شيء عليم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والثاني: أن يكون السبب فيه خروج هذا الشيء عن نظائره وعما ينبغي أن يكون عليه؛ بدون قصور من التعجب؛ بحيث يعمل عملا مستغربا لا ينبغي أن يقع من مثله.
وهذا ثابت لله ؛ لأنه ليس عن نقص من المتعجب، ولكنه عجب بالنظر إلى حال المتعجب منه.
قوله: «عجب ربنا من قنوط عباده» : القنوط: أشد اليأس. يعجب الرب من دخول اليأس الشديد على قلوب العباد.
" وقرب غيره ": الواو بمعنى (مع) ؛ يعني: مع قرب غيره.
و (الغير) : اسم جمع غيرة؛ كطير: اسم جمع طيرة، وهي اسم بمعنى التغيير، وعلى هذا؛ فيكون المعنى: وقرب تغييره.
فيعجب الرب ؛ كيف نقنط وهو قريب التغيير، يغير الحال إلى حال أخرى بكلمة واحدة، وهي كن فيكون.
وقوله: «ينظر إليكم أزلين» ؛ أي: ينظر الله إلينا بعينه.
" أزلين قنطين ": الأزل: الواقع في الشدة. و"قنطين": جمع قانط، والقانط: اليائس من الفرج وزوال الشدة.
فذكر النبي ﷺ حال الإنسان وحال قلبه؛ حاله أنه واقع في شدة، وقلبه قانط يائس مستبعد للفرج.
" فيظل يضحك ": يظل يضحك من هذه الحال العجيبة الغريبة؛ كيف تقنط من رحمة أرحم الراحمين الذي يقول للشيء: كن. فيكون؟
стр. 2557
" يعلم أن فرجكم قريب "؛ أي: زوال شدتكم قريب.
في هذا الحديث عدة صفات:
- أولا: العجب؛ لقوله: " «عجب ربنا من قنوط عباده» .
- وقد دل على هذه الصفة القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] ؛ على قراءة ضم التاء.
- ثانيا: وفيه أيضا بيان قدرة الله ؛ لقوله: " وقرب غيره "، وأنه تام القدرة، إذا أراد غير الحال من حال إلى ضدها في وقت قريب.
- ثالثا: وفيه أيضا من إثبات النظر؛ لقوله: " ينظر إليكم ".
- رابعا: وفيه إثبات الضحك؛ لقوله: " فيظل يضحك ".
- خامسا: وكذلك العلم؛ " يعلم أن فرجكم قريب ".
- سادسا: والرحمة؛ لأن الفرج من الله دليل على رحمة الله بعباده.
- وكل هذه الصفات التي دل عليها الحديث يجب علينا أن نثبتها لله حقا على حقيقتها، ولا نتأول فيها.
والفائدة المسلكية في هذا: أن الإنسان إذا علم ذلك من الله ؛ حذر من هذا الأمر، وهو القنوط من رحمة الله، ولهذا كان القنوط من رحمة الله من الكبائر:
قال الله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] .
стр. 2558
وقوله ﷺ : «لا تزال جهنم يلقى فيها، وهى تقول: هل من مزيد؛ حتى يضع رب العزة فيها رجله (وفي رواية: عليها قدمه) فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط.» متفق عليه.
ــ
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] .
فالقنوط من رحمة الله، واستبعاد الرحمة من كبائر الذنوب، والواجب على الإنسان أن يحسن الظن بربه؛ إن دعاه أحسن الظن به بأنه سيجيبه، وإن تعبد له بمقتضى شرعه؛ فليحسن الظن بأن الله سوف يقبل منه، وإن وقعت به شدة؛ فليحسن الظن بأن الله سوف يزيلها؛ لقول النبي ﷺ : «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» .
بل قد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦] ، ولن يغلب عسر يسرين؛ كما يروى عن ابن عباس ﵄.
هذا الحديث في إثبات الرجل أو القدم:
قوله: «لا تزال جهنم يلقى فيها» : هذا يوم القيامة؛ يعني: يلقى فيها الناس والحجارة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] ، وقد يقال: يلقى فيها الناس فقط، وأن الحجارة لم تزل موجودة فيها، والعلم عند الله.
стр. 2559
"يلقى فيها": في هذا دليل على أن أهلها -والعياذ بالله- يلقون فيها إلقاء لا يدخلون مكرمين، بل يدعون إلى نار جهنم دعا؛ ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] .
قوله: " وهي تقول: هل من مزيد؟ ": (هل) : للطلب؛ يعني: زيدوا. وأبعد النجعة من قال: إن الاستفهام هنا للنفي، والمعنى على زعمه: لا مزيد على ما في، والدليل على بطلان هذا التأويل:
قوله: «حتى يضع رب العزة فيها رجله» وفي رواية: " عليها قدمه ": لأن هذا يدل على أنها تطلب زيادة، وإلا لما وضع الله عليها رجله حتى ينزوي بعضها إلى بعض؛ فكأنها تطلب بشوق إلى من يلقى فيها زيادة على ما فيها.
قوله: " حتى يضع رب العزة ": عبر برب العزة؛ لأن المقام مقام عزة وغلبة وقهر.
وهنا "رب" بمعنى: صاحب، وليست بمعنى خالق، لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله تعالى غير مخلوقة.
وقوله: "فيها رجله"، وفي رواية: " عليها قدمه ": "في" و"على": معناهما واحد هنا، والظاهر أن (في) بمعنى (على) ؛ كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ؛ أي: عليها.
أما الرجل والقدم؛ فمعناهما واحد، وسميت رجل الإنسان قدما؛ لأنها تتقدم في المشي؛ فإن الإنسان لا يستطيع أن يمشي برجله إلا إذا قدمها.
قوله: "فينزوي بعضها إلى بعض"؛ يعني: ينضم بعضها إلى بعض من عظمة قدم الباري .
стр. 2560
قوله: " وتقول قط قط "؛ بمعنى: حسبي حسبي؛ يعني: لا أريد أحدا.
في هذا الحديث من الصفات:
أولا: إثبات القول من الجماد، لقوله: "وهي تقول"، وكذلك: " فتقول: قط قط "، وهو دليل على قدرة الله الذي أنطق كل شيء.
ثانيا: التحذير من النار؛ لقوله: «لا تزال جهنم يلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟»
" ثالثا: إثبات فضل الله ؛ فإن الله تعالى تكفل للنار بأن يملأها كما قال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] ؛ فإذا دخلها أهلها، وبقي فيها فضل، وقالت: هل من مزيد؟ وضع الله عليها رجله، فانزوى بعضها إلى بعض، وامتلأت بهذا الانزواء.
وهذا من فضل الله ؛ وإلا فإن الله قادر على أن يخلق أقواما ويكمل ملأها بهم، ولكنه لا يعذب أحدا بغير ذنب؛ بخلاف الجنة، فيبقى فيها فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فيخلق الله أقواما يوم القيامة ويدخلهم الجنة بفضله ورحمته.
رابعا: أن لله تعالى رجلا وقدما حقيقية، لا تماثل أرجل المخلوقين، ويسمي أهل السنة هذه الصفة: الصفة الذاتية الخبرية؛ لأنها لم تعلم إلا بالخبر، ولأن مسماها أبعاض لنا وأجزاء، لكن لا نقول بالنسبة لله: إنها أبعاض وأجزاء؛ لأن هذا ممتنع على الله .
وخالف الأشاعرة وأهل التحريف في ذلك، فقالوا: " يضع عليها
стр. 2561
رجله "؛ يعني: طائفة من عباده مستحقين للدخول، والرجل تأتي بمعنى الطائفة؛ كما في «حديث أيوب ﵊؛ أرسل الله إليه رجل جراد من ذهب؛» يعني: طائفة من جراد.
وهذا تحريف باطل؛ لأن قوله: " عليها ": يمنع ذلك.
وأيضا؛ لا يمكن أن يضيف الله أهل النار إلى نفسه؛ لأن إضافة الشيء إلى الله تكريم وتشريف.
وقالوا في القدم: قدم؛ بمعنى: مقدم؛ أي: يضع الله تعالى عليها مقدمه؛ أي: من يقدمهم إلى النار.
وهذا باطل أيضا؛ فإن أهل النار لا يقدمهم الباري ، ولكنهم ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣] ، ويلقون فيها إلقاء، فهؤلاء المحرفون فروا من شيء ووقعوا في شر منه؛ فروا من تنزيه الله عن القدم والرجل، لكنهم وقعوا في السفه ومجانبة الحكمة في أفعال الله .
والحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى قدما، وإن شئنا؛ قلنا: رجلا؛ على سبيل الحقيقة؛ مع عدم المماثلة، ولا نكيف الرجل؛ لأن النبي ﷺ أخبرنا بأن لله تعالى رجلا أو قدما، ولم يخبرنا كيف هذه الرجل أو القدم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] .
والفائدة المسلكية من هذا الحديث: هو الحذر الشديد من عمل أهل النار؛ خشية أن يلقى الإنسان فيها كما يلقى غيره.
стр. 2562
وقوله ﷺ : «يقول الله تعالى: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار....» متفق عليه.
ــ
هذا الحديث: في إثبات الكلام والصوت:
يخبر النبي ﵊ عن ربه أنه يقول: " يا آدم " وهذا يوم القيامة، فيجيب آدم: " لبيك وسعديك ".
" لبيك "؛ بمعنى: إجابة مع إجابة، وهو مثنى لفظا، ومعناه: الجمع، ولهذا يعرب على أنه ملحق بالمثنى.
و" سعديك "، يعني: إسعادا بعد إسعاد؛ فأنا ألبي قولك وأسألك أن تسعدني وتعينني.
قال: " فينادي "؛ أي الله؛ فالفاعل هو الله .
وقوله: " بصوت ": هذا من باب التأكيد؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت مرتفع؛ فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨] ؛ فالطائر الذي يطير؛ إنما يطير بجناحيه، وهذا من باب التأكيد.
وقوله: «إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار» : ولم يقل: إني آمرك، وهذا من باب الكبرياء والعظمة؛ حيث كنى عن نفسه تعالى بكنية الغائب، فقال: " إن الله يأمرك "؛ كما يقول الملك لجنوده: إن الملك يأمركم بكذا وكذا؛ تفاخرا وتعاظما، والله سبحانه هو المتكبر وهو العظيم.
стр. 2563
قوله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان» ١
ــ
وجاء في القرآن مثل هذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ، ولم يقل: إني آمركم.
وقوله: " «أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار» ؛ أي مبعوثًا.
والحديث الآخر؛ قال: «يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون» .
هذا الحديث في إثبات الكلام أيضًا.
قوله: "ما": نافية.
قوله: "من أحد": مبتدأ؛ دخلت عليه من الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما منكم من أحد.
قوله: «إلا سيكلمه ربه» ؛ يعني: هذه حاله؛ سيكلمه الله ؛ «ليس بينه وبينه ترجمان» ، وذلك يوم القيامة.
والترجمان: هو الذي يكون واسطة بين متكلمين مختلفين في اللغة، ينقل إلى أحدهما كلام الآخر باللغة التي يفهمها.
ويشترط في المترجم أربعة شروط: الأمانة، وأن يكون عالمًا باللغة التي يترجم منها، وباللغة التي يترجم إليها، وبالموضوع الذي يترجمه.
وفي هذا الحديث من صفات الله: الكلام، وأنه بصوت مسموع مفهوم.
"الفوائد المسلكية في الحديث الأول: "يقول الله: يا آدم. ": فيه بيان
стр. 2564
وقوله ﷺ في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض؛ كما رحمتك في السماء؛ اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع؛ فيبرأ» حديث حسن رواه أبو داود وغيره.
ــ
أن الإنسان إذا علم بذلك، فإنه يحذر ويخاف أن يكون من التسعمائة والتسعة والتسعين.
وفي الحديث الثاني: يخاف الإنسان من ذلك الكلام الذي يجري بينه وبين ربه أن يفتضح بين يدي الله إذا كلمه تعالى بذنوبه فيقلع عن الذنوب، ويخاف من الله .
هذا الحديث (١) في إثبات العلو لله وصفات أخرى.
قوله: " في رقية المريض ": من باب إضافة المصدر إلى المفعول؛ يعني في الرقية إذا قرأ على المريض.
قوله: «ربنا الله الذي في السماء» : تقدم الكلام على قوله: "في السماء" في الآيات.
وقوله: "تقدس اسمك"؛ أي: طهر، والاسم هنا مفرد، لكنه مضاف، فيشمل كل الأسماء؛ أي تقدست أسماؤك من كل نقص.
«أمرك في السماء والأرض» : أمر الله نافذ في السماء والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥] ، وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
стр. 2565
وقوله: «كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض» : الكاف هنا للتعليل، والمراد بها التوسل؛ توسل إلى الله تعالى بجعل رحمته في السماء أن يجعلها في الأرض.
فإن قلت: أليس رحمة الله في الأرض أيضًا؟
قلنا: هو يقرأ على المريض، والمريض يحتاج إلى رحمة خاصة يزول بها مرضه.
وقوله: " «اغفر لنا حوبنا وخطايانا» . الغفر: ستر الذنب والتجاوز عنه. والحوب: كبائر الإثم. والخطايا: صغائره. هذا إذا جمع بينهما، أما إذا افترقا؛ فهما بمعنى واحد؛ يعني اغفر لنا كبائر الإثم وصغائره؛ لأن في المغفرة زوال المكروب وحصول المطلوب، ولأن الذنوب قد تحول بين الإنسان وبين توفيقه؛ فلا يوفق ولا يجاب دعاؤه.
قوله: «أنت رب الطيبين» : هذه ربوبية خاصة، وأما الربوبية العامة؛ فهو رب كل شيء، والربوبية قد تكون خاصة وعامة.
واستمع إلى قول السحرة الذين آمنوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١-١٢٢] ؛ حيث عموا ثم خصوا. واستمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] ؛ فـ ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ خاص، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ عام.
والطيبون: هم المؤمنون؛ فكل مؤمن فهو طيب، وهذا من باب التوسل بهذه الربوبية الخاصة، إلى أن يستجيب الله الدعاء ويشفي المريض.
قوله: «أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع»
стр. 2566
وقوله ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» حديث صحيح.
ــ
هذا الدعاء وما سبقه من باب التوسل.
«أنزل رحمة من رحمتك» : الرحمة نوعان:
- رحمة هي صفة الله؛ فهذه غير مخلوقة وغير بائنة من الله ، مثل قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] ، ولا يطلب نزولها.
- ورحمة مخلوقة، لكنها أثر من آثار رحمة الله؛ فأطلق عليها الرحمة؛ مثل قوله تعالى في الحديث القدسي عن الجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» ."
كذلك الشفاء؛ فالله شاف، ومنه الشفاء؛ فوصفه الشفاء، وهو فعل من أفعاله، وهو بهذا المعنى صفة من صفاته، وأما باعتبار تعديه إلى المريض؛ فهو مخلوق من مخلوقاته؛ فإن الشفاء زوال المرض.
قوله: "فيبرأ": بفتح الهمزة منصوبًا؛ لأنه جواب الدعاء: أنزل رحمة؛ فيبرأ. أما إذا قرئ بالضم مرفوعًا؛ فإنه مستأنف، ولا يتبع الحديث، بل يوقف عند قوله: "الوجع"، وتكون "فيبرأ": جملة خبرية تفيد أن الإنسان إذا قرأ بهذه الرقية؛ فإن المريض يبرأ، ولكن الوجه الأول أحسن بالنصب.
هذا الحديث في إثبات العلو أيضًا.
قوله: "ألا تأمنوني": فيها إشكال لغوي، وهو حذف نون الفعل
стр. 2567
وقوله ﷺ «والعرش فوق الماء، والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه» حديث حسن رواه أبو داود وغيره.
ــ
بدون ناصب ولا جازم.
والجواب عن هذا: إنه إذا اتصلت نون الوقاية بفعل من الأفعال الخمسة؛ جاز حذف نون الرفع.
"ألا تأمنوني" أي: ألا تعتبروني أمينًا.
«وأنا أمين من في السماء» والذي في السماء هو الله ، وهو أمينه ﵊ على وحيه، وهو سيد الأمناء ﵊، والرسول والذي ينزل عليه جبريل هو أيضًا أمين: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾
وهذا الحديث له سبب، وهو أن النبي ﷺ قسم ذهيبة بعث بها علي من اليمن بين أربعة نفر، فقال له رجل: نحن أحق بهذا من هؤلاء. فقال النبي ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» .
"ألا": للعرض، كأنه يقول: ائمنوني؛ فإني أمين من في السماء، ويحتمل أن تكون الهمزة لاستفهام الإنكار، و"لا" نافية.
والشاهد قوله: "من في السماء"، ونقول فيها ما قلناه فيما سبق في الآيات.
هذا الحديث في إثبات العلو أيضًا.
لما ذكر النبي ﵊ المسافات التي بين السماوات؛ قال: «"والعرش فوق الماء» .
стр. 2568
«وقوله ﷺ للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "اعتقها فإنها مؤمنة» رواه مسلم.
ــ
ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] .
قال: «والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» : هو فوق العرش، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء من أحوالنا وأعمالنا، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦] يعني: الشيء الذي في ضميرك يعلمه الله؛ مع أنه ما بان لأحد.
وقوله: «وهو يعلم ما أنتم عليه» : يفيد إحاطة علم الله بكل ما نحن عليه.
الفائدة المسلكية من هذا الحديث:
إذا آمنا بهذا الحديث؛ فإننا نستفيد منه فائدة مسلكية، وهي تعظيم الله ، وأنه في العلو، وأنه يعلم ما نحن عليه، فنقوم بطاعته؛ بحيث لا يفقدنا حيث أمرنا، ولا يجدنا حيث نهانا.
هذا الحديث: في إثبات العلو أيضًا.
قوله: "أين الله؟ ". أين: يستفهم بها عن المكان.
"قالت: في السماء"؛ يعني: على السماء، أو في العلو؛ على حسب الاحتمالين السابقين.
«قال: "من أنا؟ " قال: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".»
стр. 2569
وقوله ﷺ : «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» حديث حسن.
ــ
وعند أهل التعطيل هي بقولها: "في السماء": إذا أرادت أنه في العلو؛ هي كافرة؛ لأنهم يرون أن من أثبت أن الله في جهة؛ فهو كافر؛ إذ يقولون: إن الجهات خالية منه.
واستفهام النبي ﷺ بأين يدل على أن لله مكانًا.
ولكن يجب أن نعلم أن الله تعالى لا تحيط به الأمكنة؛ لأنه أكبر من كل شيء، وأن ما فوق الكون عدم، ما ثم إلا الله؛ فهو فوق كل شيء.
وفي قوله: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة» دليل على أن عتق الكافر ليس بمشروع، ولهذا لا يجزئ عتقه في الكفارات؛ لأن بقاء الكافر عندك رقيقًا؛ فيه نوع حماية وسلطة وإمرة وتقريب من الإسلام؛ فإذا أعتقته؛ تحرر، وإذا تحرر؛ فيخشى منه أن يرجع إلى بلاد الكفر؛ لأن أصل الرق هو الكفر، ويبقى معينًا للكافرين على المؤمنين.
هذا الحديث: في إثبات المعية.
أفاد الحديث معية الله ، وقد سبق في الآيات أن معية الله لا تستلزم أن يكون في الأرض، بل يمتنع غاية الامتناع أن يكون في الأرض، لأن العلو من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها أبدًا، بل هي لازمة له .
وسبق أيضًا أنها قسمان:
وقول الرسول ﷺ : «أفضل الإيمان أن تعلم» : يدل على أن الإيمان
стр. 2570
وقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه، ولا عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت قدمه» متفق عليه.
ــ
يتفاضل؛ لأنك إذا علمت أن الله معك حيثما كنت؛ خفت منه وعظمته.
لو كنت في حجرة مظلمة ليس فيها أحد؛ فاعلم أن الله معك، لا في الحجرة؛ لكنه معك؛ لإحاطته بك علمًا وقدرة وسلطانًا وغير ذلك من معاني ربوبيته.
هذا الحديث في إثبات كون الله قبل وجه المصلي.
(قبل وجهه) يعني أمامه.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
(يمينه) ورد فيه الحديث: (فإن عن يمينه ملكا) ؛ ولأن اليمين أفضل من اليسار؛ فيكون اليسار أولى بالبصاق ونحوه؛ ولهذا قال: «ولكن عن يساره أو تحت قدمه» .
فإن كان في المسجد قال العلماء: فإنه يجعل البصاق في خرقة أو منديل أو ثوبه ويحك بعضه ببعض حتى تزول صورة البصاق وإذا كان الإنسان في المسجد عند الجدار، والجدار قصير عن يساره فإنه يمكن أن يبصق عن يساره إذا لم يؤذ أحدا من المارة.
يستفاد من الحديث: أن الله ﵎ أمام وجه المصلي، ولكن يجب أن نعلم أن الذي قال: إنه أمام وجه المصلي. وهو الذي قال:
стр. 2571
وقوله ﷺ : «اللهم رب السماوات السبع والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول؛ فليس قبلك شيء، وأنت الأخير؛ فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر؛ فليس فوقك شيء، وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء اقض عني الدين، وأغنني من الفقر» . رواه مسلم.
ــ
إنه في السماء، ولا تناقض في كلامه هذا وهذا؛ إذ يمكن الجمع من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الشرع جمع بينهما ولا يجمع بين متناقضين.
الوجه الثاني: أنه يمكن أن يكون الشيء عاليا، وهو قبل وجهك؛ فهاهو الرجل يستقبل الشمس أول النهار، فتكون أمامه، وهي في السماء، ويستقبلها في آخر النهار، تكون أمامه، وهي في السماء؛ فإذا كان هذا ممكنا في المخلوق؛ ففي الخالق من باب أولى بلا شك.
الوجه الثالث: هب أن هذا ممتنع في المخلوق؛ فإنه لا يمتنع في الخالق؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته.
يستفاد من هذا الحديث من الناحية المسلكية وجوب الأدب مع الله ، ويستفاد أنه متى آمن المصلي بذلك فإنه يحدث له خشوعا وهيبة من الله .
هذا الحديث: في إثبات العلو وصفات أخرى.
وهو حديث عظيم، توسل النبي ﷺ إلى الله تعالى بربوبيته في قوله: «اللهم رب السماوات السبع والأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء» ، وهذا من باب التعميم بعد التخصيص في قوله: " ورب
стр. 2572
كل شيء " وهذا التعميم بعد التخصيص؛ لئلا يتوهم واهم اختصاص الحكم بما خصص به. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٩١] ؛ حيث قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ ؛ حتى لا يظن ظان أنه ليس ربا إلا لهذه البلدة.
" فالق الحب والنوى "؛ حب الزرع. و" النوى "؛ نوى الغرس؛ فالأشجار التي تخرج: إما زروع أصلها الحب، وإما أشجار أصلها النوى؛ فما للأشجار يسمى نوى، وما للزروع يسمى حبا؛ ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:٩٥] .
هذا الحب والنوى اليابس الذي لا ينمو ولا يزيد، يفلقه الرب ؛ أي: يفتحه حتى تخرج منه الأشجار والزروع، ولا يستطيع أحد أن يفعل ذلك؛ مهما بلغ الناس في القدرة؛ ما استطاعوا أن يفلقوا حبة واحدة أبدا والنوى كذلك الذي كالحجر؛ لا ينمو، ولا يزيد؛ يفلقه الله ، وينفرج، ثم منه الغريسة التي تنمو، ولا أحد يستطيع ذلك؛ إلا الذي فلقها .
ولما ذكر الآية الكونية العظيمة؛ ذكر الآيات الشرعية، وهي:
قوله: «منزل التوراة والإنجيل والقرآن» : وهذه أعظم كتب أنزلها الله ، وبدأها على الترتيب الزمني: التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد ﷺ .
وفي هذا نص صريح على أن التوراة منزلة كما جاء في القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٤] ، وقال في أول سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤] .
стр. 2573
قوله: " «أعوذ بك من شر نفسي» أعتصم بالله من شر نفسي.
إذًا؛ في نفسك شر؛ ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] .
لكن النفس نفسان:
١ - نفس مطمئنة طيبة تأمر بالخير.
٢ - نفس شريرة أمارة بالسوء.
والنفس اللوامة؛ هل هي ثالثة، أو وصف للثنتين السابقتين؟ فيه خلاف: بعضهم يقول: إنها نفس ثالثة. وبعضهم يقول: هي وصف للثنتين السابقتين؛ فالمطمئنة تلومك، والأمارة بالسوء تلومك؛ فيكون قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢] ؛ يشمل النفسين جميعا.
فالمطمئنة تلومك على التقصير في الواجب؛ إذا أهملت واجبا؛ لامتك، وإذا فعلت محرما؛ لامتك.
والأمارة بالعكس؛ إذا فعلت الخير؛ لامتك وتلومك إذا فوت ما تأمرك به من السوء.
إذًا؛ صارت اللوامة على القول الراجح وصفا للنفسين معا.
وقوله هنا: «أعوذ بك من شر نفسي» : المراد بها النفس الأمارة بالسوء.
قوله: «ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها» : الدابة: كل ما يدب
стр. 2574
على الأرض، حتى الذي يمشي على بطنه داخل في هذا الحديث؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور:٤٥] ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] .
وإن كانت الدابة تطلق في العرف على ذوات الأربع، وفي عرف أخص تطلق على الحمار فقط، لكنها في مثل هذا الحديث يراد بها كل ما يدب على الأرض، وما يدب على الأرض فيه شرور، أما بعضه فشر محض بالنسبة لذاته، وأما بعضه ففيه خير وفيه شر، وحتى الذي فيه خير؛ لا يسلم من الشر.
قوله: «أنت آخذ بناصيتها» ؛ مقدم الرأس، وإنما نص على الناصية؛ لأنه هو المقدم، وهو الذي يمسك به لقيادة البعير وشبهه. وقيل: خص ذلك؛ لأن المخ الذي فيه التصور والتلقي يكون في مقدمة الرأس، والعلم عند الله.
قوله: «أنت الأول؛ فليس قبلك شيء» : هذا تفسير من النبي ﷺ : لقوله: " الأول "، والأول من أسماء الله.
وقد ذكرنا عند تفسير الآية أن أهل الفلسفة يسمون الله: القديم، وذكرنا أن القديم ليس من أسماء الله الحسنى، وأنه لا يجوز أن يسمى به، لكن يجوز أن يخبر به عنه، وباب الخبر أوسع من باب التسمية؛ لأن القديم ليس من الأسماء الحسنى، والقديم فيه نقص؛ لأن القدم قد يكون قدما نسبيا؛ ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] ، والعرجون القديم حادث، لكنه قديم بالنسبة لما بعده.
стр. 2575
قوله: «وأنت الظاهر؛ فليس فوقك شيء» : الظاهر من الظهور، وهو العلو؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧] ؛ ﴿يَظْهَرُوهُ﴾ ؛ أي يعلو عليه.
وأما من قال: الظاهر بآياته؛ فهذا خطأ؛ لأنه لا أحد أعلم بتفسير كلام الله من رسول الله ﷺ ، وقد قال: " «الظاهر؛ فليس فوقك شيء» ؛ بل هو فوق كل شيء سبحانه.
قوله: «وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء» : المعنى: ليس دون الله شيء، لا أحد يدبر دون الله، ولا أحد ينفرد بشيء دون الله، ولا أحد يخفى على الله؛ كل شيء فالله محيط به؛ ولهذا قال: " ليس دونك شيء "؛ يعني: لا يحول دونك شيء، ولا يمنع دونك شيء، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ... وهكذا.
قوله: «اقض عني الدين» الدين: ما يستحق على الإنسان من مال أو حق؛ اشتريت منك حاجة، ولم أنقدك الثمن؛ فهذا يسمى دينا، وإن كان غير مؤجل.
قوله: «واغنني من الفقر» : الفقر: خلو ذات اليد، ولا شك أن الفقر فيه إيلام للنفس، والدين فيه ذل؛ المدين ذليل للدائن، والفقير معوز ربما يجره الفقر إلى أمر محرم.
ألم يأتكم نبأ الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فتوسل كل واحد منهم بصالح عمله، وكان لأحدهم ابنة عم أعجبته، وكان يراودها عن نفسها، ولكنها كانت تأبى ذلك، فألمت بها سنة من السنين، واحتاجت، وجاءت إليه تطلب منه أن يعينها، فأبى عليها إلا أن تمكنه من نفسها، ومن أجل
стр. 2576
ضرورتها؛ وافقت على هذا، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته؛ قالت له: يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، وأثرت هذه الكلمة في الرجل عندما كانت نابعة من القلب، فقام عنها. قال: فقمت عنها وهي أحب الناس إلي. لكن ذكرته هذه الموعظة الكريمة؛ فاقلع.
فانظر إلى الفقر؛ فإن هذه المرأة أرادت أن تبيع عرضها بسبب الفقر.
إذًا؛ قول الرسول ﷺ : «أغنني من الفقر» : سأل النبي ﷺ ربه أن يغنيه من الفقر؛ لأن الفقر له آفات عظيمة.
وفي هذا الحديث أسماء وصفات.
- فمن الأسماء: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن.
- ومن الصفات: الأولية والآخرية، وفيهما الإحاطة الزمانية. والظاهرية والباطنية، وفيهما الإحاطة المكانية. ومنها: العلو، وعموم ربوبيته، وتمام قدرته، ومنها: كمال رحمته وحكمته بإنزال الكتب؛ لتحكم بين الناس وتهديهم صراط الله.
ومن غير الأسماء والصفات: التوسل إلى الله بصفات الله، والتحذير من شر النفوس. وسؤال النبي ﷺ أن يقضي الله دينه ويغنيه من الفقر، وبيان ضعف الحديث الذي فيه سؤال النبي ﷺ أن يحييه ربه مسكينا.
стр. 2577
«وقوله ﷺ لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر: " أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا؛ إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» متفق عليه.
ــ
وفيه من الفوائد المسلكية: التحذير من شر النفس، وتعظيم شأن الدين، وأن يحرص على تلافي الدِّين بقدر الإمكان، ويقتصد في ماله طلبا وتصرفا؛ لأنه إذا اقتصد في ذلك؛ سلم غالبا من الفقر والدين.
هذا الحديث في إثبات قرب الله تعالى.
كان الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ؛ إذا علوا نشزا؛ كبروا، وإذا نزلوا واديا؛ سبحوا؛ لأن الإنسان إذا ارتفع؛ قد يتعاظم في نفسه، ويرى أنه مرتفع عظيم؛ فناسب أن يقول: الله أكبر تذكيرا لنفسه بكبرياء الله ، وأما إذا نزل؛ فهذا سفول ونزول، فيقول: سبحان الله تذكيرا لنفسه بتنزه الله عن السفل. فكان الصحابة ﵃ يرفعون أصواتهم بالذكر جدا، فقال النبي ﵊: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم» يعني: هونوا عليها. «فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» ؛ لا تدعون أصم لا يسمع، ولا غائبا لا يرى.
«إنما تدعون سميعا» ؛ يسمع ذكركم، " بصيرا "؛ يرى أفعالكم.
«إن الذي تدعونه أقرب إلي أحدكم من عنق راحلته» : عنق الراحلة للراكب قريب جدا، فالله تعالى أقرب من هذا إلى الإنسان، ومع هذا؛
стр. 2578
فهو فوق سماواته على عرشه.
ولا منافاة بين القرب والعلو؛ لأن الشيء قد يكون بعيدا قريبا؛ هذا بالنسبة للمخلوق؛ فكيف بالخالق؟ فالرب قريب مع علوه، أقرب على أحدنا من عنق راحلته.
هذا الحديث فيه فوائد.
فيه شيء من الصفات السلبية: نفي كونه أصم أو غائبا؛ لكمال سمعه ولكمال بصره وعلمه وقربه.
وفيه أيضا أنه ينبغي للإنسان ألا يشق على نفسه في العبادة؛ لأن الإنسان إذا شق على نفسه؛ تعبت النفس وملت، وربما يتأثر البدن، ولهذا قال النبي ﷺ : «اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا» .
فلا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه، بل ينبغي أن يسوس نفسه. إذا وجد منها نشاطا في العبادة؛ عمل واستغل النشاط، وإذا رأى فتورا في غير الواجبات، أو أنها تميل إلى شيء آخر من العبادات؛ وجهها إليه.
حتى أن الرسول ﷺ أمر من نعس في صلاته أن ينام ويدع الصلاة؛ قال: «فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه» .
ولهذا كان النبي ﷺ يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر، ويفطر حتى
стр. 2579
وقوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها؛ فافعلوا؛» متفق عليه.
ــ
يقول القائل: لا يصوم، وكذلك في القيام والنوم.
وفيه أيضا: أن الله قريب، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] .
ونستفيد من هذا الحديث من الناحية المسلكية:
- أنه لا ينبغي لنا أن نشق على أنفسنا بالعبادات، وأن يكون سيرنا إلى الله وسطا؛ لا تفريط ولا إفراط.
- وفيه أيضا: الحذر من الله؛ لأنه سميع وقريب وبصير، فنبتعد عن مخالفته.
- وفيه أيضا من الناحية الحكمية: جواز تشبيه الغائب بالحاضر للإيضاح؛ حيث قال: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» .
- وفيه أيضا أنه ينبغي أن يراعي الإنسان في المعاني ما كان أقرب إلى الفهم؛ لأن هؤلاء مسافرون، وكل منهم على راحلته، وإذا ضرب المثل بما هو قريب؛ فلا أحسن من هذا المثل الذي ذكره النبي ﵊.
هذا الحديث: في إثبات رؤية المؤمنين لربهم.
стр. 2580
قوله: «إنكم سترون ربكم» : السين للتحقيق، وتخلص الفعل المضارع إلى الاستقبال بعد أن كان صالحا للحال والاستقبال؛ كما أن (لم) تخلصه للماضي، والخطاب للمؤمنين.
قوله: " كما ترون القمر ": هذه رؤية بصرية؛ لأن رؤيتنا للقمر بصرية، وهنا شبه الرؤية بالرؤية؛ فتكون رؤية بصرية.
قوله: " كما ترون ": (ما) هذه مصدرية، فيحول الفعل بعدها إلى مصدر، ويكون التقدير: كرؤيتكم القمر؛ فالتشبيه حينئذ للرؤية بالرؤية، وليس للمرئي بالمرئي، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء.
والنبي ﵊ يقرب المعاني أحيانا بذكر الأمثلة الحسية الواقعية، «كما سأله أبو رزين العقيلي لقيط بن عامر؛ قال: يا رسول الله: أكلنا يرى ربه يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال النبي ﷺ : " كلكم ينظر إلى القمر مخليا به ". قال: بلى. قال النبي ﷺ : " فالله أعظم ".»
وقوله: " مخليا به "؛ يعني: خاليا به.
وكما ثبت به الحديث في " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة ﵁: «إن الله يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال: الحمد لله رب العالمين. قال: حمدني عبدي ... » إلخ.
وهذا يشمل كل مصل، ومن المعلوم أنه قد يتفق المصلون في هذه الآية جميعا، فيقول الله لكل واحد: " حمدني عبدي "؛ في آن واحد.
قال: «كما ترون القمر ليلة البدر» : أي: ليلة إبداره، وهي الليلة
стр. 2581
الرابعة عشرة والخامسة عشرة والثالثة عشرة أحيانا، والوسط الرابعة عشرة؛ كما قال ابن القيم: كالبدر ليل الست بعد ثمان.
قوله: " لا تضامون في رؤيته "، وفي لفظ: " لا تضارون ".
- " لا تضامون ": بضم التاء وتخفيف الميم؛ أي لا يلحقكم ضيم، والضيم الظلم، والمعنى: لا يحجب بعضكم بعضا عن الرؤية فيظلمه بمنعه إياه؛ لأن كل واحد يراه.
- " لا تضامون ": بتشديد الميم وفتح التاء وضمها: يعني: لا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته؛ لأن الشيء إذا كان خفيا؛ ينضم الواحد إلى صاحبه ليريه إياه.
- أما " لا تضارون " أو " لا تضارون" فالمعنى: لا يلحقكم ضرر؛ لأن كل إنسان يراه وهو في غاية ما يكون من الطمأنينة والراحة.
قوله: «فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها؛ فافعلوا» ؛ الصلاة قبل طلوع الشمس هي الفجر، وقبل غروبها هي العصر.
والعصر هو أفضل من الفجر؛ لأنها الصلاة الوسطى التي خصها الله بالأمر بالمحافظة عليها بعد التعميم، والفجر أفضل من العصر من وجه؛ لأنها الصلاة المشهودة؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] ، وجاء في الحديث الصحيح: «من صلى البردين؛ دخل الجنة» ، وهما: الفجر والعصر.
стр. 2582
إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به
فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة.
ــ
في هذا الحديث من صفات الله: إثبات أن الله يرى، وقد سبق شرح هذه الصفة عند ذكر الآيات الدالة عليها، وهي أربع آيات، والأحاديث في هذا متواترة عن النبي ﷺ فثبوتها قطعي، ودلالتها قطعية؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن من أنكر رؤية الله تعالى؛ فهو كافر مرتد، وأن الواجب على كل مؤمن أن يقر بذلك. قال: وإنما كفرناه؛ لأن الأدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، ولا يمكن لأحد أن يقول: أن قول الرسول ﵊: «إنكم سترون ربكم» ؛ إنه ليس قطعي الدلالة؛ إذ ليس هناك شيء أشد قطعا من مثل هذا التركيب.
لو كان الحديث: " إنكم ترون ربكم ": لربما تحتمل التأويل، وأنه عبر عن العلم اليقيني بالرؤية البصرية، ولكنه صرح بأنا نراه كما نرى القمر، وهو حسي.
وسبق لنا أن أهل التعطيل يؤولون هذه الأحاديث ويفسرون الرؤية برؤية العلم، وسبق بطلان قولهم.
قوله: " إلى أمثال هذه الأحاديث ... " إلخ؛ يعني: انظر إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر بها النبي ﷺ عن ربه؛ فما كان مثلها ثبوتا ودلالة؛ فحكمه حكمها.
" الفرقة "؛ أي: الطائفة.
" الناجية ": التي نجت في الدنيا من البدع، وفي الآخرة من النار.
أي: الذين أخذوا بالسنة واجتمعوا عليها.
стр. 2583
يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
ــ
أي: بما أخبر به الرسول ﷺ .
لأن ما أخبر به الرسول ﵊ يجب علينا أن نؤمن به كما يجب علينا أن نؤمن بما أخبر الله به في كتابه؛ إلا أنه يختلف عن القرآن في الثبوت؛ فإن لنا نظرين بالنسبة لما جاءت به السنة:
النظر الأول: في ثبوته.
النظر الثاني: في دلالته.
أما في القرآن؛ فلنا نظر واحد، وهو النظر في الدلالة. وقد سبق لنا بيان الأدلة الدالة على وجوب قبول ما أخبر به النبي ﷺ .
سبق شرح هذا.
стр. 2584
بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم
ــ
فصل:
مكانة أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة
واتصافهم بالوسطية
يعني: الأمم السابقة، وذلك من عدة أوجه:
- ففي حق الله تعالى: كانت اليهود تصف الله تعالى بالنقائص، فتلحقه بالمخلوق. وكانت النصارى تلحق المخلوق الناقص بالرب الكامل. أما هذه الأمة؛ فلم تصف الرب بالنقائص ولم تلحق المخلوق به.
- وفي حق الأنبياء؛ كذبت اليهود عيسى ابن مريم، وكفرت به. وغلت النصارى فيه، حتى جعلته إلها. أما هذه الأمة؛ فآمنت به بدون غلو، وقالت: هو عبد الله ورسوله.
- وفي العبادات؛ النصارى يدينون لله بعدم الطهارة؛ بمعنى أنهم لا يتطهرون من الخبث؛ يبول الواحد منهم، ويصيب البول ثيابه، ويقوم، ويصلي في الكنيسة. واليهود بالعكس؛ إذا أصابتهم النجاسة؛ فإنهم يقرضونها من الثوب؛ فلا يطهرها الماء عندهم؛ حتى إنهم يبتعدون عن الحائض لا يؤاكلونها ولا يجتمعون بها.
أما هذه الأمة فهم وسط؛ فيقولون: لا هذا ولا هذا؛ لا يشق الثوب، ولا يصلى بالنجاسة، بل يغسل غسلا حتى تزول النجاسة منه، ويصلى به، ولا يبتعدون عن الحائض؛ بل يؤاكلونها ويباشرها زوجها في غير الجماع.
- وكذلك أيضا في باب المحرمات من المآكل والمشارب؛ النصارى استحلوا الخبائث وجميع المحرمات، واليهود حرم عليهم كل ذي ظفر؛
стр. 2585
فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة
ــ
كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:١٤٦] ، أما هذه الأمة؛ فهم وسط؛ أحلت لهم الطيبات؛ وحرمت عليهم الخبائث.
- وفي القصاص؛ القصاص فرض على اليهود، والتسامح عن القصاص فرض على النصارى. أما هذه الأمة؛ فهي مخيرة بين القصاص والدية والعفو مجانا.
فكانت الأمة الإسلامية وسطا بين الأمم بين الغلو والتقصير.
فأهل السنة والجماعة بين فرق الأمة كالأمة بين الديانات الأخرى؛ يعني: أنهم وسط.
ثم ذكر المؤلف ﵀ أصولا خمسة كان أهل السنة والجماعة فيها وسطا بين فرق الأمة.
الأصل الأول: باب الأسماء والصفات
هذان طرفان متطرفان: أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة.
- فالجهمية: ينكرون صفات الله ، بل غلاتهم ينكرون الأسماء ويقولون: لا يجوز أن نثبت لله اسما ولا صفة؛ لأنك إذا أثبت له اسما؛ شبهته بالمسميات، أو صفة؛ شبهته بالموصوفات. إذًا؛ لا نثبت اسما ولا صفة وما أضاف الله إلى نفسه من الأسماء؛ فهو من باب
стр. 2586
المجاز، وليس من باب التسمي بهذه الأسماء.
- والمعتزلة ينكرون الصفات ويثبتون الأسماء.
- والأشعرية يثبتون الأسماء وسبعا من الصفات.
كل هؤلاء يشملهم اسم التعطيل، لكن بعضهم معطل تعطيلا كاملا؛ كالجهمية، وبعضهم تعطيلا نسبيا؛ مثل المعتزلة والأشاعرة.
وأما أهل التمثيل المشبهة؛ فيثبتون لله الصفات، ويقولون: يجب أن نثبت لله الصفات؛ لأنه أثبتها لنفسه، لكن يقولون: إنها مثل صفات المخلوقين.
فهؤلاء غلوا في الإثبات، وأهل التعطيل غلوا في التنزيه.
فهؤلاء قالوا: يجب عليك أن تثبت لله وجها، وهذا الوجه مثل وجه أحسن واحد من بني آدم. قالوا: لأن الله خاطبنا بما نعقل ونفهم؛ قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، ولا نعقل ونفهم من الوجه إلا ما نشاهد، وأحسن ما نشاهد الإنسان.
فهو على زعمهم -والعياذ بالله- على أحسن واحد من الشباب الإنساني، ويدعون أن هذا هو المعقول معقول.
وأما أهل السنة والجماعة؛ فقالوا: نحن نأخذ بالحق الذي مع الجانبين؛ فنأخذ بالحق في باب التنزيه؛ فلا نمثل، ونأخذ بالحق في جانب الإثبات؛ فلا نعطل؛ بل إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل؛ نحن نثبت ولكن بدون تمثيل، فنأخذ بالأدلة من هنا ومن هنا.
والخلاصة: هم وسط في باب الصفات بين طائفتين متطرفتين: طائفة
стр. 2587
وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية
ــ
غلت في التنزيه والنفي، وهم أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وطائفة غلت في الإثبات، وهم الممثلة.
وأهل السنة والجماعة يقولون: لا تغلوا في الإثبات ولا في النفي، ونثبت بدون تمثيل؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
الأصل الثاني: أفعال العباد
في باب القدر انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: آمنوا بقدر الله وغلوا في إثباته، حتى سلبوا الإنسان قدرته واختياره، وقالوا: إن الله فاعل كل شيء، وليس للعبد اختيار ولا قدرة، وإنما يفعل الفعل مجبرا عليه، بل إن بعضهم ادعى أن فعل العبد هو فعل الله، ولهذا دخل من بابهم أهل الاتحاد والحلول، وهؤلاء هم الجبرية.
القسم الثاني قالوا: إن العبد مستقل بفعله، وليس لله فيه مشيئة ولا تقدير، حتى غلا بعضهم، فقال: إن الله لا يعلم فعل العبد إلا إذا فعله، أما قبل؛ فلا يعلم عنه شيئا، وهؤلاء هم القدرية، مجوس هذه الأمة.
فالأولون غلوا في إثبات أفعال الله وقدره وقالوا: إن الله يجبر الإنسان على فعله، وليس للإنسان اختيار.
والآخرون غلوا في إثبات قدرة العبد، وقالوا: إن القدرة الإلهية والمشيئة الإلهية لا علاقة لها في فعل العبد؛ فهو الفاعل المطلق الاختيار.
القسم الثالث: أهل السنة والجماعة، قالوا: نحن نأخذ بالحق الذي مع
стр. 2588
وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم
ــ
الجانبين؛ فنقول: إن فعل العبد واقع بمشيئة الله وخلق الله، ولا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشاؤه أبدا، والإنسان له اختيار وإرادة، ويفرق بين الفعل الذي يضطر إليه والفعل الذي يختاره؛ فأفعال العباد باختيارهم وإرادتهم، ومع ذلك، فهي واقعة بمشيئة الله وخلقه.
لكن سيبقى عندنا إشكال: كيف تكون خلقا لله وهي فعل الإنسان؟
والجواب: أن أفعال العبد صدرت بإرادة وقدرة، والذي خلق فيه الإرادة والقدرة هو الله ، لو شاء الله تعالى؛ لسلبك القدرة؛ فلم تستطع، ولو أن أحدا قادرا لم يرد فعلا؛ لم يقع الفعل منه.
كل إنسان قادر يفعل الفعل، فإنه بإرادته، اللهم إلا من أكره.
فنحن نفعل باختيارنا وقدرتنا، والذي خلق فينا الاختيار والقدرة هو الله.
الأصل الثالث: الوعيد
المرجئة: اسم فاعل من أرجأ؛ بمعنى: أخر، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف:١١١] ، وفي قراءة: "أرجئه"؛ أي: أخره وأخر أمره، وسموا مرجئة: إما من الرجاء؛ لتغليبهم أدلة الرجاء على أدلة الوعيد، وإما من الإرجاء؛ بمعنى التأخير؛ لتأخيرهم الأعمال عن مسمى الإيمان.
ولهذا يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، والإيمان هو الاعتراف بالقلب فقط.
стр. 2589
ولهذا يقولون: إن فاعل الكبيرة كالزاني والسارق وشارب الخمر وقاطع الطريق لا يستحق دخول النار لا دخولا مؤبدا ولا مؤقتا؛ فلا يضر مع الإيمان معصية؛ مهما كانت صغيرة أم كبيرة؛ إذا لم تصل إلى حد الكفر.
وأما الوعيدية؛ فقابلوهم، وغلبوا جانب الوعيد، وقالوا: أي كبيرة يفعلها الإنسان ولم يتب منها؛ فإنه مخلد في النار بها: إن سرق؛ فهو من أهل النار خالدا مخلدا، وإن شرب الخمر؛ فهو في النار خالدا مخلدا ... وهكذا.
والوعيدية يشمل طائفتين: المعتزلة، والخوارج؛ ولهذا قال المؤلف: " من القدرية وغيرهم "؛ فيشمل المعتزلة -والمعتزلة قدرية؛ يرون أن الإنسان مستقل بعلمه، وهم وعيدية- ويشمل الخوارج.
فاتفقت الطائفتان على أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، لا يخرج منها أبدا، وأن من شرب الخمر مرة؛ كمن عبد الصنم ألف سنة؛ كلهم مخلدون في النار؛ لكن يختلفون في الاسم؛ كما سيأتي إن شاء الله في الباب الثاني.
وأما أهل السنة والجماعة؛ فيقولون: لا نغلب جانب الوعيد كما فعل المعتزلة والخوارج، ولا جانب الوعد كما فعل المرجئة، ونقول: فاعل الكبيرة مستحق للعذاب، وإن عذِّب؛ لا يخلد في النار.
وسبب الخلاف بين الوعيدية وبين المرجئة: أن كل واحد منهما نظر إلى النصوص بعين عوراء؛ ينظر من جانب واحد.
- هؤلاء نظروا نصوص الوعد، فأدخلوا الإنسان في الرجاء، وقالوا:
стр. 2590
وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية
ــ
نأخذ بها، وندع ما سواها، وحملوا نصوص الوعيد على الكافر.
- والوعيدية بالعكس؛ نظروا إلى نصوص الوعيد، فأخذوا بها، وغفلوا عن نصوص الوعد.
فلهذا اختل توازنهم لما نظروا من جانب واحد.
وأهل السنة والجماعة أخذوا بهذا وهذا، وقالوا: نصوص الوعيد محكمة؛ فنأخذ بها، ونصوص الوعد محكمة؛ فنأخذ بها. فأخذوا من نصوص الوعد ما ردوا به على الوعيدية، ومن نصوص الوعيد ما ردوا به على المرجئة، وقالوا: فاعل الكبيرة مستحق لدخول النار؛ لئلا نهدر نصوص الوعيد؛ غير مخلد فيها؛ لئلا نهدر نصوص الوعد. فأخذوا بالدليلين ونظروا بالعينين..
الأصل الرابع: أسماء الإيمان والدين
هذا في باب الأسماء والدين، وهو غير باب الأحكام الذي هو الوعد والوعيد؛ ففاعل الكبيرة ماذا نسميه؟ أمؤمن أم كافر؟
وأهل السنة وسط فيه بين طائفتين: الحرورية والمعتزلة من وجه، والمرجئة الجهمية من وجه:
- فالحرورية والمعتزلة أخرجوه من الإيمان، لكن الحرورية قالوا: إنه كافر يحل دمه وماله، ولهذا خرجوا على الأئمة، وكفروا الناس.
- وأما المرجئة الجهمية، فخالفوا هؤلاء وقالوا: هو مؤمن كامل الإيمان يسرق ويزني ويشرب الخمر ويقتل النفس ويقطع الطريق؛ ونقول
стр. 2591
له: أنت مؤمن كامل الإيمان كرجل فعل الواجبات والمستحبات وتجنب المحرمات أنت وهو في الإيمان واحد.
فهؤلاء وأولئك على الضد في الاسم وفي الحكم.
وأما المعتزلة؛ فقالوا: فاعل الكبيرة خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر؛ فهو في منزلة بين منزلتين؛ لا نتجاسر أن نقول: إنه كافر. وليس لنا أن نقول: إنه مؤمن؛ وهو يفعل الكبيرة؛ يزني ويسرق ويشرب الخمر. وقالوا: نحن أسعد الناس بالحق.
حقيقة أنهم إذا قالوا: أن هذا لا يتساوى مع مؤمن عابد؛ فقد صدقوا. لكن كونهم يخرجونه من الإيمان، ثم يحدثون منزلة بين منزلتين: بدعة ما جاءت لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله، كل النصوص تدل على أنه لا يوجد منزلة بين منزلتين: كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] .
وقوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢] . وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] . وفي الحديث: «القرآن حجة لك أو عليك» .
فأين المنزلة بين المنزلتين؟
هم يقولون: في منزلة بين منزلتين. وفي باب الوعيد ينفذون عليه الوعيد، فيوافقون الخوارج في أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، أما في الدنيا؛ فقالوا: تجرى عليه أحكام الإسلام؛ لأنه هو الأصل؛ فهو عندهم في الدنيا بمنزلة الفاسق العاصي.
стр. 2592
وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج
ــ
فيا سبحان الله كيف نصلي عليه، ونقول: اللهم اغفر له. وهو مخلد في النار؟
فيجب عليهم أن يقولوا في أحكام الدنيا: إنه يتوقف فيه؛ لا نقول: مسلم، ولا: كافر، ولا نعطيه أحكام الإسلام، ولا أحكام الكفر؛ إذا مات لا نصلي عليه، ولا نكفنه، ولا نغسله، ولا يدفن مع المسلمين، ولا ندفنه مع الكفار؛ إذًا؛ نبحث له عن مقبرة بين مقبرتين!!
- وأما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطا بين هذه الطوائف؛ فقالوا: نسمي المؤمن الذي يفعل الكبيرة مؤمنا ناقص الإيمان، أو نقول: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.
ويترتب على هذا: أن الفاسق لا يجوز لنا أن نكرهه كرها مطلقا، ولا أن نحبه حبا مطلقا، بل نحبه على ما معه من الإيمان، ونكرهه على ما معه من المعصية.
الأصل الخامس: في الصحابة ﵃
" أصحاب ": جمع صاحب، والصحب اسم جمع صاحب، والصاحب: الملازم للشيء.
والصحابي: هو الذي اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك. وهذا خاص في الصحابة، وهو من خصائص النبي ﷺ ؛ أن الإنسان يكون من أصحابه، وإن لم يجتمع به إلا لحظة واحدة؛ لكن بشرط أن يكون مؤمنا به.
стр. 2593
وأهل السنة والجماعة وسط فيهم بين الرافضة والخوارج.
- فالرافضة: هم الذين يسمون اليوم: شيعة، وسموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، الذي ينتسب إليه الآن الزيدية؛ رفضوه لأنهم سألوه: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ يريدون منه أن يسبهما ويطعن فيهما ولكنه ﵁ قال لهم: نعم الوزيران وزيرا جدي. يريد بذلك رسول الله ﷺ ؛ فأثنى عليهما، فرفضوه، وغضبوا عليه، وتركوه فسموا رافضة.
هؤلاء الروافض -والعياذ بالله- لهم أصول معروفة عندهم، ومن أقبح أصولهم: الإمامة التي تتضمن عصمة الإمام، وأنه لا يقول خطأ، وأن مقام الإمامة أرفع من مقام النبوة؛ لأن الإمام يتلقى عن الله مباشرة، والنبي بواسطة الرسول، وهو جبريل، ولا يخطئ الإمام عندهم أبدا، بل غلاتهم يدعون أن الإمام يخلق؛ يقول للشيء: كن فيكون.
وهم يقولون: أن الصحابة كفار، وكلهم ارتدوا النبي ﷺ ؛ حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين وماتا على النفاق والعياذ بالله، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت، ونفرا قليلا ممن قالوا: إنهم أولياء آل البيت.
وقد قال صاحب كتاب " الفصل ": " إن غلاتهم كفروا علي بن أبي طالب؛ قالوا: لأن عليا أقر الظلم والباطل حين بايع أبا بكر وعمر، وكان الواجب عليه أن ينكر بيعتهما، فلما لم يأخذ بالحق والعدل، ووافق على الظلم؛ صار ظالما كافرا ".
- أما الخوارج؛ فهم على العكس من الرافضة؛ حيث إنهم كفروا علي
стр. 2594
بن أبي طالب، وكفروا معاوية بن أبي سفيان، وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم، واستحلوا دماء المسلمين، فكانوا كما وصفهم النبي ﵊: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» ، وإيمانهم لا يتجاوز حناجرهم.
فالشيعة غلوا في آل البيت وأشياعهم، وبالغوا في ذلك، حتى أن منهم من ادعى ألوهية علي، ومنهم من ادعى أنه أحق بالنبوة من محمد رسول الله ﷺ ، والخوارج بالعكس.
- أما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطا بين الطائفتين؛ قالوا: نحن ننزل آل البيت منزلتهم، ونرى أن لهم حقين علينا: حق الإسلام والإيمان، وحق القرابة من رسول الله ﷺ . وقالوا: قرابة رسول الله ﷺ لها الحق علينا، لكن من حقها علينا أن ننزلها منزلتها، وأن لا نغلو فيها.
ويقولون في بقية أصحاب الرسول ﷺ : لهم الحق علينا بالتوقير والإجلال والترضي، وأن نكون كما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، ولا نعادي أحدا منهم أبدا؛ لا آل البيت، ولا غيرهم؛ فكل منهم نعطيه حقه؛ فصاروا وسطا بين جفاة وغلاة.
стр. 2595
فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليّ على خلقه
ــ
فصل
في المعية وبيان الجمع بينها
وبين علو الله واستوائه على عرشه
سبق أن مما يدخل في الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاته ومن ذلك الإيمان بعلو الله واستوائه على عرشه، والإيمان بمعيته وفي هذا الفصل بين المؤلف ﵀ الجمع بين العلو والمعية، فقال: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليّ على خلقه.
هذه ثلاثة أدلة على علو الله تعالى: الكتاب والسنة والإجماع.
ومر علينا دليل رابع وخامس، وهما العقل والفطرة.
" من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علي على خلقه " تقدم لنا أن علو الله نوعان: علو صفة، وعلو ذات. وأن علو الذات دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة وكذلك علو الصفة.
فالكتاب مملوء من ذلك: تارة بالتصريح بالفوقية، وتارة بالتصريح بالعلو وتارة بالتصريح بأنه في السماء، وتارة بنزول الأشياء من عنده، وتارة بصعودها إليه ونحو ذلك.