← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

«وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا". قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا» . أخرجاه في "الصحيحين" ــ فأوجب سبحانه على نفسه أن يرحم من عمل سوءا بجهالة؛ أي: بسفه وعدم حسن تصرف، ثم تاب من بعد ذلك وأصلح. ومعنى كتب؛ أي: أوجب. قوله: (قلت: الله ورسوله أعلم) ، لفظ الجلالة الله: مبتدأ، و"رسوله": معطوف عليه، وأعلم: خبر المبتدأ، وأفرد الخبر هنا مع أنه لاثنين؛ لأنه على تقدير: "من"، واسم التفضيل إذا كان على تقدير: "من"؛ فإن الأشهر فيه الإفراد والتذكير. والمعنى: أعلم من غيرهما، وأعلم مني أيضا. قوله: (يعبدوه) أي: يتذللوا له بالطاعة. قوله: «ولا يشركوا به شيئا» ، أي: في عبادته وما يختص به، وشيئا نكرة في سياق النفي؛ فتعم كل شيء لا رسولا ولا ملكا ولا وليا ولا غيرهم. وقوله: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» ، وهذا الحق تفضل الله به على عباده، ولم يوجبه عليه أحد، ولا تظن أن قوله: «من لا»

стр. 2872

«يشرك به شيئا» أنه مجرد عن العبادة؛ لأن التقدير: من يعبده ولا يشرك به شيئا، ولم يذكر قوله: "من يعبده"؛ لأنه مفهوم من قوله: «وحق العباد» ، ومن كان وصفه العبودية؛ فلا بد أن يكون عابدا. ومن لم يعبد الله ولم يشرك به شيئا؛ هل يعذب؟ الجواب: نعم، يعذب؛ لأن الكلام فيه حذف، وتقديره: من يعبده ولا يشرك به شيئا، ويدل لهذا أمران: الأول: قوله: «حق العباد» ، ومن كان وصفه العبودية؛ فلا بد أن يكون عابدا. الثاني: أن هذا في مقابل قوله فيما تقدم: «أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» ؛ فعلم أن المراد بقوله: «لا يشركوا به شيئا» ؛ أي: في العبادة. قوله: «أفلا أبشر الناس» ، أي: أأسكت فلا أبشر الناس؟ ومثل هذا التركيب: الهمزة ثم حرف العطف ثم الجملة لعلماء النحو فيه قولان: الأول: أن بين الهمزة وحرف العطف محذوفا يقدر بما يناسب المقام، وتقديره هنا: أأسكت فلا أبشر الناس؟ الثاني: أنه لا شيء محذوف، لكن هنا تقديم وتأخير، وتقديره: فألا أبشر؟ فالجملة معطوفة على ما سبق، وموضع الفاء سابق على الهمزة؛ فالأصل: فألا أبشر الناس؟ لكن لما كان مثل هذا التركيب ركيكا، وهمزة الاستفهام لها الصدارة؛ قدمت على حرف العطف، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٤٦] . والبشارة: هي الإخبار بما يسر. وقد تستعمل في الإخبار بما يضر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾

стр. 2873

فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس. الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه. ــ [الانشقاق: ٢٤] ، لكن الأكثر الأول. قوله: «لا تبشرهم» ، أي: لا تخبرهم، ولا ناهية. ومعنى الحديث أن الله لا يعذب من لا يشرك به شيئا، وأن المعاصي تكون مغفورة بتحقيق التوحيد، ونهى ﷺ عن إخبارهم؛ لئلا يعتمدوا على هذه البشرى دون تحقيق مقتضاها؛ لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي؛ لأن المعاصي صادرة عن الهوى، وهذا نوع من الشرك، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] . ومناسبة الحديث للترجمة: فضيلة التوحيد، وأنه مانع من عذاب الله. المسائل: الأولى: الحكمة من خلق الجن والإنس، أخذها ﵀ من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ؛ فالحكمة هي عبادة الله لا أن يتمتعوا بالمآكل والمشارب والمناكح. الثانية: أن العبادة هي التوحيد، أي: أن العبادة مبنية على التوحيد؛ فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعباده، لا سيما أن بعض السلف فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ : إلا ليوحدون

стр. 2874

الثالثة: أن من لم يأت به؛ لم يعبد الله؛ ففيه معنى قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] . الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل. الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة. ــ وهذا مطابق تماما لما استنبطه المؤلف ﵀ من أن العبادة هي التوحيد؛ فكل عبادة لا تبنى على التوحيد فهي باطلة، قال ﷺ : «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه» . وقوله: "لأن الخصومة فيه "، أي: في التوحيد بين الرسول ﷺ وقريش؛ فقريش يعبدون الله يطوفون له ويصلون، ولكن على غير الإخلاص والوجه الشرعي؛ فهي كالعدم لعدم الإيتان بالتوحيد، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤] وقوله في الثالثة: ففيه معنى قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ، لستم عابدين عبادتي؛ لأن عبادتكم مبنية على الشرك، فليست بعبادة لله تعالى. الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل، أخذها رحمه الله تعالى من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . فالحكمة هي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، واجتناب عبادة الطاغوت. الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة، أخذها من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] .

стр. 2875

السادسة: أن دين الأنبياء واحد. السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت؛ ففيه معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ــ السادسة: أن دين الأنبياء واحد، أخذها من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ لأن الشرعة العملية تختلف باختلاف الأمم والأماكن والأزمنة، وأما أصل الدين؛ فواحد، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت. ودليله قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، فمن عبد الله ولم يكفر بالطاغوت؛ فليس بموحد، ولهذا جعل المؤلف ﵀ هذه المسألة كبيرة؛ لأن كثيرا من المسلمين جهلها في زمانه وفي زماننا الآن. تنبيه لا يجوز إطلاق الشرك أو الكفر أو اللعن على من فعل شيئا من ذلك؛ لأن الحكم بذلك في هذه وغيرها له أسباب وله موانع؛ فلا نقول لمن أكل الربا: ملعون؛ لأنه قد يوجد مانع يمنع من حلول اللعنة عليه؛ كالجهل مثلا، أو الشبهة، وما أشبه ذلك، وكذا الشرك لا نطلقه على من فعل شركا؛ فقد تكون الحجة ما قامت عليه بسبب تفريط علمائهم، وكذا نقول: «من صام رمضان إيمانا»

стр. 2876

الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله. التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك. ــ «واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه،» ولكن لا نحكم بهذا لشخص معين، إذ إن الحكم المعلق على الأوصاف لا ينطبق على الأشخاص إلا بتحقق شروط انطباقه وانتفاء موانعه. فإذا رأينا شخصا يتبرز في الطريق؛ فهل نقول له: لعنك الله؟ الجواب: لا، إلا إذا أريد باللعن في قوله: «اتقوا الملاعن» (١) أن الناس أنفسهم يلعنون هذا الشخص ويكرهونه، ويرونه مخلا بالأدب مؤذيا للمسلمين؛ فهذا شيء آخر. فدعاء القبر شرك، لكن لا يمكن أن نقول لشخص معين فعله: هذا مشرك؛ حتى نعرف قيام الحجة عليه، أو نقول: هذا مشرك باعتبار ظاهر حاله. الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله. فكل ما عبد من دون الله؛ فهو طاغوت، وقد عرفه ابن القيم: بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فالمعبود كالصنم، والمتبوع كالعالم، والمطاع كالأمير. التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام، المحكمات؛

стр. 2877

العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشر مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] . وختمها بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] . ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] . ــ أي: التي ليس فيها نسخ، أخذ ذلك من قول ابن مسعود ﵁. العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء. وهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها بقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ، وختمها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ . وقد نبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ . فبدأها الله بالنهي عن الشرك بقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ، والقاعد ليس قائما؛ لأنه لا خير لمن أشرك بالله، مذموما عند الله وعند أوليائه، مخذولا لا ينتصر في الدنيا ولا في الآخرة. وختمها بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] ؛ فهذه عقوبته عندما يلقى في النار كل يلومه ويدحره فيندحر والعياذ بالله.

стр. 2878

الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] . الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته. الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا. ــ الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة. بدأها بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ، فأحق الحقوق حق الله، ولا تنفع الحقوق إلا به؛ فبدئت هذه الحقوق به، ولهذا «لما سأل النبي ﷺ حكيم بن حزام عمن كان يتصدق ويعتق ويصل رحمه في الجاهلية هل له من أجر؟ فقال النبي ﷺ : "أسلمت على ما أسلفت من الخير» ؛ فدل على أنه إذا لم يسلم لم يكن له أجر، فصارت الحقوق كلها لا تنفع إلا بتحقيق حق الله. الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته. وذلك من حديث ابن مسعود ﵁، ولكن النبي ﷺ لم يوص بها حقيقة، بل أشار إلى أننا إذا تمسكنا بكتاب الله؛ فلن نضل بعده، ومن أعظم ما جاء به كتاب الله قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] . الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا. وذلك بأن نعبده ولا نشرك به شيئا.

стр. 2879

الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه. الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة. السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. ــ الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه. وذلك بأن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، أما من أشرك؛ فإنه حقيق أن يعذب. الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة. وذلك أن معاذا أخبر بها تأثما، أي خروجا من إثم الكتمان عند موته بعد أن مات كثير من الصحابة؛ وكأنه ﵁ علم أن النبي ﷺ كان يخشى أن يفتتن الناس بها ويتكلوا، ولم يرد ﷺ كتمها مطلقا؛ لأنه لو أراد ذلك لم يخبر بها معاذا ولا غيره. السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. هذه ليست على إطلاقها؛ إذ إن كتمان العلم على سبيل الإطلاق لا يجوز لأنه ليس بمصلحة، ولهذا أخبر النبي ﷺ معاذا ولم يكتم ذلك مطلقا، وأما كتمان العلم في بعض الأحوال، أو عن بعض الأشخاص لا على سبيل الإطلاق؛ فجائز للمصلحة؛ كما كتم النبي ﷺ ذلك عن بقية الصحابة خشية أن يتكلوا عليه، وقال لمعاذ: «لا تبشرهم فيتكلوا» . ونظير هذا الحديث قوله ﷺ لأبي هريرة: «بشر الناس أن من قال: لا إله»

стр. 2880

السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره. الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. ــ «إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة» . بل قد تقتضي المصلحة ترك العمل؛ وإن كان فيه مصلحة لرجحان مصلحة الترك، كما «هم النبي ﷺ أن يهدم الكعبة ويبنيها على قواعد إبراهيم، ولكن ترك ذلك خشية افتتان الناس؛ لأنهم حديثو عهد بكفر» السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره. لقوله: «أفلا أبشر الناس؟» ، وهذه من أحسن الفوائد. الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. وذلك لقوله: «لا تبشرهم فيتكلوا» ؛ لأن الاتكال على رحمة الله يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله. وكذلك القنوط من رحمة الله يبعد الإنسان من التوبة ويسبب اليأس من رحمة الله، ولهذا قال الإمام أحمد: " ينبغي أن يكون سائرا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه"، فإذا غلب الرجاء أدى ذلك إلى الأمن من مكر الله، وإذا غلب الخوف أدى ذلك إلى القنوط من رحمة الله.

стр. 2881

وقال بعض العلماء: إن كان مريضا غلب جانب الرجاء، وإن كان صحيحا غلب جانب الخوف. وقال بعض العلماء: إذا نظر إلى رحمة الله وفضله غلب جانب الرجاء, وإذا نظر إلى فعله وعمله غلب جانب الخوف لتحصل التوبة. ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ؛ أي: خائفة أن لا يكون تقبل منهم لتقصير أو قصور، وهذا القول جيد، وقيل: يغلب الرجاء عند فعل الطاعة ليحسن الظن بالله، ويغلب جانب الخوف إذا هم بالمعصية لئلا ينتهك حرمات الله. وفي قوله: «أفلا أبشر الناس؟» دليل على أن التبشير مطلوب فيما يسر من أمر الدين والدنيا، ولذلك بشرت الملائكة إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ، وهو إسحاق، والحليم إسماعيل، وبشر النبي ﷺ أهله بابنه إبراهيم، فقال: «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم» ؛ فيؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان إدخال السرور على إخوانه المسلمين ما أمكن بالقول أو بالفعل؛ ليحصل له بذلك خير كثير وراحة وطمأنينة قلب وانشراح صدر. وعليه؛ فلا ينبغي أن يدخل السوء على المسلم، ولهذا يروى عن النبي ﷺ : «لايحدثني أحد عن أحد بشيء؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» . (١)

стр. 2882

التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم. ــ وهذا الحديث فيه ضعف، لكن معناه صحيح؛ لأنه إذا ذكر عندك رجل بسوء؛ فسيكون في قلبك عليه شيء ولو أحسن معاملتك، لكن إذا كنت تعامله وأنت لا تعلم عن سيئاته، ولا محذور في أن تتعامل معه؛ كان هذا طيبا، وربما يقبل منك النصيحة أكثر، والنفوس ينفر بعضها من بعض قبل الأجسام، وهذه مسائل دقيقة تظهر للعاقل بالتأمل. التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم، وذلك لإقرار النبي ﷺ معاذا لما قالها، ولم ينكر النبي ﷺ على معاذ، حيث عطف رسول الله ﷺ على الله بالواو، «وأنكر على من قال: "ما شاء الله وشئت"، وقال: "أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده» . (١) فيقال: إن الرسول ﷺ عنده من العلوم الشرعية ما ليس عند القائل، ولهذا لم ينكر الرسول ﷺ على معاذ. بخلاف العلوم الكونية القدرية؛ فالرسول ﷺ ليس عنده علم منها. فلو قيل: هل يحرم صوم العيدين؟ جاز أن نقول: الله ورسوله أعلم، ولهذا كان الصحابة إذا أشكلت عليهم المسائل ذهبوا إلى رسول الله ﷺ فيبينها لهم، ولو قيل: هل يتوقع نزول مطر في هذا الشهر؟ لم يجز أن نقول: الله ورسوله أعلم؛ لأنه من العلوم الكونية.

стр. 2883

العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ لركوب الحمار مع الإرداف عليه. الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة. ــ العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. وذلك لأن النبي ﷺ خص هذا العلم بمعاذ دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. فيجوز أن نخصص بعض الناس بالعلم دون بعض، حيث أن بعض الناس لو أخبرته بشيء من العلم افتتن، قال ابن مسعود: «إنك لن تحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» ، وقال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون"، فيحدث كل أحد حسب مقدرته وفهمه وعقله. الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ لركوب الحمار مع الإرداف عليه. النبي ﷺ أشرف الخلق جاها، ومع ذلك هو أشد الناس تواضعا، حيث ركب الحمار وأردف عليه، وهذا في غاية التواضع؛ إذ إن عادة الكبراء عدم الإرداف، وركب ﷺ الحمار، ولو شاء لركب ما أراد، ولا منقصة في ذلك؛ إذ إن من تواضع لله رفعه. الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة. وذلك أن النبي ﷺ أردف معاذا لكن يشترط للإرداف أن لا يشق على الدابة، فإن شق؛ لم يجز ذلك.

стр. 2884

الثالثة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة. الرابعة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل. ــ الثالثة والعشرون: عظم شأن هذه المسالة. حيث أخبر النبي ﷺ معاذا، وجعلها من الأمور التي يبشر بها. الرابعة والعشرون: فضيلة معاذ ﵁. وذلك أن النبي ﷺ خصه بهذا العلم, وأردفه معه على الحمار.

стр. 2885

باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب ــ سبق أن ذكر المؤلف كتاب التوحيد؛ أي: وجوب التوحيد، وأنه لا بد منه، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات: ٥٦] : أن العبادة لا تصح إلا بالتوحيد. وهنا ذكر المؤلف فضل التوحيد، ولا يلزم من ثبوت الفضل للشيء أن يكون غير واجب، بل الفضل من نتائجه وآثاره. ومن ذلك صلاة الجماعة ثبت فضلها بقوله ﷺ : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» . متفق عليه. ولا يلزم من ثبوت الفضل فيها أن تكون غير واجبة؛ إذ إن التوحيد أوجب الواجبات، ولا تقبل الأعمال إلا به، ولا يتقرب العبد إلى ربه إلا به، ومع ذلك ففيه فضل. قوله: "وما يكفر من الذنوب". معطوف على "فضل"؛ فيكون المعنى: باب فضل التوحيد، وباب ما يكفر من الذنوب، وعلى هذا؛ فالعائد محذوف والتقدير ما يكفره من الذنوب، وعقد هذا الباب لأمرين: الأول: بيان فضل التوحيد . الثاني: بيان ما يكفره من الذنوب؛ لأن من آثار فضل التوحيد تكفير الذنوب.

стр. 2886

وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢] . ــ فمن فوائد التوحيد: ١ - أنه أكبر دعامة للرغبة في الطاعة؛ لأن الموحد يعمل لله ؛ وعليه فهو يعمل سرا وعلانية، أما غير الموحد؛ كالمرائي مثلا؛ فإنه يتصدق ويصلي، ويذكر الله إذا كان عنده من يراه فقط، ولهذا قال بعض السلف: "إني لأود أن أتقرب إلى الله بطاعة لا يعلمها إلا هو". ٢ - أن الموحدين لهم الأمن وهم مهتدون؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] . قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ ، أي: يخلطوا. قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ ، الظلم هنا ما يقابل الإيمان، وهو الشرك، «ولما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : "ليس الأمر كما تظنون، إنما المراد به الشرك، ألم تسمعوا إلى قول الرجل الصالح يعني لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ؟» . والظلم أنواع: ١ - أظلم الظلم، وهو الشرك في حق الله.

стр. 2887

٢ - ظلم الإنسان نفسه؛ فلا يعطيها حقها، مثل أن يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام. ٣ - ظلم الإنسان غيره، مثل أن يتعدى على شخص بالضرب، أو القتل أو أخذ مال، أو ما أشبه ذلك. وإذا انتفى الظلم؛ حصل الأمن، لكن هل هو أمن كامل؟ الجواب: أنه إن كان الإيمان كاملا لم يخالطه معصية؛ فالأمن أمن مطلق، أي كامل، وإذا كان الإيمان مطلق إيمان -غير كامل- فله مطلق الأمن؛ أي: أمن ناقص. مثال ذلك: مرتكب الكبيرة، آمن من الخلود في النار، وغير آمن من العذاب، بل هو تحت المشيئة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] . وهذه الآية قالها الله تعالى حكما بين إبراهيم وقومه حين قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١، ٨٢] ؛ فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢] ، على أنه قد يقول قائل: إنها من كلام إبراهيم ليبين لقومه، ولهذا قال بعدها: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] . قوله: ﴿الْأَمْنُ﴾ ، ال فيها للجنس، ولهذا فسرنا الأمن بأنه إما أمن مطلق، وإما مطلق أمن حسب الظلم الذي تلبس به. قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ، أي: في الدنيا إلى شرع الله بالعلم والعمل؛ فالاهتداء بالعلم هداية الإرشاد كما قال الله تعالى في أصحاب الجحيم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾

стр. 2888

عن عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» أخرجاه. ــ [الصافات: ٢٢-٢٣] . والاهتداء بالعمل: هداية توفيق، وهم مهتدون في الآخرة إلى الجنة. فهذه هداية الآخرة، وهي للذين ظلموا إلى صراط الجحيم؛ فيكون مقابلها أن الذين آمنوا ولم يظلموا يهدون إلى صراط النعيم. وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ : إن الأمن في الآخرة، والهداية في الدنيا، والصواب أنها عامة بالنسبة للأمن والهداية في الدنيا والآخرة. مناسبة الآية للترجمة: أن الله أثبت الأمن لمن لم يشرك، والذي لم يشرك يكون موحدا؛ فدل على أن من فضائل التوحيد استقرار الأمن. قوله: «من شهد أن لا إله إلا الله» ، الشهادة لا تكون إلا عن علم سابق، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ، وهذا العلم قد

стр. 2889

يكون مكتسبا وقد يكون غريزيا. فالعلم بأنه لا إله إلا الله غريزي، قال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» . وقد يكون مكتسبا، وذلك بتدبر آيات الله، والتفكر فيها. ولا بد أن يوجد العلم بلا إله إلا الله ثم الشهادة بها. قوله: أن، مخففة من الثقيلة، والنطق بأن مشددة خطأ؛ لأن المشددة لا يمكن حذف اسمها، والمخففة يمكن حذفه. قوله: لا إله، أي: لا مألوه، وليس بمعنى لا آله، والمألوه: هو المعبود محبة وتعظيما، تحبه وتعظمه لما تعلم من صفاته العظيمة وأفعاله الجليلة. قوله: إلا الله، أي: لا مألوه إلا الله، ولهذا حكي عن قريش قولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ: ٥] . أما قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١] ؛ فهذا التأله باطل؛ لأنه بغير حق، فهو منفي شرعا، وإذا انتفى شرعا؛ فهو كالمنتفي وقوعا؛ فلا قرار له، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [ابراهيم: ٢٦] وبهذا يحصل الجمع بين قوله تعالى ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود: ١٠١] ، وقوله تعالى حكاية عن قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] ، وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢] ؛ فهذه الآلهة مجرد أسماء لا معاني لها ولا حقيقة؛ إذ هي باطلة شرعا، لا تستحق أن تسمى آلهة؛

стр. 2890

لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تخلق ولا ترزق؛ كما قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠] التوحيد عند المتكلمين: يقولون: إن معنى إله: آله، والآله: القادر على الاختراع؛ فيكون معنى لا إله إلا الله: لا قادر على الاختراع إلا الله. والتوحيد عندهم: أن توحد الله، فتقول: هو واحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له، ولو كان هذا معنى لا إله إلا الله؛ لما أنكرت قريش على النبي ﷺ دعوته ولآمنت به وصدقت؛ لأن قريشا تقول: لا خالق إلا الله، ولا خالق أبلغ من كلمة لا قادر؛ لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل، أما الخالق؛ فقد فعل وحقق بقدرة منه، فصار فهم المشركين خيرا من فهم هؤلاء المتكلمين والمنتسبين للإسلام؛ فالتوحيد الذي جاءت به الرسل في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] ؛ أي من إله حقيقي يستحق أن يعبد، وهو الله. ومن المؤسف أنه يوجد كثير من الكتاب الآن الذين يكتبون في هذه الأبواب تجدهم عندما يتكلمون على التوحيد لا يقررون أكثر من توحيد الربوبية، وهذا غلط ونقص عظيم، ويجب أن نغرس في قلوب المسلمين توحيد الألوهية أكثر من توحيد الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية لم ينكره أحد إنكارا حقيقيا، فكوننا لا نقرر إلا هذا الأمر الفطري المعلوم بالعقل، ونسكت عن الأمر الذي يغلب فيه الهوى هو نقص عظيم؛ فعبادة غير الله هي التي يسيطر فيها هوى الإنسان على نفسه حتى يصرفه عن عبادة الله وحده، فيعبد الأولياء ويعبد هواه، حتى جعل النبي ﷺ الذي همه الدرهم والدينار ونحوهما

стр. 2891

عابدا، وقال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] . فالمعاصي من حيث المعنى العام أو الجنس العام يمكن أن نعتبرها من الشرك. وأما بالمعنى الأخص؛ فتنقسم إلى أنواع: ١ - شرك أكبر. ٢ - شرك أصغر. ٣ - معصية كبيرة. ٤ - معصية صغيرة. وهذه المعاصي منها ما يتعلق بحق الله، ومنها ما يتعلق بحق الإنسان نفسه، ومنها ما يتعلق بحق الخلق. وتحقيق لا إله إلا الله أمر في غاية الصعوبة، ولهذا قال بعض السلف: "كل معصية؛ فهي نوع من الشرك". وقال بعض السلف: "ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص"، ولا يعرف هذا إلا المؤمن، أما غير المؤمن؛ فلا يجاهد نفسه على الإخلاص، ولهذا قيل لابن عباس: "إن اليهود يقولون: نحن لا نوسوس في الصلاة. قال: فما يصنع الشيطان بقلب خرب؟! "؛ فالشيطان لا يأتي ليخرب المهدوم، ولكن يأتي ليخرب المعمور، ولهذا «لما شكي إلى النبي ﷺ أن الرجل يجد في نفسه ما يستعظم أن يتكلم به؛ قال: "وجدتم ذلك؟ ". قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان» ؛ أي: أن ذاك هو العلامة البينة على أن إيمانكم

стр. 2892

صريح لأنه ورد عليه، ولا يرد إلا على قلب صحيح خالص. قوله: «من شهد أن لا إله إلا الله» ، من: شرطية، وجواب الشرط: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» . والشهادة: هي الاعتراف باللسان، والاعتقاد بالقلب، والتصديق بالجوارح، ولهذا لما قال المنافقون للرسول ﷺ : ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] ، وهذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: الشهادة، وإن، واللام، كذبهم الله بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ؛ فلم ينفعهم هذا الإقرار باللسان لأنه خال من الاعتقاد بالقلب، وخال من التصديق بالعمل، فلم ينفع؛ فلا تتحقق الشهادة إلا بعقيدة في القلب، واعتراف باللسان، وتصديق بالعمل. وقوله: «لا إله إلا الله» ، أي: لا معبود على وجه يستحق أن يعبد إلا الله, وهذه الأصنام التي تعبد لا تستحق العبادة؛ لأنه ليس فيها من خصائص الألوهية شيء. قوله: " وحده لا شريك له "، وحده: توكيد للإثبات، لا شريك له: توكيد للنفي في كل ما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. ولهذا كان النبي ﷺ وغيره من المؤمنين يلجئون إلى الله تعالى عند الشدائد؛ فقد «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ وعنده أصحابه، وقد علق سيفه على شجرة فاخترطه الأعرابي، وقال: من يمنعك مني؟ قال: "يمنعني الله» ، ولم

стр. 2893

يقل أصحابي، وهذا هو تحقيق توحيد الربوبية؛ لأن الله هو الذي يملك النفع، والضر، والخلق، والتدبير، والتصرف في الملك؛ إذ لا شريك له فيما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. وقولنا فيما يختص به حتى نسلم من شبهات كثيرة، منها شبهات النافين للصفات؛ لأن النافين للصفات زعموا أن إثبات الصفات إشراك بالله ، حيث قالوا؛ يلزم من ذلك التمثيل، لكننا نقول: للخالق صفات تختص به، وللمخلوق صفات تختص به. قوله: " وأن محمدا "، محمد: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي، الهاشمي، خاتم النبيين. وقوله: "عبده "؛ أي: ليس شريكا مع الله. وقوله: " ورسوله "؛ أي: المبعوث بما أوحي إليه؛ فليس كاذبا على الله. فالرسول ﷺ عبد مربوب، جميع خصائص البشرية تلحقه ما عدا شيئا واحدا، وهو ما يعود إلى أسافل الأخلاق؛ فهو منزه معصوم منه، قال تعالى ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١، ٢٢] . فهو بشر مثلنا؛ إلا أنه يوحى إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] ، ومن قال: إن الرسول ﷺ ليس له ظل، أو أن نوره يطفئ ظله إذا مشى في الشمس؛ فكله كذب باطل، ولهذا قالت عائشة ﵂: «كنت أمد رجلي بين يديه، وتعتذر بأن البيوت ليس فيها مصابيح» ، فلو كان النبي ﷺ له نور؛ لم

стр. 2894

تعتذر ﵂، ولكنه الغلو الذي أفسد الدين والدنيا، والعياذ بالله. ومن الغلو قول البوصيري في "البردة" المشهورة: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم قال ابن رجب وغيره: إنه لم يترك لله شيئا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ ونشهد أن من يقول هذا؛ ما شهد أن محمدا عبد الله، بل شهد أن محمدا فوق الله! كيف يصل بهم الغلو إلى هذا الحد؟! وهذا الغلو فوق غلو النصارى الذين قالوا: إن المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة. هم قالوا فوق ذلك، قالوا: إن الله يقول: «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وأنا مع عبدي إذا ذكرني» ، والرسول معنا إذا ذكرناه، ولهذا كان أولئك الغلاة ليلة المولد إذا تلى التالي "المخرف" كلمة المصطفى قاموا جميعا قيام رجل واحد، يقولون: لأن الرسول ﷺ حضر مجلسنا بنفسه، فقمنا إجلالا له، والصحابة ﵃ أشد إجلالا منهم ومنا، ومع ذلك إذا دخل عليهم الرسول ﷺ وهو حي يكلمهم لا يقومون له، وهؤلاء يقومون إذا تخيلوا أو جاءهم شبح إن كانوا يشاهدون شيئا؛ فانظر كيف بلغت بهم عقولهم

стр. 2895

إلى هذا الحد! فهؤلاء ما شهدوا أن محمدا عبد الله ورسوله، وهؤلاء المخرفون مساكين، إن نظرنا إليهم بعين القدر؛ فنرق لهم، ونسأل الله لهم السلامة والعافية، وإن نظرنا إليهم بعين الشرع؛ فإننا يجب أن ننابذهم بالحجة حتى يعودوا إلى الصراط المستقيم، «والرسول ﷺ أشد الناس عبودية لله، أخشاهم لله، وأتقاهم لله، قام يصلي حتى تورمت قدماه، وقيل له في ذلك؛ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا» وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، هذا تحقيق العبادة العظيمة. أما الرسالة؛ فهو رسول أرسله الله بأعظم شريعة إلى جميع الخلق، فبلغها غاية البلاغ، مع أنه أوذي وقوتل، حتى إنهم جاءوا بسلا الجزور وهو ساجد عند الكعبة ووضعوه على ظهره، كل ذلك كراهية له ولما جاء به، ومع ذلك صبر، يلقون الأذى والأنتان والأقذار على عتبة بابه، لكن هذا للنبي الكريم امتحان من الله ؛ لأجل أن يتبين صبره وفضله، يخرج ويقول: «أي جوار هذا يا بني عبد مناف؟» (١) ، فصبر ﷺ ؛ حتى فتح الله عليه، وأنذر أم القرى ومن حولها، ثم إنه حمل هذه الشريعة من بعده أشد الناس أمانة وأقواهم على الاتباع؛ الصحابة ﵃، وأدوها إلى الأمة نقية سليمة، ولله الحمد. ونحب الرسول ﷺ لله وفي الله؛ فحب الرسول ﷺ من حب الله،

стр. 2896

ونقدمه على أنفسنا وأهلنا وأولادنا والناس أجمعين، وأحببناه من أجل أنه رسول الله ﷺ . ونحقق شهادة أن محمدا رسول الله، وذلك بأن نعتقد ذلك بقلوبنا، ونعترف به بألسنتنا، ونطبق ذلك في متابعته ﷺ بجوارحنا، فنعمل بهديه، ولا نعمل له. أما ما ينقض تحقيق هذه الشهادة؛ فهو: ١ - فعل المعاصي؛ فالمعصية نقص في تحقيق هذه الشهادة؛ لأنك خرجت بمعصيتك من اتباع النبي ﷺ . ٢ - الابتداع في الدين ما ليس منه؛ لأنك تقربت إلى الله بما لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ ، والابتداع في الدين في الحقيقة من الاستهزاء بالله؛ لأنك تقربت إليه بشيء لم يشرعه. فإن قال قائل: أنا نويت التقرب إلى الله بهذا العمل الذي ابتدعه. قيل له: أنت أخطأت الطريق؛ فتعذر على نيتك، ولا تعذر على مخالفة الطريق متى علمت الحق. فالمبتدعون قد يقال: إنهم يثابون على حسن نيتهم إذا كانوا لا يعلمون الحق، ولكننا نخطئهم فيما ذهبوا إليه، أما أئمتهم الذين علموا الحق، ولكن ردوه ليبقوا جاههم؛ ففيهم شبه بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، وغيرهم الذين قابلوا رسالة النبي ﷺ بالرد إبقاء على رئاستهم وجاههم. أما بالنسبة لأتباع هؤلاء الأئمة فينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: الذين جهلوا الحق، فلم يعلموا عنه شيئا، ولم يحصل منهم تقصير في طلبه، حيث ظنوا أن ما هم عليه هو الحق؛ فهؤلاء معذورون. القسم الثاني: من علموا الحق، ولكنهم ردوه تعصبا لأئمتهم؛ فهؤلاء لا

стр. 2897

يعذرون، وهم كمن قال الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . قوله: «"وأن عيسى عبد الله ورسوله» ، الكلام فيها كالكلام في شهادة أن محمدا رسول الله، إلا أننا نؤمن برسالة عيسى، ولا يلزمنا اتباعه إذا خالفت شريعته شريعتنا. فشريعة من قبلنا لها ثلاث حالات: الأولى: أن تكون مخالفة لشريعتنا؛ فالعمل على شرعنا. الثانية: أن تكون موافقة لشريعتنا؛ فنحن متبعون لشريعتنا. الثالثة: أن يكون مسكوتا عنها في شريعتنا، وفي هذه الحال اختلف علماء الأصول: هل نعمل بها، أو ندعها؟ والصحيح أنها شرع لنا، ودليل ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] . ٢ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] . وقد تطرف في عيسى طائفتان: الأولى: اليهود كذبوه، فقالوا: بأنه ولد زنى، وأن أمه من البغايا، وأنه ليس بنبي، وقتلوه شرعا؛ أي: محكوم عليهم عند الله أنهم قتلوه في حكم الله الشرعي؛ لقوله تعالى عنهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٥٧] ، وأما بالنسبة لحكم الله القدري؛ فقد كذبوا، وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله إليه، ولكن شبه لهم، فقتلوا المشبه لهم وصلبوه. الثانية: النصارى قالوا: إنه ابن الله، وإنه ثالث ثلاثة، وجعلوه إلها مع الله، وكذبوا فيما قالوا.

стр. 2898

أما عقيدتنا نحن فيه: فنشهد أنه عبد الله ورسوله، وأن أمه صديقة؛ كما أخبر الله تعالى بذلك، وأنها أحصنت فرجها، وأنها عذراء، ولكن مثله عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له: كن؛ فيكون. وفي قوله: " عبد الله "، رد على النصارى. وفي قوله: " ورسوله "، رد على اليهود. قوله: «وكلمته ألقاها إلى مريم» ، أطلق الله كلمة؛ لأنه خلق بالكلمة ﵇؛ فالحديث ليس على ظاهره؛ إذ عيسى ﵇ ليس كلمة؛ لأنه يأكل، ويشرب، ويبول، ويتغوط، وتجري عليه جميع الأحوال البشرية قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وعيسى ﵇ ليس كلمة الله؛ إذ إن كلام الله وصف قائم به، لا بائن منه، أما عيسى؛ فهو ذات بائنة عن الله سبحانه، يذهب ويجيء، ويأكل الطعام ويشرب. قوله: «ألقاها إلى مريم» ، أي: وجهها إليها بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ومريم ابنة عمران ليست أخت موسى وهارون ﵉ كما يظنه بعض الناس، ولكن كما قال الرسول ﷺ كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم؛ فهارون أخو مريم، ليس هارون أخا موسى، بل هو آخر يسمى باسمه،

стр. 2899

وكذلك عمران سمي باسم أبي موسى. قوله: «وروح منه» ، أي: صار جسده ﵇ بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله؛ أي: خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم. وعيسى ﵇ ليس روحا، بل جسد ذو روح، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فبالنفخ صار جسدا، وبالروح صار جسدا وروحا. قوله: «منه» هذه هي التي أضلت النصارى، فظنوا أنه جزء من الله فضلوا وأضلوا كثيرا، ولكننا نقول: إن الله قد أعمى بصائركم؛ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور؛ فمن المعلوم أن عيسى ﵇ كان يأكل الطعام، وهذا شيء معروف، ومن المعلوم أيضا أن اليهود يقولون: إنهم صلبوه، وهل يمكن لمن كان جزءا من الرب أن ينفصل عن الرب ويأكل ويشرب ويدعى أنه قتل وصلب؟ وعلى هذا تكون "من" للابتداء، وليست للتبعيض؛ فهي كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ؛ فلا يمكن أن نقول: إن الشمس والقمر والأنهار جزءا من الله، وهذا لم يقل به أحد. فقوله: "منه"؛ أي: صادرة من الله ، وليست جزء من الله كما تزعم النصارى. واعلم أن ما أضافه الله إلى نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: العين القائمة بنفسها، وإضافتها إليه من باب إضافة المخلوق إلى

стр. 2900

خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل عموم الخلق؛ كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] . وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفه؛ كقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] ، وكقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] ، وهذا القسم مخلوق. الثاني: أن يكون شيئا مضافا إلى عين مخلوقة يقوم بها، مثاله قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] ؛ فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفا؛ فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزء أو روحا من الله؛ إذ أن هذه الروح حلت في عيسى ﵇، وهو عين منفصلة عن الله، وهذا القسم مخلوق أيضا. الثالث: أن يكون وصفا غير مضاف إلى عين مخلوقة، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ، فالرسالة والكلام أضيفا إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فإذا أضاف الله لنفسه صفة؛ فهذه الصفة غير مخلوقة، وبهذا يتبين أن هذه الأقسام الثلاثة: قسمان منها مخلوقان، وقسم غير مخلوق. فالأعيان القائمة بنفسها والمتصل بهذه الأعيان مخلوقة، والوصف الذي لم يذكر له عين يقوم بها غير مخلوق؛ لأنه يكون من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقه. وقد اجتمع القسمان في قوله: " كلمته، وروح منه"؛ فكلمته هذه وصف مضاف إلى الله، وعلى هذا؛ فتكون كلمته صفة من صفات الله.

стр. 2901

ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال:» ــ وروح منه: هذه أضيفت إلى عين؛ لأن الروح حلت في عيسى؛ فهي مخلوقة قوله: «أدخله الله الجنة» ، إدخال الجنة ينقسم إلى قسمين: الأول: إدخال كامل لم يسبق بعذاب لمن أتم العمل. الثاني: إدخال ناقص مسبوق بعذاب لمن نقص العمل. فالمؤمن إذا غلبت سيئاته حسناته إن شاء الله عذبه بقدر عمله، وإن شاء لم يعذبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] . قوله: " عتبان "، هو «عتبان بن مالك الأنصاري ﵁، كان يصلي بقومه، فضعف بصره، وشق عليه الذهاب إليهم، فطلب من النبي ﷺ أن يخرج إليه وأن يصلي في مكان من بيته ليتخذه مصلى، فخرج إليه النبي ﷺ ومعه طائفة من أصحابه، منهم أبو بكر وعمر ﵄، فلما دخل البيت؛ قال "أين تريد أن أصلي؟ ". قال: صل هاهنا. وأشار إلى ناحية من البيت، فصلى بهم النبي ﷺ ركعتين، ثم جلس على طعام صنعوه له، فجعلوا يتذاكرون، فذكروا رجلا يقال له: مالك بن الدخشم، فقال بعضهم: هو»

стр. 2902

«لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله» . ــ «منافق. فقال رسول الله ﷺ : "لا تقل هكذا؛ أليس قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟! ". ثم قال: "فإن الله حرم على النار» ... " الحديث. فنهاهم أن يقولوا هكذا؛ لأنهم لا يدرون عما في قلبه؛ لأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وهنا الرسول قال هكذا، ولم يبرئ الرجل، إنما أتى بعبارة عامة بأن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، ونهى أن نطلق ألسنتنا في عباد الله الذين ظاهرهم الصلاح، ونقول: هذا مراء، هذا فاسق، وما أشبه ذلك؛ لأننا لو أخذنا بما نظن فسدت الدنيا والآخرة؛ فكثير من الناس نظن بهم سوء، ولكن لا يجوز أن نقول ذلك وظاهرهم الصلاح، ولهذا قال العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة. قوله: «فإن الله حرم على النار» ، أي: منع من النار، أو منع النار أن تصيبه. قوله: «من قال: لا إله إلا الله» ، أي: بشرط الإخلاص، بدليل قوله: «يبتغي بذلك وجه الله» ؛ أي: يطلب وجه الله، ومن طلب وجها؛ فلا بد أن يعمل كل ما في وسعه للوصول إليه؛ لأن مبتغي الشيء يسعى في الوصول إليه، وعليه؛ فلا نحتاج إلى قول الزهري ﵀ بعد أن ساق الحديث؛ كما في "صحيح مسلم "؛ حيث قال: "ثم وجبت بعد ذلك أمور، وحرمت أمور؛ فلا يغتر مغتر بهذا"؛ فالحديث واضح الدالة على شرطية العمل لمن قال: لا إله إلا الله، حيث قال: «يبتغي بذلك وجه الله» ، ولهذا قال بعض السلف عن

стр. 2903

قول النبي ﷺ : «مفتاح الجنة: لا إله إلا الله» (١) ، لكن من أتى بمفتاح لا أسنان له لا يفتح له. قال شيخ الإسلام: إن المبتغي لا بد أن يكمل وسائل البغية، وإذا أكملها حرمت عليه النار تحريما مطلقا، وإن أتى بالحسنات على الوجه الأكمل؛ فإن النار تحرم عليه تحريما مطلقا، وإن أتى بشيء ناقص؛ فإن الابتغاء فيه نقص، فيكون تحريم النار عليه فيه نقص، لكن يمنعه ما معه من التوحيد من الخلود في النار، وكذا من زنى، أو شرب الخمر، أو سرق، فإذا فعل شيئا من ذلك ثم قال حين فعله؛ أشهد أن لا إله إلا الله أبتغي بذلك وجه الله؛ فهو كاذب في زعمه؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ، فضلا عن أن يكون مبتغيا وجه الله. وفي الحديث رد على المرجئة الذين يقولون: يكفي قول: لا إله إلا الله، دون ابتغاء وجه الله. وفيه رد على الخوارج والمعتزلة؛ لأن ظاهر الحديث أن من فعل هذه المحرمات لا يخلد في النار، لكنه مستحق للعقوبة، وهم يقولون: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار.

стр. 2904

وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «قال موسى ﵇: يا رب! علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب! كل عبادك يقولون هذا؟» ــ قوله: «أذكرك وأدعوك به» ، صفة لشيء، وليست جواب الطلب؛ فموسى ﵇ طلب شيئا يحصل به أمران: ١ - ذكر الله. ٢ - دعاؤه. فأجابه الله بقوله: «قل لا إله إلا الله» ، وهذه الجملة ذكر متضمن للدعاء؛ لأن الذاكر يريد رضا الله عنه، والوصول إلى دار كرامته، إذا؛ فهو ذكر متضمن للدعاء، قال الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء يعني: عطاؤك. واستشهد ابن عباس على أن الذكر بمعنى الدعاء بقول الشاعر: إذا أثنى عليك العبد يوما ... كفاه من تعرضه الثناء قوله: " كل عبادك يقولون هذا "، ليس المعنى أنها كلمة هينة كل يقولها؛ لأن موسى ﵊ يعلم عظم هذه الكلمة، ولكنه أراد شيئا يختص به؛ لأن تخصيص الإنسان بالأمر يدل على منقبة له ورفعة؛ فبين الله لموسى أنه مهما أعطي فلن يعطى أفضل من هذه الكلمة، وأن لا إله إلا الله أعظم من السماوات والأرض وما فيهن؛ لأنها تميل بهن وترجح، فدل ذلك على فضل لا إله إلا الله وعظمها، لكن لا بد من الإتيان بشروطها، أما مجرد

стр. 2905

«قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله» (١) رواه ابن حبان والحاكم وصححه. ــ أن يقولها القائل بلسانه؛ فكم من إنسان يقولها لكنها عنده كالريشة لا تساوي شيئا؛ لأنه لم يقلها على الوجه الذي تمت به الشروط وانتفت به الموانع. قوله: "والأرضين السبع "، في بعض النسخ بالرفع، وهذا لا يصلح؛ لأنه إذا عطف على اسم أن قبل استكمال الخبر وجب النصب. قوله: " مالت "، أي: رجحت حتى يملن. قوله: " عامرهن "، أي: ساكنهن؛ فالعامر للشيء هو الذي عمر به الشيء. قوله: " غيري "، استثنى نفسه ﵎؛ لأن قول لا إله إلا الله ثناء عليه، والمثنى عليه أعظم من الثناء، وهنا يجب أن تعرف أن كون الله تعالى في السماء ليس ككون الملائكة في السماء؛ فكون الملائكة في السماء كون حاجي، فهم ساكنون في السماء لأنهم محتاجون إلى السماء، لكن الرب ﵎ ليس محتاجا إليها، بل إن السماء وغير السماء محتاج إلى الله تعالى؛ فلا يظن ظان أن السماء تقل الله أو تظله أو تحيط به، وعليه؛ فالسماوات باعتبار الملائكة أمكنة مقلة للملائكة، وما فوقهم منها مظل لهم، أما بالنسبة لله؛ فهي جهة لأن الله تعالى مستو على عرشه، لا يقله شيء من خلقه.

стр. 2906

وللترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا: لأتيتك بقرابها مغفرة» (١) . ــ قوله: «قال الله تعالى: يا ابن آدم» ... " إلخ. هذا من الأحاديث القدسية، والحديث القدسي: ما رواه النبي ﷺ عن ربه، وقد أدخله المحدثون في الأحاديث النبوية؛ لأنه منسوب إلى النبي ﷺ تبليغا، وليس من القرآن بالإجماع، وإن كان كل واحد منهما قد بلغه النبي ﷺ أمته عن الله . وقد اختلف العلماء ﵏ في لفظ الحديث القدسي: هل هو كلام الله تعالى، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله ﷺ معناه واللفظ لفظ رسول الله ﷺ ؟ على قولين: القول الأول: أن الحديث القدسي من عند الله لفظه ومعناه؛ لأن النبي ﷺ أضافه إلى الله تعالى، ومن المعلوم أن الأصل في القول المضاف أن يكون بلفظ قائله لا ناقله، لا سيما والنبي ﷺ أقوى الناس أمانة وأوثقهم رواية. القول الثاني: أن الحديث القدسي معناه من عند الله ولفظه لفظ النبي ﷺ ، وذلك لوجهين:

стр. 2907

الوجه الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظا ومعنى لكان أعلى سندا من القرآن؛ لأن النبي ﷺ يرويه عن ربه تعالى بدون واسطة؛ كما هو ظاهر السياق، أما القرآن؛ فنزل على النبي ﷺ بواسطة جبريل؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] . الوجه الثاني: أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله؛ لم يكن بينه وبين القرآن فرق؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله تعالى، والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل، ومن المعلوم أن بين القرآن والحديث القدسي فروق كثيرة: منها: أن الحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته، بمعنى أن الإنسان لا يتعبد لله تعالى بمجرد قراءته؛ فلا يثاب على كل حرف منه عشر حسنات، والقرآن يتعبد بتلاوته بكل حرف منه عشر حسنات. ومنها: أن الله تعالى تحدى أن يأتي الناس بمثل القرآن أو آية منه، ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القدسية. ومنها: أن القرآن محفوظ من عند الله تعالى؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، والأحاديث القدسية بخلاف ذلك؛ ففيها الصحيح والحسن، بل أضيف إليها ما كان ضعيفا أو موضوعا، وهذا وإن لم يكن منها لكن نسب إليها وفيها التقديم والتأخير والزيادة والنقص. ومنها: أن القرآن لا تجوز قراءته بالمعنى بإجماع المسلمين، وأما الأحاديث القدسية؛ فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى والأكثرون على جوازه. ومنها: أن القرآن تشرع قراءته في الصلاة ومنه ما لا تصح الصلاة بدون

стр. 2908

قراءته، بخلاف الأحاديث القدسية. ومنها: أن القرآن لا يمسه إلا الطاهر على الأصح، بخلاف الأحاديث القدسية. ومنها: أن القرآن لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح، بخلاف الأحاديث القدسية. ومنها: أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفا أجمع القراء عليه؛ لكان كافرا، بخلاف الأحاديث القدسية؛ فإنه لو أنكر شيئا منها مدعيا أنه لم يثبت؛ لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي ﷺ قاله؛ لكان كافرا لتكذيبه النبي ﷺ وأجاب هؤلاء عن كون النبي ﷺ أضافه إلى الله، والأصل في القول المضاف أن يكون لفظ قائله بالتسليم أن هذا هو الأصل، لكن قد يضاف إلى قائله معنى لا لفظا؛ كما في القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى يضيف أقوالا إلى قائليها، ونحن نعلم أنها أضيفت معنى لا لفظا، كما في "قصص الأنبياء" وغيرهم، وكلام الهدهد والنملة؛ فإنه بغير هذا اللفظ قطعا. وبهذا يتبين رجحان هذا القول، وليس الخلاف في هذا كالخلاف بين الأشاعرة وأهل السنة في كلام الله تعالى؛ لأن الخلاف بين هؤلاء في أصل كلام الله تعالى؛ فأهل السنة يقولون: كلام الله تعالى كلام حقيقي مسموع يتكلم سبحانه بصوت وحرف، والأشاعرة لا يثبتون ذلك، وإنما يقولون: كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بحرف وصوت، ولكن الله تعالى يخلق صوتا يعبر به عن المعنى القائم بنفسه، ولا شك في بطلان قولهم، وهو في الحقيقة قول المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق، وهو كلام الله، وهولاء يقولون: القرآن مخلوق، وهو عبارة عن كلام الله، فقد اتفق الجميع

стр. 2909

على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق. ثم لو قيل في مسألتنا الكلام في الحديث القدسي: إن الأولى ترك الخوض في هذا؛ خوفا من أن يكون من التنطع الهالك فاعله، والاقتصار على القول بأن الحديث القدسي ما رواه النبي ﷺ عن ربه وكفى؛ لكان ذلك كافيا، ولعله أسلم والله أعلم (فائدة) : إذا انتهى سند الحديث إلى الله تعالى سمي (قدسيا) ؛ لقدسيته وفضله، وإذا انتهى إلى الرسول ﷺ سمي مرفوعا، وإذا انتهى إلى الصحابي سمي موقوفا وإذا انتهى إلى التابعي فمن بعده سمي مقطوعا. قوله: «بقراب الأرض» ، أي: ما يقاربها؛ إما ملئا، أو ثقلا، أو حجما. قوله: (خطايا) ، جمع خطيئة، وهي الذنب، والخطايا الذنوب؛ ولو كانت صغيرة؛ لقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] . قوله: «لا تشرك بي شيئا» ، جملة "لا تشرك" في موضع نصب على الحال في التاء؛ أي: لقيتني في حال لا تشرك بي شيئا قوله: (شيئا) نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لا شركا أصغر ولا أكبر. وهذا قيد عظيم قد يتهاون به الإنسان، ويقول: أنا غير مشرك وهو لا يدري؛ فحب المال مثلا بحيث يلهي عن طاعة الله من الإشراك، قال النبي ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» ... " الحديث. فسمى النبي ﷺ من كان هذا همه سماه: عبدا له.

стр. 2910

فيه مسائل: الأولى: سعة فضل الله. الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. الثالثة: تكفيره مع ذلك الذنوب. الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام. ــ قوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة» ، أي: أن حسنة التوحيد عظيمة تكفر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله وهو لا يشرك به شيئا، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه مناسبة الحديث للترجمة: أن في هذا الحديث فضل التوحيد، وأنه سبب لتكفير الذنوب؛ فهو مطابق لقوله في الترجمة: "وما يكفرمن الذنوب" قوله: " فيه مسائل ": الأولى: " سعة فضل الله "، لقوله: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» . الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله، لقوله: «مالت بهن لا إله إلا الله» . الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب، لقوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة» ؛ فالإنسان قد تغلبه نفسه أحيانا؛ فيقع في الخطايا، لكنه مخلص لله في عبادته وطاعته؛ فحسنة التوحيد تكفر عنه الخطايا إذا لقي الله بها. الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ؛ فالظلم هنا الشرك؛ لقوله ﷺ : «ألم تسمعوا قول الرجل الصالح: إن الشرك لظلم عظيم» .
следующие страницы →