← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(١٢٦) سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا -: من أول الرسل ؟ فأجاب بقوله: أول الرسل عليهم الصلاة والسلام، نوح ﵊، وآخرهم محمد، ﷺ ، وأما قبل نوح فلم يبعث رسول، وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا: إن إدريس، ﵊، كان قبل نوح؛ لأن الله يقول: في كتابه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وفي الحديث الصحيح في قصة الشفاعة «أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض» ، فلا رسول قبل نوح، ولا رسول بعد محمد، ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وأما نزول عيسى ابن مريم، ﵇ في آخر الزمان فإنه لا ينزل على أنه رسول مجدد، بل ينزل على أنه حاكم بشريعة النبي محمد، ﷺ ؛ لأن الواجب على عيسى وعلى غيره من الأنبياء الإيمان بمحمد، ﷺ ، كما قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وهذا الرسول المصدق

стр. 282

لما معهم هو محمد، ﷺ ، كما صح ذلك عن ابن عباس وغيره. (١٢٧) سئل: هل آدم ﵊، رسول أو نبي ؟ فأجاب بقوله: آدم ليس برسول ولكنه نبي، كما جاء في الحديث الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه «أن النبي، ﷺ ، سئل عن آدم أَنَبِيٌّ هو؟ قال: " نعم نبي مكلم» ، ولكنه ليس برسول والدليل قوله - تعالى -: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وقوله، ﷺ ، في حديث الشفاعة: «إن الناس يذهبون إلى نوح فيقولون: " أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» وهذا نص صريح بأن نوحًا أول الرسل. (١٢٨) وسئل فضيلته: عن عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم، ﵊ ؟ فأجاب: عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم، ﵊، أنه أحد الرسل الكرام، بل أحد الخمسة الذين هو أولو العزم وهم: محمد، ﷺ ، وإبراهيم ونوح، وموسى، وعيسى، عليهم الصلاة والسلام، ذكرهم الله في موضعين من كتابه، في سورة الأحزاب:

стр. 283

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ، وفي سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ . وأن عيسى ﵊، بشر من بني آدم مخلوق من أم بلا أب، وأنه عبد الله ورسوله فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يكذب، وأنه ليس له من خصائص الربوبية شيء بل هو كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وأنه، ﵊، لم يأمر قومه بأن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله، وإنما قال لهم ما أمره الله به: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وأنه، ﵇ خلق بكلمة الله كما قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وأنه ليس بينه وبين محمد، ﷺ ، رسول كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولا يتم إيمان أحد حتى يؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه مبرأ ومنزه عما وصفه به اليهود الذين قالوا: "إنه ابن بغي وإنه

стр. 284

نشأ من الزنا" - والعياذ بالله - وقد برأه الله - تعالى - من ذلك، كما أنهم - أي المسلمين - يتبرؤون من طريق النصارى الذين ضلوا في فهم الحقيقة بالنسبة لعيسى ابن مريم حيث اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، وقال بعضهم: إنه ابن الله، وقال بعضهم: إنه ثالث ثلاثة. أما فيما يتعلق بقتله وصلبه فالله قد نفى أن يكون قد قتل أو صلب نفيًا صريحًا قاطعًا فقال : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فمن اعتقد أن عيسى ابن مريم ﵊، قتل وصلب فقد كذب القرآن، ومن كذب القرآن فقد كفر، فنحن نؤمن بأن عيسى، ﵊ لم يقتل ولم يصلب، ولكننا نقول: إن اليهود باءوا بإثم القتل والصلب حيث زعموا أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وهم لم يقتلوه حقيقة بل قتلوا من شبه لهم، حيث ألقى الله شبهه على واحد منهم فقتلوه وصلبوه، وقالوا: إننا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، فاليهود باءوا بإثم القتل والصلب بإقرارهم على أنفسهم، والمسيح عيسى ابن مريم برأه الله من ذلك وحفظه ورفعه عنده إلى السماء وسوف ينزل في آخر الزمان إلى الأرض فيحكم بشريعة النبي، ﷺ ، ثم يموت في الأرض ويدفن فيها ويخرج منها كما يخرج سائر بني آدم لقول الله - تعالى -: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾

стр. 285

، وقوله: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ . (١٢٩) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن وصف النبي، ﷺ ، بحبيب الله ؟ فأجاب بقوله: النبي، ﷺ ، حبيب الله لا شك فهو حاب لله ومحبوب لله، ولكن هناك وصف أعلى من ذلك وهو خليل لله، فالرسول، ﵊، خليل الله كما قال ﷺ : «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» . ولهذا من وصفه بالمحبة فقط فإنه نزله عن مرتبته، فالخلة أعظم من المحبة وأعلى، فكل المؤمنين أحباء الله، ولكن الرسول، ﵊، في مقام أعلى من ذلك وهي الخلة فقد اتخذه الله خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، لذلك نقول: إن محمدًا رسول الله، ﷺ ، خليل الله، وهذا أعلى من قولنا: حبيب الله لأنه متضمن للمحبة، وزيادة لأنه غاية المحبة. (١٣٠) وسئل الشيخ حفظه الله تعالى: عن حكم جعل مدح النبي، ﷺ ، تجارة ؟ فأجاب بقوله: حكم هذا محرم، ويجب أن يعلم بأن المديح للنبي، ﷺ ، ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون مدحًا فيما يستحقه، ﷺ ، بدون

стр. 286

أن يصل إلى درجة الغلو فهذا لا بأس به أي لا بأس أن يمدح رسول الله، ﷺ ، بما هو أهله من الأوصاف الحميدة الكاملة في خلقه وهديه ﷺ . والقسم الثاني: من مديح الرسول، ﷺ ، قسم يخرج بالمادح إلى الغلو الذي نهى عنه النبي، ﷺ ، وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» . فمن مدح النبي، ﷺ ، بأنه غياث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، وأنه مالك الدنيا والآخرة، وأنه يعلم الغيب وما شابه ذلك من ألفاظ المديح فإن هذا القسم محرم بل قد يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة، فلا يجوز أن يمدح الرسول، ﵊، بما يصل إلى درجة الغلو لنهي النبي، ﷺ ، عن ذلك. ثم نرجع إلى اتخاذ المديح الجائز حرفة يكتسب بها الإنسان فنقول أيضًا: إن هذا حرام ولا يجوز؛ لأن مدح الرسول، ﵊، بما يستحق وبما هو أهل له، ﷺ ، من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة، والهدي المستقيم مدحه بذلك من العبادة التي يتقرب بها إلى الله، وما كان عبادة فإنه لا يجوز أن يتخذ وسيلة إلى الدنيا لقول الله - تعالى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . والله الهادي إلى سواء الصراط.

стр. 287

(١٣١) سئل فضيلة الشيخ: عمن قال: إن تزوج النبي، ﷺ ، كان لغرضين: أحدهما: مصلحة الدعوة، والثاني: التمشي مع ما فطره الله عليه من التمتع بما أحل الله له ؟ فأجاب بقوله: من المعلوم أن النبي، ﷺ ، بشر أكرمه الله - تعالى - بالنبوة والرسالة إلى الناس كافة، وأن اتصافه بما تقتضيه الطبيعة البشرية من الحاجة إلى الأكل، والشرب، والنوم، والبول، والغائط ومدافعة البرد، والحر، والعدو، ومن التمتع بالنكاح، وأطايب المأكول والمشروب وغيرها من مقتضيات الطبيعة البشرية لا يقدح في نبوته ورسالته، بل قد قال الله له: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ وقال هو عن نفسه: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون» . وانتفاء علم الغيب، وطرو النسيان على العلم قصور في مرتبة العلم من حيث هو علم، لكن لما كان من طبيعة البشر الذي خلقه الله ضعيفًا في جميع أموره، لم يكن ذلك قصورًا في مقام النبوة، ونقصًا في حق النبي ﷺ . ولا ريب أن شهوة النكاح من طبيعة الإنسان فكمالها فيه من كمال طبيعته، وقوتها فيه تدل على سلامة البنية واستقامة الطبيعة، ولهذا ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «كنا نتحدث أنه يعني النبي، ﷺ ، أعطي قوة ثلاثين» . يعني على النساء، وهذا والله أعلم، ليتمكن من إدراك ما أحل الله منهن بلا حصر ولا مهر، ولا ولي، فيقوم بحقوقهن، ويحصل بكثرتهن ما حصل من المصالح العظيمة الخاصة بهن والعامة للأمة جميعًا، ولولا هذه القوة التي

стр. 288

أمده الله بها ما كان يدرك أن يتزوج بكل هذا العدد، أو يقوم بحقهن من الإحصان والعشرة. ولو فرض أن النبي، ﷺ ، تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة والتمشي مع ما تقتضيه الفطرة بل الطبيعة لم يكن في ذلك قصور في مقام النبوة، ولا نقص في حقه، ﷺ ، كيف وقد قال ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين» . بل قد قال الله له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ . لكننا لا نعلم حتى الآن أن رسول الله، ﷺ ، تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة، ولو كان كذلك لاختار الأبكار الباهرات جمالا، الشابات سنًّا، كما قال لجابر ﵁ حين أخبره أنه تزوج ثيبًا، قال: «فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك» ؟ . وفي رواية: «وتضاحكها وتضاحكك» . وفي رواية: «ما لك وللعذارى ولعابها» ، رواه البخاري، وإنما كان زواجه، ﷺ ، إما تأليفًا، أو تشريفًا، أو جبرًا أو مكافأة، أو غير ذلك من المقاصد العظيمة. وقد أجملها في فتح الباري ص ١١٥ ج ٩ المطبعة السلفية حيث قال: " والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه: أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك. ثانيها: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. ثالثها: الزيادة في تألفهم لذلك.

стр. 289

رابعها: الزيادة في التكليف حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ. خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه. سادسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال؛ لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله. سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة. فقد تزوج أم حبيبة وأبوها يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن. ثامنها: ما تقدم مبسوطًا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال. وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه ﷺ . تاسعها وعاشرها: ما تقدم عن صاحب الشفاء من تحصينهن والقيام بحقوقهن. ا. هـ. قلت: الثامنة حاصلة لأن الله أعطاه قوة ثلاثين رجلا كما سبق. وثم وجه حادي عشر: وهو إظهار كمال عدله في معاملتهن لتتأسى به الأمة في ذلك. وثاني عشر: كثرة انتشار الشريعة فإن انتشارها من عدد أكثر من انتشارها من واحدة. وثالث عشر: جبر قلب من فات شرفها كما في صفية بنت حيي

стр. 290

وجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق. ورابع عشر: تقرير الحكم الشرعي وانتشال العقيدة الفاسدة التي رسخت في قلوب الناس من منع التزوج بزوجة ابن التبني، كما في قصة زينب فإن اقتناع الناس بالفعل أبلغ من اقتناعهم بالقول، وانظر اقتناع الناس بحلق النبي، ﷺ ، رأسه في الحديبية ومبادرتهم بذلك حين حلق بعد أن تباطئوا في الحلق مع أمره لهم به. وخامس عشر: التأليف وتقوية الصلة كما في أمر عائشة وحفصة، فإن النبي، ﷺ ، شد صلته بخلفائه الأربعة عن طريق المصاهرة، مع ما لبعضهم من القرابة الخاصة، فتزوج ابنتي أبي بكر وعمر، وزوج بناته الثلاث بعثمان - وعلي رضي الله عن الجميع - فسبحان من وهب نبيه، ﷺ ، هذه الحكم، وأمده بما يحققها قدرًا وشرعًا، فأعطاه قوة الثلاثين رجلا، وأحل له ما شاء من النساء يرجي من يشاء منهن، ويؤوي إليه من يشاء، وهو سبحانه الحكيم العليم. وأما عدم تزوجه بالواهبة نفسها، فلا يدل على أنه تزوج من سواها لمجرد الشهوة، وقضاء وطر النكاح. وأما ابنة الجون فلم يعدل عن تزوجها بل دخل عليها وخلا بها، ولكنها استعاذت بالله منه، فتركها النبي، ﷺ ، وقال: «لقد عذت بعظيم فالحقي بأهلك» . ولكن هل تزوجها النبي، ﷺ ، لمجرد جمالها وقضاء وطر النكاح أو لأمر آخر؟ إن كان لأمر آخر سقط الاستدلال به على أن النبي، ﷺ ، كان يتزوج لمجرد قضاء الوطر، وإن كان لأجل قضاء الوطر فإن من حكمة الله - تعالى - أن حال بينه وبين هذه المرأة بسبب استعاذتها منه.

стр. 291

وأما سودة ﵂ فقد خافت أن يطلقها النبي، ﷺ ، لكبر سنها فوهبت يومها لعائشة، وخوفها منه لا يلزم من أن يكون قد هم به. وأما ما روي أنه طلقها بالفعل فضعيف لإرساله. وأما زواجه، ﷺ ، بزينب فليس لجمالها بل هو لإزالة عقيدة سائدة بين العرب، وهي امتناع الرجل من تزوج مفارقة من تبناه، فأبطل الله التبني وأبطل الأحكام المترتبة عليه عند العرب، ولما كانت تلك العقيدة السائدة راسخة في نفوس العرب كان تأثير القول في اقتلاعها بطيئًا، وتأثير الفعل فيها أسرع فقيض الله - سبحانه - بحكمته البالغة أن يقع ذلك من النبي، ﷺ ، في تزوجه بمفارقة مولاه زيد بن حارثة الذي كان تبناه من قبل ليطمئن المسلمون إلى ذلك الحكم الإلهي، ولا يكون في قلوبهم حرج منه، وقد أشار الله - تعالى - إلى هذه الحكمة بقوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ . ثم تأمل قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ . فإنه يشعر بأن تزويجها إياه لم يكن عن طلب منه، أو تشوف إليه، وإنما هو قضاء من الله لتقرير الحكم الشرعي وترسيخه، وعدم الحرج منه وبهذا يعرف بطلان ما يروى أن النبي، ﷺ ، أتى زيدًا ذات يوم لحاجة فرأى زينب فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال: " سبحان الله مقلب القلوب". فأخبرت زينب زيدًا بذلك ففطن له فكرهها وطلقها بعد مراجعة النبي، ﷺ ، وقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ . فهذا الأثر باطل مناقض لما ذكر الله - تعالى - من الحكمة في

стр. 292

تزويجها إياه، وقد أعرض عنه ابن كثير ﵀ فلم يذكره، وقال: أحببنا أن نضرب عنها - أي عن الآثار الواردة عن بعض السلف صفحًا - لعدم صحتها فلا نوردها، ويدل على بطلان هذا الأثر أنه لا يليق بحال الأنبياء فضلا عن أفضلهم وأتقاهم لله وما أشبه هذه القصة بتلفيق قصة داود ﵊، وتحيله على التزوج بزوجة من ليس له إلا زوجة واحدة، على ما ذكر في بعض كتب التفسير عند قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ . إلى آخر القصة فإن من علم قدر الأنبياء وبعدهم عن الظلم والعدوان والمكر والخديعة علم أن هذه القصة مكذوبة على نبي الله داود ﵊. والحاصل أنه وإن جاز للنبي، ﷺ ، أن يتزوج لمجرد قضاء الوطر من النكاح وجمال المرأة وأن ذلك لا يقدح في مقامه، فإننا لا نعلم أن النبي، ﷺ ، تزوج زواجًا استقرت به الزوجة وبقيت معه من أجل هذا الغرض. والله أعلم. (١٣٢) سئل فضيلة الشيخ: لماذا وجه الله الخطاب إلى الرسول، ﷺ ، في قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ مع أن النبي، ﷺ ، معصوم من الشرك ؟ فأجاب بقوله: الخطاب هنا للرسول، ﷺ ، في ظاهر سياق الآية.

стр. 293

وقال بعض العلماء: لا يصح أن يكون للرسول، ﷺ ؛ لأن الرسول، ﷺ ، يستحيل أن يقع منه ذلك والآية على تقدير " قل " وهذا ضعيف لإخراج الآية عن سياقها. والصواب: أنه إما خاص بالرسول، ﷺ ، والحكم له ولغيره، وإما عام لكل من يصح خطابه ويدخل فيه الرسول، ﷺ ، وكونه يوجه إليه مثل هذا الخطاب لا يقتضي أن يكون ذلك ممكنًا منه قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فالخطاب له ولجميع الرسل ولا يمكن أن يقع، فلا يمكن أن يقع منه، ﷺ ، - باعتبار حاله - شركٌ أبدًا، والحكمة من النهي أن يكون غيره متأسيًا به فإذا كان النهي موجهًا إلى من لا يمكن أن يقع منه باعتبار حاله فهو إلى من يمكن منه من باب أولى. (١٣٣) سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول النبي ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» ؟ ومن الذي تصدق رؤياه ؟ فأجاب بقوله: معنى قوله ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي، وقد تكون خبرًا عن شيء واقع، أو شيء سيقع فيقع مطابقًا للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها وإن كانت تختلف عنها ولهذا كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة

стр. 294

وتخصيص الجزء بستة وأربعين جزءًا من الأمور التوقيفية التي لا تعلم حكمتها كأعداد الركعات والصلوات. وأما الذي تصدق رؤياه فهو الرجل المؤمن الصدوق إذا كانت رؤياه صالحة، فإذا كان الإنسان صدوق الحديث في يقظته وعنده إيمان وتقوى فإن الغالب أن الرؤيا تكون صادقة، ولهذا جاء هذا الحديث مقيدًا في بعض الروايات بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» . ولكن ليعلم أن ما يراه الإنسان في منامه ثلاثة أقسام: القسم الأول: رؤيا حق صالحة وهي التي أخبر عنها النبي، ﷺ ، أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وغالبًا ما تقع، ولكن أحيانًا يكون وقوعها على صفة ما رآه الإنسان في منامه تمامًا، وأحيانًا يكون وقوعها على صفة ضرب الأمثال في المنام، يضرب له المثل ثم يكون الواقع على نحو هذا المثل وليس مطابقًا له تمامًا، مثل ما رأى النبي، ﵊، قبيل غزوة أحد أن في سيفه ثلمة، ورأى بقرًا تنحر، فكان الثلمة التي في سيفه استشهاد عمه حمزة ﵁ لأن قبيلة الإنسان بمنزلة سيفه في دفاعهم عنه ومعاضدته ومناصرته، والبقر التي تنحر كان استشهاد من استشهد من الصحابة ﵃ لأن في البقر خيرًا كثيرًا، وكذلك الصحابة ﵃ كانوا أهل علم ونفع للخلق وأعمال صالحة. القسم الثاني: الحلم وهو ما يراه الإنسان في منامه مما يقع له في مجريات حياته، فإن كثيرًا من الناس يرى في المنام ما تحدثه نفسه في اليقظة

стр. 295

وما جرى عليه في اليقظة وهذا لا حكم له. القسم الثالث: إفزاع من الشيطان، فإن الشيطان يصور للإنسان في منامه ما يفزعه من شيء في نفسه، أو ماله، أو في أهله، أو في مجتمعه؛ لأن الشيطان يحب إحزان المؤمنين كما قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فكل شيء ينكد على الإنسان في حياته ويعكر صفوه عليه فإن الشيطان حريص عليه سواء ذلك في اليقظة أو في المنام؛ لأن الشيطان عدو كما قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وهذا النوع الأخير أرشدنا رسول الله، ﷺ ، إلى التحرز منه فأمر من رأى في منامه ما يكره أن يستعيذ بالله من الشيطان، ومن شر ما رأى، وأن يتفل عن يساره ثلاث مرات، وأن ينقلب على جنبه الآخر، وأن لا يحدث أحدًا بما رأى فإذا فعل هذه الأمور فإن ما رآه مما يكره في منامه لا يضره شيئًا. وهذا يقع كثيرًا من الناس ويكثر السؤال عنه لكن الدواء له ما بينه النبي، ﷺ ، كما في حديث جابر عند مسلم: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» . وكما في حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري: «إذا رأى أحدكم ما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» . وكما في حديث أبي قتادة عند مسلم قال: «كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث»

стр. 296

«بها إلا من يحب، وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها، ولا يحدث بها أحدًا فإنها لن تضره» . وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: «فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس» . أخرجه مسلم. فأمر النبي، ﷺ ، من رأى ما يكره بأمور: ١ - أن يبصق عن يساره ثلاثًا. ٢ - أن يستعيذ بالله من شر الشيطان ثلاثًا. ٣ - أن يستعيذ بالله من شر ما رأى. ٤ - أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر. ٥ - أن لا يحدث بها أحدًا. ٦ - أن يقوم فيصلي. (١٣٤) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ . وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ؟ فأجاب - حفظه الله - بقوله: قوله - تعالى -: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ كقوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ . فالأنبياء والرسل لا شك أن بعضهم أفضل من بعض فالرسل أفضل من الأنبياء، وأولو العزم من الرسل أفضل ممن سواهم، وأولو

стр. 297

العزم من الرسل هم الخمسة الذين ذكرهم الله - تعالى - في آيتين من القرآن إحداهما في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ . محمد، ﵊، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم. والآية الثانية في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ . فهؤلاء خمسة وهم أفضل ممن سواهم. وأما قوله - تعالى - عن المؤمنين: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ . فالمعنى لا نفرق بينهم في الإيمان بل نؤمن أن كلهم رسل من عند الله حقًّا وأنهم ما كذبوا فهم صادقون مصدقون وهذا معنى قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ أي في الإيمان بل نؤمن أن كلهم، عليهم الصلاة والسلام، رسل من عند الله حقًّا. لكن في الإيمان المتضمن للاتباع - هذا يكون لمن بعد الرسول، ﷺ ، - خاص بالرسول، ﷺ ، لأنه، ﷺ ، هو المتبع؛ لأن شريعته نسخت ما سواها من الشرائع وبهذا نعلم أن الإيمان يكون للجميع كلهم نؤمن بهم وأنهم رسل الله حقًا وأن شريعته التي جاء بها حق، وأما بعد أن بعث الرسول، عليه الصلاة

стр. 298

والسلام، فإن جميع الأديان السابقة نسخت بشريعته، ﷺ ، وصار الواجب على جميع الناس أن ينصروا محمدًا ﷺ وحده، ولقد نسخ الله - تعالى - بحكمته جميع الإديان سوى دين الرسول، ﷺ ، ولهذا قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فكانت الأديان سوى دين الرسول، ﵊، كلها منسوخة لكن الإيمان بالرسل وأنهم حق هذا أمر لا بد منه. (١٣٥) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: عن معجزات الرسول ﷺ ؟ فأجاب - حفظه الله - بقوله: معجزات النبي، ﷺ ، وهي الآيات الدالة على رسالته، ﷺ ، وأنه رسول الله حقًّا كثيرة جدًا وأعظم آيات جاء بها هذا القرآن الكريم كما قال الله - تعالى -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . فالقرآن العظيم أعظم آية جاء بها رسول الله، ﷺ ، وأنفع لمن تدبرها واقتدى بها لأنها آية باقية إلى يوم القيامة.

стр. 299

أما الآيات الأخرى الحسية التي مضت وانقضت أو لا تزال تحدث فهي كثيرة وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جملة صالحة منها في آخر كتابه " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح "، هذا الكتاب الذي ينبغي لكل طالب علم أن يقرأه لأنه بين فيه شطح النصارى الذين بدلوا دين المسيح، ﵊، وخطأهم وضلالهم وأنهم ليسوا على شيء مما كانوا عليه فيما حرفوه وبدلوه وغيروه. والكتاب مطبوع وبإمكان كل إنسان الحصول عليه، وفيه فوائد عظيمة منها ما أشرت إليه، بيان الشيء الكثير من آيات النبي، ﷺ ، وكذلك ابن كثير ﵀ في " البداية والنهاية " ذكر كثيرًا من آيات النبي، ﷺ ، فمن أحب فليرجع إليه. (١٣٦) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عمن يعتقد أن النبي، ﷺ ، نور من نور الله وليس ببشر وأنه يعلم الغيب ثم هو يستغيث به، ﷺ ، معتقدًا أنه يملك النفع والضر، فهل تجوز الصلاة خلف هذا الرجل أو من كان على شاكلته أفيدونا جزاكم الله خيرًا ؟. فأجاب بقوله: من اعتقد أن النبي، ﷺ ، نور من الله وليس ببشر وأنه يعلم الغيب فهو كافر بالله ورسوله وهو من أعداء الله ورسوله وليس من أولياء الله ورسوله لأن قوله هذا تكذيب لله ورسوله ومن كذب الله ورسوله فهو كافر والدليل على أن قوله هذا تكذيب لله ورسوله

стр. 300

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» . ومن استغاث برسول الله، ﷺ ، معتقدًا أنه يملك النفع والضر فهو كافر مكذب لله - تعالى - مشرك به لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ وقوله، ﷺ ، لأقاربه: «لا أغني عنكم من الله شيئًا» كما قال ذلك لفاطمة وصفية عمة رسول الله ﷺ . ولا تجوز الصلاة خلف هذا الرجل ومن كان على شاكلته ولا تصح الصلاة خلفه ولا يحل أن يجعل إمامًا للمسلمين. تم بحمد الله - تعالى - المجلد الأول ويليه بمشيئة الله المجلد الثاني

стр. 301

اليوم الآخر (١٣٧) سئل فضيلة الشيخ: هل أشراط الساعة الكبرى تأتي بالترتيب؟ وهل الحيوانات تشعر بعلامات القيامة دون الإنس والجن ؟ . فأجاب بقوله: أشراط الساعة الكبرى بعضها مرتب ومعلوم، وبعضها غير مرتب ولا يعلم ترتيبه، فمما جاء مرتبا: نزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، فإن الدجال يبعث، ثم ينزل عيسى ابن مريم فيقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج. وقد رتب السفاريني ﵀ في عقيدته هذه الأشراط، لكن بعض هذا الترتيب تطمئن إليه النفس، وبعضها ليس كذلك. والترتيب لا يهمنا، وإنما يهمنا أن للساعة علامات عظيمة إذا وقعت فإن الساعة تكون قد قربت، وقد جعل الله للساعة أشراطا؛ لأنها حدث هام، يحتاج الناس إلى تنبيههم لقرب حدوثه. ولا ندري هل تشعر البهائم بذلك، ولكن البهائم تبعث يوم القيامة، وتحشر، ويقتص من بعضها لبعض، فيقتص للشاة الجلحاء من القرناء. (١٣٨) سئل فضيلة الشيخ: عن أحاديث خروج المهدي، هل هي صحيحة أو لا ؟ فأجاب بقوله: أحاديث المهدي تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: أحاديث مكذوبة. القسم الثاني: أحاديث ضعيفة.

стр. 302

القسم الثالث: أحاديث حسنة، لكنها بمجموعها تصل إلى درجة الصحة، على أنها صحيح لغيره. وقال بعض العلماء: إن فيها ما هو صحيح لذاته، وهذا هو القسم الرابع. ولكنه ليس المهدي المزعوم، الذي يقال: إنه في سرداب في العراق، فإن هذا لا أصل له، وهو خرافة، ولا حقيقة له، ولكن المهدي الذي جاءت الأحاديث بإثباته رجل كغيره من بني آدم، يخلق ويولد في وقته، ويخرج إلى الناس في وقته، فهذه هي قصة المهدي، وإنكاره مطلقا خطأ، وإثباته مطلقا خطأ، كيف ذلك؟ إثباته على وجه يشمل المهدي المنتظر، الذي يقال: إنه في السرداب هذا خطأ؛ لأن اعتقاد هذا المهدي المختفي خبل في العقل، وضلال في الشرع، وليس له أصل، وإثبات المهدي الذي أخبر به النبي ﷺ وتكاثرت فيه الأحاديث، والذي سيولد في وقته، ويخرج في وقته هذا حق. (١٣٩) وسئل فضيلة الشيخ: من هم يأجوج ومأجوج ؟ فأجاب- حفظه الله تعالى - بقوله: يأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم موجودتان، قال الله - تعالى - في قصة ذي القرنين: ( ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾

стр. 303

﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ . ويقول النبي ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: يا آدم، قم فابعث بعث النار من ذريتك» ، إلى أن قال رسول الله ﷺ : «أبشروا فإن منكم واحدا، ومن يأجوج ومأجوج ألفا» . وخروجهم الذي هو من أشراط الساعة وجدت بوادره في عهد النبي ﷺ ، ففي حديث أم حبيبة ﵂ قالت: «خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه، يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» . (١٤٠) وسئل فضيلة الشيخ: عن الدجال؟ ولماذا حذر الأنبياء أقوامهم منه مع أنه لا يخرج إلا في آخر الزمان ؟ فأجاب قائلا: أعظم فتنة على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة هي فتنة الدجال، كما قال ذلك النبي ﷺ ولهذا ما من نبي من نوح إلى محمد - صلوات الله عليهم وسلامه - إلا أنذر قومه به تنويها بشأنه، وتعظيما له، وتحذيرا منه، وإلا فإن الله يعلم أنه لن يخرج إلا في آخر الزمان، ولكن أمر الرسل أن ينذروا قومهم إياه من أجل أن تتبين عظمته وفداحته، وقد صح ذلك عن النبي ﵊ وقال: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم - صلوات الله وسلامه عليه؛ يعني أكفيكم إياه- وإلا فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم» .

стр. 304

نِعْمَ الخليفة ربنا - جل وعلا-. فهذا الدجال شأنه عظيم، بل هو أعظم فتنة، كما جاء في الحديث منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، فكان حريّا بأن يخص من بين فتن المحيا بالتعوذ من فتنته في الصلاة: «أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» . وأما الدجال فهو مأخوذ من الدجل وهو التمويه؛ لأن هذا مموه بل أعظم مموه، وأشد الناس دجلا. (١٤١) وسئل فضيلته: عن وقت خروج المسيح الدجال . فأجاب بقوله: خروج المسيح الدجال من علامات الساعة، ولكنه غير محدد؛ لأنه لا يعلم متى تكون الساعة إلا الله، فكذلك أشراطها ما نعلم منها إلا ما ظهر، فوقت خروجه غير معلوم لنا، لكننا نعلم أنه من أشراط الساعة. (١٤٢) وسئل عن مكان خروج الدجال . فأجاب بقوله: يخرج من المشرق من جهة الفتن والشر كما، قال النبي ﷺ : «الفتنة هاهنا» وأشار إلى المشرق، فالمشرق: منبع الشر والفتن، يخرج من المشرق من خراسان، مارّا بأصفهان، داخلا الجزيرة من بين الشام والعراق، ليس له هم إلا المدينة؛ لأن فيها البشير النذير ﵊ فيحب أن يقضي على أهل المدينة، ولكنها محرمة عليه، كما ثبت عن النبي ﷺ : «على كل باب منها ملائكة يحفظونها» . هذا الرجل يخرج خلة بين الشام والعراق، ويتبعه من يهود أصفهان سبعون ألفا؛ لأنهم جنوده، فاليهود من أخبث عباد الله، وهو

стр. 305

أضل عباد الله، فيتبعونه ويؤوونه وينصرونه، ويكونون مسالح له - أي جنودا مجندين- هم، وغيرهم ممن يتبعهم، قال النبي ﵊: «"يا عباد الله، فاثبتوا. يا عباد الله، فاثبتوا» . يثبتنا ﵊؛ لأن الأمر خطير، وقال ﵊: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات» . يأتيه الإنسان، ويقول: لن يضلني، ولن أتأثر به، ولكن لا يزال يلقي عليه من الشبهات حتى يتبعه والعياذ بالله. (١٤٣) وسئل عن: دعوة الدجال وما يدعو إليه . فأجاب بقوله: ذكر أنه أول ما يخرج يدعو إلى الإسلام، ويقول: إنه مسلم، وينافح عن الإسلام، ثم بعد ذلك يدعي النبوة، وأنه نبي، ثم بعد ذلك يدعي أنه إله، فهذه دعوته نهايتها بداية فرعون، وهي ادعاء الربوبية. (١٤٤) وسئل عن: فتنة الدجال . فأجاب بقوله: من حكمة الله أنه يعطي الدجال آيات فيها فتن عظيمة، فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتبعونه، فيصبحون وقد نبتت أراضيهم، وشبعت مواشيهم، فتعود إليهم أطول ما كانت ذرى، وأسبغ ضروعا، وأمد خواصر؛ يعني أنهم يعيشون برغد؛ لأنهم اتبعوه. ويأتي القوم فيدعوهم فلا يتبعونه، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، وهذه فتنة عظيمة، لا سيما في الأعراب، ويمر بالخربة، فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها تتبعه كيعاسيب النحل من ذهب وفضة، وغيرها بدون آلات، وبدون أي شيء، فتنة من الله فهذه

стр. 306

حاله، ومعاملته مع أهل الدنيا لمن يريد التمتع بالدنيا، أو يبأس فيها. ومن فتنته أن الله - تعالى - جعل معه جنة ونارا بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنة، فمن أطاعه أدخل هذه الجنة فيما يرى الناس، ولكنها نار محرقة والعياذ بالله، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه الناس، ولكنها جنة وماء عذب طيب. إذن يحتاج الأمر إلى تثبيت من الله إن لم يثبت الله المرء هلك وضل، فيحتاج إلى أن يثبت الله المرء على دينه ثباتا قويا. ومن فتنته أنه يخرج إليه رجل من الناس ممتلئ شبابا، فيقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله ﷺ فيدعوه، فيأبى أن يتبعه فيضربه، ويشجه في المرة الأولى، ثم يقتله، ويقطعه قطعتين، ويمشي بينهما تحقيقا للمباينة بينهما، ثم يدعوه فيقوم يتهلل وجهه، ويقول: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله ﷺ ، ثم يأتي ليقتله فلا يسلط عليه، يعجز عن قتله، ولن يسلط على أحد بعده، فهذا من أعظم الناس شهادة عند الله؛ لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا نتصوره نحن في هذا المكان، لا يتصور رهبته إلا من باشره، ومع ذلك يصرح على الملأ إعذارا وإنذارا، بأنك أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله ﷺ ، هذه حاله، وما يدعو إليه. (١٤٥) وسئل فضيلته: عن مقدار لبث الدجال في الأرض . فأجاب بقوله: مقدار لبثه في الأرض: أربعون يوما فقط، لكن يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، هكذا حدث النبي ﷺ ، «قال الصحابة ﵃: يا رسول الله، هذا اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: " لا، اقدروا»

стр. 307

«له قدره"» ، انظروا إلى هذا المثال لنأخذ منه عبرة، كيف كان تصديق أصحاب رسول الله ﷺ لرسول الله، ما ذهبوا يحرفون، أو يؤولون، أو يقولون: إن اليوم لا يمكن أن يطول؛ لأن الشمس تجري في فلكها، ولا تتغير، ولكنه يطول لكثرة المشاق فيه وعظمها، فهو يطول؛ لأنه متعب - بكسر العين - ما قالوا هكذا، كما يقول بعض المتحذلقين، ولكن صدقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهرا حقيقة، بدون تحريف، وبدون تأويل. وهكذا حقيقة المؤمن ينقاد لما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، وإن حار فيها عقله، لكن يجب أن تعلم أن خبر الله ورسوله لا يكون في شيء محال عقلا، لكن يكون في شيء تحار فيه العقول؛ لأنها لا تدركه، فالرسول ﷺ أخبر أن أول يوم من أيام الدجال كسنة، لو أن هذا الحديث مر على المتأخرين، الذين يدعون أنهم هم العقلاء لقالوا: إن طوله مجاز، عما فيه من التعب والمشقة؛ لأن أيام السرور قصيرة، وأيام الشرور طويلة، ولكن الصحابة ﵃ من صفائهم وقبولهم سلموا في الحال، وقالوا بلسان الحال: إن الذي خلق الشمس، وجعلها تجري في أربع وعشرين ساعة في اليوم والليلة قادر على أن يجعلها تجري في اثني عشر شهرا؛ لأن الخالق واحد فهو قادر، ولذلك سلموا. وقالوا: كيف نصلي؟ ما سألوا عن الأمر الكوني؛ لأنهم يعلمون أن قدرة الله فوق مستواهم، سألوا عن الأمر الشرعي الذين هم مكلفون به وهو الصلاة، وهذا والله حقيقة الانقياد والقبول، قالوا: «يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: " لا، اقدروا له قدره» . وسبحان الله العظيم، إذا تأملت تبين لك أن هذا الدين تام كامل، لا يمكن أن تكون مسألة يحتاج الناس إليها إلى يوم القيامة إلا وجد لها أصل، كيف أنطق الله

стр. 308

الصحابة أن يسألوا هذا السؤال؟ أنطقهم الله حتى يكون الدين كاملا، لا يحتاج إلى تكميل، وقد احتاج الناس إلى هذا الآن في المناطق القطبية، يبقى الليل فيها ستة أشهر، والنهار ستة أشهر، فنحتاج إلى هذا الحديث، انظر كيف أفتى الرسول ﷺ هذه الفتوى قبل أن تقع هذه المشكلة؛ لأن الله - تعالى - قال في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ . والله لو نتأمل الكلمة ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لعلمنا أنه لا يوجد شيء ناقص في الدين أبدا، فهو كامل من كل وجه، لكن النقص فينا؛ إما قصور في عقولنا، أو في أفهامنا، أو في إرادات ليست منضبطة، يكون الإنسان يريد أن ينصر قوله، فيعمى عن الحق - نسأل الله العافية -. فلو أننا نظرنا في علم، وفهم، وحسن نية لوجدنا أن الدين ولله الحمد لا يحتاج إلى مكمل، وأنه لا يمكن أن تقع مسألة صغيرة ولا كبيرة، إلا وجد حلها في الكتاب والسنة، لكن لما كثر الهوى، وغلب على الناس صار بعض الناس يعمى عليهم الحق، ويخفى عليهم، وتجدهم إذا نزلت فيهم الحادثة التي لم تكن معروفة من قبل بعينها، وإن كان جنسها معروفا تجدهم يختلفون فيها أكثر من أصابعهم، إذا كانت تحتمل قولين وجدت فيها عشرة، كل هذا؛ لأن الهوى غلب على الناس الآن، وإلا فلو كان القصد سليما والفهم صافيا، والعلم واسعا لتبين الحق. على كل حال، أقول: إن الرسول ﷺ أخبر أن الدجال يبقى أربعين يوما، وبعد الأربعين يوما ينزل المسيح عيسى ابن مريم، الذي رفعه الله إليه، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة: «أنه ينزل عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه»

стр. 309

«قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريحه إلا مات» . وهذه من آيات الله، فيلحق الدجال عند باب لد في فلسطين، فيقتله هناك، وحينئذ يقضي عليه نهائيا، ولا يقبل عيسى ﵊ إلا الإسلام لا يقبل الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير فلا يعبد إلا الله، وعلى هذا فالجزية التي فرضها الإسلام جعل الإسلام لها أمدا تنتهي إليه عند نزول عيسى، ولا يقال: إن هذا تشريع من عيسى ﵊؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بذلك مقرا له، فوضع الجزية عند نزول عيسى ﵊، من سنة الرسول ﷺ ؛ لأن سنة الرسول ﷺ : قوله، وفعله، وإقراره، وكونه يتحدث عن عيسى ابن مريم مقرا له فهذا من سنته، وإلا فإن عيسى لا يأتي بشرع جديد، ولا أحد يأتي بشرع جديد، ليس إلا شرع محمد ﵊ إلى يوم القيامة، هذا ما يتعلق بالدجال نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من فتنته. (١٤٦) وسئل فضيلة الشيخ: هل الدجال من بني آدم ؟ فأجاب قائلا: الدجال من بني آدم. وبعض العلماء يقول: إنه شيطان. وبعضهم يقول: إن أباه إنسي، وأمه جنية، وهذه الأقوال ليست صحيحة، فالذي يظهر: أن الدجال من بني آدم، وأنه يحتاج إلى الأكل والشرب، وغير ذلك، ولهذا يقتله عيسى قتلا عاديا كما يقتل البشر. (١٤٧) وسئل فضيلته: هل الدجال موجود الآن ؟ فأجاب بقوله: الدجال غير موجود؛ لأن الرسول، ﷺ خطب الناس في آخر حياته، وقال: " «إنه على رأس مائة سنة لا يبقى»

стр. 310

«على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» . وهذا خبر، وخبر النبي ﷺ ، لا يدخله الكذب، وهو متلقى من الوحي؛ لأن النبي، ﷺ لا يعلم مثل هذا الغيب فهو غير موجود، ولكن الله يبعثه متى شاء. (١٤٨) سئل فضيلة الشيخ: ذكرتم في الفتوى السابقة رقم "١٤٧": أن الدجال غير موجود الآن، وهذا الكلام ظاهره يتعارض مع حديث فاطمة بنت قيس في الصحيح، عن قصة تميم الداري، فنرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح ذلك ؟ . فأجاب بقوله: ذكرنا هذا مستدلين بما ثبت في الصحيحين، عن النبي ﵌، قال: «إنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» . فإذا طبقنا هذا الحديث على حديث تميم الداري صار معارضا له؛ لأن ظاهر حديث تميم الداري أن هذا الدجال يبقى حتى يخرج، فيكون معارضا لهذا الحديث الثابت في الصحيحين، وأيضا فإن سياق حديث تميم الداري في ذكر الجساسة في نفسي منه شيء، هل هو من تعبير الرسول ﷺ أو لا؟ . (١٤٩) وسئل فضيلته: عن قول بعض أهل العلم: إن الرسل الذين أنذروا أقوامهم الدجال لم ينذروهم بعينه، وإنما أنذروهم بجنس فتنته ؟ . فأجاب بقوله: هذا القول الضعيف، بل هو نوع من التحريف؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بأنه ما من نبي إلا أنذر به قومه بعينه

стр. 311

كما في صحيح مسلم، أن النبي ﷺ قال: «ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب» ، وسبق لنا بيان الحكمة من إنذار الرسل به، ولكن يجب علينا أن نعلم أن جنس هذه الفتنة موجود حتى في غير هذا الرجل، يوجد من بني آدم الآن من يضل الناس بحاله، ومقاله، وبكل ما يستطيع، وتجد أن الله بحكمته أعطاه بيانا وفصاحة: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ . فعلى المرء إذا سمع مثل هذه الفتن التي تكون لأهل البدع من أناس يبتدعون في العقائد، وأناس يبتدعون في السلوك، وغير ذلك، يجب عليه أن يعرض هذه البدع على الكتاب والسنة، وأن يَحْذَرَ ويُحَذِّرَ منها، وأن لا يغتر بما تكسى به من زخارف القول، فإن هذه الزخارف، كما قيل فيها: حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور فالدجال المعين لا شك أن فتنته أعظم شيء يكون، لكن هناك دجاجلة يدجلون على الناس، ويموهون عليهم، فيجب الحذر منهم، ومعرفة إراداتهم ونياتهم، ولهذا قال الله تعالى في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ . مع أنه قال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ . يعني بيانه، وفصاحته، وعظمه، يجرك جرّا إلى أن تسمع، لكن كأنهم خشب مسندة، حتى الخشب ما هي قائمة بنفسها، مسندة تقوم على الجدار فهي لا خير فيها. فهؤلاء الذين يزينون للناس بأساليب القول سواء في العقيدة، أو

стр. 312

في السلوك، أو في المنهج يجب الحذر منهم، وأن تعرض أقوالهم، وأفعالهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فما خالفهما فهو باطل مهما كان، ولا تقولن: إن هؤلاء القوم أعطوا فصاحة وبيانا لينصروا الحق، فإن الله تعالى قد يبتلي فيعطي الإنسان فصاحة وبيانا، وإن كان على باطل، كما ابتلى الله الناس بالدجال وهو على باطل بلا شك. (١٥٠) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم من أنكر حياة الآخرة، وزعم أن ذلك من خرافات القرون الوسطى؟ وكيف يمكن إقناع هؤلاء المنكرين ؟ فأجاب بقوله: من أنكر حياة الآخرة، وزعم أن ذلك من خرافات القرون الوسطى فهو كافر، لقول الله - تعالى -: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ . وقال - تعالى -: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ، وقال-تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ وقال - تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

стр. 313

وأما إقناع هؤلاء المنكرين فبما يأتي: أولا: أن أمر البعث تواتر به النقل عن الأنبياء والمرسلين في الكتب الإلهية، والشرائع السماوية، وتلقته أممهم بالقبول، فكيف تنكرونه، وأنتم تصدقون بما ينقل إليكم عن فيلسوف، أو صاحب مبدأ أو فكرة، وإن لم يبلغ ما بلغه الخبر عن البعث، لا في وسيلة النقل، ولا في شهادة الواقع؟ !! ثانيا: أن أمر البعث قد شهد العقل بإمكانه، وذلك من وجوه: ١ - كل أحد لا ينكر أن يكون مخلوقا بعد العدم، وأنه حادث بعد أن لم يكن، فالذي خلقه وأحدثه بعد أن لم يكن، قادر على إعادته بالأولى، كما قال الله - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ . ٢ - كل أحد لا ينكر عظمة خلق السماوات والأرض لكبرهما، وبديع صنعتهما، فالذي خلقهم قادر على خلق الناس وإعادتهم بالأولى؛ قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ . وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وقال

стр. 314

تعالى-: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ٣ - كل ذي بصر يشاهد الأرض مجدبة ميتة النبات، فإذا نزل المطر عليها أخصبت، وحيي نباتها بعد الموت، والقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وبعثهم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ثالثا: أن أمر البعث قد شهد الحس والواقع بإمكانه، فيما أخبرنا الله تعالى به من وقائع إحياء الموتى، وقد ذكر الله - تعالى - من ذلك في سورة البقرة خمس حوادث، منها قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . رابعا: أن الحكمة تقتضي البعث بعد الموت؛ لتجازى كل نفس بما كسبت، ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثا لا قيمة له، ولا حكمة منه، ولم يكن بين الإنسان، وبين البهائم فرق في هذه الحياة. . قال الله - تعالى -:

стр. 315

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ، وقال الله - تعالى -: ( ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ، وقال- تعالى-: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، وقال - تعالى -: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . فإذا بينت هذه البراهين لمنكري البعث، وأصروا على إنكارهم، فهم مكابرون معاندون، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ . (١٥١) وسئل فضيلة الشيخ: هل عذاب القبر على البدن، أو على الروح ؟ . فأجاب بقوله: الأصل أنه على الروح؛ لأن الحكم بعد الموت للروح، والبدن جثة هامدة، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه، فلا يأكل ولا يشرب، بل تأكله الهوام، فالأصل أنه على الروح، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الروح قد تتصل بالبدن فيعذب أو ينعم معها، وأن لأهل السنة قولا آخر بأن العذاب، أو النعيم يكون للبدن دون الروح، واعتمدوا في

стр. 316

ذلك على أن هذا قد رئي حسّا في القبر، فقد فتحت بعض القبور ورئي أثر العذاب على الجسم، وفتحت بعض القبور ورئي أثر النعيم على الجسم. وقد حدثني بعض الناس أنهم في هذا البلد هنا في عنيزة كانوا يحفرون لسور البلد الخارجي، فمروا على قبر فانفتح اللحد فوجد فيه ميت أكلت كفنه الأرض، وبقي جسمه يابسا لكن لم تأكل منه شيئا حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لحيته، وفيها الحنا وفاح عليهم رائحة كأطيب ما يكون من المسك، فتوقفوا، وذهبوا إلى الشيخ وسألوه، فقال: دعوه على ما هو عليه واجنبوا عنه، احفروا من يمين أو من يسار. فبناء على ذلك قال العلماء: إن الروح قد تتصل في البدن، فيكون العذاب على هذا وهذا، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه» ، فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم؛ لأن الأضلاع في الجسم، والله أعلم. (١٥٢) وسئل فضيلة الشيخ: ما المراد بالقبر، هل هو مدفن الميت أو البرزخ ؟ . فأجاب: أصل القبر مدفن الميت، قال الله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ، قال ابن عباس: أي أكرمه بدفنه. وقد يراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة، وإن لم يدفن، كما قال - تعالى -: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . يعني من وراء الذين ماتوا؛ لأن أول الآية يدل

стр. 317

على هذا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . ولكن هل الداعي إذا دعا «أعوذ بالله من عذاب القبر» ، يريد عذاب مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟ . الجواب: يريد الثاني؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويدفن، أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق، ويكون رمادا ما يدري! ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ، فاستحضر أنك إذا قلت: من عذاب القبر، أي من العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة. (١٥٣) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر ثابت ؟ . فأجاب بقوله: عذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين هذه ثلاثة أدلة: أما صريح السنة، فقد قال النبي ﵊: «تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر» . وأما إجماع المسلمين، فلأن جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: " أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر"، حتى العامة الذين ليسوا من أهل الإجماع، ولا من العلماء.

стр. 318

وأما ظاهر القرآن، فمثل قوله- تعالى- في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، ولا شك أن عرضهم على النار ليس من أجل أن يتفرجوا عليها، بل من أجل أن يصيبهم من عذابها، وقال - تعالى -: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ . الله أكبر إنهم لشحيحون بأنفسهم ما يريدون أن تخرج ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . فقال: (اليوم) و" ال " هنا للعهد الحضوري، اليوم يعني: اليوم الحاضر، الذي هو يوم وفاتهم، ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . إذن فعذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين، وهذا الظاهر من القرآن يكاد يكون كالصريح؛ لأن الآيتين اللتين ذكرناهما كالصريح في ذلك. (١٥٤) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر يشمل المؤمن العاصي، أو هو خاص بالكفار ؟ . فأجاب فضيلته: عذاب القبر المستمر يكون للمنافق والكافر. وأما المؤمن العاصي فإنه قد يعذب في قبره؛ لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من»

стр. 319

«البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» . وهذا معروف أنهما كانا مسلمين. (١٥٥) وسئل الشيخ: إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع، أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر ؟ . فأجاب قائلا: نعم، ويكون العذاب على الروح؛ لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمرا غيبيا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب، ولو كان قد فني واحترق؛ لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا. (١٥٦) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجيب من ينكر عذاب القبر، ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجد لم يتغير، ولم يضق، ولم يتسع ؟ . فأجاب - حفظه الله - بقوله: يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها: أولا: أن عذاب القبر ثابت بالشرع، قال الله - تعالى - في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، وقوله ﷺ : «فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع، ثم أقبل بوجهه، فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر» . وقول النبي - صلى الله

стр. 320

عليه وسلم - في المؤمن: «يفسح له في قبره مد بصره» إلى غير ذلك من النصوص، فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول، بل الواجب التصديق والإذعان. ثانيا: أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمرا محسوسا على البدن، فلو كان أمرا محسوسا على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب، ولم يكن للإيمان به فائدة، لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا. ثالثا: أن العذاب، والنعيم، وسعة القبر، وضيقه، إنما يدركه الميت دون غيره، والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم، وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به. والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا. (١٥٧) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر دائم أو منقطع ؟ . فأجاب بقوله: أما إن كان الإنسان كافرا - والعياذ بالله - فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبدا، ويكون عذابه مستمرا. وأما إن كان عاصيا وهو مؤمن، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه، وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذٍ يكون منقطعا. (١٥٨) وسئل فضيلة الشيخ: هل يخفف عذاب القبر عن المؤمن العاصي ؟ .
следующие страницы →