← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ذلك على أن هذا قد رئي حسّا في القبر، فقد فتحت بعض القبور ورئي أثر العذاب على الجسم، وفتحت بعض القبور ورئي أثر النعيم على الجسم. وقد حدثني بعض الناس أنهم في هذا البلد هنا في عنيزة كانوا يحفرون لسور البلد الخارجي، فمروا على قبر فانفتح اللحد فوجد فيه ميت أكلت كفنه الأرض، وبقي جسمه يابسا لكن لم تأكل منه شيئا حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لحيته، وفيها الحنا وفاح عليهم رائحة كأطيب ما يكون من المسك، فتوقفوا، وذهبوا إلى الشيخ وسألوه، فقال: دعوه على ما هو عليه واجنبوا عنه، احفروا من يمين أو من يسار. فبناء على ذلك قال العلماء: إن الروح قد تتصل في البدن، فيكون العذاب على هذا وهذا، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه» ، فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم؛ لأن الأضلاع في الجسم، والله أعلم. (١٥٢) وسئل فضيلة الشيخ: ما المراد بالقبر، هل هو مدفن الميت أو البرزخ ؟ . فأجاب: أصل القبر مدفن الميت، قال الله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ، قال ابن عباس: أي أكرمه بدفنه. وقد يراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة، وإن لم يدفن، كما قال - تعالى -: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . يعني من وراء الذين ماتوا؛ لأن أول الآية يدل

стр. 317

على هذا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . ولكن هل الداعي إذا دعا «أعوذ بالله من عذاب القبر» ، يريد عذاب مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟ . الجواب: يريد الثاني؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويدفن، أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق، ويكون رمادا ما يدري! ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ، فاستحضر أنك إذا قلت: من عذاب القبر، أي من العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة. (١٥٣) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر ثابت ؟ . فأجاب بقوله: عذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين هذه ثلاثة أدلة: أما صريح السنة، فقد قال النبي ﵊: «تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر» . وأما إجماع المسلمين، فلأن جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: " أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر"، حتى العامة الذين ليسوا من أهل الإجماع، ولا من العلماء.

стр. 318

وأما ظاهر القرآن، فمثل قوله- تعالى- في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، ولا شك أن عرضهم على النار ليس من أجل أن يتفرجوا عليها، بل من أجل أن يصيبهم من عذابها، وقال - تعالى -: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ . الله أكبر إنهم لشحيحون بأنفسهم ما يريدون أن تخرج ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . فقال: (اليوم) و" ال " هنا للعهد الحضوري، اليوم يعني: اليوم الحاضر، الذي هو يوم وفاتهم، ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . إذن فعذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين، وهذا الظاهر من القرآن يكاد يكون كالصريح؛ لأن الآيتين اللتين ذكرناهما كالصريح في ذلك. (١٥٤) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر يشمل المؤمن العاصي، أو هو خاص بالكفار ؟ . فأجاب فضيلته: عذاب القبر المستمر يكون للمنافق والكافر. وأما المؤمن العاصي فإنه قد يعذب في قبره؛ لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من»

стр. 319

«البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» . وهذا معروف أنهما كانا مسلمين. (١٥٥) وسئل الشيخ: إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع، أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر ؟ . فأجاب قائلا: نعم، ويكون العذاب على الروح؛ لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمرا غيبيا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب، ولو كان قد فني واحترق؛ لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا. (١٥٦) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجيب من ينكر عذاب القبر، ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجد لم يتغير، ولم يضق، ولم يتسع ؟ . فأجاب - حفظه الله - بقوله: يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها: أولا: أن عذاب القبر ثابت بالشرع، قال الله - تعالى - في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، وقوله ﷺ : «فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع، ثم أقبل بوجهه، فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر» . وقول النبي - صلى الله

стр. 320

عليه وسلم - في المؤمن: «يفسح له في قبره مد بصره» إلى غير ذلك من النصوص، فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول، بل الواجب التصديق والإذعان. ثانيا: أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمرا محسوسا على البدن، فلو كان أمرا محسوسا على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب، ولم يكن للإيمان به فائدة، لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا. ثالثا: أن العذاب، والنعيم، وسعة القبر، وضيقه، إنما يدركه الميت دون غيره، والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم، وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به. والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا. (١٥٧) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر دائم أو منقطع ؟ . فأجاب بقوله: أما إن كان الإنسان كافرا - والعياذ بالله - فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبدا، ويكون عذابه مستمرا. وأما إن كان عاصيا وهو مؤمن، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه، وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذٍ يكون منقطعا. (١٥٨) وسئل فضيلة الشيخ: هل يخفف عذاب القبر عن المؤمن العاصي ؟ .

стр. 321

فأجاب قائلا: نعم، قد يخفف؛ لأن «النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير؛ أما أحدهما: فكان لا يستبرئ "، أو قال: " لا يستتر من البول، وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة "، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، وقال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» ، وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذبين؟ . ١ - قيل: لأنهما أي الجريدتين تسبحان ما لم تيبسا، والتسبيح يخفف من العذاب على الميت، وقد فرعوا على هذه العلة المستنبطة - التي قد تكون مستبعدة - أنه يسن للإنسان أن يذهب إلى القبور، ويسبح عندها من أجل أن يخفف عنها. ٢ - وقال بعض العلماء: هذا التعليل ضعيف؛ لأن الجريدتين تسبحان سواء كانتا رطبتين أم يابستين؛ لقوله تعالى- ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . وقد سمع تسبيح الحصى بين يدي الرسول ﷺ مع أن الحصى يابس، إذن ما العلة؟ . العلة: أن الرسول ﷺ ترجى من الله أن يخفف عنهما من العذاب ما دامت هاتان الجريدتان رطبتين؛ يعني أن المدة ليست طويلة، وذلك من أجل التحذير عن فعلهما؛ لأن فعلهما كبير، كما جاء في الرواية: " بلى إنه كبير "، أحدهما: لا يستبرئ من البول، وإذا لم يستبرئ من البول صلى بغير طهارة، والآخر: يمشي بالنميمة، يفسد بين عباد الله - والعياذ بالله - ويلقي بينهم العداوة، والبغضاء، فالأمر كبير، وهذا

стр. 322

هو الأقرب أنها شفاعة مؤقتة؛ تحذيرا للأمة لا بخلا من الرسول ﷺ بالشفاعة الدائمة. ونقول استطرادا: إن بعض العلماء - عفا الله عنهم - قالوا: يسن أن يضع الإنسان جريدة رطبة، أو شجرة، أو نحوها على القبر ليخفف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جدا، ولا يجوز أن نصنع ذلك لأمور: أولا: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي، ﷺ . ثانيا: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت؛ لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب، وما يدرينا فلعله ينعم، لعل هذا الميت ممن مَنَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته؛ لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة، فمات وقد عفا رب العباد عنه، وحينئذ لا يستحق عذابا. ثالثا: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله، فما فعل هذا أحد من الصحابة ﵃ فما بالنا نحن نفعله. رابعا: أن الله - تعالى - قد فتح لنا ما هو خير منه، «فكان النبي ﵊ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» . (١٥٩) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر من أمور الغيب، أو من أمور الشهادة ؟ . فأجاب قائلا: عذاب القبر من أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب ونحن لا نشعر به، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة، ونحن لا نشعر به، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب، فشأن

стр. 323

عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا الوحي الذي جاء به النبي ﵊ ما علمنا عنه شيئا، ولهذا لما دخلت امرأة يهودية إلى عائشة، وأخبرتها أن الميت يعذب في قبره فزعت، حتى جاء النبي ﷺ ، وأخبرته، وأقر ذلك ﵊، ولكن قد يطلع الله - تعالى - عليه من شاء من عباده، مثل ما أطلع نبيه ﷺ على الرجلين اللذين يعذبان؛ أحدهما: يمشي بالنميمة، والآخر: لا يستنزه من البول. والحكمة من جعله من أمور الغيب هي: أولا: أن الله أرحم الراحمين، فلو كنا نطلع على عذاب القبور لتنكد عيشنا؛ لأن الإنسان إذا أطلع على أن أباه، أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يعذب في القبر، ولا يستطيع فكاكه، فإنه يقلق ولا يستريح، وهذه من نعمة الله -سبحانه -. ثانيا: أنه فضيحة للميت، فلو كان هذا الميت قد ستر الله عليه، ولم نعلم عن ذنوبه بينه وبين ربه ثم مات، وأطلعنا الله على عذابه، صار في ذلك فضيحة عظيمة له ففي ستره رحمة من الله بالميت. ثالثا: أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت، كما جاء عن النبي ﵊ «لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر» . ففيه أن الدفن ربما يصعب، ويشق، ولا ينقاد الناس لذلك، وإن كان من يستحق عذاب القبر عذب، ولو على سطح الأرض، لكن قد يتوهم الناس أن العذاب لا يكون إلا في حال الدفن فلا يدفن بعضهم بعضا. رابعا: أنه لو كان ظاهرا لم يكن للإيمان به مزية؛ لأنه يكون مشاهدا

стр. 324

لا يمكن إنكاره، ثم إنه قد يحمل الناس على أن يؤمنوا كلهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ، فإذا رأى الناس هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون آمنوا، وما كفر أحد؛ لأنه أيقن بالعذاب، ورآه رأي العين، فكأنه نزل به، وحكم الله عظيمة، والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزم بخبر الله أكثر مما يجزم بما شاهده بعينه؛ لأن خبر الله لا يتطرق إليه احتمال الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينيك يمكن أن تتوهم فيه، فكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال، وإذا هي نجمة، وكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه وهذا وهم، وكم من إنسان يرى شبحا، ويقول: هذا إنسان مقبل، وإذا هو جذع نخلة، وكم من إنسان يرى الساكن متحركا والمتحرك ساكنا، لكن خبر الله لا يتطرق إليه الاحتمال أبدا. نسأل الله لنا ولكم الثبات، فخبر الله بهذه الأمور أقوى من المشاهدة، مع ما في الستر من المصالح العظيمة للخلق. (١٦٠) وسئل فضيلته: هل سؤال الميت في قبره حقيقي، وأنه يجلس في قبره ويناقش ؟ . فأجاب فضيلته بقوله: سؤال الميت في قبره حقيقي بلا شك، والإنسان في قبره يجلس، ويناقش ويسأل. فإن قال قائل: إن القبر ضيق فكيف يجلس؟ ! فالجواب: أولا: أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدق،

стр. 325

ولا يسأل كيف؟ ولم؟ ؛ لأنه لا يسأل عن كيف ولم إلا من شك، وأما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله ورسوله فيسلم، ويقول: الله أعلم في كيفية ذلك. ثانيا: أن تعلق الروح بالبدن في الموت ليس كتعلقها به في حال الحياة، فللروح مع البدن شئون عظيمة لا يدركها الإنسان، وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها به في حال الحياة، وها هو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب، وجاء، وسافر، وكلم أناسا، والتقى بأناس؛ أحياء وأموات، ويرى أن له بستانا جميلا، أو دارا موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة، ويرى مرة أنه راكب على سيارة مقلقة كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه ما تغير، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير، ومع ذلك فإننا نحس بهذا إحساسا ظاهرا؛ فتعلق الروح بالبدن بعد الموت يخالف تعلقها به في اليقظة، أو في المنام، ولها شأن آخر لا ندركه نحن، فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره، ويسأل، ولو كان القبر محدودا ضيقا. هكذا صح عن النبي ﷺ فمنه البلاغ، وعلينا التصديق والإذعان، قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . (١٦١) سئل فضيلة الشيخ: كيف تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق مقدار ميل، ولا تحرقهم، وهي لو دنت عما هي عليه الآن بمقدار شبر واحد لاحترقت الأرض ؟ .

стр. 326

فأجاب بقوله: إن وظيفة المؤمن - وهذه قاعدة يجب أن تبنى عليها عقيدتنا - فيما ورد من أخبار الغيب القبول والتسليم، وأن لا يسأل عن كيف؟ ولم؟ ؛ لأن هذا أمر فوق ما تتصوره أنت، فالواجب عليك أن تقبل وتسلم وتقول: آمنا وصدقنا، آمنا بأن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل، وما زاد على ذلك من الإيرادات فهو من البدع، ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ عن استواء الله كيف استوى؟ قال: " السؤال عنه بدعة ". هكذا أيضا كل أمور الغيب السؤال عنها بدعة، وموقف الإنسان منها القبول والتسليم. جواب الشق الثاني: بالنسبة لدنو الشمس من الخلائق يوم القيامة فإننا نقول: إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي عليها في الدنيا من النقص، وعدم التحمل، بل هي تبعث بعثا كاملا تاما، ولهذا يقف الناس يوم القيامة يوما مقداره خمسون ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون، وهذا أمر لا يحتمل في الدنيا، فتدنو الشمس منهم وأجسامهم قد أعطيت من القوة ما يتحمل دنوها، ومن ذلك ما ذكرناه من الوقوف خمسين ألف سنة، لا يحتاجون إلى طعام، ولا شراب، فالأجسام يوم القيامة لها شأن آخر غير شأنها في هذه الدنيا. (١٦٢) سئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى السابقة رقم "١٦١": إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي هي عليها في الدنيا، والله يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾

стр. 327

، فنأمل من فضيلتكم توضيح ذلك؟ . فأجاب فضيلته: هذا لا يشكل على ما قلنا؛ لأن المراد بقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ من حيث الخلق، فهو كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ، فالمعنى: أنه كما بدأ خلقكم، وقدر عليه فإنكم تعودون كذلك بقدرة الله . (١٦٣) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول النبي ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» . رواه البخاري من حديث عائشة، ومناقشة المؤمن في قوله ﷺ : «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته» . الحديث رواه البخاري ؟ . فأجاب - رعاه الله وحفظه - بقوله: ليس في هذا إشكال؛ لأن المناقشة معناها: أن يحاسب، فيطالب بهذه النعم التي أعطاه الله إياها؛ لأن الحساب الذي فيه المناقشة معناه: أنك كما تأخذ تعطي، ولكن حساب الله لعبده المؤمن يوم القيامة ليس على هذا الوجه، بل إنه مجرد فضل من الله - تعالى - إذا قرره بذنوبه، وأقر واعترف قال: "سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك

стр. 328

اليوم "، وكلمة نوقش تدل على هذا؛ لأن المناقشة الأخذ والرد في الشيء، والبحث على دقيقه وجليله، وهذا لا يكون بالنسبة لله مع عبده المؤمن، بل إن الله - تعالى - يجعل الحساب للمؤمنين مبنيا على الفضل والإحسان، لا على المناقشة والأخذ بالعدل. (١٦٤) وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته -: كيف يحاسب الكافر يوم القيامة، وهو غير مطالب بالتكاليف الشرعية ؟ . فأجاب بقوله: هذا السؤال مبني على فهم ليس بصحيح، فإن الكافر مطالب بما يطالب به المؤمن، لكنه غير ملزم به في الدنيا، ويدل على أنه مطالب قوله - تعالى -: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ . فلولا أنهم عوقبوا بترك الصلاة، وترك إطعام المساكين ما ذكروه؛ لأن ذكره في هذه الحال لا فائدة منه، وذلك دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام، وكما أن هذا هو مقتضى الأثر، فهو أيضا مقتضى النظر، فإذا كان الله تعالى يعاقب عبده المؤمن على ما أخل به من واجب في دينه فكيف لا يعاقب الكافر؟ ، بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

стр. 329

، فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه، ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه، وكذلك قوله- تعالى-: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، فإن قوله: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . دليل على أن غير المؤمن ليس له حق في أن يستمتع بها في الدنيا. أقول: ليس له حق شرعي، أما الحق بالنظر إلى الأمر الكوني وهو أن الله خلقها، وانتفع بها هذا الكافر، فهذا أمر لا يمكن إنكاره، فهذا دليل على أن الكافر يحاسب حتى على ما أكل من المباحات وما لبس، وكما أن هذا مقتضى الأثر فإنه مقتضى النظر، إذ كيف يحق لهذا الكافر العاصي لله الذي لا يؤمن به كيف يحق له عقلا أن يستمتع بما خلقه الله وما أنعم الله به على عباده، وإذ تبين لك هذا، فإن الكافر يحاسب يوم القيامة على عمله، ولكن حساب الكافر يوم القيامة ليس كحساب المؤمن؛ لأن المؤمن يحاسب حسابا يسيرا، يخلو به الرب ويقرره بذنوبه حتى يعترف، ثم يقول له : «قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» . أما الكافر - والعياذ بالله - فإن حسابه أن يقرر بذنوبه، ويخزى بها على رءوس الأشهاد: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .

стр. 330

(١٦٥) سئل فضيلة الشيخ: هل يوم الحساب يوم واحد ؟ . فأجاب قائلا: يوم الحساب يوم واحد، ولكنه يوم مقداره خمسون ألف سنة، كما قال الله - تعالى-: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي أن هذا العذاب يقع للكافرين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد» . وهذا اليوم الطويل هو يوم عسير على الكافرين، كما قال- تعالى -: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ، وقال - تعالى-: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ، ومفهوم هاتين الآيتين: أنه على المؤمن يسير وهو كذلك، فهذا اليوم الطويل بما فيه من الأهوال، والأشياء العظيمة ييسره الله - تعالى - على المؤمن، ويكون عسيرا على الكافر. وأسأل الله - تعالى - أن يجعلني وإخواني المسلمين ممن يسره الله عليهم يوم القيامة. والتفكير والتعمق في مثل هذه الأمور الغيبية هو من التنطع، الذي قال النبي ﷺ فيه: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون» . ووظيفة الإنسان في هذه الأمور الغيبية

стр. 331

التسليم، وأخذ الأمور على ظاهر معناها، دون أن يتعمق، أو يحاول القياس بينها وبين الأمور في الدنيا؛ فإن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا، وإن كانت تشبهها في أصل المعنى، وتشاركها في ذلك، لكن بينهما فرق عظيم، وأضرب لك مثلا، بما ذكره الله في الجنة من النخل، والرمان، والفاكهة، ولحم الطير، والعسل والماء، واللبن، والخمر، وما أشبه ذلك مع قوله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وقوله في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» ، فهذه الأسماء التي لها مسميات بها في هذه الدنيا لا تعني أن المسمى كالمسمى، وإن اشتركا في الاسم وفي أصل المعنى، فكل الأمور الغيبية التي تشارك ما يشاهد في الدنيا في أصل المعنى لا تكون مماثلة له في الحقيقة، فينبغي للإنسان أن ينتبه لهذه القاعدة، وأن يأخذ أمور الغيب بالتسليم على ما يقتضيه ظاهرها من المعنى، وألا يحاول شيئا وراء ذلك. ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ عن قول الله تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء - أي العرق -وصار يتصبب عرقا، وذلك لعظم السؤال في نفسه، ثم رفع رأسه وقال قولته الشهيرة، التي كانت ميزانا لجميع ما وصف الله به نفسه ﵀: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " اهـ. فالسؤال المتعمق في مثل هذه الأمور بدعة؛ لأن الصحابة - رضي الله

стр. 332

عنهم - وهم أشد منا حرصا على العلم، وعلى الخير لم يسألوا النبي ﷺ مثل هذه الأسئلة، وكفى بهم قدوة، وما قلته الآن بالنسبة لليوم الآخر يجرى بالنسبة لصفات الله التي وصف بها نفسه من العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام وغير ذلك، فإن مسميات هذه الألفاظ بالنسبة إلى الله لا يماثلها شيء مما يشاركها في هذا الاسم بالنسبة للإنسان، فكل صفة فإنها تابعة لموصوفها، فكما أن الله لا مثيل له في ذاته فلا مثيل له في صفاته. وخلاصة الجواب: أن اليوم الآخر يوم واحد، وأنه عسير على الكافرين، ويسير على المؤمنين، وأن ما ورد فيه من أنواع الثواب والعقاب أمر لا يدرك كنهه في هذه الحياة الدنيا، وإن كان أصل المعنى فيه معلوما لنا في هذه الحياة الدنيا. (١٦٦) سئل الشيخ: كيف نجمع بين قول الله - تعالى-: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ ؟ . فأجاب قائلا: الجمع بينهما أن يقال: يأخذه بشماله، لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره، والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره، أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاء وفاقا.

стр. 333

(١٦٧) وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيرا -: كيف نجمع بين القول القاضي بأن الذي يوزن يوم القيامة هو العمل، وقول النبي ﷺ ، عندما انكشفت ساق عبد الله بن مسعود ﵁: «والله إنها لأثقل في الميزان من جبل أحد» ؟ . فأجاب قائلا: الجواب على هذا أن يقال: إما أن يكون هذا خاصا بعبد الله بن مسعود ﵁، أو يقال: إن بعض الناس يوزن عمله، وبعض الناس يوزن بدنه، أو يقال: إن الإنسان إذا وزن فإنما يثقل، ويرجح بحسب عمله، والله أعلم. (١٦٨) سئل الشيخ: هل الميزان واحد أو متعدد ؟ . فأجاب بقوله: اختلف العلماء في الميزان، هل هو واحد، أو متعدد على قولين؛ وذلك لأن النصوص جاءت بالنسبة للميزان مرة بالإفراد، ومرة بالجمع، مثال الجمع قوله - تعالى -: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ، وكذلك في قوله: ﴿مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، ومثال الإفراد قوله ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» . فقال بعض العلماء: إن الميزان واحد، وإنه جمع باعتبار الموزون، أو باعتبار الأمم، فهذا الميزان توزن به أعمال أمة محمد، وأعمال أمة موسى، وأعمال أمة عيسى، وهكذا، فجمع الميزان باعتبار تعدد الأمم.

стр. 334

والذين قالوا: إنه متعدد بذاته قالوا: لأن هذا هو الأصل في التعدد، ومن الجائز أن الله -تعالى- يجعل لكل أمة ميزانا، أو يجعل للفرائض ميزانا، وللنوافل ميزانا. والذي يظهر - والله أعلم - أن الميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون. (١٦٩) سئل فضيلة الشيخ: كيف توزن الأعمال، وهي أوصاف للعاملين ؟ . فأجاب بقوله: القاعدة في ذلك، كما أسلفنا: أن علينا أن نسلم ونقبل، ولا حاجة لأن نقول: كيف؟ ولم؟ ومع ذلك فإن العلماء ﵏ قالوا في جواب هذا السؤال: إن الأعمال تقلب أعيانا، فيكون لها جسم يوضع في الكفة فيرجح أو يخف، وضربوا لذلك مثلا، بما صح به الحديث عن النبي ﷺ : «أن الموت يجعل يوم القيامة على صورة كبش، فينادى أهل الجنة، يا أهل الجنة، فيطلعون ويشرئبون. وينادى يا أهل النار فيطلعون ويشرئبون ما الذي حدث؟ فيؤتي بالموت على صورة كبش، فيقال: هل تعرفون هذا، فيقولون: نعم، هذا الموت فيذبح الموت بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» . ونحن نعلم جميعا أن الموت صفة، ولكن الله - تعالى - يجعله عينا قائما بنفسه، وهكذا الأعمال تجعل أعيانا فتوزن، والله أعلم. (١٧٠) سئل فضيلة الشيخ: عن الشفاعة؟ وأقسامها ؟ . فأجاب: الشفاعة: مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، وهو جعل

стр. 335

الوتر شفعا، مثل أن تجعل الواحد اثنين، والثلاثة أربعة، وهكذا هذا من حيث اللغة. أما في الاصطلاح: فهي " التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة "؛ يعني أن يكون الشافع بين المشفوع إليه، والمشفوع له واسطة لجلب منفعة إلى المشفوع له، أو يدفع عنه مضرة. والشفاعة نوعان: النوع الأول: شفاعة ثابتة صحيحة، وهي التي أثبتها الله - تعالى - في كتابه، أو أثبتها رسوله ﷺ ، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص؛ لأن «أبا هريرة ﵁ قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» . وهذه الشفاعة لها شروط ثلاثة: الشرط الأول: رضا الله عن الشافع. الشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له. الشرط الثالث: إذن الله- تعالى - للشافع أن يشفع. وهذه الشروط مجملة في قوله تعالى-: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ، ومفصلة في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ .

стр. 336

وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ، فلا بد من هذه الشروط الثلاثة حتى تتحقق الشفاعة. ثم إن الشفاعة الثابتة ذكر العلماء - رحمهم الله تعالى - أنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الشفاعة العامة، ومعنى العموم: أن الله يأذن لمن شاء من عباده الصالحين أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم، وهذه الشفاعة ثابتة للنبي ﷺ ولغيره من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وهي أن يشفع في أهل النار من عصاة المؤمنين أن يخرجوا من النار. القسم الثاني: الشفاعة الخاصة: التي تختص بالنبي ﷺ ، وأعظمها الشفاعة العظمى التي تكون يوم القيامة، حين يلحق الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله أن يريحهم من هذا الموقف العظيم، فيذهبون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى وكلهم لا يشفع حتى تنتهي إلى النبي ﷺ فيقوم ويشفع عند الله أن يخلص عباده من هذا الموقف العظيم، فيجيب الله - تعالى - دعاءه، ويقبل شفاعته، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله - تعالى - به في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ . ومن الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ ، شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فإن أهل الجنة إذا عبروا الصراط أوقفوا على

стр. 337

قنطرة بين الجنة والنار، فتمحص قلوب بعضهم من بعض حتى يهذبوا وينقوا، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة، فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي ﷺ . النوع الثاني: الشفاعة الباطلة التي لا تنفع أصحابها، وهي ما يدعيه المشركون من شفاعة آلهتهم لهم عند الله ، فإن هذه الشفاعة لا تنفعهم، كما قال الله - تعالى -: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ، وذلك؛ لأن الله - تعالى - لا يرضى لهؤلاء المشركين شركهم، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم؛ لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله ، والله لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، فتعلق المشركين بآلهتهم يعبدونها، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . تعلق باطل غير نافع، بل هذا لا يزيدهم من الله - تعالى- إلا بعدا، على أن المشركين يرجون شفاعة أصنامهم بوسيلة باطلة، وهي عبادة هذه الأصنام، وهذا من سفههم أن يحاولوا التقرب إلى الله - تعالى - بما لا يزيدهم منه إلا بعدا. (١٧١) وسئل - حفظه الله - عن: قول النبي، ﷺ : «يقول الله - تعالى-: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط» . رواه مسلم، ما معنى قوله: " لم يعملوا خيرا قط "؟ .

стр. 338

فأجاب فضيلته بقوله: معنى قوله: " لم يعملوا خيرا قط " أنهم ما عملوا أعمالا صالحة، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل؛ آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل، وحينئذ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا خيرا قط. وإما أن يكون هذا الحديث مقيدا بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر، كالصلاة مثلا؛ فإن من لم يصل فهو كافر، ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، وهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين - والعياذ بالله -. فالمهم أن هذا الحديث إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل، فماتوا فور إيمانهم، فما عملوا خيرا قط. وإما أن يكون هذا عاما، ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية، على أنه لا بد أن يعمل كالصلاة، فمن لم يصل فهو كافر لا تنفعه الشفاعة، ولا يخرج من النار. (١٧٢) سئل فضيلة الشيخ: عن مصير أهل الفترة ؟ . فأجاب بقوله: الصحيح أن أهل الفترة قسمان: القسم الأول: من قامت عليه الحجة، وعرف الحق، لكنه اتبع ما وجد عليه آباءه، وهذا لا عذر له فيكون من أهل النار. القسم الثاني: من لم تقم عليه الحجة، فإن أمره لله ، ولا نعلم عن مصيره، وهذا ما لم ينص الشارع عليه. أما من ثبت أنه في النار بمقتضى دليل صحيح فهو في النار.

стр. 339

(١٧٣) وسئل: عن مصير أطفال المؤمنين، وأطفال المشركين الذين ماتوا صغارا ؟ فأجاب فضيلته قائلا: مصير أطفال المؤمنين الجنة؛ لأنهم تبع لآبائهم قال - تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ . وأما أطفال غير المؤمنين؛ يعني الطفل الذي نشأ من أبوين غير مسلمين، فأصح الأقوال فيهم أن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، فهم في أحكام الدنيا بمنزلة آبائهم، أما في أحكام الآخرة، فإن الله - تعالى - أعلم بما كانوا عاملين، كما قال النبي ﷺ والله أعلم بمصيرهم هذا ما نقوله، وهو في الحقيقة أمر لا يعنينا كثيرا، إنما الذي يعنينا هو حكمهم في الدنيا، وأحكامهم في الدنيا - أعني أولاد المشركين - أحكامهم في الدنيا أنهم كالمشركين لا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين. والله أعلم. (١٧٤) وسئل فضيلته: إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فأين تكون النار في هذا الكون الذي ليس فيه إلا السماوات والأرض ؟ . فقال حفظه الله - تعالى -: قبل الجواب على هذا يجب أن نقدم مقدمة، وهي أن ما جاء في كتاب الله، وما صح عن رسوله ﷺ فإنه حق، ولا يمكن أن يخالف الأمر الواقع، فإن الأمر الواقع المحسوس لا يمكن إنكاره، وما دل عليه الكتاب والسنة فإنه حق لا يمكن إنكاره، ولا

стр. 340

يمكن تعارض حقين على وجه لا يمكن الجمع بينهما، وقد ثبت في القرآن أن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، قال الله - تعالى -: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ . وفي الآية الأخرى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ، وهذا حق بلا ريب. وفي مسند الإمام أحمد: «أن هرقل كتب للنبي ﷺ فقال: إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض فأين تكون النار؟ . فقال النبي ﷺ : " إذا جاء الليل فأين يكون النهار» ؟ فإن صح هذا الحديث، فوجهه أن السماوات والأرض في مكانهما والجنة في مكانها في أعلى عليين، كما أن النهار في مكان والليل في مكان، وإن لم يصح الحديث، فإن في كون الجنة عرضها السماوات والأرض لا يعني أنها قد ملأتهما، ولكن يعني: أن الجنة عظيمة السعة، عرضها كعرض السماوات والأرض. ثم إن قول السائل: " إن هذا الكون ليس فيه إلا السماوات والأرض" ليس بصحيح، فهذا الكون فيه السماوات والأرض،، وفيه الكرسي والعرش، وقد كان النبي ﷺ ، يقول بعد رفعه من ركوعه: «ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد» ، فهناك عالم غير السماوات والأرض لا يعلمه إلا الله، كذلك نحن نعلم منه ما علمنا الله- تعالى - مثل العرش والكرسي، والعرش هو أعلى المخلوقات والله قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته.

стр. 341

(١٧٥) وسئل: ما الجنة التي أسكنها الله آدم وزوجه ؟ . فأجاب بقوله: الصواب أن الجنة التي أسكنها الله- تعالى - آدم وزوجه هي الجنة التي وعد المتقون؛ لأن الله - تعالى - يقول لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ، والجنة عند الإطلاق هي جنة الخلد التي في السماء، ولهذا ثبت في الحديث عن النبي - «أن آدم، وموسى تحاجا، فقال له موسى:" لم أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ "» . والله أعلم. (١٧٦) وسئل فضيلة الشيخ: ذكر للرجال الحور العين في الجنة فما للنساء ؟ . فأجاب بقوله: يقول الله ﵎ في نعيم أهل الجنة: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ، ويقول - تعالى -: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ومن المعلوم أن الزواج من أبلغ ما تشتهيه النفوس، فهو حاصل في الجنة لأهل الجنة ذكورا كانوا أم إناثا، فالمرأة يزوجها الله ﵎ في الجنة بزوجها الذي كان زوجا لها في الدنيا، كما قال الله ﵎: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

стр. 342

(١٧٧) وسئل - رعاه الله بمنه وكرمه -: إذا كانت المرأة من أهل الجنة، ولم تتزوج في الدنيا، أو تزوجت ولم يدخل زوجها الجنة فمن يكون لها ؟ . فأجاب قائلا: الجواب يؤخذ من عموم قوله - تعالى -: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ، ومن قوله - تعالى -: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ، فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة، ولم تتزوج، أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال وهم -أعني من لم يتزوجوا من الرجال- لهم زوجات من الحور، ولهم زوجات من أهل الدنيا إذا شاءوا، واشتهت ذلك أنفسهم. وكذلك نقول بالنسبة للمرأة إذا لم تكن ذات زوج، أو كانت ذات زوج في الدنيا، ولكنه لم يدخل معها الجنة: إنها إذا اشتهت أن تتزوج فلا بد أن يكون لها ما تشتهيه لعموم هذه الآيات. ولا يحضرني الآن نص خاص في هذه المسألة، والعلم عند الله -- تعالى -.

стр. 343

(١٧٨) وسئل فضيلته: إذا كانت المرأة لها زوجان في الدنيا فمع من تكون منهما ؟ . ولماذا ذكر الله الزوجات للرجال، ولم يذكر الأزواج للنساء؟ . فأجاب بقوله: إذا كانت المرأة لها زوجان في الدنيا فإنها تخير بينهما يوم القيامة في الجنة، وإذا لم تتزوج في الدنيا فإن الله - تعالى - يزوجها ما تقر به عينها في الجنة، فالنعيم في الجنة ليس مقصورا على الذكور، وإنما هو للذكور والإناث، ومن جملة النعيم الزواج. وقول السائل: " إن الله - تعالى - ذكر الحور العين، وهن زوجات، ولم يذكر للنساء أزواجا ". فنقول: إنما ذكر الزوجات للأزواج؛ لأن الزوج هو الطالب، وهو الراغب في المرأة؛ فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة، وسكت عن الأزواج للنساء، ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج، بل لهن أزواج من بني آدم. (١٧٩) وسئل فضيلة الشيخ: كيف رأى النبي ﷺ أحوال أهل الجنة، وأحوال أهل النار ليلة الإسراء والمعراج، مع أن الساعة لم تقم بعد ؟ . فأجاب بقوله: إن النبي ﷺ أخبرنا بذلك وأنه رأى الجنة والنار، ورأى أقواما يعذبون وأقواما ينعمون، والله أعلم بكيفية ذلك؛ لأن أمور الغيب لا يدركها الحس، فمثل هذه الأمور إذا جاءت يجب علينا أن نؤمن بها كما جاءت، وأن لا نتعرض لطلب الكيفية. ولم؟ ؛ لأن عقولنا أقصر وأدنى من أن تدرك هذا الأمر، فقد أخبر النبي، - صلى الله عليه

стр. 344

وسلم - عن أمور لا يمكن إدراكها بالعقل، أخبر ﷺ : بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة، ومعلوم الآن أن ثلث الليل يدور على الكرة الأرضية، فإذا انتقل من جهة حل في جهة أخرى، فقد تقول: كيف ذلك؟ فنقول: عليك أن تؤمن بما أخبرك به النبي ﷺ ولا تقل: كيف؟ ؛ لأن عقلك أدنى، وأقصر من أن يحيط بمثل هذه الأمور الغيبية، فعلينا أن نستسلم، ولا نقول: كيف؟ ولم؟ ، ولهذا قال بعض العلماء كلمة نافعة قال: " قل: بم أمر الله؟ ولا تقل: لم أمر الله؟ " والله ولي التوفيق. (١٨٠) سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته-: هل الجنة والنار موجودتان الآن ؟ . فأجاب بقوله: نعم، الجنة والنار موجودتان الآن، ودليل ذلك من الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقال الله - تعالى - في النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ، والإعداد بمعنى التهيئة، وفي الجنة قال الله - تعالى -: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، والإعداد أيضا التهيئة. وأما السنة: فقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما في قصة كسوف الشمس، أن النبي ﷺ ، قام يصلي، فعرضت عليه الجنة والنار، وشاهد الجنة حتى هم أن يتناول منها عنقودا، ثم بدا له أن

стр. 345

لا يفعل ﵊، وشاهد النار، ورأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي، يجر قصبه في النار - والعياذ بالله - يعني أمعاءه قد اندلقت من بطنه فهو يجرها في النار؛ لأن الرجل أول من أدخل الشرك على العرب، فكان له كفل من العذاب الذي يصيب من بعده، ورأى امرأة تعذب في النار في هرة حبستها حتى ماتت؛ فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، فدل ذلك على أن الجنة والنار موجودتان الآن. (١٨١) وسئل فضيلته: هل النار مؤبدة أو تفنى ؟ . فأجاب بقوله: المتعين قطعا أنها مؤبدة، ولا يكاد يعرف عند السلف سوى هذا القول، ولهذا جعله العلماء من عقائدهم، بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبدة أبد الآبدين، وهذا الأمر لا شك فيه؛ لأن الله - تعالى - ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: الأول: في سورة النساء في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . والثاني: في سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . والثالث: في سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ .

стр. 346

ولو ذكر الله التأبيد في موضع واحد لكفى، فكيف وهو قد ذكره في ثلاثة مواضع؟ ! ومن العجب أن فئة قليلة من العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناء على علل عليلة؛ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسنة، وحرفوا من أجلها الكتاب والسنة، فقالوا: إن " خالدين فيها أبدا " ما دامت موجودة فكيف هذا؟ !!! إذا كانوا خالدين فيها أبدا، لزم أن تكون هي مؤبدة " فيها " هم كائنون فيها، وإذا كان الإنسان خالدا مؤبدا تخليده، لزم أن يكون مكان الخلود مؤبدا؛ لأنه لو فني مكان الخلود ما صح تأبيد الخلود، والآية واضحة جدا، والتعليلات الباردة المخالفة للنص مردودة على صاحبها، وهذا الخلاف الذي ذكر عن فئة قليلة من أهل العلم خلاف مطرح؛ لأنه مخالف للنص الصريح الذي يجب على كل مؤمن أن يعتقده، ومن خالفه لشبهة قامت عنده، فيعذر عند الله، لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة عرف أن القول بتأبيدها هو الحق، الذي لا يحق العدول عنه. والحكمة تقتضي ذلك؛ لأن هذا الكافر أفنى عمره، كل عمره في محاربة الله ومعصية الله، والكفر به، وتكذيب رسله مع أنه جاءه النذير وأعذر وبين له الحق، ودعي إليه، وقوتل عليه، وأصر على الكفر والباطل فكيف نقول: إن هذا لا يؤبد عذابه؟ ! والآيات في هذا صريحة كما تقدم. (١٨٢) وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك ناران؛ نار لأهل الكفر، ونار لأهل المعاصي الذين يعذبون فيها، ثم يخرجون ؟ فأجاب بقوله: زعم بعض العلماء ذلك، وقال: إن النار ناران: نار لأهل الكفر، ونار لأهل المعاصي من المؤمنين، وبينهما فرق، ولكن هذا لا

стр. 347

أعلم له دليلا، لكن عذابهما يختلف، لا شك أنها على عصاة المؤمنين ليست، كما هي على الكافرين، وكوننا نقول بالتقسيم بناء على استبعاد عقولنا أن تكون نار واحدة، تؤثر تأثيرين مختلفين لا ينبغي؛ لأن هذا الاستبعاد لا وجه له لأمرين: الأمر الأول: أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قادر على أن يجعل النار الواحدة لشخص سلاما، ولآخر عذابا. الأمر الثاني: أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا أبدا لظهور الفرق العظيم بينهما، فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا لتنفي ما لا يتسع له عقلك، بل عليك بالنسبة لأحوال الآخرة أن تسلم، وتقبل، وتصدق، أليست هذه الشمس ستدنو من الخلائق قدر ميل يوم القيامة؟ ولو كانت أحوال الناس يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتهم؛ لأن هذه الشمس في أوجها لو أنها نزلت ولو يسيرا أحرقت الأرض، ومحتها عن آخرها، ونحن نحس بحرارتها الآن، وبيننا وبينها مسافات عظيمة، لا سيما في أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو من الخلائق يوم القيامة على قدر ميل، ولا يحترقون بها. كذلك أيضا في يوم القيامة الناس في مقام واحد، المؤمنون لهم نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، والكفار في ظلمة، لكن في الدنيا لو كان بجانبك واحد على يمينه نور، وبن يديه نور فإنك تنتفع به، أما في الآخرة فلا. وفي الآخرة أيضا يعرق الناس فيختلف العرق اختلافا عظيما بينهم، وهم في مكان واحد، فمن الناس من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق، وهم في مكان واحد. فالمهم: أنه لا يجوز أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا، ثم نذهب،

стр. 348

ونحدث أشياء لم تأت في الكتاب والسنة، كتقسيم النار إلى نارين: نار للعصاة، ونار للكافرين، فالذي بلغنا، ووصل إليه علمنا: أنها نار واحدة، لكنها تختلف. (١٨٣) سئل فضيلة الشيخ: هل نار جهنم لها اسم واحد، أو أسماء متعددة ؟ . فأجاب قائلا: نار جهنم لها أسماء متعددة، وهذا التعدد في الأسماء لاختلاف صفاتها، فتسمى الجحيم، وتسمى جهنم، ولظى، والسعير، وسقر، والحطمة، والهاوية، بحسب اختلاف الصفات والمسمى واحد، فكل ما صح في كتاب الله أو سنة الرسول ﷺ من أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدق به ويثبته. (١٨٤) وسئل فضيلة الشيخ: إذا استعاذ الإنسان من عذاب جهنم، فهل المراد أنه يعوذ بالله من المعاصي المؤدية إلى جهنم، أو يتعوذ بالله من جهنم ؟ . فأجاب بقوله: يشمل الأمرين فهو يستعيذ بالله من عذاب جهنم، أي من فعل الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم، ومن عذاب جهنم، أي من عقوبة جهنم إذا فعل الأسباب التي توجب ذلك؛ لأن الإنسان بين أمرين: إما عصمة من الذنوب، فهذه إعاذة من فعل السبب، وإما عفو عن الذنوب، وهذه إعاذة من العذاب، وقولنا: العصمة من الذنوب ليس معناه العصمة المطلقة؛ لأن النبي ﷺ ، قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» . وقال: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» .

стр. 349

(١٨٥) وسئل فضيلة الشيخ: هل عذاب النار حقيقي، أو أن أهلها يكونون فيها كأنهم حجارة لا يتألمون ؟ فأجاب فضيلته: عذاب أهل النار حقيقي بلا ريب، ومن قال خلاف ذلك فقد أخطأ، وأبعد النجعة، فأهلها يعذبون فيها، ويألمون ألما عظيما شديدا، كما قال - تعالى - في عدة آيات: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ حتى إنهم يتمنون الموت، والذي يتمنى الموت هل يقال: إنه يتألم، أو إنه تأقلم؟ ! لو تأقلم ما تألم، ولا دعا الله أن يقضي عليه ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ . إذن هم يتألمون بلا شك، والحرارة النارية تؤثر على أبدانهم ظاهرها وباطنها، قال الله - تعالى - في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . وهذا واضح أن ظاهر أبدانهم يتألم وينضج، وقال - تعالى -: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ . وشيُّ الوجوه، واللحم معروف فهم إذا استغاثوا ( ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ بعد مدة طويلة، وهذا الماء إذا أقبل على وجوههم شواها، وتساقطت والعياذ بالله، فإذا شربوه قطع أمعاءهم ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ . وهذا عذاب الباطن، وقال النبي ﷺ في أهون أهل النار عذابا: «إنه في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه» . أعوذ بالله الدماغ يغلي!

стр. 350

فما بالك بما دونه مما هو أقرب إلى النعلين! وهذا دليل واضح على أنهم يتألمون، وأن هذه النار تؤثر فيهم، وكذلك قال - تعالى -: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي المحرق، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة واضحة، تدل على بطلان قول: من قال " إنهم يكونون كالحجارة لا يتألمون". (١٨٦) وسئل فضيلة الشيخ: هل النار في السماء أو في الأرض ؟ فأجاب قائلا: هي في الأرض، ولكن قال بعض أهل العلم: إنها هي البحار، وقال آخرون: هي في باطن الأرض، والذي يظهر أنها في باطن الأرض، ولكن ما ندري أين هي من الأرض؟ نؤمن بأنها في الأرض، وليست في السماء، ولكن لا نعلم في أي مكان هي على وجه التعيين. والدليل على أن النار في الأرض ما يلي: قال الله - تعالى -: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ . وسجين هي الأرض السفلى، كذلك جاء في الحديث فيمن احتضر، وقبض من الكافرين فإنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ويقول الله - تعالى -: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين، وأعيدوه إلى الأرض» ولو كانت النار في السماء لكانت تفتح لهم أبواب السماء ليدخلوها؛ لأن النبي ﷺ رأى أصحابها يعذبون فيها، وإذا كانت في السماء لزم من دخولهم في النار التي في السماء أن تفتح أبواب السماء. لكن بعض الناس استشكل، وقال: كيف يراها الرسول - صلى الله

стр. 351

عليه وسلم - ليلة عرج به وهي في الأرض؟ ! وأنا أعجب لهذا الاستشكال، إذا كنا ونحن في الطائرة نرى الأرض تحتنا بعيدة، وندركها، فكيف لا يرى النبي ﷺ النار وهو في السماء؟ ! فالحاصل: أنها في الأرض، وقد روي في هذا أحاديث لكنها ضعيفة، وروي آثار عن السلف كابن عباس، وابن مسعود، وهو ظاهر القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ . والذين كذبوا بالآيات، واستكبروا عنها لا شك أنهم في النار. (١٨٧) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله-: هل ما يذكر من أن أكثر أهل النار النساء صحيح؟ ولماذا ؟ . فأجاب بقوله: هذا صحيح، فإن النبي ﷺ قال لهن وهو يخطب فيهن: «يا معشر النساء، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار» ، وقد أورد على النبي ﷺ هذا الإشكال الذي أورده السائل، قلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» . فبين النبي، ﷺ -أسباب كثرتهن في النار؛ لأنهن يكثرن السب، واللعن، والشتم، ويكفرن العشير، الذي هو الزوج، فصرن بذلك أكثر أهل النار.

стр. 352

(١٨٨) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: عن أسماء القيامة، وسبب تعددها ؟ . فأجاب - حفظه الله - بقوله: الأسماء لا يمكنني الآن حصرها، لكن سبب تعددها أنها أسماء تدل على أوصاف، فهي: الساعة، وكلمة الساعة تقال في اللغة العربية؛ لما يقع فيه الأمر العظيم الشديد الشاق، وتسمى الحاقة؛ لكونها حقا، ووصفها الله ﷻ أن زلزلتها شيء عظيم؛ لما فيها من الأهوال، ووصفت بالقارعة إلى غير ذلك من الأوصاف التي كل وصف منها يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، أو الوصف الآخر، فهذه هي الحكمة من تعدد أوصافها، وذكرها حتى يكون ذلك أبلغ في الإيمان بها، وأقوم للاستعداد لها. (١٨٩) سئل فضيلته - حفظه الله -: هل صح حديث خروج السفياني في علامات الساعة؟ وكذا هل صحت أيضا أحاديث خروج الرايات السود ؟ . فأجاب - حفظه الله- بقوله: حديث السفياني أخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولكن الحاكم ﵀ معروف بالتساهل بالتصحيح، فالله أعلم، وأما الرايات السود فلا أدري.

стр. 353

رسالة

стр. 354

لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد: فإن الله - تعالى - قال في كتابه المبين: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ ، وقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ . وقال جل ذكره: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ . وأمر نبيه ﷺ أن يعلن للملأ قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ . وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾

стр. 355

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ . فبين الله - تعالى - في هذه الآيات الكريمة أن غيب السماوات والأرض لله - تعالى - وحده لا يشركه فيه غيره، ولا يظهر سبحانه أحدا على هذا الغيب إلا من ارتضاه من الرسل الكرام. وكل علم يتعلق بالمستقبل فإنه من علم الغيب، كما قال - تعالى -: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ . ومن ذلك علم قيام الساعة، فإنه من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولم يطلع الله عليه أحدا من خلقه، حتى أشرف الرسل من الملائكة والبشر لا يعلمونه، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، عن عمر بن الخطاب ﵁: «أن جبريل أتى إلى النبي ﷺ ، في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فسأل النبي ﷺ عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، فبينها له، ثم قال: أخبرني عن الساعة؟ فقال له النبي ﷺ : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل "، قال فأخبرني عن أماراتها؟ فأخبره بشيء منها.» . فقوله - صلي الله عليه وسلم -: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» ؛ يعني أن علمي، وعلمك فيها سواء، فلست أعلم بها منك حتى أخبرك، فإذا كنت لا تعلمها فأنا لا أعلمها، فإذا انتفى علمها عن أفضل الرسل من الملائكة، وأفضل الرسل
следующие страницы →