← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

جفت الأقلام وطويت الصحف، كما قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ــ * " الأقلام ": هي أقلام القدر التي كتب الله بها المقادير؛ جفت وانتهت. * وطويت الصحف، وهذه كناية عن أن الأمر انتهى. وفي " صحيح مسلم " «عن جابر ﵁؛ قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم؛ قال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن: فيم العمل اليوم؛ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما نستقبل؟ قال: " لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ". قال: ففيم العمل؟ قال: " اعملوا؛ فكل ميسر» . " كما ": الكاف في مثل هذا التعبير للتعليل. * ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ : أيها المخاطب. * ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ : وهذا عام؛ علم لما فيهما من أعيان وأوصاف وأعمال وأحوال. ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ : وهو اللوح المحفوظ. * ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ : أي: الكتابة على الله أمر يسير.

стр. 2697

وقال ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب، رزقه وعمله وشقي أم سعيد ونحو ذلك ــ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ : كالجدب والزلازل والفيضانات وغيرها. ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ : كالمرض والأوبئة المهلكة وغير ذلك. ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ : هو اللوح المحفوظ. * (نَبْرَأَهَا) أي: من قبل أن نخلقها، والضمير في (نَبْرَأَهَا) : يحتمل أن يعود على المصيبة، ويحتمل أن يعود على الأنفس، ويحتمل أن يعود على الأرض، والكل صحيح؛ فالمصيبة قد كتبت قبل أن يخلقها الله ، وقبل أن يخلق النفس المصابة، وقبل أن يخلق الأرض. وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وكان عرشه على الماء» . * قوله: " في مواضع "؛ مواضع غير اللوح المحفوظ. ثم بين هذه المواضع بقوله: «فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه؛ بعث إليه ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ونحو ذلك» . * فهذان موضعان: الأول: اللوح المحفوظ، وسبق دليل ذلك

стр. 2698

فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديما ومنكروه اليوم قليل وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه ــ وتفصيل القول فيه. والثاني: الكتابة العمرية التي تكون للجنين في بطن أمه، وسبق دليلها في حديث ابن مسعود ﵁. والوضع الثالث: ما أشار إليه بقوله: " ونحو ذلك "، وهو التقدير الحولي الذي يكون في ليلة القدر، فإن ليلة القدر يكتب فيها ما يكون في تلك السنة؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤-٥] . * " هذا التقدير "؛ يعني: العلم والكتابة، وينكره غلاة القدرية قديما، ويقولون: إن الله لا يعلم أفعال العبد إلا بعد وجودها، وأنها لم تكتب، ويقولون: إن الأمر أنف؛ أي: مستأنف، لكن متأخروهم أقروا بالعلم والكتابة، وأنكروا المشيئة والخلق، وهذا بالنسبة لأفعال المخلوقين. أما بالنسبة لأفعال الله؛ فلا أحد ينكر أن الله عالم بها قبل وقوعها. وهؤلاء الذين ينكرون علم الله بأفعال العبد حكمهم في الشرع أنهم كفار؛ لأنهم كذبوا قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، وغيرها من الآيات، وخالفوا المعلوم بالضرورة من الدين. * يعني: من درجات الإيمان بالقدر. * يعني: أن نؤمن بأن مشيئة الله نافذة في كل شيء، سواء كان مما

стр. 2699

يتعلق بفعله أو يتعلق بأفعال المخلوقين، وأن قدرته شاملة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤] . وهذه الدرجة تتضمن شيئين؛ المشيئة والخلق: أما المشيئة؛ فيجب أن نؤمن بأن مشيئة الله تعالى في كل شيء، وأن قدرته شاملة لكل شيء من أفعاله وأفعال المخلوقين. وأما كونها شاملة لأفعاله؛ فالأمر فيها ظاهر. وأما كونها شاملة لأفعال المخلوقين فلأن الخلق كلهم ملك لله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما شاء. * والدليل على هذا: قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] . وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨] . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] . فهذه الآيات تدل على أن أفعال العباد متعلقة بمشيئة الله. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] . وهذه تدل على أن مشيئة العبد داخلة تحت مشيئة الله وتابعة لها.

стр. 2700

لا يكون في ملكه ما لا يريد وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات ــ هذه العبارة تحتاج إلى تفصيل: لا يكون في ملكه ما لا يريد بالإرادة الكونية، أما بالإرادة الشرعية؛ فيكون في ملكه ما لا يريد. وحينئذ؛ نحتاج إلى أن نقسم الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية: - فالإرادة الكونية بمعنى المشيئة، ومثالها قول نوح ﵇ لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] . - والإرادة الشرعية بمعنى المحبة، مثلها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] . وتختلف الإرادتان في موجبهما وفي متعلقهما: ففي المتعلق: الإرادة الكونية تتعلق فيما وقع، سواء أحبه أم كرهه، والإرادة الشرعية تتعلق فيما أحبه، سواء وقع أم لم يقع. وفي موجبهما: الإرادة الكونية يتعين فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يتعين فيها وقوع المراد. وعلى هذا يكون قول المؤلف: " ولا يكون في ملكه ما لا يريد "؛ يعني به: الإرادة الكونية. * فإن قال قائل: هل المعاصي مرادة لله؟ فالجواب: أما بالإرادة الشرعية؛ فليست مرادة له؛ لأنه لا يحبها، وأما بالإرادة الكونية؛ فهي مرادة سبحانه؛ لأنها واقعة بمشيئته. كل شيء؛ فالله قادر عليه من الموجودات؛ فيعدمهما أو يغيرها،

стр. 2701

ومن المعدومات؛ فيوجدها. فالقدرة تتعلق في الموجود بإيجاده أو إعدامه أو تغييره، وفي المعدوم بإعدامه أو إيجاده. فمثلا؛ كل موجود؛ فالله قادر أن يعدمه، وقادر أن يغيره؛ أي: ينقله من حال إلى حال، وكل معدوم؛ فالله قادر على أن يوجده؛ مهما كان؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠] . * ذكر بعض العلماء استثناء من ذلك، وقال: إلا ذاته؛ فليس عليها بقادر! وزعم أن العقل يدل على ذلك. فنقول: ماذا تريد بأنه غير قادر على ذاته؟ إن أردت أنه غير قادر على أن يعدم نفسه أو يلحقها نقصا؛ فنحن نوافقك على أن الله لا يلحقه النقص أو العدم، لكننا لا نوافقك على أن هذا مما تتعلق به القدرة؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء الواجب أو المستحيل؛ فهذا لا تتعلق به القدرة أصلا؛ لأن الواجب مستحيل العدم، والمستحيل مستحيل الوجود. وإن أردت بقولك: إنه غير قادر على ذاته: أنه غير قادر على أنه يفعل ما يشاء؛ فلا يقدر أن يجيء أو نحوه! فهذا خطأ، بل هو قادر على ذلك، وفاعل له، ولو قلنا: إنه ليس بقادر على مثل هذه الأفعال؛ لكان ذلك من أكبر النقص الممتنع على الله سبحانه. وبهذا علم أن هذا الاستدراك من عموم القدرة في غير محله على كل تقدير.

стр. 2702

فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه ــ * وإنما نص المؤلف على هذا ردا على القدرية الذين قالوا: إن الله ليس بقادر على فعل العبد!! وإن العبد مستقل بعمله! ولكن ما في الكتاب والسنة من شمول قدرة الله يرد عليهم. هذا صحيح بلا شك ولهذا دليل أثري ودليل نظري: أما الدليل الأثري: فقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] . وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥-٣٦] . فلا يمكن أن يوجد شيء في السماء والأرض إلا الله خالقه وحده. ولقد تحدى الله العابدين للأصنام تحديا أمرنا أن نستمع له، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ ، ومعلوم أن الذين يدعون من دون الله في القمة عندهم؛ لأنهم اتخذوا أربابا، فإذا عجز هؤلاء القمة عن أن يخلقوا ذبابا، وهو أخس الأشياء وأهونها؛ فما فوقه من باب أولى، بل قال: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣] ؛ فيعجزون حتى عن مدافعة الذباب وأخذ حقهم منه. فإن قيل: كيف يسلب هذه الأصنام شيئا؟ ! فالجواب: قال بعض العلماء: إن هذا على سبيل الفرض؛ يعني: على فرض أن يسلبهم الذباب شيئا؛ لا يستنقذوه منه. وقال بعضهم: بل

стр. 2703

على سبيل الواقع؛ فيقع الذباب على هذه الأصنام، ويمتص ما فيها من أطياب؛ فلا تستطيع الأصنام أن تخرج ما امتصه الذباب. وإذا كانت عاجزة عن الدفع عن نفسها، واستنقاذ حقها؛ فهي عن الدفع عن غيرها واستنقاذ حقه أعجز. والمهم أن الله تعالى خالق كل شيء، وأن لا خالق إلا الله، فيجب الإيمان بعموم خلق الله ، وأنه خالق كل شيء، حتى أعمال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] ، وعمل الإنسان من الشيء، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] . . . والآيات في هذا كثيرة. وفيه آية خاصة في الموضوع، وهو خلق أفعال العباد: فقال إبراهيم لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] . فـ (ما) مصدرية، وتقدير الكلام: خلقكم وعملكم، وهذا نص في أن عمل الإنسان مخلوق لله تعالى. فإن قيل: ألا يحتمل أن تكون (ما) اسما موصولا، ويكون المعنى: خلقكم وخلق الذي تعملونه؟ فكيف يمكن أن نقول إن الآية دليل على خلق أفعال العباد على هذا التقدير أن [ما] موصولة؟ فالجواب: أنه إذا كان المعمول مخلوقا لله؛ لزم أن يكون عمل الإنسان مخلوقا؛ لأن المعمول كان بعمل الإنسان؛ فالإنسان هو الذي باشر العمل

стр. 2704

لا خالق غيره ــ في المعمول؛ فإذا كان المعمول مخلوقا لله، وهو فعل العبد؛ لزم أن يكون فعل العبد مخلوق، فيكون في الآية دليل على خلق أفعال العباد على كلا الاحتمالين. وأما الدليل النظري على أن أفعال العبد مخلوقة لله؛ فتقريره أن نقول: إن فعل العبد ناشئ عن أمرين: عزيمة صادقة وقدرة تامة. مثال ذلك: أردت أن أعمل عملا من الأعمال؛ فلا يوجد هذا العمل حتى يكون مسبوقا بأمرين هما: أحدهما: العزيمة الصادقة على فعله؛ لأنك لو لم تعزم ما فعلته. الثاني: القدرة التامة؛ لأنك لو لم تقدر؛ ما فعلته؛ فالذي خلق فيك هذه القدرة هو الله ، وهو الذي أودع فيك العزيمة، وخالق السبب التام خالق للمسبب. ووجه ثان نظري: أن نقول: الفعل وصف الفاعل، والوصف تابع للموصوف؛ فكما أن الإنسان بذاته مخلوق لله؛ فأفعاله مخلوقة؛ لأن الصفة تابعة للموصوف. فتبين بالدليل أن عمل الإنسان مخلوق لله، وداخل في عموم الخلق أثريا ونظريا، والدليل الأثري قسمان عام وخاص، والدليل النظري له وجهان. * قوله: " لا خالق غيره ": * إن قلت: هذا الحصر يرد عليه أن هناك خالقا غير الله؛ فالمصور يعد نفسه خالقا، بل جاء في الحديث أنه خالق: " «فإن المصورين يعذبون؛»

стр. 2705

ولا رب سواه ــ «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» ، وقال : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] ؛ فهناك خالق، لكن الله تعالى هو أحسن الخالقين؛ فما الجواب عن قول المؤلف؟ الجواب: أن الخلق الذي ننسبه إلى الله هو الإيجاد وتبديل الأعيان من عين لأخرى؛ فلا أحد يوجد إلا الله ، ولا أحد يبدل عينا إلى عين؛ إلا الله ، وما قيل: إنه خلق؛ بالنسبة للمخلوق؛ فهو عبارة عن تحويل شيء من صفة إلى صفة؛ فالخشبة مثلا بدلا من أن كانت في الشجرة، تحول بالنجارة إلى باب، فتحويلها إلى باب يسمى خلقا، لكنه ليس الخلق الذي يختص به الخالق، وهو الإيجاد من العدم، أو تبديل العين من عين إلى أخرى. * أي: أن الله وحده هو الرب المدبر لجميع الأمور، وهذا حصر حقيقي. * ولكن ربما يرد عليه أنه جاء في الأحاديث إثبات الربوبية لغير الله: ففي لقطة الإبل قال النبي ﷺ : «دعها؛ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها» ، وربها: صاحبها. وجاء في بعض ألفاظ حديث جبريل؛ يقول: «حتى تلد الأمة ربها» . فما هو الجمع بين هذا وبين قول المؤلف: " لا رب سواه "؟

стр. 2706

ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ــ نقول: إن ربوبية الله عامة كاملة؛ كل شيء؛ فالله ربه، لا يسأل عما يفعل في خلقه؛ لأن فعله كله رحمة وحكمة، ولهذا يقدر الله الجدب والمرض والموت والجروح في الإنسان وفي الحيوان، ونقول: هذا غاية الكمال والحكمة. أما ربوبية المخلوق للمخلوق؛ فربوبية ناقصة قاصرة، لا تتجاوز محلها، ولا يتصرف فيها الإنسان تصرفا تاما، بل تصرفه مقيد: إما بالشرع، وإما بالعرف. * يعني: ومع عموم خلقه وربوبيته لم يترك العباد هملا، ولم يرفع عنهم الاختيار، بل أمرهم بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته. وأمره بذلك أمر يمكن؛ فالمأمور مخلوق لله ، وفعله مخلوق لله، ومع ذلك؛ يؤمر وينهى. ولو كان الإنسان مجبرا على عمله؛ لكان أمره أمرا بغيره ممكن، والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ويقول تعالى ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] ، وهذا يدل على أنهم قادرون على فعل الطاعة، وعلى تجنب المعصية، وأنهم غير مكرهين على ذلك. يعني أن الله يحب المحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ، والمتقين؛ لقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧] والمقسطين؛ لقوله:

стр. 2707

ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ــ ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] . فهو يحب هؤلاء، ومع ذلك هو الذي قدر لهم هذا العمل الذي يحبه، فكان فعلهم محبوبا إلى الله مرادا له كونا وشرعا؛ فالمحسن قام بالواجب والمندوب، والمتقي قام بالواجب، والمقسط اتقى الجور في المعاملة. الدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧-٨] . * قوله: " ولا يحب " الله " الكافرين ". والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢] . مع أن الكفر واقع بمشيئته، لكن لا يلزم من وقوعه بمشيئته، أن يكون محبوبا له . الدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦] . * والفاسق -وهو الخارج عن طاعة الله- قد يراد به الكافر، وقد يراد به العاصي.

стр. 2708

ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ــ ففي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠] فالمراد بالفاسق الكافر. وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] ؛ فالمراد بالفاسق العاصي. * فالله لا يرضى عن القوم الفاسقين، لا هؤلاء ولا هؤلاء، لكن الفاسقين بمعنى الكافرين لا يرضى عنهم مطلقا، وأما الفاسقون بمعنى العصاة؛ فلا يرضى عنهم فيما فسقوا فيه، ويرضى عنهم فيما أطاعوا فيه. الدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ؛ لأنهم إذا فعلوا فاحشة: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ ؛ فاحتجوا بأمرين، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ، وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ؛ لأنه حق لا ينكر، لكن ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ كذب، ولهذا كذبهم وأمر نبيه أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] ، ولم يقل: ولم يجدوا عليها آباءهم؛ لأنهم قد وجدوا عليها آباءهم. * لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ، لكن يقدر أن يكفروا، ولا يلزم من تقديره الكفر أن يكون راضيا به ، بل يقدره وهو يكرهه ويسخطه.

стр. 2709

ولا يحب الفساد. ــ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] . * كرر المؤلف مثل هذه العبارات ليبين أنه لا يلزم من إرادته الشيء أن يكون محبوبا له، ولا يلزم من كراهته للشيء أن لا يكون مرادا بالإرادة الكونية، بل هو يكره الشيء ويريده بالإرادة الكونية، ويوقع الشيء ولا يرضى عنه، ولا يريده بالإرادة الشرعية. * فإن قلت: كيف يوقع ما لا يرضاه وما لا يحبه؟ ! وهل أحد يكرهه على أن يوقع ما لا يحبه ولا يرضاه؟ ! فالجواب: لا أحد يكرهه على أن يوقع ما لا يحبه ولا يرضاه، وهذا الذي يقع من فعله وهو مكروه له، هو مكروه له من وجه، محبوب له من وجه آخر؛ لما يترتب عليه من المصالح العظيمة. فمثلا؛ الإيمان محبوب لله، والكفر مكروه له، فأوقع الكفر وهو مكروه له؛ لمصالح عظيمة؛ لأنه لولا وجود الكفر؛ ما عرف الإيمان، ولولا وجود الكفر؛ ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان، ولولا وجود الكفر؛ ما قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الناس كلهم يكونون على المعروف، ولولا وجود الكفر؛ ما قام الجهاد، ولولا وجود الكفر لكان خلق النار عبثا؛ لأن النار مثوى الكافرين، ولولا وجود الكفر؛ لكان الناس أمة واحدة، ولم يعرفوا معروفا ولم ينكروا منكرا، وهذا لا شك أنه مخل بالمجتمع الإنساني، لولا وجود الكفر؛ ما عرفت ولاية الله؛ لأن من ولاية الله أن تبغض أعداء الله وأن تحب أولياء الله. وكذلك يقال في الصحة والمرض؛ فالصحة محبوبة للإنسان؛ وملائمة

стр. 2710

والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم ــ له، ورحمة الله تعالى فيها ظاهرة، لكن المرض مكروه للإنسان، وقد يكون عقوبة من الله له، ومع ذلك يوقعه؛ لما في ذلك من المصالح العظيمة. كم من إنسان إذا أسبغ الله عليه النعمة بالبدن والمال والولد والبيت والمركوب؛ ترفع ورأى أنه مستغن بما أنعم الله به عليه عن طاعة الله ؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦-٧] ، وهذه مفسدة عظيمة؛ فإذا أراد الله أن يرد هذا الإنسان إلى مكانه؛ ابتلاه، حتى يرجع إلى الله، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] . وأنت أيها الإنسان إذا فكرت هذا التفكير الصحيح في تقديرات الله ؛ عرفت ما له من الحكمة فيما يقدره من خير أو شر، وأن الله يخلق ما يكرهه ويقدر ما يكرهه لمصالح عظيمة؛ قد تحيط بها، وقد لا تحيط بها ويحيط بها غيرك، وقد لا يحيط بها لا أنت ولا غيرك. * فإن قيل: كيف يكون الشيء مكروها لله ومرادا له؟ فالجواب: أنه لا غرابة في ذلك؛ فها هو الدواء المر طعما، الخبيث رائحة يتناوله المريض وهو مرتاح؛ لما يترتب عليه من مصلحة الشفاء، وهاهو الأب يمسك بابنه المريض ليكويه الطبيب، وربما كواه هو بنفسه، مع أنه يكره أشد الكره أن يحرق ابنه بالنار. هذا صحيح؛ فالعبد هو المباشر لفعله حقيقة، والله خالق فعله حقيقة، وهذه عقيدة أهل السنة، وقد سبق تقريرها بالأدلة.

стр. 2711

والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم ــ * وخالفهم في هذا الأصل طائفتان: الطائفة الأولى: القدرية من المعتزلة وغيرهم؛ قالوا إن العباد فاعلون حقيقة، والله لم يخلق أفعالهم. الطائفة الثانية: الجبرية من الجهمية وغيرهم؛ قالوا: إن الله خالق أفعالهم، وليسوا فاعلين حقيقة، لكن أضيف الفعل إليهم من باب التجوز، وإلا فالفاعل حقيقة هو الله. وهذا القول يؤدي إلى القول بوحدة الوجود، وأن الخالق هو الله، ثم يؤدي إلى قول من أبطل الباطل؛ لأن العباد منهم الزاني ومنهم السارق ومنهم شارب الخمر ومنهم المعتدى بالظلم؛ فحاشا أن تكون هذه الأفعال منسوبة إلى الله!! وله لوازم باطلة أخرى. * وبهذا تبين أن في قول المؤلف: " والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم ": ردا على الجبرية والقدرية. * يعني: أن الوصف بالإيمان والكفر والبر والفجور والصلاة والصيام وصف للعبد، لا لغيره؛ فهو المؤمن، وهو الكافر، وهو البار، وهو الفاجر، وهو المصلي، وهو الصائم. . . وكذلك هو المزكي، وهو الحاج، وهو المعتمر. . . وهكذا، ولا يمكن أن يوصف بما ليس من فعله حقيقة. * وهذه الجملة تتضمن الرد على الجبرية. * والمراد بالعبودية هنا العبودية العامة؛ لأن العبودية نوعان: عامة وخاصة:

стр. 2712

وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم. ــ فالعامة: هي الخضوع لأمر الله الكوني؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] . والعبودية الخاصة: هي الخضوع لأمر الله الشرعي، وهي خاصة بالمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] ، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ، وهذه أخص من الأولى. * قوله: " وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة "؛ خلافا للجبرية القائلين بأنهم لا قدرة لهم ولا إرادة، بل هم مجبرون عليها. * قوله: " والله خالقهم وخالق إرادتهم وقدرتهم "؛ خلافا للقدرية القائلين بأن الله ليس خالقا لفعل العبد ولا لإرادته وقدرته. * وكان المؤلف يشير بهذه العبارة إلى وجه كون فعل العبد مخلوقا لله تعالى؛ بأن فعله صادر عن قدرة وإرادة، وخالق القدرة والإرادة هو الله؛ وما صدر عن مخلوق، فهو مخلوق. ويشير بها أيضا إلى كون فعل العبد اختيارا لا إجباريا؛ لأنه صادر عن قدرة وإرادة؛ فلولا القدرة والإرادة؛ لم يصدر منه الفعل، ولولا الإرادة؛ لم يصدر منه الفعل، ولو كان الفعل إجباريا، ما كان من شرطه القدرة والإرادة.

стр. 2713

كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره. ــ ثم استدل المؤلف لذلك، فقال: " كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨-٢٩] . * فقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ : فيها رد على الجبرية. * وفي قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ : رد على القدرية. أي: درجة المشيئة والخلق. أي: أكثرهم يكذبون بهذه الدرجة، ويقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه مشيئة ولا خلق. لأن المجوس يقولون: إن للحوادث خالقين: خالقا للخير، وخالقا للشر! فخالق الخير هو النور، وخالق الشر هو الظلمة؛ فالقدرية يشبهون هؤلاء المجوس من وجه؛ لأنهم يقولون: إن الحوادث نوعان: حوادث من فعل الله؛ فهذه خلق الله، وحوادث من فعل العباد؛ فهذه للعباد استقلالا، وليس لله تعالى فيها خلق. أي: في هذه الدرجة. أي: إثبات القدر. * وهؤلاء القوم هم الجبرية؛ حيث إنهم سلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إنه مجبر على علمه؛ لأنه مكتوب عليه.

стр. 2714

ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها ــ * قوله: " ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها ": " يخرجون ": معطوفة على قوله: " يغلو ". * ووجه كونهم يخرجون الحكم والمصالح عن أفعال الله وأحكامه: أنهم لا يثبتون لله حكمة أو مصلحة؛ فهو يفعل ويحكم لمجرد مشيئته، ولهذا يثيب المطيع، وإن كان مجبرا على الفعل، ويعاقب العاصي، وإن كان مجبرا على الفعل. ومن المعلوم أن المجبر لا يستحق الحمد على محمود، ولا الذم على مذموم؛ لأنه بغير اختياره. * وهنا مسألة يحتج بها كثير العصاة: إذا أنكرت عليه المنكر؛ قال: هذا هو ما قدره الله علي؛ أتعترض على الله؟ ! فيحتج بالقدر على معاصي الله، ويقول: أنا عبد مسير! ثم يحتج أيضا بحديث: «" تحاج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة؟ ! فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده! أتلومني على أمر قدره علي قبل يخلقني بأربعين سنة؟ ! . قال النبي ﵊: " فحج آدم موسى "؛ قالها ثلاثا» . وعند أحمد: «فحجه آدم» . وهي صريحة في أن آدم غلب موسى بالحجة. قال: فهذا آدم لما اعترض عليه موسى؛ احتج عليه بالقدر، وآدم نبي، وموسى رسول، فسكت موسى؛ فلماذا تحتج عليَّ؟

стр. 2715

والجواب على حديث آدم: أما على رأي القدرية؛ فإن طريقتهم أن أخبار الآحاد لا توجب اليقين؛ قالوا: وإذا عارضت العقل؛ وجب أن ترد وبناء على ذلك قالوا: هذا لا يصح ولا نقبله ولا نسلم به. وأما الجبرية؛ فقالوا: إن هذا هو الدليل، ودلالته حق، ولا يلام العبد على ما قدر عليه. أما أهل السنة والجماعة؛ فقالوا: إن آدم ﵊ فعل الذنب، وصار ذنبه سببا لخروجه من الجنة، لكنه تاب من الذنب، وبعد توبته اجتباه الله وتاب عليه وهداه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومن المحال أن موسى ﵊ -وهو أحد أولي العزم من الرسل- يلوم أباه على شيء تاب منه ثم اجتباه الله بعده وتاب عليه وهداه، وإنما اللوم على المصيبة التي حصلت بفعله، وهي إخراج الناس ونفسه من الجنة؛ فإن سبب هذا الإخراج هو معصية آدم؛ على أن آدم ﵊ لا شك أنه لم يفعل هذا ليخرج من الجنة حتى يلام؛ فكيف يلومه موسى؟ ! وهذا وجه ظاهر في أن موسى ﵇ لم يرد لوم آدم على فعل المعصية، إنما على المصيبة التي هي من قدر الله، وحينئذ يتبين أنه لا حجة بهذا الحديث للجبرية. فنحن نقبله ولا ننكره كما فعل القدري، ولكننا لا نحتج به على المعصية؛ كما فعل الجبري.

стр. 2716

وهناك جواب آخر أشار إليه ابن القيم ﵀، وقال: الإنسان إذا فعل المعصية واحتج بالقدر عليها بعد التوبة منها؛ فلا بأس به. ومعناه: أنه لو لامك أحد على فعل المعصية بعد أن تبت منها، وقلت: هذا بقضاء الله وقدره، وأستغفر الله وأتوب إليه. . . . وما أشبه ذلك؛ فإنه لا حرج عليك في هذا. فآدم احتج بالقدر بعد أن تاب منه، وهذا لا شك أنه وجه حسن، لكن يبعده أن موسى لا يمكن أن يلوم آدم على معصية تاب منها. ورجح ابن القيم قوله هذا بما «جرى للنبي ﵊ حين طرق عليا وفاطمة ﵄ ليلة، فقال: " ألا تصليان؟ ". فقال علي ﵁: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله؛ فإذا شاء أن يبعثنا؛ بعثنا. فانصرف النبي ﷺ يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] » . وعندي أن في الاستدلال بهذا الحديث نظرا، لأن عليا ﵁ احتج بالقدر على نومه، والإنسان النائم له أن يحتج بالقدر؛ لأن فعله لا ينسب إليه، ولهذا قال الله تعالى في أصحاب الكهف: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٨] ، فنسب التقليب إليه، مع أنهم هم الذين يتقلبون، لكن لما كان بغير إرادة منهم، لم يضفه إليهم. والوجه الأول في الجواب عن حديث آدم وموسى -وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - هو الصواب. * فإذا؛ لا حجة للجبري بهذا الحديث، ولا للعصاة الذين يحتجون

стр. 2717

بهذا الحديث لاحتجاجهم بالقدر. فنقول له: إن احتجاجك بالقدر على المعاصي يبطله السمع والعقل والواقع: فأما السمع؛ فقد قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ؛ قالوا ذلك احتجاجا بالقدر على المعصية، فقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ؛ يعنى: كذبوا الرسل واحتجوا بالقدر ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ ، وهذا يدل على أن حجتهم باطلة؛ إذ لو كانت حجة مقبولة، ما ذاقوا بأس الله. ودليل سمعي آخر: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ، ووجه الدلالة من هذه الآية أنه لو كان القدر حجة؛ ما بطلت بإرسال الرسل، وذلك لأن القدر لا يبطل بإرسال الرسل، بل هو باق. فإذا قال قائل: يرد عليك في الدليل الأول قول الله ﵎ في سورة الأنعام: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٦- ١٠٧] ؛ فهناك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ؛ فنقول: إن قول الإنسان عن الكفار: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ : قول صحيح وجائز، لكن قول المشرك: ﴿مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ؛ يريد أن يحتج بالقدر على المعصية قول باطل، والله إنما قال لرسوله هكذا تسلية له وبيانا أن ما وقع فهو بمشيئة الله.

стр. 2718

وأما الدليل العقلي على بطلان احتجاج العاصي بالقدر على معصية الله أن نقول له: ما الذي أعلمك بأن الله قدر لك أن تعصيه قبل أن تعصيه؟ فنحن جميعا لا نعلم ما قدر الله إلا بعد أن يقع؛ أما قبل أن يقع، فلا ندري ماذا يراد بنا؛ فنقول للعاصي: هل عندك علم قبل أن تمارس المعصية أن الله قدر لك المعصية؟ سيقول: لا. فنقول: إذا؛ لماذا لم تقدر أن الله قدر لك الطاعة وتطع الله؛ فالباب أمامك مفتوح، فلماذا لم تدخل من الباب الذي تراه مصلحة لك؛ لأنك لا تعلم ما قدر لك. واحتجاج الإنسان بحجة على أمر فعله قبل أن تتقدم حجته على فعله احتجاج باطل؛ لأن الحجة لا بد أن تكون طريقا يمشي به الإنسان؛ إذ أن الدليل يتقدم المدلول. ونقول له أيضا: ألست لو ذكر لك أن لمكة طريقين أحدهما طريق معبد آمن، والثاني طريق صعب مخوف؛ ألست تسلك الآمن؟ سيقول: بلى. فنقول: إذا؛ لماذا تسلك في عبادتك الطريق المخوف المحفوف بالأخطار، وتدع الطريق الآمن الذي تكفل الله تعالى بالأمن لمن سلكه؛ فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام:٨٢] ، وهذه حجة واضحة. ونقول له: لو أعلنت الحكومة عن وظيفتين: إحداهما بالمرتبة العالية، والثانية بالمرتبة السفلى؛ فأيهما تريد؟ بلا شك سيريد المرتبة العالية، وهذا يدل على أنك تأخذ بالأكمل في أمور دنياك؛ فلماذا لم تأخذ بالأكمل في أمور دينك؟ ! وهل هذا إلا تناقض منك؟ ! وبهذا يتبين أنه لا وجه أبدا لاحتجاج العاصي بالقدر على معصية الله .

стр. 2719

فصل ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان ــ فصل في الإيمان * " الدين ": هو ما يدان به الإنسان، أو يدين به؛ فيطلق على العمل ويطلق على الجزاء: ففي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٨، ١٩] ؛ فالمراد بالدين في هذه الآية: الجزاء. وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ؛ أي: عملا تتقربون به إلى الله. ويقال: كما تدين تدان؛ أي: كما تعمل تجازى. والمراد بالدين في كلام المؤلف: العمل. * " الإيمان "؛ أكثر أهل العلم يقولون: إن الإيمان في اللغة التصديق. ولكن في هذا نظر؛ لأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة؛ فإنها تتعدى بتعديتها، ومعلوم أن التصديق يتعدى بنفسه، والإيمان لا يتعدى بنفسه؛ فنقول مثلا: صدقته، ولا تقول: آمنته! بل تقول: آمنت به. أو آمنت له. فلا يمكن أن نفسر فعلا لازما لا يتعدى إلا بحرف الجر بفعل متعد ينصب المفعول به نفسه، ثم إن كلمة (صدقت) لا تعطي معنى كلمة (آمنت)

стр. 2720

قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح ــ ؛ فإن (آمنت) تدل على طمأنينة بخبره أكثر من (صدقت) . ولهذا؛ لو فسر الإيمان بالإقرار؛ لكان أجود؛ فنقول: الإيمان: الإقرار، ولا إقرار إلا بتصديق؛ فتقول: أقر به؛ كما تقول: آمن به، وأقر له؛ كما تقول: آمن له. هذا في اللغة. * وأما في الشرع؛ فقال المؤلف: " قول وعمل ". * وهذا تعريف مجمل فصله المؤلف بقوله: " قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح ". * فجعل المؤلف للقلب قولا وعملا، وجعل للسان قولا وعملا. أما قول اللسان؛ فالأمر فيه واضح، وهو النطق، وأما عمله؛ فحركاته، وليست هي النطق، بل النطق ناشئ عنها إن سلمت من الخرس. وأما قول القلب، فهو اعترافه وتصديقه. وأما عمله؛ فهو عبارة عن تحركه وإرادته؛ مثل الإخلاص في العمل؛ فهذا عمل قلب، وكذلك التوكل والرجاء والخوف؛ فالعمل ليس مجرد الطمأنينة في القلب، بل هناك حركة في القلب. وأما عمل الجوارح؛ فواضح؛ ركوع، وسجود، وقيام، وقعود، فيكون عمل الجوارح إيمانا شرعا، لأن الحامل لهذا العمل هو الإيمان. * فإذا قال قائل: أين الدليل على أن الإيمان يشمل هذه الأشياء؟ قلنا: قال النبي ﷺ : «الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره» ؛ فهذا قول القلب. أما عمل القلب

стр. 2721

واللسان والجوارح؛ فدليله قول النبي ﷺ : " «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ؛ فهذا قول اللسان وعمله وعمل الجوارح، والحياء عمل قلبي، وهو انكسار يصيب الإنسان ويعتريه عند وجود ما يستلزم الحياء. فتبين بهذا أن الإيمان يشمل هذه الأشياء كلها شرعا. ويدل لذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] ؛ قال المفسرون: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ فسمى الله تعالى الصلاة إيمانا؛ مع أنها عمل جوارح وعمل قلب وقول لسان. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. * وشموله لهذه الأشياء الأربعة لا يعني أنه لا يتم إلا بها، بل قد يكون الإنسان مؤمنا مع تخلف بعض الأعمال، لكنه ينقص إيمانه بقدر ما نقص من عمله. * وخالف أهل السنة في هذا طائفتان بدعيتان متطرفتان: الطائفة الأولى: المرجئة: يقولون: إن الإيمان هو الإقرار بالقلب، وما عدا ذلك؛ فليس من الإيمان. ولهذا كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص عندهم؛ لأنه إقرار القلب، والناس فيه سواء؛ فالإنسان الذي يعبد الله آناء الليل والنهار كالذي يعصي الله آناء الليل والنهار عندهم، ما دامت معصيته لا تخرجه من الدين!! فلو وجدنا رجلا يزني ويسرق ويشرب الخمر ويعتدي على الناس،

стр. 2722

وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ــ ورجلا آخر متقيا لله بعيدا عن هذه الأشياء كلها؛ لكانا عند المرجئة في الإيمان والرجاء سواء؛ كل منهما لا يعذب؛ لأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان. الطائفة الثانية: الخوارج والمعتزلة؛ قالوا: إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنها شرط في بقائه، فمن فعل معصيته من الكبائر خرج من الإيمان. لكن الخوارج يقولون: إنه كافر، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين منزلتين؛ فلا نقول: مؤمن، ولا نقول: كافر، بل نقول: خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر، وصار في منزلة بين منزلتين. هذه أقوال الناس في الإيمان. * هذا معطوف على قوله: " أن الدين. . . " إلخ؛ أي: أن من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص. * ويستدلون لذلك بأدلة من الكتاب والسنة: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] ، وهذا صريح في ثبوت الزيادة. وأما النقص؛ فقد ثبت في " الصحيحين «أن النبي ﷺ وعظ النساء وقال لهن: " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» ؛ فأثبت نقص الدين.

стр. 2723

ثم لو فرض أنه لم يوجد نص في ثبوت النقص؛ فإن إثبات الزيادة مستلزم للنقص؛ فنقول: كل نص يدل على زيادة الإيمان؛ فإنه متضمن للدلالة على نقصه. وأسباب زيادة الإيمان أربعة: الأول: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ فإنه كلما ازداد الإنسان معرفة بالله وأسمائه وصفاته؛ ازداد إيمانه. الثاني: النظر في آيات الله الكونية والشرعية: قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] . وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] . وكلما ازداد الإنسان علما بما أودع الله تعالى في الكون من عجائب المخلوقات ومن الحكم البالغات؛ ازداد إيمانا بالله ، وكذلك النظر في آيات الله الشرعية يزيد الإنسان إيمانا بالله ؛ لأنك إذا نظرت إلى الآيات الشرعية، وهي الأحكام التي جاءت بها الرسل؛ وجدت فيها ما يبهر العقول من الحكم البالغة والأسرار العظيمة التي تعرف بها أن هذه الشريعة نزلت من عند الله، وأنها مبنية على العدل والرحمة، فتزداد بذلك إيمانا. الثالث: كثرة الطاعات وإحسانها؛ لأن الأعمال داخلة في الإيمان، وإذا كانت داخلة فيه؛ لزم من ذلك أن يزيد بكثرتها.

стр. 2724

السبب الرابع: ترك المعصية تقربا إلى الله ؛ فإن الإنسان يزداد بذلك إيمانا بالله . أسباب نقص الإيمان أربعة: الأول: الإعراض عن معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته. الثاني: الإعراض عن النظر في الآيات الكونية والشرعية؛ فإن هذا يوجب الغفلة وقسوة القلب. الثالث: قلة العمل الصالح، ويدل لذلك قول النبي ﷺ في النساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قالوا: يا رسول الله! كيف نقصان دينها؟ قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» . الرابع: فعل المعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] . وخالف أهل السنة والجماعة في القول بالزيادة والنقصان طائفتان: الطائفة الأولى المرجئة، والطائفة الثانية: الخوارج والمعتزلة. الطائفة الأولى: المرجئة: قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، حتى يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها؛ فالإيمان هو إقرار القلب، والإقرار لا يزيد ولا ينقص. ونحن نرد عليهم فنقول: أولا: إخراجكم الأعمال من الإيمان ليس بصحيح؛ فإن الأعمال داخلة

стр. 2725

في الإيمان، وقد سبق ذكر الدليل. ثانيا: قولكم: إن الإقرار بالقلب لا يختلف زيادة ونقصا: ليس بصحيح، بل الإقرار بالقلب يتفاضل؛ فلا يمكن لأحد أن يقول: إن إيماني كإيمان أبي بكر!! بل يتعدى ويقول: إن إيماني كإيمان الرسول ﵊!! ثم نقول: إن الإقرار بالقلب يقبل التفاضل؛ فإقرار القلب بخبر الواحد ليس كإقراره بخبر اثنين، وإقراره بما سمع كإقراره بما شاهد ألم تسمعوا قول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ؛ فهذا دليل على أن الإيمان الكائن في القلب يقبل الزيادة والنقص. ولهذا قسم العلماء درجات اليقين ثلاثة أقسام: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥ - ٧] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] . الطائفة الثانية المخالفة لأهل السنة طائفة الوعيدية، وهم الخوارج والمعتزلة، وسموا وعيدية؛ لأنهم يقولون بأحكام الوعيد دون أحكام الوعد، أي يغلبون نصوص الوعيد على نصوص الوعد، فيخرجون فاعل الكبيرة من الإيمان، لكن الخوارج يقولون: إنه خارج من الإيمان داخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: خارج من الإيمان غير داخل في الكفر، بل هو في منزلة بين منزلتين. ومناقشة هاتين الطائفتين المرجئة والوعيدية في الكتب المطولات.

стр. 2726

وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ــ أي: مع قولهم: إن الإيمان قول وعمل. أهل القبلة هم المسلمون، وإن كانوا عصاة؛ لأنهم يستقبلون قبلة واحدة، وهي الكعبة. فالمسلم عند أهل السنة والجماعة لا يكفر بمطلق المعاصي والكبائر. وتأمل قول المؤلف: ((بمطلق المعاصي)) ، ولم يقل: بالمعاصي والكبائر؛ لأن المعاصي منها ما يكون كفرا، وأما مطلق المعصية؛ فلا يكون كفرا. والفرق بين الشيء المطلق ومطلق الشيء: أن الشيء المطلق يعني الكمال، ومطلق الشيء؛ يعني: أصل الشيء. فالمؤمن الفاعل للكبيرة عنده مطلق الإيمان؛ فأصل الإيمان موجود عنده، لكن كماله مفقود. فكلام المؤلف ﵀ دقيق جدا. يعني: الذين يقولون: إن فاعل الكبيرة كافر، ولهذا خرجوا على المسلمين، واستباحوا دماءهم وأموالهم. يعني: أن الأخوة بين المؤمنين ثابتة ولو مع المعصية؛ فالزاني أخ للعفيف، والسارق أخ للمسروق منه، والقاتل أخ للمقتول، ثم استدل المؤلف لذلك فقال: ((كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] :

стр. 2727

وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ــ آية القصاص هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآية، والمراد بـ (أَخِيهِ) هو المقتول. ووجه الدلالة من هذه الآية على أن فاعل الكبيرة لا يكفر أن الله سمى المقتول أخا للقاتل، مع أن قتل المؤمن كبيرة من كبائر الذنوب. هذا دليل آخر لقول أهل السنة: إن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان. (اقتتلوا) جمع، و (بينهما) مثنى، و (طَائِفَتَان) مثنى؛ فكيف يكون مثنى وجمع ومثنى آخر والمرجع واحد؟! نقول: لأن قوله: (طَائِفَتَان) : الطائفة عدد كبير من الناس، فيصح أن أقول: اقتتلوا، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء ١٠٢] ، ولم يقل: لم تصل. فالطائفة أمة وجماعة، ولهذا عاد الضمير إليها جمعا فيكون الضمير في قوله: (اقتتلوا) عائدا إلى المعنى، وفي قوله: (بينهما) عائدا إلى اللفظ. فهاتان الطائفتان من المؤمنين اقتتلوا، وحمل السلاح بعضهم على بعض، وقتال المؤمن للمؤمن كفر، ومع هذا قال الله تعالى بعد أن أمر بالصلح بينهما للطائفة الثالثة التي لم تدخل القتال:

стр. 2728

ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية ــ ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] ؛ فجعل الله تعالى الطائفة المصلحة إخوة للطائفتين المقتتلتين. وعلى هذا؛ ففي الآية دليل على أن الكبائر لا تخرج من الإيمان. وعلى هذا؛ لو مررت بصاحب كبيرة؛ فإني أسلم عليه؛ لأن النبي ﷺ ذكر من حقوق المسلم على المسلم: «إذا لقيته؛ فسلم عليه» ، وهذا الرجل ما زال مسلما، فأسلم عليه؛ إلا إذا كان في هجره مصلحة؛ فحينئذ أهجره للمصلحة؛ كما جرى لكعب بن مالك وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فهجرهم المسلمون خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم)) . وهل نحبه على سبيل الإطلاق أو نكرهه على سبيل الإطلاق؟ نقول: لا هذا ولا هذا؛ نحبه بما معه من الإيمان، ونكرهه بما معه من المعاصي، وهذا هو العدل. ((الفاسق)) : هو الخارج عن الطاعة. والفسق - كما أشرنا إليه سابقا - ينقسم إلى فسق أكبر مخرج عن الإسلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة:٢٠] ، وفسق أصغر ليس مخرجا عن الإسلام؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] .

стр. 2729

ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ــ والفاسق الذي لا يخرج من الإسلام هو الفاسق الملي، وهو من فعل كبيرة، أو أصر على صغيرة. ولهذا قال المؤلف: ((الملي)) ؛ يعني: المنتسب إلى الملة الذي لم يخرج منها. فأهل السنة والجماعة لا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية؛ فلا يمكن أن يقولوا: إن هذا ليس بمسلم؛ لكن يمكن أن يقولوا: إن هذا ناقص الإسلام أو ناقص الإيمان. قوله: ((ولا يخلدونه في النار)) : معطوف على قوله: ((ولا يسلبون)) : وعلى هذا يكون قوله: ((كما تقول المعتزلة)) : عائدا للأمرين؛ لأن المعتزلة يسلبونه الإسلام ويخلدونه في النار، وإن كانوا لا يطلقون عليه الكفر. مراد المؤلف بـ ((المطلق)) هنا؛ يعني: إذا أطلق الإيمان؛ فالوصف يعود إلى الاسم لا إلى الإيمان؛ كما سيتبين من كلام المؤلف ﵀؛ فيكون المراد به مطلق الإيمان الشامل للفاسق والعدل. قوله: ((كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ؛ فإن المؤمنة هنا يدخل فيه الفاسق. فلو أن إنسانا اشترى رقيقا فاسقا وأعتقه في كفارة؛ أجزأه؛ مع أن الله قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ؛ فكلمة ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ تشمل الفاسق وغيره.

стр. 2730

وقد لايدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ــ أي: في مطلق اسم الإيمان. قوله: ((كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ؛ فـ إِنَّمَا أداة حصر؛ يعني: ما المؤمنون إلا هؤلاء، والمراد بالمؤمنين؛ يعني: ذوي الإيمان المطلق الكامل. فلا يدخل في المؤمنين هنا الفساق؛ لأن الفاسق لو تلوت عليه آيات الله؛ ما زادته إيمانا، ولو ذكرت الله له؛ لم يوجل قلبه. فبين المؤلف أن الإيمان قد يراد به مطلق الإيمان، وقد يراد به الإيمان المطلق. فإذا رأينا رجلا: إذا ذكر الله؛ لم يوجل قلبه، وإذا تليت عليه آياته؛ لم يزد إيمانا؛ فيصح أن نقول: إنه مؤمن، ويصح أن نقول: ليس بمؤمن؛ فنقول: مؤمن؛ أي: معه مطلق الإيمان؛ يعني: أصله، وليس بمؤمن؛ أي: ليس معه الإيمان الكامل. هذا مثال ثان للإيمان الذي يراد به الإيمان المطلق؛ أي الكامل. وقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» : هنا نفى عنه

стр. 2731

«ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» . ــ الإيمان الكامل حين زناه، أما بعد أن يفرغ من الزنى؛ فقد يؤمن؛ فقد يلحقه الخوف من الله بعد أن يتم الزنى فيتوب، لكن حين إقدامه على الزنى لو كان عنده إيمان كامل؛ ما أقدم عليه، بل إيمانه ضعيف جدا حين أقدم عليه. وتأمل قوله: ((حين يزني)) : احترازا من أنه قبل الزنى وبعده تختلف حاله؛ لأن الإنسان ما دام لم يفعل الفاحشة، ولو هم بها؛ على أمل ألا يقدم عليها. وقوله: «ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» : أي: كامل الإيمان؛ لأن الإيمان يردعه عن سرقته. وقوله: «ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» ؛ أي: كامل الإيمان. ((ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم)) : ((ذات شرف)) ؛ أي: ذات قيمة عند الناس، ولهذا يرفعون إليه أبصارهم؛ فلا ينتهبها حين ينتهبها وهو مؤمن؛ أي: كامل الإيمان. هذه أربعة أشياء: الزنى (وهو الجماع في فرج حرام) ، والسرقة (وهي أخذ المال المحترم على وجه الخفية من حرز مثله) ، وشرب الخمر (والمراد تناوله بأكل أو شرب، والخمر كل ما أسكر على وجه اللذة والطرب) ، والنهبة التي لها شرف وقيمة عند الناس (قيل: الانتهاب: أخذ المال على وجه الغنيمة) ؛ لا يفعل هذه الأشياء الأربعة أحد وهو مؤمن بالله حين فعله

стр. 2732

ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم ــ لها. فالمراد بنفي الإيمان هنا: نفي تمام الإيمان. هذا بيان للوصف الذي يستحقه الفاسق الملي عند أهل السنة والجماعة. والفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق: أن الشيء المطلق هو الشيء الكامل، ومطلق الشيء؛ يعني: أصل الشيء، وإن كان ناقصا. فالفاسق الملي لا يعطى الاسم المطلق في الإيمان، وهو الاسم الكامل، ولا يسلب مطلق الاسم؛ فلا نقول: ليس بمؤمن، بل نقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو المذهب العدل الوسط. وخالفهم في ذلك طوائف: - المرجئة؛ يقولون: مؤمن كامل الإيمان. - والخوارج؛ يقولون: كافر. - والمعتزلة؛ يقولون: في منزلة بين منزلتين.

стр. 2733

فصل ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ــ فصل في موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أي: أسس عقيدتهم. قوله: " سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ": ولم يقل: وأفعالهم، لأن الأفعال متعذرة بعد موت الصحابة، حتى لو فرض أن أحدا نبش قبورهم وأخرج جثثهم، فإن ذلك لا يؤذيهم ولا يضرهم، لكن الذي يمكن أن يكون بعد موت الصحابة نحوهم هو ما يكون في القلب وما ينطق به اللسان. فمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، سلامة القلب من البغض والغل والحقد والكراهة، وسلامة ألسنتهم من كل قول لا يليق بهم. فقلوبهم سالمة من ذلك، مملوءة بالحب والتقدير والتعظيم لأصحاب رسول الله ﷺ على ما يليق بهم. فهم يحبون أصحاب النبي ﷺ ، ويفضلونهم على جميع الخلق، لأن محبتهم من محبة رسول الله ﷺ ، ومحبة رسول الله ﷺ ، من محبة الله، وألسنتهم أيضا سالمة من السب والشتم واللعن والتفسيق والتكفير وما أشبه ذلك مما يأتي به أهل البدع، فإذا سلمت من هذا، ملئت من الثناء

стр. 2734

عليهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار وغير ذلك. وذلك للأمور التالية: أولا: أنهم خير القرون في جميع الأمم، كما صرح بذلك رسول الله ﷺ حين قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . ثانيا: أنهم هم الواسطة بين رسول الله ﷺ وبين أمته، فمنهم تلقت الأمة عنه الشريعة. ثالثا: ما كان على أيديهم من الفتوحات الواسعة العظيمة. رابعا: أنهم نشروا الفضائل بين هذه الأمة من الصدق والنصح والأخلاق والآداب التي لا توجد عند غيرهم، ولا يعرف هذا من كان يقرأ عنهم من وراء جدر، بل لا يعرف هذا إلا من عاش في تاريخهم وعرف مناقبهم وفضائلهم وإيثارهم لله ولرسول ﷺ . فنحن نشهد الله على محبة هؤلاء الصحابة، ونثني عليهم بألسنتنا بما يستحقون، ونبرأ من طريقين ضالين: طريق الروافض الذين يسبون الصحابة ويغلون في آل البيت، ومن طريق النواصب الذين يبغضون آل البيت، وترى أن لآل البيت إذا كانوا صحابة ثلاثة حقوقة: حق الصحابة، وحق الإيمان، وحق القرابة من رسول الله ﷺ . وقوله: " لأصحاب رسول الله ﷺ ": سبق أن أصحاب رسول الله ﷺ كل من اجتمع به مؤمنا به ومات على ذلك، وسمي صاحبا، لأنه إذا اجتمع بالرسول ﷺ مؤمنا به، فقد التزم اتباعه، وهذا من خصائص صحبة

стр. 2735

كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . ــ الرسول ﷺ ، أما غير الرسول، فلا يكون الشخص صاحبا له حتى يلازمه ملازمة طويلة يستحق أن يكون بها صاحبا. استدل المؤلف ﵀ لموقف أهل السنة بقوله: " كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] ". هذه الآية بعد آيتين سابقتين هما قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] ، وعلى رأس هؤلاء المهاجرين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. ففي قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ : إخلاص النية، وفي قوله: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ : تحقيق العمل، وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ، أي: لم يفعلوا ذلك رياء ولا سمعة، ولكن عن صدق نية. ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ، فوصفهم الله بأوصاف ثلاثة:
следующие страницы →