Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وفي عرصات القيامة: الحوض المورود لمحمد ﷺ ، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.
ــ
فائدة:
أول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة، وأول ما يقضي فيه بين الناس الدماء؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين.
الأمر الثامن مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكر المؤلف بقوله: " وفي عرصات القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ".
* العرصات: جمع عرصة، وهي المكان المتسع بين البنيان، والمراد به هنا مواقف القيامة.
* والحوض في الأصل: مجمع الماء، والمراد به هنا: حوض النبي ﷺ .
* والكلام على الحوض من عدة وجوه:
أولا: هذا الحوض موجود الآن؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه خطب ذات يوم في أصحابه، وقال: «وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن» .
وأيضا؛ ثبت عن النبي ﵊؛ أنه قال: «ومنبري على حوضي» .
стр. 2662
وهذا يحتمل أنه في هذا المكان، لكن لا نشاهده؛ لأنه غيبي، ويحتمل أن المنبر يوضع يوم القيامة على الحوض.
ثانيا: هذا الحوض يصب فيه ميزابان من الكوثر، وهو النهر العظيم، الذي أعطيه النبي ﷺ في الجنة؛ ينزلان إلى هذا الحوض.
ثالثا: زمن الحوض قبل العبور على الصراط؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في عرصات القيامة قبل عبور الصراط.
رابعا: يرد هذا الحوض المؤمنون بالله ورسوله ﷺ ، المتبعون لشريعته، وأما من استنكف واستكبر عن اتباع الشريعة؛ فإنه يطرد منه.
خامسًا: في كيفية مائه: فيقول المؤلف ﵀: " ماؤه أشد بياضا من اللبن ": هذا في اللون، أما في الطعم؛ فقال: " وأحلى من العسل "، وفي الرائحة أطيب من ريح المسك؛ كما ثبت به الحديث عن النبي ﷺ .
سادسا: في آنيته: يقول المؤلف: " آنيته عدد نجوم السماء ".
هذا كما ورد في بعض ألفاظ الحديث، وفي بعضها: «آنيته كنجوم السماء» ، وهذا اللفظ أشمل؛ لأنه يكون كالنجوم في العدد وفي الوصف بالنور واللمعان؛ فآنيته كنجوم السماء كثرة وإضاءة.
سابعا: آثار هذا الحوض: قال المؤلف: " من يشرب منه شربة؛ لا يظمأ بعدها أبدا ": حتى على الصراط وبعده.
وهذه من حكمة الله ؛ لأن الذي يشرب من الشريعة في الدنيا
стр. 2663
والصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار
ــ
لا يخسر أبدا كذلك.
ثامنا: مساحة هذا الحوض: يقول المؤلف: " طوله شهر وعرضه شهر ": هذا إذًا يقتضي أن يكون مدورا؛ لأنه لا يكون بهذه المساحة من كل جانب؛ إلا إذا كان مدورًا، وهذه المسافة باعتبار ما هو معلوم في عهد النبي ﷺ من سير الإبل المعتاد.
تاسعا: يصب في الحوض ميزابان من الكوثر الذي أعطاه الله تعالى محمدا ﷺ .
عاشرا: هل للأنبياء الآخرين أحواض؟
فالجواب: نعم؛ فإنه جاء في حديث رواه الترمذي - وإن كان فيه مقال: «إن لكل نبي حوضا» .
لكن هذا يؤيده المعنى، وهو أن الله بحكمته وعدله كما جعل للنبي محمد ﷺ حوضا يرده المؤمنون من أمته؛ كذلك يجعل لكل نبي حوضا، حتى ينتفع المؤمنون بالأنبياء السابقين، ولكن الحوض الأعظم هو حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الأمر التاسع مما يكون يوم القيامة: الصراط:
وقد ذكره المؤلف بقوله: " والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار ".
وقد اختلف العلماء في كيفيته:
стр. 2664
يمر الناس عليه على قدر أعمالهم: فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم يمر كالبرق، ومنهم يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشى مشيا، ومنهم من يزحف زحفا.
ــ
فمنهم من قال: طريق واسع يمر الناس على قدر أعمالهم؛ لأن كلمة الصراط مدلولها اللغوي هو هذا؛ ولأن رسول الله ﷺ أخبر بأنه دحض ومزلة، والدحض والمزلة لا يكونان إلا في طريق واسع، أما الضيق؛ فلا يكون دحضا ومزلة.
ومن العلماء من قال: بل هو صراط دقيق جدا؛ كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم بلاغا، أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف.
* على هذا يرد سؤال: وهو كيف يمكن العبور على طريق كهذا؟
والجواب: أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا؛ فالله تعالى على كل شيء قدير، ولا ندري؛ كيف يعبرون؟ ! هل يجتمعون جميعا في هذا الطريق أو واحد بعد واحد؟
وهذه المسألة لا يكاد الإنسان يجزم بأحد القولين؛ لأن كليهما له وجهة قوية.
* وقوله: " منصوب على متن جهنم "؛ يعنى: على نفس النار.
قوله: " يمر الناس ": المراد بـ (الناس) هنا: المؤمنون؛ لأن الكفار
стр. 2665
ومنهم من يخطف خطفا فيلقى في جهنم فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم
ــ
قد ذهب بهم إلى النار.
فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ولمح البصر أسرع من البرق، ومنهم من يمر كالريح؛ أي: الهواء، ولا شك أن الهواء سريع، لا سيما قبل أن يعرف الناس الطائرات، والهواء المعروف يصل أحيانا إلى مئة وأربعين ميلاً في الساعة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم ممن يمر كركاب الإبل، وهي دون الفرس الجواد بكثير، ومنهم من يعدو عدوا؛ أي: يسرع، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا؛ أي: يمشي على مقعدته، وكل منهم يريد العبور.
وهذا بغير اختيار الإنسان، ولو كان باختياره؛ لكان يحب أن يكون بسرعة، ولكن السير على حسب سرعته في قبول الشريعة في هذه الدنيا، فمن كان سريعا في قبول ما جاءت به الرسل؛ كان سريعا في عبور الصراط، ومن كان بطيئا في ذلك؛ كان بطيئا في عبور الصراط؛ جزاء وفقا، والجزاء من جنس العمل.
وقوله: " ومنهم من يخطف "؛ أي: يؤخذ بسرعة، وذلك بالكلاليب التي على الجسر؛ تخطف الناس بأعمالهم.
" فيلقى في جهنم ": يفهم منه أن النار يلقى فيها العصاة هي النار التي يلقى فيها الكفار، ولكنها لا تكون بالعذاب كعذاب الكفار، بل قال بعض العلماء: إنها تكون بردًا وسلاما عليهم كما كانت النار بردا وسلاما على إبراهيم، ولكن الظاهر خلاف ذلك، وأنها تكون حارة مؤلمة لكنها ليست كحرارتها بالنسبة للكافرين.
стр. 2666
فمن مر على الصراط دخل الجنة
فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض
ــ
ثم إن أعضاء السجود لا تمسها النار؛ كما ثبت ذلك عن النبي ﵊ في " الصحيحين "، وهي الجبهة والأنف والكفان والركبتان وأطراف القدمين.
* قوله: " فمن مر على الصراط؛ دخل الجنة "؛ أي: لأنه نجا.
" القنطرة " هي الجسر، لكنها جسر صغير، والجسر في الأصل ممر على الماء من نهر ونحوه.
واختلف العلماء في هذه القنطرة؛ هل هي طرف الجسر الذي على متن جهنم أو هي جسر مستقل؟ !
والصواب في هذا أن نقول: الله أعلم، وليس يعنينا شأنها، لكن الذي يعنينا أن الناس يوقفون عليها.
قوله " فيقتص لبعضهم من بعض ": وهذا القصاص غير القصاص الأول الذي في عرصات القيامة؛ لأن هذا قصاص أخص؛ لأجل أن يذهب الغل والحقد والبغضاء التي في قلوب الناس، فيكون هذا بمنزلة التنقية والتطهير، وذلك لأن ما في القلوب لا يزول بمجرد القصاص.
فهذه القنطرة التي بين الجنة والنار؛ لأجل تنقية ما في القلوب، حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] .
стр. 2667
فإذا هُذبوا ونقُوا؛ أذن لهم في دخول الجنة
وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ
ــ
/ هكذا رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
إذا هذبوا مما في قلوبهم من العداوة والبغضاء ونقوا منها، فإنه يؤذن لهم في دخول الجنة؛ فإذا أذن لهم في الدخول؛ فلا يجدون الباب مفتوحا، ولكن النبي ﷺ يشفع إلى الله في أن يفتح لهم باب الجنة؛ كما سيأتي في أقسام الشفاعة إن شاء الله.
الأمر العاشر مما يكون يوم القيامة: دخول الجنة:
وأشار إليه المؤلف بقوله: " وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ".
ودليله ما ثبت في " صحيح مسلم " أن النبي ﷺ قال: «أنا أول شفيع في الجنة» ، وفي لفظ: «أنا أول من يقرع باب الجنة» ، وفي لفظ: «آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد من قبلك» .
وقوله ﷺ : " فأستفتح "؛ أي: أطلب فتح الباب.
* وهذا من نعمة الله على محمد ﷺ ؛ فإن الشفاعة الأولى التي يشفعها في عرصات القيامة لإزالة الكروب والهموم والغموم، والشفاعة الثانية لنيل الأفراح والسرور؛ فيكون شافعا للخلق ﵊ في دفع
стр. 2668
وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته
ــ
ما يضرهم وجلب ما ينفعهم.
* ولا دخول إلى الجنة إلا بعد شفاعة الرسول ﵊؛ لأن ذلك ثبت في السنة كما سبق، وأشار إليه الله بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣] ؛ فإنه لم يقل: حتى إذا جاؤوها؛ فتحت! وفيه إشارة إلى أن هناك شيئا قبل الفتح، وهو الشفاعة، أما أهل النار؛ فقال فيهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] ؛ لأنهم يأتونها مهيأة فتبغتهم؛ نعوذ بالله منها.
هذا حق ثابت؛ دليله ما ثبت في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة» ، وقال ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» .
وهذا يشمل كل مواقف القيامة، وانظر: " حادي الأرواح " لابن القيم.
* تتمة:
أبواب الجنة لم يذكرها المؤلف، لكنها معروفة أنها ثمانية؛ قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣] ؛ «وقال النبي ﷺ فيمن توضأ وأسبغ الوضوء وتشهد: " إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية؛ يدخل من أيها شاء ".»
وهذه الأبواب كانت ثمانية بحسب الأعمال؛ لأن كل باب له عمال؛
стр. 2669
وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات
ــ
فأهل الصلاة ينادون من باب الصلاة، وأهل الصدقة، من باب الصدقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد، وأهل الصيام من باب الريان.
وقد يوفق الله بعض الناس لأعمال صالحة شاملة؛ فيدعى من جميع الأبواب؛ كما في " الصحيحين "عن أبي هريرة ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله؛ نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير. . .» وذكر الحديث، وفيه: «فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: " نعم، وأرجو أن تكون منهم» .
* فإن قلت: إذا كانت الأبواب بحسب الأعمال؛ لزم أن يدعى كل أحد من كل تلك الأبواب إذا عمل بأعمالها؛ فما هو الجواب؟
فالجواب: أن يقال: يدعى من الباب المعين من كان يكثر من العمل المخصص له؛ مثلا: إذا كان هذا الرجل كثير الصلاة؛ فيدعى من باب الصلاة، كثير الصيام من باب الريان، وليس كل إنسان تحصل له الكثرة في كل عمل صالح؛ لأنك تجد في نفسك بعض الأعمال أكثر وأنشط من بعض، لكن قد يمن الله على بعض الناس، فيكون نشيطا قويًّا في جميع الأعمال؛ كما سبق في قصة أبي بكر ﵁.
الأمر الحادي عشر مما يكون يوم القيامة: الشفاعة:
وقد ذكرها المؤلف بقوله: " وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات ".
стр. 2670
* " له ": الضمير يعود للنبي ﷺ .
* والشفاعات: جمع شفاعة، والشفاعة في اللغة: جعل الشيء شفعا. وفي الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، ومناسبتها للاشتقاق ظاهرة؛ لأنك إذا توسطت له؛ صرت معه شفعا تشفعه.
* والشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة باطلة، وشفاعة صحيحة.
- فالشفاعة الباطلة: ما يتعلق به المشركون في أصنامهم؛ حيث يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاء لهم عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] ، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] .
لكن هذه الشفاعة باطلة لا تنفع؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
- والشفاعة الصحيحة ما جمعت شروطا ثلاثة:
الأول: رضي الله عن الشافع.
الثاني: رضاه عن المشفوع له، لكن الشفاعة العظمى في الموقف عامة لجميع الناس من ﵃ ومن لم يرض عنهم.
الثالث: إذنه في الشفاعة.
والإذن لا يكون إلا بعد الرضى عن الشافع والمشفوع له.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ، ولم يقل: عن الشافع، ولا: المشفوع له؛ ليكون أشمل.
стр. 2671
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم عن الشفاعة
ــ
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] .
وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] .
فالآية الأولى تضمنت الشروط الثلاثة، والثانية: تضمنت شرطين، والثالثة تضمنت شرطا واحدا.
* فللنبي ﷺ ثلاث شفاعات:
١ - الشفاعة العظمى.
٢ - الشفاعة لأهل الجنة ليدخلوا الجنة.
٣ - الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها.
قوله: " حتى يقضى بينهم ": (حتى) هذه تعليلية، وليست غائية؛ لأن شفاعة الرسول ﷺ تنتهي قبل أن يقضى بين الناس؛ فإنه إذا شفع؛ نزل الله للقضاء بين عباده وقضى بينهم.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧] ؛ فإن قوله: ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ : للتعليل؛ أي: من أجل أن ينفضوا، وليست للغاية؛ لأن المعنى يفسد ذلك.
أي: يردها كل واحد منهم إلى الآخر.
стр. 2672
* شرح هذه الجملة ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﵌ قال: " أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون فيم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد؛ يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعضهم لبعض: عليكم بآدم! فيأتونه، فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيته؛ نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى نوح! فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح! إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا؛ اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي؛ اذهبوا إلى إبراهيم! فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، وإني قد كذبت ثلاث كذبات؛ اذهبوا إلى موسى! فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى! أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها؛ اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته إلى مريم وروح منه»
стр. 2673
«وكلمت الناس في المهد صبيا؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، ولم يذكر ذنبا، وكلهم يقول كما قال آدم: نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى محمد! فيأتون محمدا ﷺ ، فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فأتى تحت العرش، فأقع ساجدا لربي ، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك؛ سل تعطه، واشفع تشفع. . .» وذكر تمام الحديث.
* والكذبات الثلاث التي ذكرها إبراهيم ﵇ فسرت بما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁؛ قال: لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات؛ اثنين منهن في ذات الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ، وذكر قوله عن امرأته سارة: إنها أختي.
وفي " صحيح مسلم " في حديث الشفاعة السابق أن الثالثة قوله في الكوكب ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ، ولم يذكر قصة سارة.
لكن قال ابن حجر في " الفتح ": " الذي يظهر أنها وهم من بعض الرواة "، وعلل لذلك.
وإنما سمى إبراهيم ﵇ هذه كذبات؛ تواضعا منه؛ لأنها بحسب مراده صدق مطابق للواقع؛ فهي من باب التورية، والله أعلم.
стр. 2674
حتى تنتهي إليه
ــ
أي: إلى الرسول ﷺ ، وسبق في الحديث ما يكون بعد ذلك.
وهذه الشفاعة العظمى لا تكون لأحد أبدًا إلا للرسول ﵊، وهي أعظم الشفاعات؛ لأن فيها إراحة الناس من هذا الموقف العظيم والكرب والغم.
وهؤلاء الرسل الذين ذكروا في حديث الشفاعة كلهم من أولي العزم، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القرآن: في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى.
أما في سورة الأحزاب؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] .
وأما في سورة الشورى؛ فقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣] .
تنبيه:
قوله: " الأنبياء؛ آدم ونوح. . . " إلى آخره: جزم المؤلف ﵀ بأن آدم نبي، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى أوحى إليه بشرع أمره ونهاه.
وروى ابن حبان في " صحيحه ": «أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل كان آدم نبيا؟ قال: " نعم» .
فيكون آدم أول الأنبياء الموحى إليهم، وأما أول الرسل؛ فنوح؛ كما
стр. 2675
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة
ــ
هو صريح في حديث الشفاعة وظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٦] .
وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط؛ وقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي كان في عرصات القيامة، بل هو قصاص أخص، يطهر الله فيه القلوب، ويزيل ما فيها من أحقاد وضغائن؛ فإذا هذبوا ونقوا؛ أذن لهم في دخول الجنة.
ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة؛ لا يجدونها مفتوحة كما يجد ذلك أهل النار؛ فلا تفتح الأبواب، حتى يشفع النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها، فيدخل كل إنسان من باب العمل الذي يكون أكثر اجتهادا فيه من غيره، وإلا؛ فإن المسلم قد يدعى من كل الأبواب.
* وهذه الشفاعة يشير إليها القرآن؛ لأن الله قال في أهل الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣] ، وهذا يدل أن هناك شيئا بين وصولهم إليها وبين فتح الأبواب.
وهو صريح فيما رواه مسلم «عن حذيفة وأبي هريرة ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : " يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة. . .» وذكر الحديث، وفيه: «فيأتون محمدا، فيقوم فيؤذن له.» . . " الحديث.
стр. 2676
وهاتان الشفاعتان خاصتان له
ــ
يعني: الشفاعة في أهل الموقف أن يقضى بينهم، والشفاعة في دخول الجنة.
أي: للنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك يعتذر عنهما آدم وأولو العزم من الرسل.
* وهناك أيضا شفاعة ثالثة خاصة بالنبي ﷺ ، لا تكون لغيره، وهي الشفاعة في عمه أبي طالب، وأبو طالب -كما في " الصحيحين "وغيرهما- مات على الكفر. فأعمام الرسول ﵊ عشرة، أدرك الإسلام منهم أربعة؛ فبقي اثنان على الكفر وأسلم اثنان:
- فالكافران هما:
أبو لهب: وقد أساء إلى النبي ﷺ إساءة عظيمة، وأنزل الله تعالى فيه وفي امرأته حمالة الحطب سورة كاملة في ذمهما ووعيدهما.
والثاني: أبو طالب، وقد أحسن إلى الرسول ﵊ إحسانا كبيرا مشهورا، وكان من حكمة الله أن بقي على كفره؛ لأنه لولا كفره؛ ما حصل هذا الدفاع عن الرسول عليه الصلاة، بل كان يؤذي كما يؤذى الرسول ﵊، لكن بجاهه العظيم عند قريش وبقائه على دينهم صاروا يعظمونه وصار للنبي ﵊ جانب من الحماية بذلك.
-واللذان أسلما هما العباس وحمزة، وهو أفضل من العباس، حتى
стр. 2677
وأما الشفاعة الثالثة؛ فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها
ــ
لقبه الرسول ﵊ أسد الله، وقتل شهيدا في أحد ﵁ وأرضاه، وسماه النبي ﷺ سيد الشهداء.
فأبو طالب أذن الله لرسوله ﷺ أن يشفع فيه، مع أنه كافر، فيكون هذا مخصوصا من قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ، ولكنها شفاعة لم تخرجه من النار، بل كان في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه؛ قال الرسول ﵊: «ولولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل من النار» ، وليس هذا من أجل شخصية أبي طالب، لكن من أجل ما حصل من دفاعه عن النبي ﷺ وعن أصحابه.
قوله: " وأما الشفاعة الثالثة؛ فيشفع؛ فيمن استحق النار "؛ أي: من عصاة المؤمنين.
وهذه لها صورتان: يشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها.
أما فيمن دخلها أن يخرج منها؛ فالأحاديث في هذا كثيرة جدا، بل متواترة.
وأما فيمن استحقها أن لا يدخلها؛ فهذه قد تستفاد من دعاء الرسول ﷺ للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم؛ فإنه من لازم ذلك أن لا يدخل النار؛ كما قال النبي ﵊: «اللهم اغفر لأبي سلمة،»
стр. 2678
ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته
ــ
«وارفع درجته في المهديين» . " الحديث.
* لكن هذه شفاعة في الدنيا؛ كما في قوله ﵌: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه» .
* وهذه الشفاعة ينكرها من أهل البدع طائفتان؛ المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج مذهبهما في فاعل الكبيرة أنه مخلد في نار جهنم، فيرون من زنى كمن أشرك بالله؛ لا تنفعه الشفاعة، ولن يأذن الله لأحد بالشفاعة له.
وقولهم مردود بما تواترت به الأحاديث في ذلك.
* قوله: " وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم "؛ فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، يعني: أنها ليست خاصة بالنبي ﷺ ، بل تكون للنبيين؛ حيث يشفعون في عصاة قومهم، وللصديقين يشفعون في عصاة أقاربهم وغيرهم من المؤمنين، وكذلك تكون لغيرهم من الصالحين، حتى يشفع الرجل في أهله وفي جيرانه وفيما أشبه ذلك.
يعني: أن الله تعالى يخرج من عصاة المؤمنين من شاء بغير شفاعة، وهذا من نعمته؛ فإن رحمته سبقت غضبه، فيشفع الأنبياء والصالحون والملائكة وغيرهم، حتى لا يبقى إلا رحمة أرحم الراحمين،
стр. 2679
ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقواما فيدخلهم الجنة.
ــ
فيخرج من النار من يخرج بدون شفاعة، حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أصحاب النار، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : «أن الله تعالى يقول؛ شفعت الملائكة، وشفع النبيون؛ وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط؛ قد عادوا حمما. . . .» الحديث.
الأمر الثاني عشر مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: " ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا ".
* الجنة عرضها السماوات والأرض، وهذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض يدخلها أهلها، ولكن لا تمتلئ.
وقد تكفل الله للجنة وللنار لكل واحدة ملؤها:
" فالنار لا تزال يلقى فيها وهى تقول: هل من مزيد؟ فلا تمتلئ، فيضع الله عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط ".
وأما الجنة؛ فينشئ لها أقواما، فيدخلون الجنة بفضل الله ورحمته:
ثبت ذلك في " الصحيحين "من حديث أنس بن مالك رضي الله
стр. 2680
وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة
ــ
عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا مقتضى قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] ، وقول النبي ﵊ فيما يرويه عن ربه : «إن رحمتي سبقت غضبي» .
ولهذا قال المؤلف: " فينشئ الله لها أقواما، فيدخلهم الجنة ".
الأصناف: الأنواع.
سبق معنى الحساب.
الثواب: جزاء الحسنات؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
العقاب: جزاء السيئات، ومن جاء بالسيئة؛ فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون.
الجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] ؛ أي: لا تعلم حقيقته وكنهه.
والجنة موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، والأحاديث في هذا المعنى متواترة.
стр. 2681
والنار وتفاصيل ذلك مذكور في الكتب المنزلة من السماء
والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء
ــ
ولا تزال باقية أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ؛ في آيات متعددة.
النار: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأعدائه، وفيها من أنواع العذاب والعقاب ما لا يطاق.
وهي موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١] ، والأحاديث في هذا المعنى مستفيضة مشهورة.
وأهلها خالدون فيها أبدا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥] .
وقد ذكر الله خلودهم أبدا في ثلاث آيات من القرآن؛ هذه أحدها، والثانية في آخر سورة النساء، والثالثة في سورة الجن، وهي ظاهرة في أن النار لا تزال باقية أبد الآبدين.
يعني: مثل التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى وغيرها من الكتب المنزلة؛ فقد ذكر فيها ذلك مبينًا مفصلا لحاجة الناس، بل ضرورتهم إلى بيانه وتفصيله؛ إذ لا يمكنهم الاستقامة إلا بالإيمان باليوم الآخر الذي يجازي فيه كل عامل بما عمل من خير وشر.
اعلم أن العلم المأثور عن الأنبياء قسمان:
القسم الأول: قسم ثبت بالوحي، وهو ما ذكر في القرآن والسنة الصحيحة، وهذا لا شك في قبوله واعتقاد مدلوله.
стр. 2682
وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي
ــ
القسم الثاني: قسم أتى عن طريق النقل غير الوحي، وهذا هو الذي دخل فيه الكذب والتحريف والتبديل والتغيير.
ولهذا لا بد أن يكون الإنسان حذرا مما ينقل بهذه الطريقة عن الأنبياء السابقين، حتى قال الرسول ﵊: «إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، قولوا: آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم» ؛ لأنك إن صدقت؛ قد تصدق بباطل، وإن كذبته؛ قد تكذب بحق؛ فلا تصدق ولا تكذب؛ قل: إن كان هذا من عند الله؛ فقد آمنت به.
وقد قسم العلماء ما أثر عمن سبق ثلاثة أقسام:
الأول: ما شهد شرعنا بصدقه.
الثاني: ما شهد شرعنا بكذبه.
والحكم في هذين واضح.
الثالث: ما لم يحكم بصدقه ولا كذبه.
فهذا مما يجب فيه التوقف؛ لا يصدق ولا يكذب.
العلم الموروث عن محمد صلوات الله وسلامه عليه سواء في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ فيه من ذلك ما يشفي ويكفي.
فلا حاجة إلى أن نبحث عن مواعظ ترقق القلوب من غير الكتاب والسنة، بل نحن في غنى عن هذا كله؛ ففي العلم الموروث عن محمد
стр. 2683
رسول الله ﷺ ما يشفي ويكفي في كل أبواب العلم والإيمان.
ثم المنسوب إلى رسول الله ﷺ في باب الوعظ والفضائل ترغيبا أو ترهيبا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
صحيح مقبول، وضعيف، وموضوع؛ فليس كله صحيحا مقبولا، ونحن في غنى عن الضعيف والموضوع.
فالموضوع اتفق العلماء ﵏ على أنه لا يجوز ذكره ونشره بين الناس؛ لا في باب الفضائل والترغيب والترهيب، ولا في غيره؛ إلا من ذكره ليبين حاله.
والضعيف اختلف فيه العلماء، والذين قالوا بجواز نشره ونقله اشترطوا ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن لا يكون الضعف شديدا.
الشرط الثاني: أن يكون أصل العمل الذي رتب عليه الثواب أو العقاب ثابتا بدليل صحيح.
الشرط الثالث: أن لا يعتقد أن النبي ﷺ قاله، بل يكون مترددا غير جازم، لكنه راج في باب الترغيب، خائف في باب الترهيب.
أما صيغة عرضه؛ فلا يقول: قال رسول الله عليه وسلم، بل يقول: روي عن رسول الله، أو ذكر عنه. . . وما أشبه ذلك.
فإن كنت في عوام لا يفرقون بين ذكر وقيل وقال؛ فلا تأت به أبدا؛ لأن العامي يعتقد أن الرسول ﵊ قاله؛ فما قيل في المحراب؛ فهو عنده الصواب!
стр. 2684
فمن ابتغاه وجده.
ــ
تنبيه:
هذا الباب -أي: باب اليوم الآخر وأشراط الساعة- ذكرت فيه أحاديث كثيرة فيها ضعف وفيها وضع، وأكثر ما تكون هذه في كتب الرقائق والمواعظ؛ فلذلك يجب التحرز منها، وأن تحذر العامة الذين يقع في أيديهم مثل هذه الكتب.
قوله: " فمن ابتغاه "؛ أي: طلبه: " وجده ".
وهذا صحيح؛ فالقرآن بين أيدينا، وكتب الأحاديث بين أيدينا، لكنها تحتاج إلى تنقيح وبيان الصحيح منها والضعيف، حتى يبني الناس ما يعتقدونه في هذا الباب على أساس سليم.
стр. 2685
فصل
وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر
ــ
فصل
في الإيمان بالقدر
" الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ": سبق تعريفها. .
والكلام عنها في أول الكتاب.
- القدر في اللغة؛ بمعنى: التقدير؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، وقال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] .
وأما القضاء؛ فهو في اللغة: الحكم.
ولهذا نقول: إن القضاء والقدر متباينان إن اجتمعا، ومترادفان إن تفرقا؛ على حد قول العلماء: هما كلمتان: إن اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا.
فإذا قيل: هذا قدر الله؛ فهو شامل للقضاء، أما إذا ذكرا جميعا؛ فلكل واحد منهما معنى.
فالتقدير: هو ما قدره الله تعالى في الأول أن يكون في خلقه.
وأما القضاء؛ فهو ما قضى به الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وعلى هذا يكون التقدير سابقا.
* فإن قال قائل: متى؟ قلنا: إن القضاء هو ما يقضيه الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وإن القدر سابق عليه إذا
стр. 2686
اجتمعا؛ فإن هذا يعارض قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ؛ فإن هذه الآية ظاهرها أن التقدير بعد الخلق؟
فالجواب على ذلك من أحد وجهين:
إما نقول: إن هذا من باب الترتيب الذكري لا المعنوي، وإنما قدم الخلق على التقدير لتتناسب رؤوس الآيات.
ألم تر أن موسى أفضل من هارون، لكن قدم هارون عليه في سورة طه في قوله تعالى عن السحرة: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠] ؛ لتتناسب رؤوس الآيات.
وهذا لا يدل على أن المتأخر في اللفظ متأخر في الرتبة.
-أو نقول: إن التقدير هنا بمعنى التسوية؛ أي خلقه على قدر معين؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] ؛ فيكون التقدير بمعنى التسوية.
وهذا المعنى أقرب من الأول؛ لأنه يطابق تماما لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ ؛ فلا إشكال.
* والإيمان بالقدر واجب، ومرتبته في الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة؛ كما قال النبي ﵊ لجبريل حين قال: ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .
* وللإيمان بالقدر فوائد؛ منها:
стр. 2687
أولا: أنه من تمام الإيمان، ولا يتم الإيمان إلا بذلك.
ثانيا: أنه من تمام الإيمان بالربوبية؛ لأن قدر الله من أفعاله.
ثالثا: رد الإنسان أموره إلى ربه؛ لأنه إذا علم أن كل شيء بقضائه وقدره؛ فإنه سيرجع إلى الله في دفع الضراء ورفعها، ويضيف السراء إلى الله، ويعرف أنها من فضل الله عليه.
رابعا: أن الإنسان يعرف قدر نفسه، ولا يفخر إذا فعل الخير.
خامسا: هون المصائب على العبد؛ لأن الإنسان إذا علم أنها من عند الله؛ هانت عليه المصيبة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] ؛ قال علقمة ﵀: " هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم ".
سادسا: إضافة النعم إلى مسديها؛ لأنك إذا لم تؤمن بالقدر؛ أضفت النعم إلى من باشر الإنعام، وهذا يوجد كثيرا في الذين يتزلفون إلى الملوك والأمراء والوزراء؛ فإذا أصابوا منهم ما يريدون؛ جعلوا الفضل إليهم، ونسوا فضل الخالق سبحانه.
صحيح أنه يجب على الإنسان أن يشكر الناس؛ لقول النبي ﵊: «من صنع إليكم معروفا؛ فكافئوه» ، ولكن يعلم أن الأصل كل الأصل هو فضل الله جعله على يد هذا الرجل.
سابعا: أن الإنسان يعرف به حكمة الله ؛ لأنه إذا نظر في هذا الكون وما يحدث فيه من تغييرات باهرة؛ عرف بهذا حكمة الله ؛
стр. 2688
خيره وشره
ــ
بخلاف من نسي القضاء والقدر؛ فإنه لا يستفيد هذه الفائدة.
الخير: ما يلائم طبيعة الإنسان؛ بحيث يحصل له به خير أو ارتياح وسرور، وكل ذلك من الله .
والشر في القدر: ما لا يلائم طبيعة الإنسان؛ بحيث يحصل له به أذية أو ضرر.
* ولكن؛ إن قيل: كيف يقال: إن في قدر الله شرا؛ وقد قال النبي ﷺ : «الشر ليس إليه» ؟
فالجواب على ذلك أن يقال: الشر في القدر ليس باعتبار تقدير الله له، لكنه باعتبار المقدور له؛ لأن لدينا قدرا هو التقدير ومقدورا؛ كما أن هناك خلقا ومخلوقا وإرادة ومرادا؛ فباعتبار تقدير الله له ليس بشر، بل هو خير، حتى وإن كان لا يلائم الإنسان ويؤذيه ويضره، لكن باعتبار المقدور؛ فنقول: المقدور إما خير وإما شر؛ فالقدر خيره وشره يراد به المقدور خيره وشره.
ونضرب لهذا مثلا في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١] .
ففي هذه الآية بين الله ما حدث من الفساد وسببه والغاية منه؛ فالفساد شر، وسببه عمل الإنسان السيئ، والغاية منه: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
فكون الفساد يظهر في البر والبحر فيه حكمة؛ فهو نفسه شر، لكن
стр. 2689
لحكمة عظيمة، بها يكون تقديره خيرا.
كذلك المعاصي والكفر شر، وهو من تقدير الله، لكن لحكمة عظيمة، لولا ذلك لبطلت الشرائع، ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثا.
* والإيمان بالقدر خيره وشره لا يتضمن الإيمان بكل مقدور، بل المقدور ينقسم إلى كوني وإلى شرعي:
فالمقدور الكوني؛ إذا قدر الله عليك مكروها؛ فلا بد أن يقع؛ رضيت أم أبيت.
والمقدور الشرعي: قد يفعله الإنسان وقد لا يفعله، ولكن باعتبار الرضى به فيه تفصيل:
إن كان طاعة لله؛ وجب الرضى به، وإن كان معصية؛ وجب سخطه وكراهته والقضاء عليه؛ كما قال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
وعلى هذا؛ يجب علينا الإيمان بالمقضي كله؛ من حيث كونه قضاء لله ، أما من حيث كونه مقضيا؛ فقد نرضى به وقد لا نرضى؛ فلو وقع الكفر من شخص فلا نرضى بالكفر منه، لكن نرضى بكون الله أوقعه.
стр. 2690
فصل
والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين ف الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم
ــ
فصل
في درجات الإيمان بالقدر
* إنما قسم المؤلف هذا التقسيم من أجل الخلاف؛ لأن الخلاف في القدر ليس شاملا لكل مراتبه، وباب القدر من أشكال أبواب العلم والدين على الإنسان، وقد كان النزاع فيه من عهد الصحابة ﵃، لكنه ليس مشكلا لمن أراد الحق.
* قوله: " فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله علم ما الخلق عاملون ":
ولم يذكر المؤلف أن الله علم ما يفعله هو؛ لأن هذه المسألة ليس فيها خلاف، إنما ذكر ما فيه الخلاف، وهو: هل الله يعلم ما الخلق عاملون أو لا يعلمه إلا بعد وقوعه منهم؟
ومذهب السلف والأئمة أن الله تعالى عالم بذلك.
* القديم في اصطلاحهم: هو الذي لا أول لابتدائه؛ أي أنه لم يزل فيما مضى من الأزمنة التي لا نهاية لها عالما بما يعمله الخلق؛ بخلاف القديم في اللغة؛ فقد يراد به ما كان قديما نسبيا، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] ، ومعلوم أن عرجون النخلة ليس بقديم أزلي، بل قديم بالنسبة لما بعده.
* فالله تعالى موصوف بأنه عالم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الأزلي،
стр. 2691
الذي هو موصوف به أزلا وأبدا
ــ
الذي لا نهاية لأوله، عالم جل وعلا بأن هذا الإنسان سيعمل كذا في يوم كذا مكان كذا بعلمه القديم الأولى؛ فيجب أن نؤمن بذلك:
* ودليل ذلك من الكتاب والسنة والعقل:
أما الكتاب؛ فما أكثر الآيات التي فيها العموم في علم الله؛ مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢] ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧] ، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [الطلاق:١٢] ... إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى كثرة.
أما في السنة فإن الرسول ﵊ أخبر بأن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وبأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأقلام قد جفت وطويت الصحف. . . والأحاديث في هذا كثيرة.
وأما العقل؛ فإن من المعلوم بالعقل أن الله تعالى هو الخالق، وأن ما سواه مخلوق، ولا بد عقلا أن يكون الخالق عالما بمخلوقه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] .
فالكتاب والسنة والعقل كلها تدل على أن الله تعالى عالم بما الخلق عاملون بعلمه الأولي.
* قوله: " الذي هو موصوف به أزلا وأبدا ": ففي كونه موصوفا به أزلا نفي للجهل، وفي كونه موصوفا به أبدا نفي النسيان.
ولهذا كان علم الله غير مسبوق بجهل ولا ملحوق بنسيان؛
стр. 2692
علم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال
ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق
ــ
كما قال موسى ﵊ لفرعون: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] ؛ بخلاف علم المخلوق المسبوق بالجهل والملحوق بالنسيان.
إذا؛ يجب علينا أن نؤمن بأن الله عالم بما الخلق عاملون بعلم سابق موصوف به أزلا وأبدا.
* دليل ذلك ما ثبت في " الصحيحين «عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه. . . " وذكر أطوار الجنين، وفيه: " ثم يبعث الله ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد. . .» وذكر تمام الحديث.
فالله عالم بذلك قبل أن يخلق الإنسان.
فطاعتنا معلومة لله، ومعاصينا معلومة لله، وأرزاقنا معلومة له، وآجالنا معلومة له، إذا مات الإنسان بسبب أو بغير سبب معلوم؛ فإنه لله معلوم، ولا يخفى عليه؛ بخلاف علم الإنسان بأجله؛ فإنه لا يعرف أجله؛ فلا يعرف أين يموت، ولا متى يموت، ولا يعرف بأي سبب يموت، ولا يعرف على أي حال يموت؛ نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
وهذا هو الشيء الأول من الدرجة الأولى.
هذا الشيء الثاني من الدرجة الأولى، وهو أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق.
стр. 2693
* اللوح المحفوظ: لا نعرف ماهيته؛ من أي شيء؛ أمن خشب، أم من حديد، أم من ذهب، أم من فضة، أم من زمرد،؟ فالله أعلم بذلك؛ إنما نؤمن بأن هناك لوحا كتب الله فيه مقادير كل شيء، وليس لنا الحق في أن نبحث وراء ذلك، لكن لو جاء في الكتاب والسنة ما يدلنا على شيء؛ فالواجب أن نعتقده.
ووصف بكونه محفوظا؛ لأنه محفوظ من أيدي الخلق؛ فلا يمكن أن يلحق أحد به شيئًا، أو يغير به شيئًا أبدا.
ثانيا: محفوظ من التغيير؛ فالله لا يغير فيه شيئًا؛ لأنه كتبه عن علم منه؛ كما سيذكره المؤلف، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: " إن المكتوب في اللوح المحفوظ لا يتغير أبدًا "، وإنما يحصل التغيير في الكتب التي بأيدي الملائكة.
* قوله: " مقادير الخلق "؛ أي: مقادير المخلوقات كلها، وظاهر النصوص أنه شمل ما يفعله الإنسان، وما يفعله البهائم، وأنه عام وشامل.
* ولكن؛ هل هذه الكتابة إجمالية أو تفصيلية؟
قد نقول: إننا لا نجزم بأنها تفصيلية أو إجمالية.
فمثلا: القرآن الكريم: هل هو مكتوب في اللوح المحفوظ بهذه الآيات والحروف أو أن المكتوب في اللوح ذكره وأنه سينزل على محمد ﷺ وأنه سيكون نورًا وهدى للناس وما أشبه ذلك؟
ففيه احتمال: إن نظرنا إلى ظاهر النصوص؛ قلنا: إن ظاهرها أن القرآن كله مكتوب جملة وتفصيلا، وإن نظرنا إلى أن الله يتكلم بالقرآن حين نزوله، قلنا: إن الذي كتب في اللوح المحفوظ ذكر
стр. 2694
فأول ما خلق الله القلم قال له: أكتب. قال: ما أكتب؟
ــ
القرآن، ولا يلزم من كون ذكره في اللوح المحفوظ أن يكون قد كتب فيه؛ كما قال الله تعالى عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ؛ يعني: كتب الأولين، ومعلوم أن القرآن لم يوجد نصه في الكتب السابقة، وإنما وجد ذكره، ويمكن أن نقول مثلها في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١: ٢٢] ؛ أي: ذكره في هذا اللوح.
فالمهم أن نؤمن بأن مقادير الخلق مكتوبة في اللوح المحفوظ، وأن هذا اللوح لا يتغير ما كتب فيه؛ لأن الله أمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
* قوله: «فأول ما خلق الله القلم؛ قال له: أكتب» : فأمره أن يكتب؛ مع أن القلم جماد.
* فكيف يوجه الخطاب إلى الجماد؟ !
والجواب عن ذلك: أن الجماد بالنسبة إلى الله عاقل يصح أن يوجه إليه الخطاب: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ؛ فوجه الخطاب إليهما، وذكر جوابهما، وكان الجواب بجمع العقلاء طائعين دون طائعات.
وقال تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ؛ فكانت كذلك.
وقال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠] ؛ فكانت الجبال تؤوب معه.
стр. 2695
قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة
فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه
ــ
* والحاصل أن الله أمر القلم أن يكتب، وقد امتثل القلم، لكنه أشكل عليه ماذا يكتب؛ لأن الأمر مجمل، فقال: " ما أكتب؟ "؛ أي: أي شيء أكتب؟
أي: الله.
* «أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» : فكتب القلم بأمر الله ما هو كائن إلى يوم القيامة.
فانظر كيف علم القلم ماذا يكون إلى يوم القيامة، فكتبه؛ لأن أمر الله لا يرد.
* وقوله: «ما هو كائن إلى يوم القيامة» : يشمل ما كان من فعل الله تعالى وما كان من أفعال الخلق.
* إذا آمنت بهذه الجملة؛ اطمأننت: ما أصاب الإنسان؛ لم يكن ليخطئه أبدا.
* ومعنى " ما أصاب ": يحتمل أن المعنى: ما قدر أن يصيبه؛ فإنه لن يخطئه، ويحتمل أن ما أصابه بالفعل لا يمكن أن يخطئه، حتى لو تمنى الإنسان، وهما معنيان صحيحان لا يتنافيان.
وما أخطأه لم يكن ليصيبه أي: ما قدر أن يخطئه فإنه لم يكن ليصيبه، أو المعنى: ما أخطأه بالفعل، لأنه معروف أنه غير صائب، ولو تمنى الإنسان، وهما معنيان صحيحان لا يتنافيان.
стр. 2696
جفت الأقلام وطويت الصحف، كما قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
ــ
* " الأقلام ": هي أقلام القدر التي كتب الله بها المقادير؛ جفت وانتهت.
* وطويت الصحف، وهذه كناية عن أن الأمر انتهى.
وفي " صحيح مسلم " «عن جابر ﵁؛ قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم؛ قال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن: فيم العمل اليوم؛ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما نستقبل؟ قال: " لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ". قال: ففيم العمل؟ قال: " اعملوا؛ فكل ميسر» .
" كما ": الكاف في مثل هذا التعبير للتعليل.
* ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ : أيها المخاطب.
* ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ : وهذا عام؛ علم لما فيهما من أعيان وأوصاف وأعمال وأحوال.
﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ : وهو اللوح المحفوظ.
* ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ : أي: الكتابة على الله أمر يسير.
стр. 2697
وقال ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب، رزقه وعمله وشقي أم سعيد ونحو ذلك
ــ
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ : كالجدب والزلازل والفيضانات وغيرها.
﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ : كالمرض والأوبئة المهلكة وغير ذلك.
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ : هو اللوح المحفوظ.
* (نَبْرَأَهَا) أي: من قبل أن نخلقها، والضمير في (نَبْرَأَهَا) : يحتمل أن يعود على المصيبة، ويحتمل أن يعود على الأنفس، ويحتمل أن يعود على الأرض، والكل صحيح؛ فالمصيبة قد كتبت قبل أن يخلقها الله ، وقبل أن يخلق النفس المصابة، وقبل أن يخلق الأرض.
وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وكان عرشه على الماء» .
* قوله: " في مواضع "؛ مواضع غير اللوح المحفوظ.
ثم بين هذه المواضع بقوله: «فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه؛ بعث إليه ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ونحو ذلك» .
* فهذان موضعان:
الأول: اللوح المحفوظ، وسبق دليل ذلك
стр. 2698
فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديما ومنكروه اليوم قليل
وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه
ــ
وتفصيل القول فيه.
والثاني: الكتابة العمرية التي تكون للجنين في بطن أمه، وسبق دليلها في حديث ابن مسعود ﵁.
والوضع الثالث: ما أشار إليه بقوله: " ونحو ذلك "، وهو التقدير الحولي الذي يكون في ليلة القدر، فإن ليلة القدر يكتب فيها ما يكون في تلك السنة؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤-٥] .
* " هذا التقدير "؛ يعني: العلم والكتابة، وينكره غلاة القدرية قديما، ويقولون: إن الله لا يعلم أفعال العبد إلا بعد وجودها، وأنها لم تكتب، ويقولون: إن الأمر أنف؛ أي: مستأنف، لكن متأخروهم أقروا بالعلم والكتابة، وأنكروا المشيئة والخلق، وهذا بالنسبة لأفعال المخلوقين.
أما بالنسبة لأفعال الله؛ فلا أحد ينكر أن الله عالم بها قبل وقوعها.
وهؤلاء الذين ينكرون علم الله بأفعال العبد حكمهم في الشرع أنهم كفار؛ لأنهم كذبوا قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، وغيرها من الآيات، وخالفوا المعلوم بالضرورة من الدين.
* يعني: من درجات الإيمان بالقدر.
* يعني: أن نؤمن بأن مشيئة الله نافذة في كل شيء، سواء كان مما
стр. 2699
يتعلق بفعله أو يتعلق بأفعال المخلوقين، وأن قدرته شاملة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤] .
وهذه الدرجة تتضمن شيئين؛ المشيئة والخلق:
أما المشيئة؛ فيجب أن نؤمن بأن مشيئة الله تعالى في كل شيء، وأن قدرته شاملة لكل شيء من أفعاله وأفعال المخلوقين.
وأما كونها شاملة لأفعاله؛ فالأمر فيها ظاهر.
وأما كونها شاملة لأفعال المخلوقين فلأن الخلق كلهم ملك لله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما شاء.
* والدليل على هذا:
قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] .
وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] .
فهذه الآيات تدل على أن أفعال العباد متعلقة بمشيئة الله.
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] .
وهذه تدل على أن مشيئة العبد داخلة تحت مشيئة الله وتابعة لها.
стр. 2700
لا يكون في ملكه ما لا يريد وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات
ــ
هذه العبارة تحتاج إلى تفصيل: لا يكون في ملكه ما لا يريد بالإرادة الكونية، أما بالإرادة الشرعية؛ فيكون في ملكه ما لا يريد.
وحينئذ؛ نحتاج إلى أن نقسم الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية:
- فالإرادة الكونية بمعنى المشيئة، ومثالها قول نوح ﵇ لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] .
- والإرادة الشرعية بمعنى المحبة، مثلها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] .
وتختلف الإرادتان في موجبهما وفي متعلقهما:
ففي المتعلق: الإرادة الكونية تتعلق فيما وقع، سواء أحبه أم كرهه، والإرادة الشرعية تتعلق فيما أحبه، سواء وقع أم لم يقع.
وفي موجبهما: الإرادة الكونية يتعين فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يتعين فيها وقوع المراد.
وعلى هذا يكون قول المؤلف: " ولا يكون في ملكه ما لا يريد "؛ يعني به: الإرادة الكونية.
* فإن قال قائل: هل المعاصي مرادة لله؟
فالجواب: أما بالإرادة الشرعية؛ فليست مرادة له؛ لأنه لا يحبها، وأما بالإرادة الكونية؛ فهي مرادة سبحانه؛ لأنها واقعة بمشيئته.
كل شيء؛ فالله قادر عليه من الموجودات؛ فيعدمهما أو يغيرها،
следующие страницы →