق! لا سيما أنه في ذلك الوقت لا طائرات يمكن أن يعلو على العراق بها. أما الدليل السلبي، فقالوا لو أثبتنا أن الله مستو على عرشه بالمعنى الذي تقولون، وهو العلو والاستقرار، لزم من ذلك أن يكون محتاجا إلى العرش، وهذا مستحيل، واستحالة اللازم تدل على استحالة الملزوم. ولزم من ذلك أن يكون جسما؛ لأن استواء شيء على شيء بمعنى علوه عليه، يعني أنه جسم. ولزم أن يكون محدودا؛ لأن المستوي على الشيء يكون محدودا، وإذا استويت على البعير، فأنت محدود في منطقة معينة محصور بها وعلى محدود أيضا. هذه الأشياء الثلاثة التي زعموا أنها تلزم من إثبات أن الاستواء بمعنى

стр. 2465

العلو والارتفاع. والرد عليهم من وجوه: أولا: تفسيركم هذا مخالف لتفسير السلف الذي أجمعوا عليه، والدليل على إجماعهم أنه لم ينقل عنهم أنهم قالوا به وخالفوا الظاهر، ولو كانوا يرون خلاف ظاهره، لنقل إلينا، فما منهم أحد قال: إن (استوى) بمعنى (استولى) أبدا. ثانيا: أنه مخالف لظاهر اللفظ؛ لأن مادة الاستواء إذا تعدت بـ (على) ، فهي بمعنى العلو والاستقرار، هذا ظاهر اللفظ، وهذه مواردها في القرآن وفي كلام العرب. ثالثا: أنه يلزم عليه لوازم باطلة: ١ - يلزم أن يكون الله حين خلق السماوات والأرض ليس مستوليا على عرشه؛ لأن الله يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وثم تفيد الترتيب، فيلزم أن يكون العرش قبل تمام خلق السماوات والأرض لغير الله. ٢ - أن الغالب من كلمة (استولى) أنها لا تكون إلا بعد مغالبة! ولا أحد يغالب الله. أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب ٣ - من اللوازم الباطلة أنه يصح أن نقول: إن الله استوى على الأرض والشجر والجبال؛ لأنه مستول عليها. وهذه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.

стр. 2466

وأما استدلالهم بالبيت، فنقول: ١ - أثبتوا لنا سند هذا البيت وثقة رجاله، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا. ٢ - من هذا القائل؟ أفلا يمكن أن يكون قاله بعد تغير اللسان؟ لأن كل قول يستدل به على اللغة العربية بعد تغير اللغة العربية فإنه ليس بدليل؛ لأن العربية بدأت تتغير حين اتسعت الفتوح ودخل العجم مع العرب فاختلف اللسان، وهذا فيه احتمال أنه بعد تغير اللسان. ٣ - أن تفسيركم "استوى بشر على العراق" بـ (استولى) تفسير تعضده القرينة؛ لأنه من المعتذر أن بشرا يصعد فوق العراق فيستوي عليه، كما يستوي على السرير أو على ظهر الدابة فلهذا نلجأ إلى تفسيره بـ (استولى) . هذا نقوله من باب التنزل، وإلا، فعندنا في هذا جواب آخر: أن نقول: الاستواء في البيت بمعنى العلو؛ لأن العلو نوعان: ١ - علو حسي، كاستوائنا على السرير. ٢ - وعلو معنوي، بمعنى السيطرة والغلبة. فيكون معنى "استوى بشر على العراق" يعني: علا علو غلبة وقهر. وأما قولكم: إنه يلزم من تفسير الاستواء بالعلو أن يكون الله جسما. فجوابه: كل شيء يلزم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهو حق، ويجب علينا أن نلتزم به، ولكن الشأن كل الشأن أن يكون هذا من لازم كلام الله ورسوله؛ لأنه قد يمنع أن يكون لازما، فإذا ثبت أنه لازم، فليكن، ولا حرج علينا إذا قلنا به.

стр. 2467

ثم نقول: ماذا تعنون بالجسم الممتنع؟ إن أردتم به أنه ليس لله ذات تتصف بالصفات اللازمة لها اللائقة بها، فقولكم باطل؛ لأن لله ذاتا حقيقية متصفة بالصفات، وأن له وجها ويدا وعينا وقدما، وقولوا ما شئتم من اللوازم التي هي لازم حق. وأن أردتم بالجسم الذي قلتم يمتنع أن يكون الله جسما: الجسم المركب من العظام واللحم والدم وما أشبه ذلك، فهذا ممتنع على الله، وليس بلازم من القول بأن استواء الله على العرش علوه عليه. وأما قولهم: إنه يلزم أن يكون محدودا. فجوابه أن نقول بالتفصيل: ماذا تعنون بالحد؟ إن أردتم أن يكون محدودا، أي: يكون مباينا للخلق منفصلا عنهم، كما تكون أرض لزيد وأرض لعمر، فهذه محدودة منفصلة عن هذه، فهذا حق ليس فيه شيء من النقص. وإن أردتم بكونه محدودا: أن العرش محيط به، فهذا باطل، وليس بلازم، فإن الله تعالى مستوٍ على العرش، وإن كان أكبر من العرش ومن غير العرش، ولا يلزم أن يكون العرش محيطا به، بل لا يمكن أن يكون محيطا به؛ لأن الله أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه. وأما قولهم: يلزم أن يكون محتاجا إلى العرش. فنقول: لا يلزم؛ لأن معنى كونه مستويا على العرش: أنه فوق العرش

стр. 2468

لكنه علو خالص، وليس معناه أن العرش يقله أبدا، فالعرش لا يقله، والسماء لا تقله، وهذا اللازم الذي ادعيتموه ممتنع؛ لأنه نقص بالنسبة إلى الله ، وليس بلازم من الاستواء الحقيقي؛ لأننا لسنا نقول: إن معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، يعني: أن العرش يقله ويحمله، فالعرش محمول: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ، وتحمله الملائكة الآن، لكنه ليس حاملا لله ؛ لأن الله ليس محتاجا إليه، ولا مفتقرا إليه، وبهذا تبطل حججهم السلبية. وخلاصة ردنا لكالمهم من عدة أوجه: الأول: أن قولهم هذا مخالف لظاهر النص. ثانيا: مخالف لإجماع الصحابة وإجماع السلف قاطبة. ثالثا: أنه لم يرد في اللغة العربية أن (استوى) بمعنى (استولى) ، والبيت الذي احتجوا به على ذلك لا يتم به الاستدلال. رابعا: أنه يلزم عليه لوازم باطلة منها: ١ - أن يكون العرش قبل خلق السماوات والأرض، ملكا لغير الله. ٢ - أن كلمة (استولى) تعطي في الغالب أن هناك مغالبة بين الله وبين غيره، فاستولى عليه وغلبه. ٣ - أنه يصح أن نقول على زعمكم: إن الله استوى على الأرض والشجر والجبال والإنسان والبعير؛ لأنه (استولى) على هذه الأشياء، فإذا صح أن نطلق كلمة (استولى) على شيء، صح أن نطلق (استوى) على ذلك الشيء، لأنهما مترادفان على زعمكم.

стр. 2469

وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ــ فبهذه الأوجه يتبين أن تفسيرهم باطل. ولما كان أبو المعالي الجويني -عفا الله عنه- يقرر مذهب الأشاعرة، وينكر استواء الله على العرش، بل وينكر علو الله بذاته، قال: "كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره، وهو الآن على ما كان عليه". وهو يريد أن ينكر استواء الله على العرش، يعني: كان ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، إذا: لم يستو على العرش. فقال له أبو العلاء الهمذاني: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش والاستواء على العرش، يعني: لأن دليله سمعي، ولولا أن الله أخبرنا به ما علمناه أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجد في نفوسنا: ما قال عارف قط: يا الله! إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو. فبهت أبو المعالي، وجعل يضرب على رأسه: حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني! وذلك لأن هذا دليل فطري لا أحد ينكره. الموضع الثاني: في سورة يونس، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] . نقول فيها ما قلنا في الآية الأولى. الموضع الثالث: في سورة الرعد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] . ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ : بغير عمد: هل يعني: ليس لها عمد

стр. 2470

وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ــ مطلقا؟ أو لها عمد لكنها غير مرئية لنا؟ فيه خلاف بين المفسرين، فمنهم من قال: إن جملة ترونها صفة لـ عمد، أي: بغير عمد مرئية لكم، ولها عمد غير مرئية. ومنهم من قال: إن جملة ترونها جملة مستأنفة، معناها: ترونها كذلك بغير عمد. وهذا الأخير أقرب، فإن السماوات ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية، ولو كان لها عمد، لكانت مرئية في الغالب، وإن كان الله تعالى قد يحجب عنا بعض المخلوقات الجسمية لحكمة يريدها. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ : هذا الشاهد، ويقال في معناها ما سبق. الموضع الرابع: في سورة طه قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . قدم على العرش وهو معمول لـ استوى لإفادة الحصر والتخصيص وبيان أنه لم يستو على شيء سوى العرش. وفي ذكر الرحمن إشارة إلى أنه مع علوه وعظمته موصوف بالرحمة. الموضع الخامس: في سورة الفرقان قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] . ﴿الرَّحْمَنُ﴾ : فاعل استوى.

стр. 2471

وقال في سورة آلم السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . ــ الموضع السادس: في سورة آلم السجدة قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ السجدة: ٤] . نقول فيها مثل ما قلنا في آيتي الأعراف ويونس، لكن هنا فيه زيادة: وما بينهما؛ يعني: بين السماء والأرض، والذي بينهما مخلوقات عظيمة استحقت أن تكون معادلة للسماوات والأرض، وهذه المخلوقات العظيمة منها ما هو معلوم لنا كالشمس والقمر والنجوم والسحاب، ومنها ما هو مجهول إلى الآن. الموضع السابع: في سورة الحديد قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] . فهذه سبعة مواضع؛ كلها يذكر الله تعالى فيها الاستواء معدى بـ على. وبعد؛ فقد قال العلماء: إن أصل هذه المادة (س وي) تدل على الكمال ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢] ؛ أي: أكمل ما خلقه؛ فأصل السين والواو والياء تدل على الكمال. ثم هي على أربعة أوجه في اللغة العربية: معداة بـ (إلى) ، ومعداة بـ (على) ، ومقرونة بالواو، ومجردة: -فالمعداة بـ (على) مثل: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] ، ومعناها:

стр. 2472

علا واستقر. والمعداة بـ (إلى) : مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] . فهل معناها كالأولى المعداة بـ (على) ؟ فيها خلاف بين المفسرين: منهم من قال: إن معناها واحد، وهذا ظاهر تفسير ابن جرير ﵀؛ فمعنى استوى إلى السماء؛ أي: ارتفع إليها. ومنهم من قال: بل الاستواء هنا بمعنى القصد الكامل؛ فمعنى: استوى إليها؛ أي: قصد إليها قصدا كاملا، وأيدوا تفسيرهم هذا بأنها عديت بما يدل على هذا المعنى، وهو (إلى) ، وإلى هذا ذهب ابن كثير ﵀؛ ففسر قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ أي: قصد إلى السماء، والاستواء ها هنا مضمن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بـ (إلى) .ا. هـ كلامه. والمقرونة بالواو؛ كقولهم: استوى الماء والخشبة؛ بمعنى: تساوى الماء والخشبة. والمجردة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤] ، ومعناها: كمل. تنبيه: إذا قلنا: استوى على العرش؛ بمعنى: علا؛ فها هنا سؤال، وهو: إن الله خلق السماوات، ثم استوى على العرش؛ فهل يستلزم أنه قبل ذلك ليس عاليا؟

стр. 2473

وقوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ــ فالجواب: لا يستلزم ذلك؛ لأن الاستواء على العرش أخص من مطلق العلو؛ لأن الاستواء على العرش علو خاص به، والعلو شامل على جميع المخلوقات؛ فعلوه ثابت له أزلا وأبدا، لم يزل عاليا على كل شيء قبل أن يخلق العرش، ولا يلزم من عدم استوائه على العرش عدم علوه، بل هو عال، ثم بعد خلق السماوات والأرض علا علوا خاصا على العرش. فإن قلت: نفهم من الآية الكريمة أنه حين خلق السماوات والأرض ليس مستويا على العرش، لكن قبل خلق السماوات والأرض، هل هو مستو على العرش أو لا؟ فالجواب: الله أعلم بذلك. فإن قلت: هل استواء الله تعالى على عرشه من الصفات الفعلية أو الذاتية؟ فالجواب: أنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بمشيئته؛ فهي من الصفات الفعلية. إثبات علو الله على مخلوقاته ذكر المؤلف ﵀ في إثبات علو الله على خلقه ست آيات.. الآية الأولى: قوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . الخطاب لعيسى ابن مريم الذي خلقه الله من أم بلا أب، ولهذا ينسب إلى أمه، فيقال: عيسى ابن مريم. يقول الله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ : ذكر العلماء فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ ؛ بمعنى قابضك، ومنه قولهم: توفى حقه؛

стр. 2474

أي: قبضه. القول الثاني: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ : منيمك؛ لأن النوم وفاة؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] . القول الثالث: أنه وفاة موت: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ : مميتك، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] . والقول بأن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ متوفيك بمعنى مميتك بعيد؛ لأن عيسى ﵇ لم يمت، وسينزل في آخر الزمان؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] ؛ أي: قبل موت عيسى على أحد القولين، وذلك إذا نزل في آخر الزمان. وقيل: قبل موت الواحد؛ يعني: ما من أحد من أهل الكتاب إلا إذا حضرته الوفاة؛ آمن بعيسى، حتى وإن كان يهوديا. وهذا القول ضعيف. بقي النظر بين وفاة القبض ووفاة النوم، فنقول: إنه يمكن أن يجمع بينهما فيكون قابضا له حال نومه؛ أي أن الله تعالى ألقى عليه النوم؛ ثم رفعه، ولا منافاة بين الأمرين. قوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ : الشاهد هنا؛ فإن إلي تفيد الغاية، وقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ يدل على أن المرفوع إليه كان عاليا، وهذا يدل على علو الله . فلو قال قائل: المراد: رافعك منزلة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] .

стр. 2475

قلنا هذا لا يستقيم؛ لأن الرفع هنا عدَّى بحرف يختص بالرفع الذي هو الفوقية؛ رفع الجسد، وليس رفع المنزلة. واعلم أن علو الله ينقسم إلى قسمين: علو معنوي، وعلو ذاتي: ١ -أما العلو المعنوي؛ فهو ثابت لله بإجماع أهل القبلة؛ أي: بالإجماع من أهل البدع وأهل السنة؛ كلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علوا معنويا. ٢ -وأما العلو الذاتي؛ فيثبته أهل السنة، ولا يثبته أهل البدعة؛ يقولون: إن الله تعالى ليس عاليا علوا ذاتيا. فنبدأ أولا بأدلة أهل السنة على علو الله الذاتي فنقول: إن أهل السنة استدلوا على علو الله تعالى علوا ذاتيا بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة: أولا: فالكتاب تنوعت دلالته على علو الله؛ فتارة بذكر العلو، وتارة بذكر الفوقية، وتارة بذكر نزول الأشياء من عنده، وتارة بذكر صعودها إليه، وتارة بكونه في السماء. (١) فالعلو مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] . (٢) والفوقية: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] . (٣) ونزول الأشياء منه؛ مثل قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] . وما أشبه ذلك. (٤) وصعود الأشياء إليه؛ مثل قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]

стр. 2476

ومثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] . (٥) كونه في السماء؛ مثل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] . ثانيا: وأما السنة فقد تواترت عن النبي، ﷺ من قوله وفعله وإقراره: (١) فأما قول الرسول ﵊: فجاء بذكر العلو والفوقية، ومنه قوله، ﷺ «سبحان ربي الأعلى» ، وقوله لما ذكر السماوات؛ قال: «والله فوق العرش» . . (١) وجاء بذكر أن الله في السماء؛ مثل قوله، ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» . . (٢) وأما الفعل؛ فمثل رفع أصبعه إلى السماء، وهو يخطب الناس في أكبر جمع، وذلك في يوم عرفة، عام حجة الوداع؛ فإن الصحابة لم يجتمعوا اجتماعا أكبر من ذلك الجمع؛ إذ إن الذي حج معه بلغ نحو مئة ألف، والذين مات عنهم نحو مئة وأربعة وعشرين ألفا: يعني: عامة المسلمين حضروا ذلك الجمع، فقال ﵊: «ألا هل بلغت؟ ". قالوا: نعم. "ألا هل»

стр. 2477

«بلغت؟ ". قالوا: نعم. "ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. وكان يقول: "اللهم أشهد"؛ يشير إلى السماء بأصبعه، وينكتها إلى الناس» . . ومن ذلك رفع يديه إلى السماء في الدعاء. وهذا إثبات للعلو بالفعل. (٣) وأما التقرير؛ فإنه في «حديث معاوية بن الحكم ﵁؛ أنه أتى بجارية يريد أن يعتقها، فقال لها النبي، ﷺ : "أين الله؟ ". قالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ ". قالت: رسول الله. قال: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة» . . فهذه جارية لم تتعلم، والغالب على الجواري الجهل، لا سيما وهي أمة غير حرة، لا تملك نفسها، تعلم أن ربها في السماء، وضلال بني آدم ينكرون أن الله في السماء، ويقولون: إما أنه لا فوق العالم ولا تحته ولا يمين ولا شمال! أو أنه في كل مكان!! . فهذه من أدلة الكتاب والسنة. ثالثا: وأما دلالة الإجماع؛ فقد أجمع السلف على أن الله تعالى بذاته في السماء، من عهد الرسول ﵊، إلى يومنا هذا. إن قلت: كيف أجمعوا؟ نقول: إمرارهم هذه الآيات والأحاديث مع تكرار العلو فيها، والفوقية ونزول الأشياء منه وصعودها إليه دون أن يأتوا بما يخالفها إجماع منهم على مدلولها.

стр. 2478

ولهذا لما قال شيخ الإسلام: "إن السلف مجمعون على ذلك"؛ قال: "ولم يقل أحد منهم: إن الله ليس في السماء، أو: إن الله في الأرض، أو: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل، أو: إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه". رابعا: وأما دلالة العقل؛ فنقول: لا شك أن الله إما أن يكون في العلو أو في السفل، وكونه في السفل مستحيل؛ لأنه نقص يستلزم أن يكون فوقه شيء من مخلوقاته، فلا يكون له العلو التام والسيطرة التامة والسلطان التام، فإذا كان السفل مستحيلا؛ كان العلو واجبا. وهناك تقرير عقلي آخر، وهو أن نقول: إن العلو صفة كمال باتفاق العقلاء، وإذا كان صفة كمال؛ وجب أن يكون ثابتا لله؛ لأن كل صفة كمال مطلقة؛ فهي ثابتة لله. وقولنا: "مطلقة": احترازا من الكمال النسبي، الذي يكون كمالا في حال دون حال؛ فالنوم مثلا نقص، ولكن لمن يحتاج إليه ويستعيد قوته به كمال. خامسا: وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة؛ فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء، ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه، وإنما تتوجه إلى الله تعالى بدفعه؛ فإن قلبك ينصرف إلى السماء حتى الذين ينكرون علو الذات لا يقدرون أن ينزلوا أيديهم إلى الأرض. وهذه الفطرة لا يمكن إنكارها. حتى إنهم يقولون: إن بعض المخلوقات العجماء تعرف أن الله في

стр. 2479

السماء كما في الحديث الذي يروى «أن سليمان بن داود ﵊ وعلى أبيه خرج يستسقي ذات يوم بالناس، فلما خرج؛ رأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها نحو السماء، تقول: "اللهم! إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك". فقال: "ارجعوا؛ فقد سقيتم بدعوة غيركم".» وهذا إلهام فطري. فالحاصل أن: كون الله في السماء أمر معلوم بالفطرة. ووالله؛ لولا فساد فطرة هؤلاء المنكرين لذلك؛ لعلموا أن الله في السماء بدون أن يطالعوا أي كتاب؛ لأن الأمر الذي تدل عليه الفطرة لا يحتاج إلى مراجعة الكتب. والذين أنكروا علو الله بذاته يقولون: لو كان في العلو بذاته؛ كان في جهة، وإذا كان في جهة؛ كان محدودا وجسما، وهذا ممتنع! والجواب عن قولهم: "إنه يلزم أن يكون محدودا وجسما؛ نقول: أولا: لا يجوز إبطال دلالة النصوص بمثل هذه التعليلات، ولو جاز هذا؛ لأمكن كل شخص لا يريد ما يقتضيه النص أن يعلله بمثل هذه العلل العليلة. فإذا كان الله أثبت لنفسه العلو، ورسوله، ﷺ أثبت له العلو، والسلف الصالح أثبتوا له العلو؛ فلا يقبل أن يأتي شخص ويقول: لا يمكن أن يكون علو ذات؛ لأنه لو كان علو ذات؛ لكان كذا وكذا. ثانيا: نقول: إن كان ما ذكرتم لازما لإثبات العلو لزوما صحيحا؛ فلنقل به؛ لأن لازم كلام الله ورسوله حق؛ إذ إن الله تعالى يعلم ما يلزم من

стр. 2480

﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ــ كلامه. فلو كانت نصوص العلو تستلزم معنى فاسدا لبينه، ولكنها لا تستلزم معنى فاسدا. ثالثا: ثم نقول: ما هو الحد والجسم الذي أجلبتم علينا بخيلكم ورجلكم فيها. أتريدون بالحد أن شيئا من المخلوقات يحيط بالله؟! فهذا باطل ومنتف عن الله، وليس بلازم من إثبات العلو لله أو تريدون بالحد أن الله بائن من خلقه غير حال فيهم؟ فهذا حق من حيث المعنى، ولكن لا نطلق لفظه نفيا ولا إثباتا، لعدم ورود ذلك. وأما الجسم، فنقول: ماذا تريدون بالجسم؟ أتريدون أنه جسم مركب من عظم ولحم وجلد ونحو ذلك؟ فهذا باطل ومنتف عن الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. أم تريدون بالجسم ما هو قائم بنفسه متصف بما يليق به؟ فهذا حق من حيث المعنى، لكن لا نطلق لفظه نفيا ولا إثباتا، لما سبق. وكذلك نقول في الجهة، هل تريدون أن الله تعالى له جهة تحيط به؟ فهذا باطل، وليس بلازم من إثبات علوه. أم تريدون جهة علو لا تحيط بالله؟ فهذا حق لا يصح نفيه عن الله تعالى. الآية الثانية: قوله: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء: ١٥٨] . بل: للإضراب الإبطالي، لإبطال قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧-١٥٨] .

стр. 2481

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ــ فكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ . والشاهد قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ، فإنه صريح بأن الله تعالى عال بذاته، إذ الرفع إلى الشيء يستلزم علوه. الآية الثالثة: قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] . إليه: إلى الله . ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ : والكلم هنا اسم جمع، مفرده كلمة، وجمع كلمة كلمات، والكلم الطيب يشمل كل كلمة يتقرب بها إلى الله، كقراءة القرآن والذكر والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل كلمة تقرب إلى الله ، فهي كلمة طيبة، تصعد إلى الله ، وتصل إليه، والعمل الصالح يرفعه الله إليه أيضا. فالكلمات تصعد إلى الله، والعمل الصالح يرفعه الله، وهذا يدل على أن الله عال بذاته؛ لأن الأشياء تصعد إليه وترفع. الآية الرابعة: قوله: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦-٣٧] . هامان وزير فرعون، والآمر بالبناء فرعون. صرحا، أي بناء عاليا. ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ ، يعني: لعلي أبلغ الطرق التي توصل إلى السماء.

стр. 2482

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ــ ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ، يعني: أنظر إليه، وأصل إليه مباشرة؛ لأن موسى قال له: إن الله في السماء. فموه فرعون على قومه بطلب بناء هذا الصرح العالي ليرقى عليه، ثم يقول: لم أجد أحدا، ويحتمل أنه قاله على سبيل التهكم، يقول: إن موسى قال: إن إلهه في السماء، اجعلونا نرقى لنراه!! تهكما. وأيا كان، فقد قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ، للتمويه على قومه، وإلا فهو يعلم أنه صادق، وقد قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] ، فلم يقل: ما علمت! بل أقره على هذا الخبر المؤكد باللام و (قد) والقسم. والله يقول في آية أخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . الشاهد من هذا: أن أمر فرعون ببناء صرح يطلع به على إله موسى يدل على أن موسى ﷺ قال لفرعون وآله: إن الله في السماء. فيكون علو الله تعالى ذاتيا، قد جاءت به الشرائع السابقة. الآية الخامسة والسادسة: قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦-١٧] . والذي في السماء هو الله ، لكنه كنى عن نفسه بهذا؛ لأن المقام مقام إظهار عظمته، وأنه فوقكم، قادر عليكم، مسيطر عليكم، مهيمن عليكم؛ لأن العالي له سلطة على من تحته. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ ، أي: تضطرب.

стр. 2483

والجواب: لا نأمن والله! بل نخاف على أنفسنا إذا كثرت معاصينا أن تخسف بنا الأرض. والانهيارات التي يسمونها الآن: انهيارا أرضيا، وانهيارا جبليا.. وما أشبه ذلك هي نفس التي هدد الله بها هنا، لكن يأتون بمثل هذه العبارات ليهونوا الأمر على البسطاء من الناس. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ ، يعني بل أأمنتم، و (أم) هنا بمعنى (بل) والهمزة. ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ : الحاصب عذاب من فوق يحصبون به، كما فعل بالذين من قبلهم، كقوم لوط وأصحاب الفيل، والخسف من تحت. فالله هددنا من فوق ومن تحت، قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠] ، أربعة أنواع من العذاب. وهنا ذكر الله نوعين منها: الحاصب والخسف. والشاهد من هذه الآية هو قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ . والذي في السماء هو الله وهو دليل على علو الله بذاته. لكن هاهنا إشكال، وهو أن (في) للظرفية، فإذا كان الله في السماء، و (في) للظرفية، فإن الظرف محيط بالمظروف! أرأيت لو قلت: الماء في الكأس، فالكأس محيط بالماء وأوسع من الماء! فإذا كان الله يقول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ، فهذا ظاهره أن السماء محيطة بالله، وهذا الظاهر باطل، وإذا كان الظاهر باطلا، فإننا نعلم علم اليقين أنه غير مراد

стр. 2484

لله؛ لأنه لا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة باطلا. فما الجواب على هذا الإشكال؟ قال العلماء: الجواب أن نسلك أحد طريقين: فإما أن نجعل السماء بمعنى العلو، والسماء بمعنى العلو وارد في اللغة، بل في القرآن، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] ، والمراد بالسماء العلو؛ لأن الماء ينزل من السحاب لا من السماء التي هي السقف المحفوظ، والسحاب في العلو بين السماء والأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] . فيكون معنى ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ، أي: من في العلو. ولا يوجد إشكال بعد هذا، فهو في العلو. ليس يحاذيه شيء، ولا يكون فوقه شيء. ٢ - أو نجعل (في) بمعنى (على) ، ونجعل السماء هي السقف المحفوظ المرفوع، يعني: الأجرام السماوية، وتأتي (في) بمعنى (على) في اللغة العربية، بل في القرآن الكريم، قال فرعون لقومه السحرة الذين آمنوا: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] ، أي: على جذوع النخل. فيكون معنى ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ، أي: من على السماء. ولا إشكال بعد هذا. فإن قلت: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] .

стр. 2485

وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] ؟ . فالجواب: أن نقول: أما الآية الأولى، فإن الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ، فالظرف هنا لألوهيته، يعني: أن ألوهيته ثابتة في السماء وفي الأرض، كما تقول: فلان أمير في المدينة ومكة، فهو نفسه في واحدة منهما، وفيهما جميعا بإمارته وسلطته، فالله تعالى ألوهيته في السماء وفي الأرض، وأما هو ففي السماء. أما الآية الثانية: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ فنقول فيها كما قلنا في التي قبلها: وهو الله، أي: وهو الإله الذي ألوهيته في السماوات وفي الأرض، أما هو نفسه، ففي السماء. فيكون المعنى: هو المألوه في السماوات المألوه في الأرض، فألوهيته في السماوات وفي الأرض. فتخرج هذه الآية كتخريج التي قبلها. وقيل المعنى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ، ثم تقف، ثم تقرأ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ، أي أنه نفسه في السماوات، ويعلم سركم وجهركم في الأرض، فليس كونه في السماء مع علوه بمانع من علمه بسركم وجهركم في الأرض. وهذا المعنى فيه شيء من الضعف؛ لأنه يقتضي تفكيك الآية وعدم ارتباط بعضها ببعض، والصواب الأول: أن نقول: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ، يعني أن ألوهيته ثابتة في السماوات وفي الأرض، فتطابق الآية الأخرى.

стр. 2486

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ــ من الفوائد المسلكية في هذه الآيات: أن الإنسان إذا علم بأن الله تعالى فوق كل شيء، فإنه يعرف مقدار سلطانه وسيطرته على خلقه، وحينئذ يخافه ويعظمه، وإذا خاف الإنسان ربه وعظمه، فإنه يتقيه ويقوم بالواجب ويدع المحرم. إثبات معية الله لخلقه شرع المؤلف بسوق أدلة المعية؛ أي: أدلة معية الله تعالى لخلقه، وناسب أن يذكرها بعد العلو؛ لأنه قد يبدو للإنسان أن هناك تناقضا بين كونه فوق كل شيء وكونه مع العباد، فكان من المناسب جدا أن يذكر الآيات التي تثبت معية الله للخلق بعد ذكر آيات العلو. وفي معية الله تعالى لخلقه مباحث: المبحث الأول في أقسامها: معية الله تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة. والخاصة تنقسم إلى قسمين: مقيدة بشخص، ومقيدة بوصف. أما العامة؛ فهي التي تشمل كل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر. ودليلها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] . أما الخاصة المقيدة بوصف؛ فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .

стр. 2487

وأما الخاصة المقيدة بشخص معين؛ فمثل قوله تعالى عن نبيه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠، وقال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . وهذه أخص من المقيدة بوصف. فالمعية درجات: عامة مطلقة، وخاصة مقيدة بوصف، وخاصة مقيدة بشخص. فأخص أنواع المعية ما قيد بشخص، ثم ما قيد بوصف، ثم ما كان عاما. فالمعية العامة تستلزم الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، والمعية الخاصة بنوعيها تستلزم مع ذلك النصر والتأييد. المبحث الثاني: هل المعية حقيقية أو هي كناية عن علم الله وسمعه وبصره وقدرته وسلطانه وغير ذلك من معاني ربوبيته؟ أكثر عبارات السلف ﵏ يقولون: إنها كناية عن العلم وعن السمع والبصر والقدرة وما أشبه ذلك، فيجعلون معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: وهو عالم بكم سميع لأقوالكم، بصير بأعمالكم، قادر عليكم حاكم بينكم. . . . وهكذا، فيفسرونها بلازمها. واختار شيخ الإسلام ﵀ في هذا الكتاب وغيره أنها على حقيقتها، وأن كونه معنا حق على حقيقته، لكن ليست معيته كمعية الإنسان للإنسان التي يمكن أن يكون الإنسان مع الإنسان في مكانه؛ لأن معية الله ثابتة له وهو في علوه؛ فهو معنا، وهو عال على عرشه فوق كل شيء، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون معنا في الأمكنة التي

стр. 2488

نحن فيها. وعلى هذا، فإنه يحتاج إلى الجمع بينها وبين العلو. والمؤلف عقد لها فصلا خاصا سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وأنه لا منافاة بين العلو والمعية؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو عليّ في دنوه، قريب في علوه. وضرب شيخ الإسلام ﵀ لذلك مثلا بالقمر، قال: إنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، وهو موضوع في السماء، وهو من أصغر المخلوقات، فكيف لا يكون الخالق مع الخلق، الذي الخلق بالنسبة إليه ليسوا بشيء، وهو فوق سماواته؟! وما قاله ﵀ فيه دفع حجة بعض أهل التعطيل حيث احتجوا على أهل السنة، فقالوا: أنتم تمنعون التأويل، وأنتم تئولون في المعية، تقولون: المعية بمعنى العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان وما أشبه ذلك. فنقول: إن المعية حق على حقيقتها، لكنها ليست في المفهوم الذي فهمه الجهمية ونحوهم، بأنه مع الناس في كل مكان، وتفسير بعض السلف لها بالعلم ونحوه، تفسير باللازم. المبحث الثالث: هل المعية من الصفات الذاتية أو من الصفات الفعلية؟ فيه تفصيل: - أما المعية العامة، فهي ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال محيطا بالخلق علما وقدرة وسلطانا وغير ذلك من معاني ربوبيته. وأما المعية الخاصة، فهي صفة فعلية؛ لأنها تابعة لمشيئة الله، وكل

стр. 2489

صفة مقرونة بسبب هي من الصفات الفعلية، فقد سبق لنا أن الرضى من الصفات الفعلية؛ لأنه مقرون بسبب، إذا وجد السبب الذي به يرضى الله، وجد الرضى، وكذلك المعية الخاصة إذا وجدت التقوى أو غيرها من أسبابها في شخص، كان الله معه. المبحث الرابع في المعية: هل هي حقيقة أو لا؟ ذكرنا ذلك، وأن من السلف من فسرها باللازم، وهو الذي لا يكاد يرى الإنسان سواه. ومنهم من قال: هي على حقيقتها، لكنها معية تليق بالله، خاصة به. وهذا صريح كلام المؤلف هنا في هذا الكتاب وغيره، لكن تصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن الله معنا في الأرض ونحو ذلك، فإن هذا باطل مستحيل! المبحث الخامس في المعية: هل بينها وبين العلو تناقض؟ الجواب: لا تناقض بينهما، لوجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الله جمع بينهما فيما وصف به نفسه، ولو كانا يتناقضان ما صح أن يصف الله بهما نفسه. الوجه الثاني: أن نقول: ليس بين العلو والمعية تعارض، أصلا، إذ من الممكن أن يكون الشيء عاليا وهو معك، ومنه ما يقوله العرب: القمر معنا ونحن نسير، والشمس معنا ونحن نسير، والقطب معنا ونحن نسير، مع أن القمر والشمس والقطب كلها في السماء، فإذا أمكن اجتماع العلو والمعية في المخلوق، فاجتماعهما في الخالق من باب أولى. أرأيت لو أن إنسانا على جبل عالٍ، وقال للجنود: اذهبوا إلى مكان

стр. 2490

بعيد في المعركة، وأنا معكم، وهو واضع المنظار على عينيه، ينظر إليهم من بعيد، فصار معهم؛ لأنه الآن يبصر كأنهم بين يديه، وهو بعيد عنهم، فالأمر ممكن في حق المخلوق، فكيف لا يمكن في حق الخالق؟! الوجه الثالث: أنه لو تعذر اجتماعهما في حق المخلوق، لم يكن متعذرا في حق الخالق؛ لأن الله أعظم وأجل، ولا يمكن أن تقاس صفات الخالق بصفات المخلوقين، لظهور التباين بين الخالق والمخلوق. والرسول ﷺ يقول في سفره: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل» ، فجمع بين كونه صاحبا له وخليفة له في أهله، مع أنه بالنسبة للمخلوق غير ممكن، لا يمكن أن يكون شخص ما صاحبا لك في السفر وخليفة لك في أهلك. وثبت في الحديث الصحيح: أن الله يقول إذا قال المصلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : «حمدني عبدي» . كم من مصل يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ لا يحصون، وكم من مصليين، أحدهما يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، والثاني يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وكل واحد منهما له رد، الذي يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : يقول الله له: «حمدني عبدي» . والذي يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ : يقول الله له: «هذا بيني وبين عبدي نصفين» ...
следующие страницы →