Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ : قوله: بدلنا؛ أي: جعلنا آية مكان آية، وهذا إشارة إلى النسخ المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] ، فالله سبحانه إذا نسخ آية؛ جعل بدلها آية، سواء نسخها لفظا، أو نسخها حكما.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ : هذه جملة اعتراضية، وهي من أحسن ما يكون في هذا الموضع، والمعنى أن تبديلنا للآية ليس سفها وعبثا، بل هو صادر عن علم بما يصلح الخلق، فنبدل آية مكان آية؛ لعلمنا أن ذلك أصلح للخلق وأنفع لهم.
وفيها أيضا فائدة أخرى، وهي أن هذا التبديل ليس من عمل الرسول ﵊. بل هو من الله، أنزله بعلمه، وأبدل آية مكان آية بعلمه، وليس منك أيها الرسول.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] ؛ فماذا كان الجواب؟ كان الجواب بأن أجاب عن شيء من كلامهم وترك شيئا فقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥] ، ولم يقل: ولا أتي بقرآن غيره. لماذا؟ لأنه قد يأتي بتبديل من عنده، وإذا كان لا يمكنه تبديله؛ فالإتيان بغيره أولى بالامتناع.
стр. 2522
فالمهم: أن الذي يبدل آية مكان آية، سواء لفظها أو حكمها، هو الله سبحانه.
قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ : الجملة جواب وإذا.
قوله: إنما أنت: الخطاب هنا لمحمد، ﷺ .
قوله: مفتر؛ أي: كذاب، بالأمس تقول لنا كذا، واليوم تقول لنا كذا، هذا كذب، إنما أنت مفتر!!
لكن هذا القول الذي يقولونه إزاء إتيانه بآية مكان آية هو قول سفه، ولو أمعنوا النظر؛ لعلموا علم اليقين أن الذي يأتي بآية مكان آية هو الله سبحانه، وذلك يدل على صدقه، ﷺ ؛ لأن الكذاب يحذر غاية الحذر أن يأتي بكلام غير كلامه الأول؛ لأنه يخشى أن يطلع على كذبه، فلو كان كاذبا، كما يدعون أن ذلك من علامة الكذب؛ ما أتى بشيء يخالف الأول؛ لأنه إذا أتى بشيء يخالف الأول على زعمهم تبين كذبه بل إتيانه بما يخالف الأول دليل على صدقه بلا شك.
ولهذا قال هنا: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، وهذا إضراب إبطالي؛ معناه: بل لست مفتريا، ولكن أكثرهم لا يعلمون، ولو أنهم كانوا من ذوي العلم لعلموا أنه إذا بدلت آية مكان آية، فإنما ذلك دليل على صدق الرسول ﵊.
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ : رُوحُ الْقُدُسِ: هو جبريل، ووصفه بذلك لطهارته من الخيانة ﵊. ولهذا قال في آية أخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢١] .
قوله: من ربك قال: من ربك، ولم يقل: من رب العالمين؛
стр. 2523
إشارة إلى الربوبية الخاصة؛ ربوبية الله للنبي، ﷺ ، وهي ربوبية أخص الخاصة.
وقوله: بالحق: إما أن يكون وصفا للنازل أو للمنزول به.
فإن كان وصفا للنازل؛ فمعناه: أن نزوله حق، وليس بكذب.
وإن كان وصفا للمنزول به؛ فمعناه: أن ما جاء به فهو حق.
وكلاهما مراد؛ فهو حق من عند الله، ونازل بالحق.
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:١٠٥] .
فالقرآن حق، وما نزل به حق.
قوله: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ : هذا تعليل وثمرة عظيمة يثبت الذين آمنوا به ويمكنهم من الحق ويقويهم عليه.
قوله: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي: هدى يهتدون به، ومنارا يستنيرون به، وبشارة لهم يستبشرون به.
بشارة؛ لأن من عمل به، واستسلم له كان ذلك دليلا على أنه من أهل السعادة، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥-٧] .
ولهذا ينبغي للإنسان أن يفرح إذا رأى من نفسه الخير والثبات عليه والإقبال عليه، يفرح؛ لأن هذه بشارة له؛ فإن الرسول، ﷺ لما حدث أصحابه؛ قال «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ". قالوا: أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: "لا؛ اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له"، ثم قرأ:: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ » [الليل:٥-١٠] . .
стр. 2524
فإذا رأيت من نفسك أن الله قد من عليك بالهداية، والتوفيق والعمل الصالح ومحبة الخير وأهل الخير؛ فأبشر؛ فإن في هذا دليلا على أنك من أهل اليسرى، الذين كتبت لهم السعادة.
ولهذا قال هنا: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ .
قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ ؛ قال: ولقد نعلم، ولم يقل: لقد علمنا؛ لأن قولهم هذا يتجدد، فكان التعبير بالمضارع أولى من التعبير بالماضي؛ لأنه لو قال: لقد علمنا؛ لتبادر إلى ذهن بعض الناس أن المعنى: علمنا أنهم قالوا ذلك سابقا، لا أنهم يستمرون عليه.
وسبب نزول هذه الآية أن قريشا قالت: إن هذا القرآن الذي يأتي به محمد ليس من عند ربه، وإنما هو من شخص يعلمه ويقص عليه من قصص الأولين، ويأتي ليقول لنا: هذا من عند الله! أعوذ بالله!!
ادعوا أنه كلام البشر! والعجيب أنهم يدعون أنه كلام بشر، ويقال لهم: ائتوا بمثله، ولا يستطيعون!!
وقد أبطل الله افتراءهم هذا بقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ ، ومعنى يلحدون أي: يميلون؛ لأن قولهم هذا ميل عن الصواب بعيد عن الحق.
والأعجمي: هو الذي لا يفصح بالكلام، وإن كان عربيا، والعجمي بدون همزة هو: المنسوب إلى العجم وإن كان يتكلم العربية.
стр. 2525
فلسان هذا الذي يلحدون إليه أعجمي لا يفصح بالكلام العربي.
وأما القرآن؛ فإن الله قال فيه: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . بين في نفسه مبين لغيره.
فالقرآن كلام عربي، وهو أفصح الكلام، كيف يأتي من هذا الرجل الأعجمي، الذي لسانه لا يفصح بالكلام؟!
والشاهد هو قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ .
وكل هذه تدل على أن القرآن كلام الله تعالى منزل من عنده.
والمؤلف ترك الآية التي بعدها؛ لأنه ليس فيها شاهد، ولكنها مفيدة؛ فنذكرها: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٤-١٠٥] .
ومعنى هذه الآية: أن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولا ينتفعون بآياته، والعياذ بالله؛ فالهداية مسدودة عليهم.
وهذه الحقيقة فيها فائدة كبيرة، وهي: أن من لم يؤمن بآيات الله لا يهديه الله، ومفهوم المخالفة فيها: أن من آمن بآيات الله؛ هداه الله.
مثال ذلك: أننا نجد من لم يؤمن بالآيات؛ لم يهتد لبيان وجهها؛ مثل قول بعضهم: كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا وهو في العلو؟!
فنقول: آمن تهتد! فإذا آمنت بأنه ينزل حقيقة علمت أن هذا ليس بمستحيل: لأنه في جانب الله ، ولا يماثله شيء.
стр. 2526
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
ــ
ونجد من يقول في قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧] : كيف يريد الجدار؟
فنقول: آمن بأن الجدار يريد يتبين لك أن هذا ليس بغريب.
وهذه قاعدة ينبغي أن تكون أساسية عندك، وهي: آمن تهتد!
والذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله، ويبقى القرآن عليهم عمى-والعياذ بالله - ولا يستطيعون الاهتداء به، نسأل الله لنا ولكم الهداية.
ما نستفيده من الناحية المسلكية من هذه الآيات:
نستفيد أننا إذا علمنا أن هذا القرآن تكلم به رب العالمين؛ أوجب لنا ذلك تعظيم هذا القرآن، واحترامه، وامتثال ما جاء فيه من الأوامر، وترك ما فيه من المنهيات والمحذورات، وتصديق ما جاء فيه من الأخبار عن الله تعالى وعن مخلوقاته السابقة واللاحقة.
إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
ذكر المؤلف ﵀ آيات إثبات رؤية الله تعالى.
الآية الأولى: قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] .
قوله: وجوه يومئذ؛ يعني بذلك اليوم الآخر.
قوله: ناضرة؛ أي: حسنة، من النضارة؛ بالضاد، وهي: الحسن، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:١١] ؛ أي: حسنا في وجوههم، وسرورا في قلوبهم.
قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ : ناظرة؛ بالظاء، من النظر، وهنا عدي النظر بـ (إلى) الدالة على الغاية، وهو نظر صادر من الوجوه، والنظر الصادر
стр. 2527
من الوجوه يكون بالعين؛ بخلاف النظر الصادر من القلوب؛ فإنه يكون بالبصيرة والتدبر والتفكر؛ فهنا صدر النظر من الوجوه إلى الرب ؛ لقوله: (إلى ربها) .
فتفيد الآية الكريمة: أن هذه الوجوه الناضرة الحسنة تنظر إلى ربها ، فتزداد حسنا إلى حسنها.
وانظر كيف جعل هذه الوجوه مستعدة متهيئة للنظر إلى وجه الله ؛ لكونها نضرة حسنة متهيئة للنظر إلى وجه الله.
ففي هذه الآية دليل على أن الله يُرى بالأبصار وهذا هو قول أهل السنة والجماعة.
واستدلوا لذلك بالآيات التي ساقها المؤلف، واستدلوا أيضا بالأحاديث المتواترة عن النبي، ﷺ والتي نقلها عنه صحابة كثيرون ونقلها عن هؤلاء الصحابة تابعون كثيرون، ونقلها عن التابعين من تابع التابعين كثيرون. وهكذا.
والنصوص فيها قطعية الثبوت والدلالة؛ لأنها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله، ﷺ المتواترة.
وأنشدوا في هذا المعنى:
مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض
فالمراد بقوله: " ورؤية " رؤية المؤمنين لربهم.
وأهل السنة والجماعة يقولون: إن النظر هنا بالبصر حقيقة.
ولا يلزم منه الإدراك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] .
стр. 2528
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾
ــ
؛ كما أن العلم بالقلب أيضا لا يلزم منه الإدراك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] .
ونحن نعلم ربنا بقلوبنا، لكن لا ندرك كيفيته وحقيقته، وفي يوم القيامة نرى ربنا بأبصارنا، ولكن لا تدركه أبصارنا.
الآية الثانية: قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] .
الأرائك: جمع أريكة، وهي السرير الجميل المغطى بما يشبه الناموسية.
ينظرون: لم يذكر المنظور إليه، فيكون عاما لكل ما يتنعمون بالنظر إليه.
وأعظمه وأنعمه النظر إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤] ؛ فسياق الآية يشبه قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ؛ فهم ينظرون إلى كل ما يتنعمون بالنظر إليه.
ومنه النظر إلى قرناء السوء يعذبون في الجحيم؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ قَالَ أي: لأصحابه: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ : هل. للتشويق يطلعون على ماذا؟! على هذا القرين، ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ !! أعوذ بالله! رآه في سوائها، أي: في أصلها، وقعرها، سبحان الله! هذا في أعلى عليين، وهذا في أسفل سافلين، وينظر إليه مع بعد المسافة العظيمة!
لكن نظر أهل الجنة ليس كنظر أهل الدنيا، هناك ينظر الإنسان في ملكه في الجنة مسيرة ألفي عام ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، من كمال النعيم؛ لأن
стр. 2529
الإنسان لو كان نظره كنظره في الدنيا؛ ما استمتع بنعيم الجنة؛ لأنه ينظر إلى مدى قريب، فيخفى عليه شيء كثير منه.
اطلع من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فرآه في سواء الجحيم، قال يخاطبه: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ؛ وهذا يدل على أنه كان دائما يحاول أن يضله، ولهذا قال: إن كدت؛ يعني: إنك قاربت، ووإن هذه المخففة لا الثقيلة، ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى آخر الآيات [الصافات: ٥٤-٥٨] .
أقول: إن الناس سابقا يمارون في مثل هذا؛ كيف يكون في أعلى مكان ويخاطب من ينظر إليه ويكلمه في أسفل مكان؟!
ولكن ظهرت الآن أشياء من صنع البشر؛ كالأقمار الصناعية، والهواتف التليفزيونية. ... وغير ذلك؛ يرى الإنسان من خلالها من يكلمه وينظر إليه وهو بعيد.
مع أنه لا يمكن أن نقيس ما في الآخرة على ما في الدنيا.
إذا؛ ينظرون: عامة: ينظرون إلى الله، وينظرون ما لهم من النعيم، وينظرون ما يحصل لأهل النار من العذاب.
إذا قال قائل: هذا فيه إشكال!! كيف ينظرون إلى أهل النار ينكتون عليهم ويوبخونهم؟!
فنقول: والله؛ ما أكثر ما أذاق أهل النار أهل الجنة في الدنيا من العذاب والبلاء والمضايقة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ : يضحكون سواء في مجالسهم، أو معهم، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾
стр. 2530
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
ــ
أي: انقلبوا متنعمين بأقوالهم، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ ! قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٩-٣٥] ؛ ينظرون إليهم وهم- والعياذ بالله - في سواء الجحيم.
إذا؛ يكون هذا من تمام عدل الله ؛ بأن جعل هؤلاء الذين كانوا يضايقون في دار الدنيا، جعلهم الآن يفرحون بنعمة الله عليهم، ويوبخون هؤلاء الذين في سواء الجحيم.
الآية الثالثة: قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] .
قوله: للذين: خبر مقدم.
والحسنى: مبتدأ مؤخر، وهي الجنة.
زيادة: هي النظر إلى وجه الله.
هكذا فسره النبي، ﷺ : كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم " وغيره.
ففي هذه الآية دليلة على ثبوت رؤية الله من تفسير الرسول ﵊، وهو أعلم الناس بمعاني القرآن بلا شك، وقد فسرها بالنظر إلى وجه الله، وهي زيادة على نعيم الجنة.
إذا؛ فهي نعيم ليس من جنس النعيم في الجنة؛ لأن جنس النعيم في الجنة نعيم بدن، أنهار، وثمار، وفواكه، وأزواج مطهرة. .. وسرور القلب فيها تبع، لكن النظر إلى وجه الله نعيم قلب، لا يرى أهل الجنة نعيما أفضل منه، نسأل الله أن يجعلنا ممن يراه.
стр. 2531
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾
ــ
وهذا نعيم ما له من نظير أبدا؛ لا فواكه، ولا أنهار، ولا غيرها أبدا، ولهذا قال: وزيادة؛ أي: زيادة على الحسنى.
الآية الرابعة: قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] .
قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ ؛ أي: في الجنة كل ما يشاءون.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن «رجلا قال للنبي ﷺ : يا رسول الله: أفي الجنة خيل؛ فإني أحب الخيل؟ فقال: " إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا، من ياقوتة حمراء، تطير بك في الجنة شئت إلا فعلت". وقال الأعرابي: يا رسول الله: أفي الجنة إبل؛ فإني أحب الإبل؟ قال: " يا أعرابي: إن يدخلك الله الجنة؛ أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك ".»
فإذا اشتهى أي شيء؛ فإنه يكون ويتحقق، حتى إن بعض العلماء يقول: لو اشتهى الولد لكان له ولد؛ فكل شيء يشتهونه فهو لهم. قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] .
وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ؛ أي: مزيد على ما يشاءون.
يعني: أن الإنسان إذا شاء شيئا يعطى إياه، ويعطى زيادة؛ كما جاء في الحديث الصحيح في «آخر أهل الجنة دخولا، يعطيه الله نعيما،»
стр. 2532
«ونعيما ... ويقول: رضيت. يقول له: " لك مثله وعشرة أمثاله» فهو أكثر مما يشاء.
وفسر المزيد كثير من العلماء بما فسر به النبي ﷺ الزيادة وهي: النظر إلى وجه الله الكريم.
فتكون الآيات التي ساقها المؤلف لإثبات رؤية الله تعالى أربعا.
وهناك آية خامسة استدل بها الشافعي ﵀، وهي قوله تعالى في الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] .
ووجه الدلالة أنه ما حجب هؤلاء في الغضب؛ إلا رآه أولئك في الرضى؛ فإذا كان أهل الغضب محجوبين عن الله؛ فأهل الرضى يرون الله .
وهذا استدلال قوي جدا؛ لأنه لو كان الكل محجوبين؛ لم يكن مزية لذكر هؤلاء.
وعلى هذا؛ فنقول: الآيات خمس، ويمكن أن نلحق بها قول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ؛ على ما سنقرره في الرد على النفاة إن شاء الله.
فهذا قول أهل السنة في رؤية الله تعالى وأدلتهم، وهي ظاهرة جلية، لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر.
وخالفهم في ذلك طوائف من أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، واستدلوا بأدلة سمعية متشابهة، وأدله عقلية متداعية:
стр. 2533
أما الأدلة السمعية:
فالأول: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
ووجه الدلالة أن [لن] للنفي المؤبد، والنفي خبر، وخبر الله تعالى صدق، لا يدخله النسخ.
والرد عليهم من وجوه:
- الأول: منع كون [لن] للنفي المؤبد؛ لأنه مجرد دعوى: قال ابن مالك في " الكافية ":
ومن رأى النفي بلن مؤبدا ... فقوله اردد وسواه فاعضدا
الثاني: أن موسى ﵊ لم يطلب من الله الرؤية في الآخرة؛ وإنما طلب رؤية حاضرة؛ لقوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي: الآن. فقال الله تعالى له: لَنْ تَرَانِي؛ يعني: لن تستطيع أن تراني الآن، ثم ضرب الله تعالى له مثلا بالجبل حيث تجلى الله تعالى له فجعله دكا، فقال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ، فلما رأى موسى ما حصل للجبل؛ علم أنه هو لا طاقة له برؤية الله، وخر صعقا لهول ما رأى.
ونحن نقول: إن رؤية الله تعالى في الدنيا مستحيلة؛ لأن الحال البشرية لا تستطيع تحمل رؤية الله ؛ كيف وقد قال النبي ﷺ عن ربه : «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»
стр. 2534
أما رؤية الله تعالى في الآخرة فممكنة؛ لأن الناس في ذلك اليوم يكونون في عالم آخر تختلف فيه أحوالهم عن حالهم في الدنيا؛ كما يعلم ذلك من نصوص الكتاب والسنة فيما يجري للناس في عرصات القيامة وفي مقرهم في دار النعيم أو الجحيم.
- الوجه الثالث: أن يقال: استحالة رؤية الله في الآخرة عند المنكرين لها مبنية على أن إثباتها يتضمن نقصا في حق الله تعالى! كما يعللون نفيهم بذلك، وحينئذ يكون سؤال موسى لربه الرؤية دائرا بين الجهل بما يجب لله ويستحيل في حقه، أو الاعتداء في دعائه حين طلب من الله ما لا يليق به إن كان عالما بأن ذلك مستحيل في حق الله، وحينئذ يكون هؤلاء النافون أعلم من موسى فيما يجب لله تعالى ويستحيل في حقه!! وهذا غاية الضلال! وبهذا الوجه يتبين أن في الآية دليلا عليهم لا دليلا لهم. وهكذا؛ كل دليل من الكتاب والسنة الصحيحة يستدل على باطل أو نفي حق فسيكون دليلا على من أورده، لا دليلا له.
الدليل الثاني لنفاة رؤية الله تعالى: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] .
والرد عليهم: أن الآية فيها نفي الإدراك، والرؤية لا تستلزم الإدراك، ألا ترى أن الرجل يرى الشمس ولا يحيط بها إدراكا؟!
فإذا أثبتنا أن الله تعالى يرى؛ لم يلزم أن يكون يدرك بهذه الرؤية؛ لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية.
ولهذا نقول: إن نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ولو كان الأعم منتفيا؛ لوجب نفيه، وقيل: لا تراه الأبصار؛ لأن نفيه يقتضي نفي الأخص، ولا عكس، ولأنه؛ لو كان الأعم منتفيا؛ لكان نفي الأخص إيهاما وتلبيسا ينزه عنه كلام
стр. 2535
الله .
وعلى هذا؛ يكون في الآية دليل عليهم لا دليل لهم.
وأما أدلة نفاة الرؤية العقلية: فقالوا: لو كان الله يرى؛ لزم أن يكون جسما، والجسم ممتنع على الله تعالى؛ لأنه يستلزم التشبيه والتمثيل.
والرد عليهم: أنه إن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسما؛ فليكن ذلك، لكننا نعلم علم اليقين أنه لا يماثل أجسام المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
على أن القول بالجسم نفيا أو إثباتا مما أحدثه المتكلمون، وليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه.
وقد أجاب النفاة عن أدلة أهل الإثبات بأجوبة باردة، فحرفوها تحريفا لا يخفى على أحد، وليس هذا موضوع ذكرها، وهذه مذكورة في الكتب المطولة.
ما نستفيده من الناحية المسلكية من هذه الآيات:
أما في مسألة الرؤية؛ فما أعظم أثرها على الاتجاه المسلكي؛ لأن الإنسان إذا وجد أن غاية ما يصل إليه من الثواب هو النظر إلى وجه الله كانت الدنيا كلها رخيصة عنده؛ وكل شيء يرخص عنده في جانب الوصول إلى رؤية الله ؛ لأنها غاية كل طالب، ومنتهى المطالب.
فإذا علمت أنك سوف ترى ربك عيانا بالبصر؛ فوالله لا تساوي الدنيا عندك شيئا.
فكل الدنيا ليست بشيء؛ لأن النظر إلى وجه الله هو الثمرة التي يتسابق فيها المتسابقون، ويسعى إليها الساعون، وهي غاية المرام من كل شيء.
فإذا علمت هذا؛ فهل تسعى إلى الوصول إلى ذلك أم لا؟!
стр. 2536
وهذا الباب في كتاب الله كثير ومن تدبر القرآن طالبا للهدى منه تبين له طريق الحق
ــ
والجواب: نعم؛ أسعى إلى الوصول إلى ذلك بدون تردد.
وإنكار الرؤية في الحقيقة حرمان عظيم، لكن الإيمان بها يسوق الإنسان سوقا عظيما إلى الوصول إلى هذه الغاية، فهو يسير ولله الحمد؛ فالدين كله يسر، حتى إذا وجد الحرج تيسر الدين؛ فأصله ميسر، وإذا وجد الحرج تيسر ثانية، وإذا لم يكن القيام به أبدا سقط؛ فلا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة.
قوله: " وهذا الباب ": الإشارة هنا إلى باب الأسماء والصفات.
قوله: " في كتاب الله كثير ": ولذلك؛ ما من آية من كتاب الله؛ إلا وتجد فيها غالبا اسما من أسماء الله، أو فعلا من أفعاله، أو حكما من أحكامه، بل لو شئت لقلت: كل آية في كتاب الله فهي صفة من صفات الله؛ لأن القرآن الكريم كلام الله ؛ فكل آية منه؛ فهي صفة من صفات الله . تدبر الشيء؛ معناه: التفكير فيه؛ كأن الإنسان يستدبره مرة ويستقبله أخرى؛ فهو يكرر اللفظ ليفهم المعنى.
فالذي يتدبر القرآن بهذا الفعل، وأما النية؛ فهي أن يكون " طالبا للهدى منه "؛ فليس قصده بتدبر القرآن أن ينتصر لقوله، أو أن يتخذ منه مجادلة بالباطل، ولكن قصده طلب الحق؛ فإنه سوف تكون النتيجة قول المؤلف: " تبين له طريق الحق ".
وما أعظمها من نتيجة!! لكنها مسبوقة بأمرين: التدبر، وحسن النية؛ بأن يكون الإنسان طالبا للهدى من القرآن؛ فحينئذ يتبين له طريق الحق.
والدليل على ذلك عدة آيات؛ منها:
стр. 2537
قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] .
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [صّ:٢٩] .
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٦٨] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:٣٢] .
والآيات في هذا كثيرة، تدل على أن من تدبر القرآن لكن بهذه النية، وهي طلب الهدى منه؛ لا بد أن يصل إلى النتيجة، وهي تبين طريق الحق.
أما من تدبر القرآن ليضرب بعضه ببعض، وليجادل بالباطل، ولينصر قوله؛ كما يوجد عند أهل البدع وأهل الزيغ فإنه يعمى عن الحق والعياذ بالله.
لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] ؛ على تقدير [أما] ؛ أي: وأما الراسخون في العلم؛ فـ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] ، وإذا قالوا هذا القول؛ فسيهتدون إلى بيان هذا المتشابه، ثم قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .
стр. 2538
فصل: في سنة رسول الله ﷺ
ــ
السنة في اللغة: الطريقة، ومنه قال رسول الله ﷺ : «لتركبن سنن من كان قبلكم» يعني: طريقتهم.
وفي الاصطلاح هي: " قول النبي ﷺ وفعله وإقراره ". فتشمل الواجب والمستحب.
والسنة هي المصدر الثاني في التشريع.
ومعنى قولنا: " المصدر الثاني ": يعني: في العدد، وليس في الترتيب؛ فإن منزلتها إذا صحت عن النبي ﷺ كمنزلة القرآن.
لكن الناظر في القرآن يحتاج إلى شيء واحد، وهو صحة الدلالة على الحكم، والناظر في السنة يحتاج إلى شيئين: الأول: صحة نسبتها إلى الرسول ﷺ ، والثاني: صحة دلالتها على الحكم؛ فكان المستدل بالسنة يعاني من الجهد أكثر مما يعانيه المستدل بالقرآن؛ لأن القرآن قد كفينا سنده؛ فسنده متواتر، ليس فيه ما يوجب الشك؛ بخلاف ما ينسب إلى الرسول ﷺ . فإذا صحت السنة عن رسول الله ﷺ ؛ كانت بمنزلة القرآن تماما في تصديق الخبر والعمل بالحكم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣] .
стр. 2539
ف السنة تفسر القرآن وتبينه
ــ
وقال النبي ﷺ : «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته؛ يأتيه الأمر من أمري؛ يقول: لا ندري! ما وجدنا في كتاب الله؛ اتبعناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه» .
ولهذا كان القول الصحيح أن القرآن ينسخ بالسنة إذا صحت عن النبي ﷺ ، وأن ذلك جائز عقلا وشرعا، ولكن ليس له مثال مستقيم.
تفسر القرآن يعني: توضح المعنى المراد منه: كما في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ؛ حيث فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله .
وكما فسر النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] ، فقال: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» .
يعني: تبين المجمل منه؛ حيث إن في القرآن آيات مجملة، لكن السنة بينتها ووضحتها؛ مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] أمر الله بإقامتها، وبينت السنة كيفيتها.
وقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] .
стр. 2540
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ؛ يعني: من دلوك الشمس إلى غسق الليل؛ أي: غاية ظلمته، وهو نصفه؛ لأن أشد ما يكون في ظلمة الليل نصفه.
فظاهر الآية أن هذا وقت واحد، ولكن السنة فصلت هذا المجمل: فللظهر: من دلوك الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله.
وللعصر: من ذلك إلى اصفرار الشمس في الاختيار، ثم إلى غروبها في الضرورة.
وللمغرب: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.
وللعشاء: من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل، وليس هناك وقت ضرورة للعشاء، ولهذا لو طهرت الحائض في منتصف الليل الأخير؛ لم يجب عليها صلاة العشاء ولا صلاة المغرب؛ لأن صلاة العشاء تنتهي بانتصاف الليل، ولم يأت في السنة دليل على أن وقت صلاة العشاء يمتد إلى طلوع الفجر.
وللفجر: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ ولهذا قال في نفس الآية: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ، ثم فصل وقت الفجر، فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: ٧٨) ؛ لأن وقت الفجر بينه وبين الأوقات الأخرى فاصل من قبله ومن بعده؛ فنصف الليل الثاني قبله، ونصف النهار الأول بعده. هذا من بيان السنة حيث بينت الأوقات.
كذلك: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ؛ بينت السنة الأنصبة والأموال الزكوية.
стр. 2541
وتدل عليه وتعبر عنه
ــ
هذه كلمة تعم التفسير والتبيين والتعبير؛ فالسنة تفسر القرآن وتبين القرآن.
يعني: تأتي بمعان جديدة أو بأحكام جديدة ليست في القرآن، وهذا كثير؛ فإن كثيرا من الأحكام الشرعية استقلت بها السنة، ولم يأت بها القرآن.
لكن دل على أن لها حكم ما جاء في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] .
أما الحكم المعين؛ فالسنة استقلت بأحكام كثيرة عن القرآن، ومن ذلك ما سيأتينا في أول حديث ذكره المؤلف في هذا الفصل: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر» ... "؛ فإن هذا ليس في القرآن.
إذًا السنة مقامها مع القرآن على هذه الأنواع الأربعة: تفسير مشكل، وتبيين مجمل، ودلالة عليه، وتعبير عنه.
стр. 2542
وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول؛ وجب الإيمان بها كذلك
ــ
هذه قاعدة مهمة ساقها المؤلف ﵀:
قوله: " وما ": هذه شرطية. وفعل الشرط: " وصف ". " وجب الإيمان بها ": هذا جواب الشرط.
فما وصف الرسول به ربه، وكذلك ما سمى به ربه؛ لأن هناك أسماء مما سمى به الرسول ربه لم تكن موجودة في القرآن؛ مثل (الشافي) ؛ قال النبي ﷺ : «واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك» .
" الرب ": لم يأت في القرآن بدون إضافة لكن في السنة قال الرسول ﷺ : «أما الركوع فعظموا فيه الرب» .
وقال في السواك: «مطهرة للفم مرضاة للرب» .
وظاهر كلام المؤلف أنه يشترط لقبولها شرطان:
الأول: أن تكون الأحاديث صحيحة.
الثاني: أن يكون أهل المعرفة يعني بالأحاديث تلقوها بالقبول، ولكن ليس هذا هو المراد، بل مراد الشيخ ﵀ أن الأحاديث الصحاح تلقاها أهل المعرفة بالقبول فتكون الصفة هذه صفة كاشفة لا صفة مقيدة.
فقوله: " التي تلقاها ": هذا بيان لحال الأحاديث الصحيحة أي أن
стр. 2543
أهل المعرفة تلقوها بالقبول لأنه من المستحيل أن تكون الأحاديث صحيحة، ثم يرفضها أهل المعرفة، بل سيقبلونها.
صحيح أن هناك أحاديث ظاهرها الصحة، ولكن قد تكون معلولة بعلة؛ كانقلاب على الراوي ونحوه، وهذه لا تعد من الأحاديث الصحيحة.
قال: " وجب الإيمان بها ": لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٥ - ٦٦] ... والنصوص في هذا كثيرة معلومة.
واعلم أن موقف أهل الأهواء والبدع تجاه الأحاديث المخالفة لأهوائهم يدور على أمرين: إما التكذيب، وإما التحريف.
فإن كان يمكنهم تكذيبه؛ كذبوه؛ كقولهم في القاعدة الباطلة: أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة!!
وقد رد ابن القيم ﵀ هذه القاعدة وأبطلها بأدلة كثيرة في آخر " مختصر الصواعق ".
وإن كان لا يمكنهم تكذيبه؛ حرفوه؛ كما حرفوا نصوص القرآن.
أما أهل السنة؛ فقبلوا كل ما صح عن النبي ﷺ في الأمور العلمية والأمور العملية؛ لقيام الدليل على وجوب قبول ذلك.
وقوله: " كذلك "؛ يعني: كما يجب الإيمان بما في القرآن؛ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
стр. 2544
مثل قوله ﷺ : «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر. فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه
ــ
فصل في أحاديث الصفات
هذا الحديث في إثبات نزول الله إلى السماء الدنيا:
وهذا الحديث قال بعض أهل العلم: إنه من الأحاديث المتواترة، واتفقوا على أنه من الأحاديث المشهورة المستفيضة عند أهل العلم بالسنة.
قوله: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» : نزوله تعالى حقيقي؛ لأنه كما مر علينا من قبل: أن كل شيء كان الضمير يعود إلى الله؛ فهو ينسب إليه حقيقة.
فعلينا أن نؤمن به ونصدق ونقول: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، وهي أقرب السماوات إلى الأرض، والسماوات سبع، وإنما ينزل في هذا الوقت من الليل للقرب من عباده جل وعلا؛ كما يقرب منهم عشية عرفة؛ حيث يباهي بالواقفين الملائكة.
وقوله: " كل ليلة " يشمل جميع ليالي العام.
«حين يبقى ثلث الليل الآخر» والليل يبتدئ من غروب الشمس اتفاقا لكن حصل الخلاف في انتهائه هل يكون بطلوع الفجر أو بطلوع الشمس؛ والظاهر أن الليل الشرعي ينتهي بطلوع الفجر، والليل الفلكي ينتهي بطلوع الشمس.
стр. 2545
وقوله " فيقول: من يدعوني ": " من ": استفهام للتشويق؛ كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] .
و" يدعوني " أي: يقول: يا رب.
وقوله: " فأستجيب له ": بالنصب؛ لأنها جواب الطلب.
" من يسألني ": يقول: أسألك الجنة، أو نحو ذلك.
" من يستغفرني ": فيقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفرك اللهم.
" فأغفر له ": والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه.
بهذا يتبين لكل إنسان قرأ هذا الحديث أن المراد بالنزول هنا نزول الله نفسه، ولا نحتاج أن نقول: بذاته؛ ما دام الفعل أضيف إليه؛ فهو له، لكن بعض العلماء قالوا: ينزل بذاته؛ لأنهم لجئوا إلى ذلك، واضطروا إليه؛ لأن هناك من حرفوا الحديث وقالوا: الذي ينزل أمر الله. وقال آخرون: بل الذي ينزل رحمة الله. وقال آخرون: بل الذي ينزل ملك من ملائكة الله.
وهذا باطل؛ فإن نزول أمر الله دائما وأبدا، ولا يختص نزوله في الثلث الأخير من الليل؛ قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، وقال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣] .
وأما قولهم: تنزل رحمة الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر. فسبحان الله. الرحمة لا تنزل إلا في هذا الوقت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ؛ كل النعم من الله، وهي من
стр. 2546
آثار رحمته، وهي تترى كل وقت.
ثم نقول: أي فائدة لنا بنزول الرحمة إلى السماء الدنيا؟
ثم نقول لمن قال: إنه ملك من ملائكته: هل من المعقول أن الملك من ملائكته الله يقول: من يدعوني فأستجيب له ... إلخ؟
فتبين بهذا أن هذه الأقوال تحريف باطل يبطله الحديث.
ووالله؛ ليسوا أعلم بالله من رسول الله، وليسوا أنصح لعباد الله من رسول الله، وليسوا أفصح في قولهم من رسول الله ﷺ .
يقولون: كيف تقولون: إن الله ينزل؟ إذا نزل؛ أين العلو؟ وإذا نزل؛ أين الاستواء على العرش؟ إذا نزل؛ فالنزول حركة وانتقال. إذا نزل؛ فالنزول حادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادث.
فنقول: هذا جدال بالباطل، وليس بمانع من القول بحقيقة النزول. هل أنتم أعلم بما يستحقه الله من أصحاب الرسول ﷺ ؟
فأصحاب الرسول ﷺ ما قالوا هذه الاحتمالات أبدا؛ قالوا: سمعنا وآمنا وقبلنا وصدقنا.
وأنتم أيها الخالفون المخالفون تأتون الآن وتجادلون بالباطل وتقولون: كيف؟ وكيف؟
نحن نقول: ينزل، ولا نتكلم عن استوائه على العرش؛ هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟
أما العلو؛ فنقول: ينزل، ولكنه عال على خلقه؛ لأنه ليس
стр. 2547
معنى النزول أن السماء تقله، وأن السماوات الأخرى تظله؛ إذ إنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته.
فنقول: هو ينزل حقيقة مع علوه حقيقة، وليس كمثله شيء.
أما الاستواء على العرش فهو فعل، ليس من صفات الذات، وليس لنا حق -فيما أرى- أن نتكلم هل يخلو منه العرش أو لا يخلو، بل نسكت كما سكت عن ذلك الصحابة ﵃.
وإذا كان علماء أهل السنة لهم في هذا ثلاثة أقوال: قول بأنه يخلو، وقول بأنه لا يخلو، وقول بالتوقف.
وشيخ الإسلام ﵀ في " الرسالة العرشية " يقول: إنه لا يخلو منه العرش؛ لأن أدلة استوائه على العرش محكمة، والحديث هذا محكم، والله لا تقاس صفاته بصفات الخلق؛ فيجب علينا أن نبقي نصوص الاستواء على إحكامها، ونص النزول على إحكامه، ونقول: هو مستو على عرشه، نازل إلى السماء الدنيا، والله أعلم بكيفية ذلك، وعقولنا أقصر وأدنى وأحقر من أن تحيط بالله .
القول الثاني: التوقف؛ يقولون: لا نقول: يخلو، ولا: لا يخلو.
والثالث: أنه يخلو منه العرش. وأورد المتأخرون الذين عرفوا أن الأرض كروية وأن الشمس تدور على الأرض إشكالا؛ قالوا: كيف ينزل في ثلث الليل؟ وثلث الليل إذا انتقل عن المملكة العربية السعودية؛ ذهب إلى أوربا وما قاربها؟ أفيكون نازلا دائما؟
стр. 2548
فنقول: آمن أولا بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين، وإذا آمنت؛ ليس عليك شيء وراء ذلك، لا تقل كيف؟ وكيف؟ بل قل: إذا كان ثلث الليل في السعودية؛ فالله نازل، وإذا كان في أمريكا ثلث الليل؛ يكون نزول الله أيضا، وإذا طلع الفجر؛ انتهى وقت النزول في كل مكان بحسبه.
إذًا؛ موقفنا أن نقول: إنا نؤمن بما وصل إلينا عن طريق محمد رسول الله ﷺ ؛ «بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الآخر من الليل، ويقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له"؟»
من فوائد هذا الحديث:
أولا: إثبات العلو لله من قوله: " ينزل ".
ثانيا: إثبات الأفعال الاختيارية التي هي الصفات الفعلية من قوله: «ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر» .
ثالثا: إثبات القول لله من قوله: " يقول ".
رابعا: إثبات الكرم لله من قوله: " من يدعوني ... من يسألني ... من يستغفرني ... ".
وفيه من الناحية المسلكية:
أنه ينبغي للإنسان أن يغتنم هذا الجز من الليل، فيسأل الله ويدعوه ويستغفره، ما دام الرب سبحانه يقول: " من يدعوني ... من يستغفرني ... " و"من": للتشويق؛ فينبغي لنا أن نستغل هذه الفرصة؛
стр. 2549
وقوله ﷺ : «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته ... » الحديث. متفق عليه.
ــ
لأنه ليس لك من العمر إلا ما أمضيته في طاعة الله، وستمر بك الأيام فإذا نزل بك الموت؛ فكأنك ولدت تلك الساعة، وكل ما مضى ليس بشيء.
هذا الحديث في إثبات الفرح «لله أشد فرحا بتوبة عبده ... » ؟
" لله ": اللام هذه لام الابتداء. " الله " مبتدأ.
" أشد ": خبر المبتدأ.
" فرحا ": تمييز.
قال المؤلف: " الحديث "؛ أي: أكمل الحديث.
والحديث أن هذا الرجل كان معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فضلت عنه، فذهب يطلبها، فلم يجدها، فأيس من الحياة ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت؛ فإذا بخطام ناقته متعلقا بالشجرة، ولا أحد يستطيع أن يقدر هذا الفرح؛ إلا من وقع فيه، فأمسك بخطام الناقة، وقال: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح؛ لم يملك كيف يتصرف في الكلام.
فالله أفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه من هذا الرجل براحلته، وليس الله بمحتاج إلى توبتنا، بل نحن مفتقرون إليه في كل أحوالنا لكن لكرمه جل وعلا ومحبته للإحسان والفضل والجود يفرح هذا الفرح الذي لا نظير له بتوبة الإنسان إذا تاب إليه.
стр. 2550
في هذا الحديث: إثبات الفرح لله ؛ فنقول في هذا الفرح: إنه فرح حقيقي، وأشد فرح، ولكنه ليس كفرح المخلوقين.
الفرح بالنسبة للإنسان هو نشوة وخفة يجدها الإنسان من نفسه عند حصول ما يسره، ولهذا تشعر بأنك إذا فرحت بالشيء كأنك تمشي على الهواء، لكن بالنسبة لله لا نفسر الفرح بمثل ما نعرفه من أنفسنا؛ نقول: هو فرح يليق به ؛ مثل بقية الصفات؛ كما أننا نقول: لله ذات، ولكن لا تماثل ذواتنا؛ فله صفات لا تماثل صفاتنا؛ لأن الكلام عن الصفات فرع عن الكلام في الذات.
فنؤمن بأن الله تعالى له فرح كما أثبت ذلك أعلم الخلق به، محمد ﷺ ، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق فيما ينطق به ﵊.
ونحن على خطر إذا قلنا: المراد بالفرح الثواب؛ لأن أهل التحريف يقولون: إن الله لا يفرح، والمراد بفرحه: إثباته التائب، أو: إرادة الثواب؛ لأنهم هم يثبتون أن لله تعالى مخلوقا بائنا منه هو الثواب، ويثبتون الإرادة؛ فيقولون في الفرح: إنه الثواب المخلوق، أو إرادة الثواب.
ونحن نقول: المراد بالفرح: الفرح حقيقة؛ مثلما أن المراد بالله : نفسه حقيقة، ولكننا لا نمثل صفاتنا بصفات الله أبدا.
ويستفاد من هذا الحديث مع إثباته الفرح لله ، كمال رحمته جل وعلا ورأفته بعباده؛ حيث يحب رجوع العاصي إليه هذه المحبة العظيمة، هارب من الله، ثم وقف ورجع إلى الله، يفرح الله به هذا الفرح العظيم.
стр. 2551
ومن الناحية المسلكية: يفيدنا أن نحرص على التوبة غاية الحرص، كلما فعلنا ذنبا؛ تبنا إلى الله.
قال الله تعالى في وصف المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ ؛ أي فاحشة؛ مثل: الزنى، واللواط، ونكاح ذوات المحارم ... قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢] ، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢] ، وقال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف:٨٠] .
إذًا؛ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ؛ ذكروا الله تعالى في نفوسهم؛ ذكروا عظمته، وذكروا عقابه، وذكروا ثوابه للتائبين؛ ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ؛ فعلوا ما فعلوا لكنهم ذكروا الله تعالى في نفوسهم، واستغفروا لذنوبهم، فغفر لهم، والدليل: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] .
فأنت إذا علمت أن الله يفرح بتوبتك هذا الفرح الذي لا نظير له؛ لا شك أنك سوف تحرص غاية الحرص على التوبة.
وللتوبة شروط خمسة:
الأول: الإخلاص لله ؛ بأن لا يحملك على التوبة مراءاة الناس، أو نيل الجاه عندهم، أو ما أشبه ذلك من مقاصد الدنيا.
الثاني: الندم على المعصية.
الثالث: الإقلاع عنها، ومن الإقلاع إذا كانت التوبة في حق من حقوق الآدميين؛ أن ترد الحق إلى صاحبه.
стр. 2552
الرابع: العزم على أن لا تعود في المستقبل.
الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، وينقطع قبول التوبة بالنسبة لعموم الناس بطلوع الشمس من مغربها، وبالنسبة لكل واحد بحضور أجله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] .
وصح «عن النبي ﷺ أن زمن التوبة ينقطع إذا طلعت الشمس من مغربها،» والناس يؤمنون حينئذ، ولكن؛ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
هذه خمسة شروط؛ إذا تمت؛ صحت التوبة.
ولكن؛ هل يشترط لصحة التوبة أن يتوب من جميع الذنوب؟
فيه خلاف، ولكن الصحيح أنه ليس بشرط، وأنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن هذا التائب لا يصدق عليه وصف التائبين المطلق؛ فيقال: تاب توبة مقيدة، لا مطلقة.
فلو كان أحد يشرب الخمر ويأكل الربا، فتاب من شرب الخمر؛ صحت توبته من الخمر، وبقي إثمه في أكل الربا، ولا ينال منزلة التائبين على الإطلاق؛ لأنه مصر على بعض المعاصي.
رجل تمت الشروط في حقه، وعاد إلى الذنب مرة أخرى؛ فلا
стр. 2553
وقوله ﷺ : " «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» " متفق عليه.
ــ
تنتقض توبته الأولى؛ لأنه عزم على أن لا يعود، ولكن سولت له نفسه، فعاد؛ إنما يجب عليه أن يتوب مرة ثانية، وهكذا؛ كلما أذنب؛ يتوب، وفضل الله واسع.
هذا الحديث في إثبات الضحك، وهو قوله ﷺ : " «يضحك الله إلى رجلين؛ يقتل أحدهما الآخر؛ كلاهما يدخل الجنة» ".
وفي بعض النسخ: " يدخلان "، وهي صحيحة؛ لأن (كلا) يجوز في خبرها -سواء كان فعلا أو اسما- مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، وقد اجتمعا في قول الشاعر يصف فرسين:
كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
الحديث يخبر فيه النبي ﵊ أن الله يضحك إلى رجلين؛ عند ملاقاتهما يقتل أحدهما الآخر؛ كلاهما يدخلان الجنة، وأحدهما لم يقتل الآخر إلا لشدة العداوة بينهما، ثم يدخلان الجنة بعد ذلك، فتزول تلك العداوة؛ لأن أحدهما كان مسلما، والآخر كان كافرا، فقتله الكافر، فيكون هذا المسلم شهيدا، فيدخل الجنة، ثم من الله على هذا الكافر، فأسلم، ثم قتل شهيدا، أو مات بدون قتل؛ فإنه يدخل الجنة، فيكون هذا القاتل والمقتول كلاهما يدخل الجنة، فيضحك الله إليهما.
ففي هذا إثبات الضحك لله ، وهو ضحك حقيقي، لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين؛ ضحك يليق بجلاله وعظمته، ولا يمكن أن
стр. 2554
نمثله؛ لأننا لا يجوز أن نقول: إن لله فمًا أو أسنانا أو ما أشبه ذلك، لكن نثبت الضحك لله على وجه يليق به .
فإذا قال قائل: يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلا للمخلوق.
فالجواب: لا يلزم أن يكون مماثلا للمخلوقين؛ لأن الذي قال: " يضحك ": هو الذي أنزل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
ومن جهة أخرى؛ فالنبي ﵊ لا يتكلم في مثل هذا إلا عن وحي؛ لأنه من أمور الغيب، ليس من الأمور الاجتهادية التي قد يجتهد فيها الرسول ﵊، ثم يقره الله على ذلك أو لا يقره، ولكنه من الأمور الغيبية التي يتلقاها الرسول ﵊ عن طريق الوحي.
لو قال قائل: المراد بالضحك الرضى؛ لأن الإنسان إذا رضي عن الشيء؛ سر به وضحك، والمراد بالرضى الثواب أو إرادة الثواب؛ كما قال ذلك أهل التعطيل.
فالجواب أن نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ فما الذي أدراكم أن المراد بالرضى الثواب؟
فأنتم الآن قلتم على الله ما لا تعلمون من وجهين:
الوجه الأول: صرفتم النص عن ظاهره بلا علم.
الوجه الثاني: أثبتم له معنى خلاف الظاهر بلا علم.
ثم نقول لهم: الإرادة؛ إذا قلتم: إنها ثابتة لله ؛ فإنه تنتقض
стр. 2555
وقوله ﷺ : «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره؛ ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجكم قريب» حديث حسن.
ــ
قاعدتكم؛ لأن للإنسان إرادة؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] ؛ فللإنسان إرادة، بل للجدار إرادة؛ كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] ؛ فأنتم إما أن تنفوا الإرادة عن الله كما نفيتم ما نفيتم من الصفات، وإما أن تثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وإن كان للمخلوق نظيره في الاسم لا في الحقيقة.
والفائدة المسلكية من هذا الحديث:
هو أننا إذا علمنا أن الله يضحك؛ فإننا نرجو منه كل خير. ولهذا «قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله أو يضحك ربنا؟ قال: " نعم ". قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا» .
إذا علمنا ذلك؛ انفتح لنا الأمل في كل خير؛ لأن هناك فرقا بين إنسان عبوس لا يكاد يرى ضاحكا، وبين إنسان يضحك.
وقد كان النبي ﷺ دائم البشر كثير التبسم ﵊.
هذا الحديث: في إثبات العجب وصفات أخرى.
العجب: هو استغراب الشيء، ويكون ذلك لسببين:
السبب الأول: خفاء الأسباب على هذا المستغرب للشيء المتعجب منه، بحيث يأتيه بغتة بدون توقع، وهذا مستحيل على الله تعالى؛ لأن الله بكل
стр. 2556
شيء عليم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والثاني: أن يكون السبب فيه خروج هذا الشيء عن نظائره وعما ينبغي أن يكون عليه؛ بدون قصور من التعجب؛ بحيث يعمل عملا مستغربا لا ينبغي أن يقع من مثله.
وهذا ثابت لله ؛ لأنه ليس عن نقص من المتعجب، ولكنه عجب بالنظر إلى حال المتعجب منه.
قوله: «عجب ربنا من قنوط عباده» : القنوط: أشد اليأس. يعجب الرب من دخول اليأس الشديد على قلوب العباد.
" وقرب غيره ": الواو بمعنى (مع) ؛ يعني: مع قرب غيره.
و (الغير) : اسم جمع غيرة؛ كطير: اسم جمع طيرة، وهي اسم بمعنى التغيير، وعلى هذا؛ فيكون المعنى: وقرب تغييره.
فيعجب الرب ؛ كيف نقنط وهو قريب التغيير، يغير الحال إلى حال أخرى بكلمة واحدة، وهي كن فيكون.
وقوله: «ينظر إليكم أزلين» ؛ أي: ينظر الله إلينا بعينه.
" أزلين قنطين ": الأزل: الواقع في الشدة. و"قنطين": جمع قانط، والقانط: اليائس من الفرج وزوال الشدة.
فذكر النبي ﷺ حال الإنسان وحال قلبه؛ حاله أنه واقع في شدة، وقلبه قانط يائس مستبعد للفرج.
" فيظل يضحك ": يظل يضحك من هذه الحال العجيبة الغريبة؛ كيف تقنط من رحمة أرحم الراحمين الذي يقول للشيء: كن. فيكون؟
стр. 2557
" يعلم أن فرجكم قريب "؛ أي: زوال شدتكم قريب.
في هذا الحديث عدة صفات:
- أولا: العجب؛ لقوله: " «عجب ربنا من قنوط عباده» .
- وقد دل على هذه الصفة القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] ؛ على قراءة ضم التاء.
- ثانيا: وفيه أيضا بيان قدرة الله ؛ لقوله: " وقرب غيره "، وأنه تام القدرة، إذا أراد غير الحال من حال إلى ضدها في وقت قريب.
- ثالثا: وفيه أيضا من إثبات النظر؛ لقوله: " ينظر إليكم ".
- رابعا: وفيه إثبات الضحك؛ لقوله: " فيظل يضحك ".
- خامسا: وكذلك العلم؛ " يعلم أن فرجكم قريب ".
- سادسا: والرحمة؛ لأن الفرج من الله دليل على رحمة الله بعباده.
- وكل هذه الصفات التي دل عليها الحديث يجب علينا أن نثبتها لله حقا على حقيقتها، ولا نتأول فيها.
والفائدة المسلكية في هذا: أن الإنسان إذا علم ذلك من الله ؛ حذر من هذا الأمر، وهو القنوط من رحمة الله، ولهذا كان القنوط من رحمة الله من الكبائر:
قال الله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] .
стр. 2558
وقوله ﷺ : «لا تزال جهنم يلقى فيها، وهى تقول: هل من مزيد؛ حتى يضع رب العزة فيها رجله (وفي رواية: عليها قدمه) فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط.» متفق عليه.
ــ
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] .
فالقنوط من رحمة الله، واستبعاد الرحمة من كبائر الذنوب، والواجب على الإنسان أن يحسن الظن بربه؛ إن دعاه أحسن الظن به بأنه سيجيبه، وإن تعبد له بمقتضى شرعه؛ فليحسن الظن بأن الله سوف يقبل منه، وإن وقعت به شدة؛ فليحسن الظن بأن الله سوف يزيلها؛ لقول النبي ﷺ : «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» .
بل قد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦] ، ولن يغلب عسر يسرين؛ كما يروى عن ابن عباس ﵄.
هذا الحديث في إثبات الرجل أو القدم:
قوله: «لا تزال جهنم يلقى فيها» : هذا يوم القيامة؛ يعني: يلقى فيها الناس والحجارة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] ، وقد يقال: يلقى فيها الناس فقط، وأن الحجارة لم تزل موجودة فيها، والعلم عند الله.
стр. 2559
"يلقى فيها": في هذا دليل على أن أهلها -والعياذ بالله- يلقون فيها إلقاء لا يدخلون مكرمين، بل يدعون إلى نار جهنم دعا؛ ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] .
قوله: " وهي تقول: هل من مزيد؟ ": (هل) : للطلب؛ يعني: زيدوا. وأبعد النجعة من قال: إن الاستفهام هنا للنفي، والمعنى على زعمه: لا مزيد على ما في، والدليل على بطلان هذا التأويل:
قوله: «حتى يضع رب العزة فيها رجله» وفي رواية: " عليها قدمه ": لأن هذا يدل على أنها تطلب زيادة، وإلا لما وضع الله عليها رجله حتى ينزوي بعضها إلى بعض؛ فكأنها تطلب بشوق إلى من يلقى فيها زيادة على ما فيها.
قوله: " حتى يضع رب العزة ": عبر برب العزة؛ لأن المقام مقام عزة وغلبة وقهر.
وهنا "رب" بمعنى: صاحب، وليست بمعنى خالق، لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله تعالى غير مخلوقة.
وقوله: "فيها رجله"، وفي رواية: " عليها قدمه ": "في" و"على": معناهما واحد هنا، والظاهر أن (في) بمعنى (على) ؛ كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ؛ أي: عليها.
أما الرجل والقدم؛ فمعناهما واحد، وسميت رجل الإنسان قدما؛ لأنها تتقدم في المشي؛ فإن الإنسان لا يستطيع أن يمشي برجله إلا إذا قدمها.
قوله: "فينزوي بعضها إلى بعض"؛ يعني: ينضم بعضها إلى بعض من عظمة قدم الباري .
стр. 2560
قوله: " وتقول قط قط "؛ بمعنى: حسبي حسبي؛ يعني: لا أريد أحدا.
في هذا الحديث من الصفات:
أولا: إثبات القول من الجماد، لقوله: "وهي تقول"، وكذلك: " فتقول: قط قط "، وهو دليل على قدرة الله الذي أنطق كل شيء.
ثانيا: التحذير من النار؛ لقوله: «لا تزال جهنم يلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟»
" ثالثا: إثبات فضل الله ؛ فإن الله تعالى تكفل للنار بأن يملأها كما قال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] ؛ فإذا دخلها أهلها، وبقي فيها فضل، وقالت: هل من مزيد؟ وضع الله عليها رجله، فانزوى بعضها إلى بعض، وامتلأت بهذا الانزواء.
وهذا من فضل الله ؛ وإلا فإن الله قادر على أن يخلق أقواما ويكمل ملأها بهم، ولكنه لا يعذب أحدا بغير ذنب؛ بخلاف الجنة، فيبقى فيها فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فيخلق الله أقواما يوم القيامة ويدخلهم الجنة بفضله ورحمته.
رابعا: أن لله تعالى رجلا وقدما حقيقية، لا تماثل أرجل المخلوقين، ويسمي أهل السنة هذه الصفة: الصفة الذاتية الخبرية؛ لأنها لم تعلم إلا بالخبر، ولأن مسماها أبعاض لنا وأجزاء، لكن لا نقول بالنسبة لله: إنها أبعاض وأجزاء؛ لأن هذا ممتنع على الله .
وخالف الأشاعرة وأهل التحريف في ذلك، فقالوا: " يضع عليها
следующие страницы →