← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وللترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا: لأتيتك بقرابها مغفرة» (١) . ــ قوله: «قال الله تعالى: يا ابن آدم» ... " إلخ. هذا من الأحاديث القدسية، والحديث القدسي: ما رواه النبي ﷺ عن ربه، وقد أدخله المحدثون في الأحاديث النبوية؛ لأنه منسوب إلى النبي ﷺ تبليغا، وليس من القرآن بالإجماع، وإن كان كل واحد منهما قد بلغه النبي ﷺ أمته عن الله . وقد اختلف العلماء ﵏ في لفظ الحديث القدسي: هل هو كلام الله تعالى، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله ﷺ معناه واللفظ لفظ رسول الله ﷺ ؟ على قولين: القول الأول: أن الحديث القدسي من عند الله لفظه ومعناه؛ لأن النبي ﷺ أضافه إلى الله تعالى، ومن المعلوم أن الأصل في القول المضاف أن يكون بلفظ قائله لا ناقله، لا سيما والنبي ﷺ أقوى الناس أمانة وأوثقهم رواية. القول الثاني: أن الحديث القدسي معناه من عند الله ولفظه لفظ النبي ﷺ ، وذلك لوجهين:

стр. 2907

الوجه الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظا ومعنى لكان أعلى سندا من القرآن؛ لأن النبي ﷺ يرويه عن ربه تعالى بدون واسطة؛ كما هو ظاهر السياق، أما القرآن؛ فنزل على النبي ﷺ بواسطة جبريل؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] . الوجه الثاني: أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله؛ لم يكن بينه وبين القرآن فرق؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله تعالى، والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل، ومن المعلوم أن بين القرآن والحديث القدسي فروق كثيرة: منها: أن الحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته، بمعنى أن الإنسان لا يتعبد لله تعالى بمجرد قراءته؛ فلا يثاب على كل حرف منه عشر حسنات، والقرآن يتعبد بتلاوته بكل حرف منه عشر حسنات. ومنها: أن الله تعالى تحدى أن يأتي الناس بمثل القرآن أو آية منه، ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القدسية. ومنها: أن القرآن محفوظ من عند الله تعالى؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، والأحاديث القدسية بخلاف ذلك؛ ففيها الصحيح والحسن، بل أضيف إليها ما كان ضعيفا أو موضوعا، وهذا وإن لم يكن منها لكن نسب إليها وفيها التقديم والتأخير والزيادة والنقص. ومنها: أن القرآن لا تجوز قراءته بالمعنى بإجماع المسلمين، وأما الأحاديث القدسية؛ فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى والأكثرون على جوازه. ومنها: أن القرآن تشرع قراءته في الصلاة ومنه ما لا تصح الصلاة بدون

стр. 2908

قراءته، بخلاف الأحاديث القدسية. ومنها: أن القرآن لا يمسه إلا الطاهر على الأصح، بخلاف الأحاديث القدسية. ومنها: أن القرآن لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح، بخلاف الأحاديث القدسية. ومنها: أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفا أجمع القراء عليه؛ لكان كافرا، بخلاف الأحاديث القدسية؛ فإنه لو أنكر شيئا منها مدعيا أنه لم يثبت؛ لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي ﷺ قاله؛ لكان كافرا لتكذيبه النبي ﷺ وأجاب هؤلاء عن كون النبي ﷺ أضافه إلى الله، والأصل في القول المضاف أن يكون لفظ قائله بالتسليم أن هذا هو الأصل، لكن قد يضاف إلى قائله معنى لا لفظا؛ كما في القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى يضيف أقوالا إلى قائليها، ونحن نعلم أنها أضيفت معنى لا لفظا، كما في "قصص الأنبياء" وغيرهم، وكلام الهدهد والنملة؛ فإنه بغير هذا اللفظ قطعا. وبهذا يتبين رجحان هذا القول، وليس الخلاف في هذا كالخلاف بين الأشاعرة وأهل السنة في كلام الله تعالى؛ لأن الخلاف بين هؤلاء في أصل كلام الله تعالى؛ فأهل السنة يقولون: كلام الله تعالى كلام حقيقي مسموع يتكلم سبحانه بصوت وحرف، والأشاعرة لا يثبتون ذلك، وإنما يقولون: كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بحرف وصوت، ولكن الله تعالى يخلق صوتا يعبر به عن المعنى القائم بنفسه، ولا شك في بطلان قولهم، وهو في الحقيقة قول المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق، وهو كلام الله، وهولاء يقولون: القرآن مخلوق، وهو عبارة عن كلام الله، فقد اتفق الجميع

стр. 2909

على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق. ثم لو قيل في مسألتنا الكلام في الحديث القدسي: إن الأولى ترك الخوض في هذا؛ خوفا من أن يكون من التنطع الهالك فاعله، والاقتصار على القول بأن الحديث القدسي ما رواه النبي ﷺ عن ربه وكفى؛ لكان ذلك كافيا، ولعله أسلم والله أعلم (فائدة) : إذا انتهى سند الحديث إلى الله تعالى سمي (قدسيا) ؛ لقدسيته وفضله، وإذا انتهى إلى الرسول ﷺ سمي مرفوعا، وإذا انتهى إلى الصحابي سمي موقوفا وإذا انتهى إلى التابعي فمن بعده سمي مقطوعا. قوله: «بقراب الأرض» ، أي: ما يقاربها؛ إما ملئا، أو ثقلا، أو حجما. قوله: (خطايا) ، جمع خطيئة، وهي الذنب، والخطايا الذنوب؛ ولو كانت صغيرة؛ لقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] . قوله: «لا تشرك بي شيئا» ، جملة "لا تشرك" في موضع نصب على الحال في التاء؛ أي: لقيتني في حال لا تشرك بي شيئا قوله: (شيئا) نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لا شركا أصغر ولا أكبر. وهذا قيد عظيم قد يتهاون به الإنسان، ويقول: أنا غير مشرك وهو لا يدري؛ فحب المال مثلا بحيث يلهي عن طاعة الله من الإشراك، قال النبي ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» ... " الحديث. فسمى النبي ﷺ من كان هذا همه سماه: عبدا له.

стр. 2910

فيه مسائل: الأولى: سعة فضل الله. الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. الثالثة: تكفيره مع ذلك الذنوب. الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام. ــ قوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة» ، أي: أن حسنة التوحيد عظيمة تكفر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله وهو لا يشرك به شيئا، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه مناسبة الحديث للترجمة: أن في هذا الحديث فضل التوحيد، وأنه سبب لتكفير الذنوب؛ فهو مطابق لقوله في الترجمة: "وما يكفرمن الذنوب" قوله: " فيه مسائل ": الأولى: " سعة فضل الله "، لقوله: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» . الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله، لقوله: «مالت بهن لا إله إلا الله» . الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب، لقوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة» ؛ فالإنسان قد تغلبه نفسه أحيانا؛ فيقع في الخطايا، لكنه مخلص لله في عبادته وطاعته؛ فحسنة التوحيد تكفر عنه الخطايا إذا لقي الله بها. الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ؛ فالظلم هنا الشرك؛ لقوله ﷺ : «ألم تسمعوا قول الرجل الصالح: إن الشرك لظلم عظيم» .

стр. 2911

الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة. السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده؛ تبين لك معنى قول: "لا إله إلا الله"، وتبين لك خطأ المغرورين. السابعة: التنبيه للشرط الذي في عتبان. الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل (لا إله إلا الله) . ــ الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة: ١- ٢- الشهادتان. ٣- أن عيسى عبد الله، ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. ٤- أن الجنة حق. ٥- أن النار حق. السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان، وحديث أبي سعيد، وحديث أنس؛ تبين لك معنى قوله: لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين، لأنه لا بد أن يبتغي بها وجه الله، وإذا كان كذلك؛ فلا بد أن تحمل المرء على العمل الصالح. السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان، وهو أن يبتغي بقولها وجه الله، ولا يكفي مجرد القول؛ لأن المنافقين كانوا يقولونها ولم تنفعهم. الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، فغيرهم من باب أولى.

стр. 2912

التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، من أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه. العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات. ــ التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه، فالبلاء من القائل لا من القول؛ لأنه قد يكون اختل شرط من الشروط؛ أو وجد مانع من الموانع؛ فإنها تخف بحسب ما عنده، أما القول نفسه؛ فيرجح بجميع المخلوقات. العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات، لم يرد في القرآن تصريح بذلك، بل ورد صريحا أن السماوات سبع بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] ، لكن بالنسبة للأرضين لم يرد إلا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ؛ فالمثلية بالكيفية غير مرادة لظهور الفرق بين السماء والأرض في الهيئة، والكيفية، والارتفاع، والحسن؛ فبقيت المثلية في العدد. أما السنة؛ فهي صريحة جدا بأنها سبع؛ مثل قوله ﷺ : «من اقتطع شبرا من الأرض؛ طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» . (١) وقد اختلف في قوله ﷺ : «من سبع أرضين» ؛ كيف تكون سبعا؟ فقيل: المراد: القارات السبع، وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يمتنع بالنسبة

стр. 2913

الحادية عشرة: أن لهن عمارا. الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافا للأشعرية. الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس؛ عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله» ؛ أن ترك الشرك، ليس قولها باللسان. الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه. ــ لقوله: «طوقه من سبع أرضين» ، وقيل: المراد المجموعة الشمسية، لكن ظاهر النصوص أنها طباق كالسماوات، وليس لنا أن نقول إلا ما جاء في الكتاب والسنة عن هذه الأرضين؛ لأننا لا نعرفها. الحادية عشرة: أن لهن عمارا، أي: السماوات، وعمارهن الملائكة. الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافا للأشعرية، وفي بعض النسخ خلافا للمعطلة، وهذه أحسن؛ لأنها أعم، حيث تشمل الأشعرية والمعتزلة والجهمية وغيرهم؛ ففيه إثبات الوجه لله سبحانه بقوله: «يبتغي وجه الله» ، وإثبات الكلام بقوله: «وكلمته ألقاها» ، وإثبات القول في قوله: «قل لا إله إلا الله» . الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس؛ عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» أن ترك الشرك. وفي بعض النسخ: إذا ترك الشرك. أي. أن قوله: «حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك» (يعني: ترك الشرك) " وليس مجرد قولها باللسان؛ لأن من ابتغى وجه الله في هذا القول لا يمكن أن يشرك أبدا. الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون كل من عيسى ومحمد عبدي الله

стр. 2914

الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله. السادسة عشرة: معرفة كونه روحا منه. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار. الثامنة عشرة: معرفة قوله «على ما كان من العمل» . ــ ورسوليه. عبدي: منصوب على أنه خبر كون؛ لأن كون مصدر كان وتعمل عملها. وعيسى ومحمد: اسم كون. وتأمل الجمع من وجهين: الأول: أنه جمع لكل منهما بين العبودية والرسالة. الثاني: أنه جمع بين الرجلين؛ فتبين أن عيسى مثل محمد، وأنه عبد ورسول، وليس ربا ولا ابنا للرب سبحانه. وقول المؤلف: "تأمل"؛ لأن هذا يحتاج إلى تأمل. الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله، أي: أن عيسى انفرد عن محمد في أصل الخلقة؛ فقد كان بكلمة، أما محمد ﷺ ؛ فقد خلق من ماء أبيه. السادسة عشرة: معرفة كونه روحا منه، أي: أن عيسى روح من الله، و"من" هنا بيانية أو للابتداء، وليست للتبعيض؛ أي: روح جاءت من قبل الله وليست بعضا من الله، بل هي من جملة الأرواح المخلوقة. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار، لقوله في حديث عبادة: «وأن الجنة حق، والنار حق» ، والفضل أنه من أسباب دخول الجنة. الثامنة عشرة: معرفة قوله: «على ما كان من العمل» ، أي: على ما كان

стр. 2915

التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان. العشرون: معرفة ذكر الوجه. ــ من العمل الصالح ولو قل، أو على ما كان من العمل السيئ ولو كثر، بشرط أن لا يأتى بما ينافي التوحيد ويوجب الخلود في النار، لكن لا بد من العمل. ولا يلزم استكمال العمل الصالح كما قالت المعتزلة والخوارج، ولم تذكر أركان الإسلام هنا؛ لأن منها ما يكفر الإنسان بتركه، ومنها ما لا يكفر؛ فإن الصحيح أنه لا يكفر إلا بترك الشهادتين والصلاة، وإن كان روي عن الإمام أحمد أن جميع أركان الإسلام يكفر بتركها؛ لكن الصحيح خلاف ذلك. التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان، أخذها المؤلف من قوله: «لو أن السماوات ... إلخ، وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة» ، والظاهر أن الذي في الحديث تمثيل، يعني أن قول: لا إله إلا الله أرجح من كل شيء، وليس في الحديث أن هذا الوزن في الآخرة، وكأن المؤلف ﵀ حصل عنده انتقال ذهني؛ فانتقل ذهنه من هذا إلى ميزان الآخرة. العشرون: معرفة ذكر الوجه، يعني: وجه الله تعالى وهو صفة من صفاته الخبرية التي مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء؛ لأن من صفات الله تعالى ما هو معنى محض، ومنه ما مسماه بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء، ولا نقول بالنسبة لله تعالى أبعاض؛ لأننا نتحاشى كلمة التبعيض في جانب الله تعالى الله.

стр. 2916

باب من حقق التوحيد؛ دخل الجنة بغير حساب ــ هذا الباب كالمتمم للباب الذي قبله؛ لأن الذي قبله: "باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب"، فمن فضله هذا الفضل العظيم الذي يسعى إليه كل عاقل، وهو دخول الجنة بغير حساب. قوله: "من"، شرطية، وفعل الشرط: "حقق"، وجوابه: "دخل"، قوله: "بلا حساب"؛ أي: لا يحاسب لا على المعاصي ولا على غيرها. وتحقيق التوحيد: تخليصه من الشرك، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة: الأول: العلم؛ فلا يمكن أن تحقق شيئا قبل أن تعلمه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] . الثاني: الاعتقاد، فإذا علمت ولم تعتقد واستكبرت؛ لم تحقق التوحيد، قال الله تعالى عن الكافرين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ: ٥] ؛ فما اعتقدوا انفراد الله بالألوهية. الثالث: الانقياد، فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد؛ لم تحقق التوحيد، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] . فإذا حصل هذا وحقق التوحيد؛ فإن الجنة مضمونة له بغير حساب، ولا يحتاج أن نقول إن شاء الله؛ لأن هذا حكاية حكم ثابت شرعا، ولهذا جزم المؤلف رحمه الله تعالى بذلك في الترجمة دون أن يقول: إن شاء الله. أما بالنسبة للرجل المعين؛ فإننا نقول: إن شاء الله

стр. 2917

وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] . ــ. وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين، ومناسبتهما للباب الإشارة إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا يكون إلا بانتفاء الشرك كله: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ... الآية. قوله: أمة، أي: إماما، وقد سبق أن أمة تأتي في القرآن على أربعة أوجه: إمام، ودهر، وجماعة، ودين. قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ، هذا ثناء من الله على إبراهيم بأنه إمام متبوع؛ لأنه أحد الرسل الكرام من أولي العزم، ثم إنه ﷺ قدوة في أعماله وأفعاله وجهاده؛ فإنه جاهد قومه وحصل منهم عليه ما حصل، وألقي في النار فصبر. ثم ابتلاه الله بالأمر بذبح ابنه، وهو وحيده، وقد بلغ السعي معه (أي شب وترعرع) ؛ فليس كبيرا قد طابت النفس منه، ولا صغيرا لم تتعلق به النفس كثيرا، فصار على منتهى تعلق النفس به. ثم وفق إلى ابن بار مطيع لله، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ، لم يحنث والده ويتمرد ويهرب، بل أراد من والده أن يوافق أمر ربه وهذا من بره بأبيه وطاعته لمولاه ، وانظر إلى هذه القوة العظيمة مع الاعتماد على الله في

стр. 2918

قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ . فالسين في قوله: ستجدني تدل على التحقيق، وهو مع ذلك لم يعتمد على نفسه، بل استعان بالله في قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ . وامتثلا جميعا وأسلما، وانقادا لله ، وتله للجبين؛ أي: على الجبين، أي جبهته؛ لأجل أن يذبحه وهو لا يرى وجهه، فجاء الفرج من الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] ، ولا يصح ما ذكره بعضهم من أن السكين انقلبت، أو أن رقبته صارت حديدا، ونحو ذلك. قوله: قانتا، القنوت: دوام الطاعة، والاستمرار فيها على كل حال؛ فهو مطيع لله، ثابت على طاعته، مديم لها في كل حال. كما أن ابنه محمدا ﷺ يذكر الله على كل أحيانه: إن قام ذكر الله، وإن جلس ذكره، وإن نام، وإن أكل، وإن قضى حاجته ذكر الله؛ فهو قانت آناء الليل والنهار. قوله: حنيفا، أي: مائلا عن الشرك، مجانبا لكل ما يخالف الطاعة؛ فوصف بالإثبات والنفي؛ أي: بالوصفين الإيجابي والسلبي. قوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، تأكيد، أي لم يكن مشركا طول حياته؛ فقد كان ﵊ معصوما عن الشرك، مع أن قومه كانوا مشركين، فوصفه الله بامتناعه عن الشرك استمرارا في قوله: حنيفا، وابتداء في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، والدليل على ذلك: أن الله جعله إماما، ولا يجعل

стр. 2919

الله للناس إماما من لم يحقق التوحيد أبدا. ومن تأمل حال إبراهيم ﵇ وما جرى عليه وجد أنه في غاية ما يكون من مراتب الصبر، وفي غاية ما يكون من مراتب اليقين؛ لأنه لا يصبر على هذه الأمور العظيمة إلا من أيقن بالثواب، فمن عنده شك أو تردد لا يصبر على هذا؛ لأن النفس لا تدع شيئا إلا لما هو أحب إليها منه، ولا تحب شيئا إلا ما ظنت فائدته، أو تيقنت. ويجب أن نعلم أن ثناء الله على أحد من خلقه لا يقصد منه أن يصل إلينا الثناء فقط، لكن يقصد منه أمران هامان: الأول: محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيرا، كما أن من أثنى الله عليه شرا؛ فإننا نبغضه ونكرهه، فنحب إبراهيم ﵇؛ لأنه كان إماما حنيفا قانتا لله ولم يكن من المشركين، ونكره قومه؛ لأنهم كانوا ضالين، ونحب الملائكة وإن كانوا من غير جنسنا؛ لأنهم قائمون بأمر الله، ونكره الشياطين؛ لأنهم عاصون لله وأعداء لنا ولله، ونكره أتباع الشياطين؛ لأنهم عاصون لله أيضا وأعداء لله ولنا. الثاني: أن نقتدي به في هذه الصفات التي أثنى الله بها عليه؛ لأنها محل الثناء، ولنا من الثناء بقدر ما اقتدينا به فيها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] ، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦] . وهذه مسألة مهمة؛ لأن الإنسان أحيانا يغيب عن باله الغرض الأول، وهو محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيرا، ولكن لا ينبغي أن يغيب؛ لأن الحب في الله، والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان.

стр. 2920

فائدة: أبو إبراهيم مات على الكفر، والصواب الذي نعتقده أن اسمه آزر؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] لأنه قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] ، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وفي سورة إبراهيم قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [ابراهيم: ٤١] ، ولكن فيما بعد تبرأ منه. أما نوح؛ فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] ، وهذا يدل على أن أبوي نوح كانا مؤمنين. فائدة أخرى: قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل: المغازي، والملاحم، والتفسير؛ فهذه الغالب فيها أنها تذكر بدون إسناد، ولهذا؛ فإن المفسرين يذكرون قصة آدم، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠] ، وقليل منهم من ينكر القصة المكذوبة في ذلك. (١) فالقاعدة إذا: أنه لا أحد يعلم عن الأمم السابقة شيئا إلا من طريق الوحي، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] .

стр. 2921

وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] . ــ الآية الثانية: قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ . هذه الآية سبقها آية، وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] . لكن المؤلف ذكر الشاهد. وقوله تعالى: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ أي: من خوفهم منه على علم، ومشفقون؛ أي: خائفون من عذابه إن خالفوه. فالمعاصي بالمعنى الأعم - كما سبق (١) - شرك؛ لأنها صادرة عن هوى مخالف للشرع، وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] . أما بالنسبة للمعنى الأخص؛ فيقسمها العلماء قسمين: ١ - شرك. ٢ - فسوق. وقوله: ﴿لَا يُشْرِكُونَ﴾ ، يراد به الشرك بالمعنى الأعم؛ إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم، ولكن ليس معنى هذا ألا تقع منهم المعاصي؛ لأن كل ابن آدم خطاء، وليس بمعصوم، ولكن إذا عصوا؛ فإنهم يتوبون ولا يستمرون عليها؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] .

стр. 2922

وعن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة. ــ قوله: " عن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبير " وهما رجلان من التابعين ثقتان. قوله: " انقض البارحة "، أي: سقط البارحة، والبارحة: أقرب ليلة مضت، وقال بعض أهل اللغة: تقول فعلنا الليلة كذا إن قلته قبل الزوال، وفعلنا البارحة كذا إن قلته بعد الزوال. وفي عرفنا؛ فمن طلوع الشمس إلى الغروب نقول: البارحة لليلة الماضية، ومن غروب الشمس إلى طلوعها نقول: الليلة لليلة التي نحن فيها. بل بعض العامة يتوسع متى قام من الليل قال: البارحة؛ وإن كان في ليلته. قوله: " فقلت أنا "، أي: حصين. قوله: " أما إني لم أكن في صلاة "، أما: أداة استفتاح، وقيل: إنها بمعنى حقا، وعلى هذا؛ فتفتح همزة "إن"، فيقال: أما أني لم أكن في صلاة، أي حقا أني لم أكن في صلاة. وقال هذا ﵀ لئلا يظن أنه قائم يصلي فيحمد بما لم يفعل، وهذا خلاف ما عليه بعضهم، يفرح أن الناس يتوهمون أنه يقوم يصلي، وهذا من نقص التوحيد. وقول حصين ﵀ ليس من باب المراءاة، بل هو من باب الحسنات،

стр. 2923

ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب؛ أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. ــ وليس كمن يترك الطاعات خوفا من الرياء؛ لأن الشيطان قد يلعب على الإنسان، ويزين له ترك الطاعة خشية الرياء، بل افعل الطاعة، ولكن لا يكن في قلبك أنك ترائي الناس. قوله: " لدغت "، أي: لدغته عقرب أو غيرها، والظاهر أنها شديدة؛ لأنه لم ينم منها. قوله: " ارتقيت "، أي: استرقيت؛ لأن افتعل مثل استفعل، وفي رواية مسلم: " استرقيت "؛ أي: طلبت الرقية. قوله: " فما حملك على ذلك "، أي: قال سعيد: ما السبب أنك استرقيت. قوله: " حديث حدثناه الشعبي "، وهذا يدل على أن السلف ﵃ يتحاورون حتى يصلوا إلى الحقيقة، فسعيد بن جبير لم يقصد الانتقاد على هذا الرجل، بل قصد أن يستفهم منه ويعرف مستنده. قوله: " لا رقية "، أي: لا قراءة أو لا استرقاء على مريض أو مصاب. قوله: " إلا من عين "، وهي نظرة من حاسد، نفسه خبيثة، تتكيف بكيفية خاصة فينبعث منها ما يؤثر على المصاب، ويسميها العامة الآن: "النحاتة"، وبعضهم يسميها "النفس"، وبعضهم يسميها "الحسد" قوله: " حمة "، بضم الحاء، وفتح الميم، مع تخفيفها: وهي كل ذات

стр. 2924

قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ــ سم، والمعنى لدغته إحدى ذوات السموم، والعقرب من ذوات السموم. فقال سعيد بن جبير: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس ... إلخ. إذن؛ فحصين استند على حديث: «لا رقية إلا من عين أو حمة» ، وهذا يدل على أن الرقية من العين أو الحمة مفيدة، وهذا أمر واقع؛ فإن الرقى تنفع بإذن الله من العين ومن الحمة أيضا، وكثير من الناس يقرءون على الملدوغ فيبرأ حالا، ويدل لهذا «قصة الرجل الذي بعثه النبي ﷺ في سرية، فاستضافوا قوما، فلم يضيفوهم، فلدغ سيدهم لدغة عقرب، فقالوا: من يرقي؟ فقالوا: لعل هؤلاء الركب عندهم راق، فجاءوا إلى السرية، قالوا: هل فيكم من راق؟ قالوا نعم، ولكن لا نرقي إلا بشيء من الغنم، فقالوا نعطيكم. فاقتطعوا لهم من الغنم، ثم ذهب أحدهم يقرأ عليه الفاتحة، قرأها ثلاثا أو سبعا، فقام كأنما نشط من عقال، فانتفع اللديغ بقراءتها، ولهذا قال ﷺ "وما يدريك أنها رقية؟» (يعني: الفاتحة) ، وكذا القراءة من العين مفيدة. ويستعمل للعين طريقة أخرى غير الرقية، وهو الاستغسال، وهي أن يؤتى بالعائن، ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب، ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله.

стр. 2925

ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» . ــ وهناك طريقة أخرى، ولا مانع منها أيضا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب؛ كالثوب، والطاقية، والسروال، وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مجرب. وأما العائن؛ فينبغي إذا رأى ما يعجبه أن يبرك عليه؛ «لقول النبي ﷺ لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: " هلا بركت عليه» (١) ؛ أي: قلت: بارك الله عليك. قوله: " ولكن حدثنا "، القائل: سعيد بن جبير. قوله: " عرضت علي الأمم "، العارض لها الله ، وهذا في المنام فيما يظهر. وانظر: "فتح الباري" (١١\٤٠٧) باب يدخل الجنة سبعون ألفا، كتاب الرقاق) ، والأمم: جمع أمة وهي أمم الرسل. قوله: " الرهط "، من الثلاثة إلى التسعة. قوله: " والنبي ومعه الرجل والرجلان "، الظاهر أن الواو بمعنى أو؛ أي:

стр. 2926

«إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت؛ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) . ثم نهض. فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ » . ــ ومعه الرجل أو الرجلان؛ لأنه لو كان معه الرجل والرجلان صار يغني أن يقول: ومعه ثلاثة، لكن المعنى: والنبي ومعه الرجل، والنبي الثاني ومعه الرجلان. قوله: (والنبي وليس معه أحد) ، أي: يبعث ولا يكون معه أحد، لكن يبعثه الله لإقامة الحجة، فإذا قامت الحجة حينئذ؛ يعذر الله من الخلق، ويقيم عليهم الحجة. قوله: (إذ رفع لي) هذا على تقدير محذوف؛ بينما أنا كذلك, إذ رفع لي. قوله: (سواد عظيم) ، المراد بالسواد هنا الظاهر أنه الأشخاص، ولهذا يقال: ما رأيت سواده؛ أي: شخصه، أي أشخاصًا عظيمة كانوا من كثرتهم سوادًا. قوله: (فظننت أنهم أمتي) لأن الأنبياء عرضوا عليه بأممهم؛ فظن هذا السواد أمته ﵊. قوله: (فقيل لي: هذا موسى وقومه) ، وهذا يدل على كثرة أتباع موسى ﵇ وقومه الذين أرسل إليهم.

стр. 2927

قوله: (فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك) ، وهذا أعظم من السواد الأول؛ لأن أمة النبي ﷺ أكثر بكثير من أمة موسى ﵇. قوله: (بغير حساب ولا عذاب) أي: لا يعذبون ولا يحاسبون كرامة لهم، وظاهره أنه لا في قبورهم ولا بعد قيام الساعة. قوله: (فخاض الناس في أولئك) هذا الخوص للوصول إلى الحقيقة نظريًّا وعمليًّا حتى يكونوا منهم. قوله: (الذين صحبوا رسول الله) يحتمل أن المراد الصحبة المطلقة، ويؤيده ظاهر اللفظ. ويحتمل أن المراد الذين صحبوه في هجرته، ويؤيده أنه لو كان المراد الصحبة المطلقة؛ لقالوا: نحن؛ لأن المتكلم هم الصحابة، ويدل على هذا قول الرسول ﷺ لخالد بن الوليد: «لا تسبوا أصحابي» ?؛ فإن المراد بهم الذين صحبوه في هجرته، لكن يمنع منه أن المهاجرين لا يبلغون سبعين ألفًا. ويمنع الاحتمال الأول: أن الصحابة أكثر من سبعين ألفًا، ويحتمل أن المراد من كان مع الرسول ﷺ إلى فتح مكة؛ لأنه بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا. وهذه المسألة تحتاج إلى مراجعة أكثر.

стр. 2928

«وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا ... وذكروا أشياء، فخرج عليه رسول الله ﷺ ، فأخبروه، فقال: (هم الذين لا يسترقون) .» ــ قوله: (الذين ولدوا في الإسلام) ، أي: من ولد بعد البعثة وأسلم، وهؤلاء كثيرون، ولو قلنا: ولدوا في الإسلام من الصحابة ما بلغوا سبعين ألفًا. قوله: (فخرج عليهم رسول الله، فأخبروه) ، أي: أخبروه بما قالوا وما جري بينهم. قوله: (لا يسترقون) ، في بعض روايات مسلم: (لا يرقون) . ولكن هذه الرواية خطأ؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الرسول ﷺ كان يرقي (١) ورقاه جبريل (٢) وعائشة (٣) وكذلك الصحابة كانوا يرقون (٤) واستفعل بمعنى طلب الفعل، مثل: استغفر؛ أي: طلب المغفرة، واستجار: طلب الجوار، وهنا استرقى؛ أي: طلب الرقية، أي لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم؛ لما يلي:

стр. 2929

«ولا يكتوون ولا يتطيرون.» ــ ١ - لقوة اعتمادهم على الله. ٢ - لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله. ٣ - ولما في ذلك من التعلق بغير الله. وقوله: (ولا يكتوون) أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم. ومعنى اكتوى: طلب من يكويه، وهذا مثل قوله: (ولا يسترقون) . أما بالنسبة لمن أعد للكي من قبل الحكومة، فطلب الكي منه ليس فيه ذلك؛ لأنه معد من قبل الحكومة يأخذ الأجر على ذلك من الحكومة، ولأن هذا الطلب مجرد إخبار من الطالب بأنه محتاج إلى الكي، وليس سؤال تذلل. قوله: (ولا يتطيرون) ، مأخوذ من الطير، والمصدر منه تطير، والطيرة اسم المصدر، وأصله: التشاؤم بالطير، ولكنه أعم من ذلك؛ فهو التشاؤم بمرثي، أو مسموع، أو زمان، أو مكان. وكانت العرب معروفة بالتطير، حتى لو أراد الإنسان منهم خيرًا ثم رأى الطير سنحت يمينًا أو شمالًا حسب ما كان معروفًا عندهم، تجده يتأخر عن هذا الذي أراده، ومنهم من إذا سمع صوتًا أو رأى شخصًا تشاءم، ومنهم من يتشاءم من شهر شوال بالنسبة للنكاح؛ ولذا قالت عائشة ﵂: «عقد علي رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال؛ فأيكن كان أحظى عنده» ومنهم من يتشاءم بيوم الأربعاء، أو بشهر صفر، وهذا كله مما أبطله

стр. 2930

«وعلى ربهم يتوكلون» . ــ الشرع؛ لضرره على الإنسان عقلًا وتفكيرًا وسلوكًا، وكون الإنسان لا يبالي بهذه الأمور، هذا هو التوكل على الله؛ ولهذا ختم المسألة بقوله: (وعلى ربهم يتوكلون) ؛ فانتفاء هذه الأمور عنهم يدل على قوة توكلهم. وهل هذه الأشياء تدل على أن من لم يتصف بها فهو مذموم، أو فاته الكمال؟ الجواب: أن الكمال فاته إلا بالنسبة للتطير؛ فإنه لا يجوز؛ لأنه ضرر وليس له حقيقة أصلًا. أما بالنسبة لطلب العلاج؛ فالظاهر أنه مثله لأنه عام، وقد يقال: إنه لولا قوله: (ولا يسترقون) ؛ لقلت: إنه لا يدخل؛ لأن الاكتواء ضرر محقق: إحراق بالنار، وألم للإنسان، ونفعه مرتجى, لكن كلمة (يسترقون) مشكلة, فالرقية ليس فيها ضرر, إن لم تنفع لم تضر، وهنا نقول: الدواء مثلها؛ لأن الدواء إذا لم ينفع لم يضر، وقد يضير أيضًا؛ لأن الإنسان إذا تناول دواء وليس فيه مرض لهذا الدواء فقد يضره. وهذه المسألة تحتاج إلى بحث، وهل نقول مثلاً: ما تؤكد منفعته إذا لم يكن في الإنسان إذلال لنفسه؛ فهو لا يضر، أي: لا يفوت المرء الكمال به، مثل الكسر وقطع العضو مثلًا، أو كما يفعل الناس الآن في الزائدة وغيرها. ولو قال قائل بالاقتصار على ما في هذا الحديث، وهو أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وأن ما عدا ذلك لا يمنع من دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ للنصوص الواردة بالأمر بالتداوي والثناء على بعض الأدوية؛ كالعسل والحبة السوداء؛ لكان له وجه.

стр. 2931

«فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: (أنت منهم) . ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: (سبقك بها عكاشة) » . ــ وإذا طلب منك إنسان أن يرقيك؛ فهل يفوتك كمال إذا لم تمنعه؟ الجواب: لا يفوتك؛ «لأن النبي ﷺ لم يمنع عائشة أن ترقيه» ، وهو أكمل الخلق توكلًا على الله وثقة به، ولأن هذا الحديث: (لا يسترقون. . .) إلخ إنما كان في طلب هذه الأشياء، ولا يخفى الفرق بين أن تحصل هذه الأشياء بطلب وبين أن تحصل بغير طلب. قوله: (فقال: أنت منهم) ، وقول الرسول ﷺ : هذا هل هو بوحي من الله إقراري، أو وحي إلهامي، أو وحي رسول؟ مثل هذه الأمور يحتمل أنها وحي إلهامي، أو بواسطة الرسول، أو وحي إقراري، بمعنى أن الرسول يقولها، فإذا أقره الله عليه؛ صارت وحيًا إقراريًّا. لكن رواية البخاري: (اللهم اجعله منهم) تدل على أن الجملة: (أنت منهم) خبر بمعنى الدعاء. قوله: «ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة» ، لم يرد النبي ﷺ أن يقول له: لا، ولكن قال: سبقك بها؛ أي

стр. 2932

فيه مسائل: الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. الثانية: ما معنى تحقيقه. الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين. ــ بهذه المنقبة والفضيلة, أو بهذه المسألة عكاشة بن محصن. وقد اختلف العلماء لماذا قال الرسول ﷺ هذا الكلام؟ فقيل: إنه كان منافقًا، فأراد الرسول ﷺ ألا يجابهه بما يكره تأليفًا. وقيل: خاف أن ينفتح الباب فيطلبها من ليس منهم؛ فقال هذه الكلمة التي أصبحت مثلًا، وهذا أقرب. قوله: (فيه مسائل) ، أي: في هذا الباب مسائل: المسألة الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد، وهذه مأخوذة من قوله: «يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» . ثم قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون» . الثانية: ما معنى تحقيقه؟ أي: تحقيق التوحيد، وسبق لنا في أول الباب أن تحقيقه: تخليصه من الشرك. الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين، وهو ظاهر في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠.] ؛ فإن هذه الآية لا شك أنها سيقت للثناء على إبراهيم ﵊، وإذا كان مناط الثناء انتفاء الشرك عنه؛ دل ذلك على أن كل

стр. 2933

الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد. السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل. السابعة: عمق علم الصحابة بمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. ــ من انتفى عنه الشرك فهو محل ثناء من الله . الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ وهذه الآية في سياق آيات كثيرة ابتدأها الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١.] ؛ فهؤلاء هم سادات الأولياء، وكلام المؤلف من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي: الأولياء السادات، وليس يريد -رحمه- الله السادات من الأولياء، بل يريد الأولياء الذي هم سادات الخلق. الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد؛ لقوله: «الذين لا يسترقون ولا يكتوون» ؛ فالمراد بقول المؤلف: (الرقية والكي) : الاسترقاء والاكتواء. السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل، والخصال هي: ترك الاسترقاء، وترك الاكتواء، وترك التطير، يعني أن العامل لهذه الأشياء هو قوة التوكل على الله . السابعة: عمق عمل الصحابة لمعرفة أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل، أي:

стр. 2934

الثامنة: حرصهم على الخير. التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى. الحادية عشرة: عرض الأمم عليه ﵊. ــ لم ينل هؤلاء السبعون ألفًا هذا الثواب إلا بعمل، ووجهه أن الصحابة خاضوا فيمن يكون له هذا الثواب العظيم وذكروا أشياء. الثامنة: حرصهم على الخير، وجهه خوضهم في هذا الشيء؛ لأنهم يريدون أن يصلوا إلى نتيجة حتى يقوموا بها. التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية، أما الكمية؛ فلأن النبي ﷺ رأى سوادًا عظيمًا أعظم من السواد الذي كان مع موسى، وأما الكيفية؛ فلأن معهم هؤلاء الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى، وهو مأخوذ من قوله: «إذ رفع لي سواد عظيم» ، ولكن قد يقال: إن التعبير بقوله: كثرة أتباع موسى أنسب لدلالة الحديث؛ لأن الحديث يقول: «سواد عظيم فظننت أنهم أمتي» ، وهذا يدل على الكثرة. الحادية عشرة: عرض الأمم عليه ﵊، وهذا له فائدتان: الفائدة الأولى: تسلية الرسول ﵊، حيث رأى من الأنبياء من ليس معه إلا الرجل والرجلان، ومن الأنبياء من ليس معه أحد؛ فيتسلى بذلك ﵊، ويقول: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ . الفائدة الثانية: بيان فضيلته ﵊ وشرفه، حيث كان

стр. 2935

الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها. الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء. الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد وحده. الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة, وعدم الزهد في القلة. ــ أكثرهم أتباعًا وأفضلهم؛ فصار في عرض الأمم عليه هاتان الفائدتان. الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها؛ لقوله: «رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان» ، ولولا أن كل نبي متميز عن النبي الآخر؛ لاختلط بعضهم ببعض، ولم يعرف الأتباع من غير الأتباع، ويدل لذلك قوله : ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨.] فإنه يدل على أن كل أمة تكون وحدها. الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء، وهو واضح من قوله: «والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» . الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده؛ لقوله: «والنبي وليس معه أحد» . الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة. . . إلخ، فإن الكثرة قد تكون ضلالًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦.] ، وأيضًا الكثرة من جهة أخرى إذا اغتر الإنسان بكثرة وظن لن يغلب أو أنه منصور؛ فهذا أيضًا سبب للخذلان؛ فالكثرة إن نظرنا إلى أن أكثر أهل الأرض ضلال لا تغتر بهم، فلا تقل: إن الناس على هذا، كيف أنفرد عنهم؟

стр. 2936

السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة. السابعة عشرة: عمق علم السلف؛ لقوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا) فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني. ــ كذلك أيضا لا تغتر بالكثرة إذا كان معك أتباع كثيرون على الحق؛ فكلام المؤلف له وجهان: الوجه الأول: أن لا نغتر بكثرة الهالكين فنهلك معهم. الوجه الثاني: أن لا نغتر بكثرة الناجين فيلحقنا الإعجاب بالنفس وعدم الزهد في القلة، أي أن لا نزهد بالقلة؛ فقد تكون القلة خيرا من الكثرة. السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة، مأخوذ من قوله: «لا رقية إلا من عين أو حمة» . السابعة عشرة: عمق علم السلف؛ لقوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا» ؛ فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني؛ لأن قوله: «لا رقية إلا من عين أو حمة» لا يخالف الثاني؛ لأن الثاني إنما هو في الاسترقاء، والأول في الرقية؛ فالإنسان إذا أتاه من يرقيه ولم يمنعه؛ فإنه لا ينافي قوله: ( «ولا يسترقون» ؛ لأن هناك ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: أن يطلب من يرقيه، وهذا قد فاته الكمال. المرتبة الثانية: أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال؛ لأنه لم يسترق ولم يطلب. المرتبة الثالثة: أن يمنع من يرقيه, وهذا خلاف السنة؛ «فإن النبي ﷺ لم»

стр. 2937

الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه. التاسعة عشرة: قوله: (أنت منهم) : علم من أعلام النبوة. العشرون: فضيلة عكاشة. ــ «يمنع عائشة أن ترقيه،» وكذلك الصحابة لم يمنعوا أحدا أن يرقيهم؛ لأن هذا لا يؤثر في التوكل. الثامنة عشرة بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه، ئؤخذ من قوله: «أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت» ؛ لأنه إذا رأى الكوكب الذي انقض استلزم أن يكون يقظان، واليقظان: إما أن يصلي، وإما أن يكون له شغل آخر، وإما أن يكون لديه مانع من النوم. التاسعة عشرة: قوله: (أنت منهم) علم من أعلام النبوة. يعني: دليلا على نبوة الرسول ﷺ ، وكيف ذلك؟ لأن عكاشة بن محصن ﵁ بقي محروسا من الكفر حتى مات على الإسلام، فيكون في هذا علم، يعني: دليلا من دلائل نبوة الرسول ﷺ ، هذا إذا قلنا: إن الجملة خبرية وليست جملة دعائية؛ إنها جملة دعائية, فقد نقول أيضا: فيه علم من أعلام النبوة، وهو أن الله استجاب دعوة الرسول ﷺ ، لكن استجابة الدعوة ليست من خصائص الأنبياء؛ فقد تجاب دعوة من ليس بنبي، وحينئذ لا يمكن أن تكون علما من أعلام النبوة إلا حيث جعلنا الجملة خبرية محضة. العشرون: فضيلة عكاشة، بكونه ممن يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهل نشهد له بذلك؟ نعم؛ لأن الرسول ﷺ شهد له بها.

стр. 2938

الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. الثانية والعشرون: حسن خلقه ﷺ . ــ الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، وذلك لقول الرسول ﷺ : «سبقك بها عكاشة» ؛ فإن هذا في الحقيقة ليس هو المانع الحقيقي، بل المانع ما أشرنا إليه في الشرح: إما أن يكون هذا الرجل منافقا فلم يرد النبي ﷺ أن يجعله مع الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وإما خوفا من انفتاح الباب؛ فيسأل هذه المرتبة من ليس من أهلها. الثانية والعشرون: حسن خلقه ﷺ ؛ وذلك لأنه رد هذا الرجل وسد الباب على وجه ليس فيه غضاضة على أحد ولا كراهة.

стр. 2939

باب الخوف من الشرك وقول الله غز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦.] ــ مناسبة الباب للبابين قبله: في الباب الأول ذكر المؤلف ﵀ تحقيق التوحيد، وفي الباب الثاني ذكر أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث بهذا الباب رحمه الله تعالى؛ لأن الإنسان يرى أنه قد حقق التوحيد وهو لم يحققه، ولهذا قال بعض السلف: (ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص) ، وذلك أن النفس متعلقة بالدنيا تريد حظوظها من مال أو جاه أو رئاسة، وقد تريد بعمل الآخرة الدنيا، وهذا نقص في الإخلاص، وقل من يكون غرضه الآخرة في كل عمله، ولهذا أعقب المؤلف ﵀ ما سبق من البابين بهذا الباب، وهو الخوف من الشرك، وذكر فيه آيتين: الأولى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . لا: نافية، أن يشرك به: فعل مضارع مقرون بان المصدرية؛ فيحول إلى مصدر تقدره: إن الله لا يغفر الإشراك به، أو لا يغفر إشراكا به؛ فالشرك لا يغفره الله أبدا؛ لأنه جناية على حق الله الخاص، وهو التوحيد. أما المعاصي؛ كالزنا والسرقة؛ فقد يكون للإنسان فيها حظ نفس بما نال

стр. 2940

وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] . ــ من شهوة، أما الشرك؛ فهو اعتداء على حق الله تعالى، وليس للإنسان فيه حظ نفس، وليس شهوة يريد الإنسان أن ينال مراده، ولكنه ظلم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣.] . وهل المراد بالشرك هنا الأكبر، أم مطلق الشرك؟ قال بعض العلماء: إنه مطلق يشمل كل شرك ولو أصغر؛ كالحلف بغير الله، فإن الله لا يغفره، أما بالنسبة لكبائر الذنوب؛ كالسرقة والخمر؛ فإنها تحت المشيئة، فقد يغفرها الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة؛ فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر، وعلى كل حال؛ فيجب الحذر من الشرك مطلقا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلا فيه الأصغر؛ لأن قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أن وما بعدها في تأويل مصدر، تقديره: إشراكا به؛ فهو نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم. قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ المراد بالدون هنا: ما هو أقل من الشرك وليس ما سوى الشرك. الآية الثانية: قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ . قيل: المراد ببنيه: بنوه لصلبه، ولا نعلم له من صلبه سوى إسماعيل وإسحاق، وقيل: المراد ذريته وما توالد من صلبه، وهو الأرجح، وذلك

стр. 2941

للآيات التي دلت على دعوته للناس من ذريته، ولكن كان من حكمة الله أن لا تجاب دعوته في بعضهم، كما «أن الرسول ﷺ دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم» ?فلم يجب الله دعاه. وأيضا يمنع من الأول أن الآية بصيغة الجمع، وليس لإبراهيم من الأبناء سوى إسحاق وإسماعيل. ومعنى: واجنبني؛ أي: اجعلني في جانب والأصنام في جانب، وهذا أبلغ مما لو قال: امنعني وبني من عبادة الأصنام؛ لأنه إذا كان في جانب عنها كان أبعد. فإبراهيم ﵇ يخاف الشرك على نفسه، وهو خليل الرحمن وإمام الحنفاء؛ فما بالك بنا نحن إذًا؟! فلا تأمن الشرك، ولا تأمن النفاق؛ إذ لا يأمن النفاق إلا منافق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن، ولهذا قال ابن أبي ملكية: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه) . وها هو عمر بن الخطاب ﵁ خاف على نفسه النفاق؛ فقال لحذيفة بن اليمان ﵁ الذي أسر إليه النبي ﷺ بأسماء أناس من المنافقين فقال له عمر ﵁: (أنشدك الله؛ هل سماني لك رسول الله ﷺ مع من سمى من المنافقين؟ . فقال حذيفة ﵁: لا، ولا أزكي بعدك أحدا) (١) أراد عمر بذلك زيادة الطمأنينة، وإلا؛ فقد شهد له النبي ﷺ بالجنة.

стр. 2942

ولا يقال: إن عمر ﵁ أراد حث الناس على الخوف من النفاق ولم يخفه على نفسه؛ لأن ذلك خلاف ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ومثل هذا القول يقوله بعض العلماء فيما يضيفه النبي ﷺ إلى نفسه في بعض الأشياء، يقولون: هذا قصد به التعليم، وقصد به أن يبين لغيره، كما قيل: إن الرسول ﷺ لم يقل: رب اغفر لي لأن له ذنبا، ولكن لأجل أن يعلم الناس الاستغفار، وهذا خلاف الأصل، وقال بعضهم: إنه جهر بالذكر عقب الفريضة ليعلم الناس الذكر، لا لأن الجهر بذلك من السنة ونحو ذلك. قوله: ﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ . أن والفعل بعدها في تأويل مصدر: مفعول ثان لقوله: اجنبني. والأصنام: جمع صنم، وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره يعبد من دون الله. أما الوثن؛ فهو ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وفي الحديث: «لا تجعل قبري وثنا يعبد» (١) فالوثن أعم من الصنم. ولا شك أن إبراهيم سأل ربه الثبات على التوحيد؛ لأنه إذا جنبه عبادة الأصنام صار باقيا على التوحيد. الشاهد من هذه الآية: أن إبراهيم خاف الشرك، وهو إمام الحنفاء، وهو سيدهم ما عدا رسول الله ﷺ .

стр. 2943

وفي الحديث: « (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) . فسئل عنه؟ فقال: (الرياء) » ــ قوله: (وفي الحديث) . الحديث: ما أضيف إلى الرسول، والخبر: ما أضيف إليه وإلى غيره، والأثر: ما أضيف إلى غير الرسول ﷺ ؛ أي: إلى الصحابي فمن بعده، إلا إذا قيد فقيل: وفي الأثر عن رسول الله ﷺ ؛ فيكون على ما قيد به. قوله: «أخوف ما أخاف عليكم» . الخطاب للمسلمين؛ إذ المسلم هو الذي يخاف عليه الشرك الأصغر، وليس لجميع الناس. قوله: (الرياء) مشتق من الرؤية مصدر راءى يرائي، والمصدر رياء؛ كقاتل يقاتل قتالا. والرياء: أن يعبد الله ليراه الناس فيمدحوه على كونه عابدا، وليس يريد أن تكون العبادة للناس؛ لأنه لو أراد ذلك؛ لكان شركا أكبر، والظاهر أن هذا على سبيل التمثيل، وإلا؛ فقد يكون رياء، وقد يكون سماعا أي يقصد بعبادته أن يسمعه الناس فيثنوا عليه، فهذا داخل في الرياء؛ فالتعبير بالرياء من باب التعبير بالأغلب. أما إن أراد بعبادته أن يقتدي الناس به فيها؛ فليس هذا رياء، بل هذا من الدعوة إلى الله ، والرسول ﷺ يقول: «فعلت هذا لتأتموا بي»

стр. 2944

«وتعلموا صلاتي» . والرياء ينقسم باعتبار إبطاله للعبادة إلى قسمين: الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء؛ فهذا عمله باطل مردود عليه لحديث أبي هريرة في (الصحيح) مرفوعا، قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» . الثاني: أن يكون الرياء طارئا على العبادة، أي أن أصل العبادة لله, لكن طرأ عليها الرياء؛ فهذا ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يدافعه؛ فهذا لا يضره. مثاله: رجل صلى ركعة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه؛ فإنه لا يضره لأنه قام بالجهاد. القسم الثاني: أن استرسل معه؛ فكل عمل ينشأ عن الرياء، فهو باطل؛ كما لو أطال القيام، أو الركوع، أو السجود، أو تباكى؛ فهذا كل عمله حابط، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أم لا؟ نقول: لا يخلو هذا من الحالين: الحال الأولى: أن يكون آخر العبادة مبنيا على أولها، بحيث لا يصح

стр. 2945

أولها مع فساد آخرها؛ فهذه كلها فاسدة. وذلك مثل الصلاة؛ فالصلاة مثلا لا يمكن أن يفسد آخرها ولا يفسد أولها وحينئذ تبطل الصلاة كلها إذا طرأ الرياء في أثنائها ولم يدافعه. الحال الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلا عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء؛ فهو صحيح، وما كان بعده؛ فهو باطل. مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين بقصد الرياء؛ فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة؛ لأن آخرها منفك عن أولها. فإن قيل: لو حدث الرياء في أثناء الوضوء؛ هل يلحق بالصلاة فيبطل كله، أو بالصدقة فيبطل ما حصل فيه الرياء فقط. فالجواب: يحتمل هذا وهذا؛ فيلحق بالصلاة؛ لأن الوضوء عبادة واحدة ينبني على بعض، وليس تطهير كل عضو عبادة مستقلة، ويلحق بالصدقة؛ لأنه ليس كالصلاة من كل وجه ولا الصداقة من كل وجه؛ لأننا إذا قلنا ببطلان ما حصل فيه الرياء فأعاد تطهيره وحده لم يضر؛ لأن تكرار غسل العضو لا يبطل الوضوء ولو كان عمدا، بخلاف الصلاة؛ فإنه إذا كرر جزءا منها كركوع أو سجود لغير سبب شرعي؛ بطلت صلاته، فلو أنه أن غسل يديه رجع وغسل وجهه؛ لم يبطل وضوؤه، ولو أنه بعد أن سجد رجع وركع؛ لبطلت صلاته، والترتيب موجود في هذا وهذا، لكن الزيادة في الصلاة تبطلها، والزيادة في الوضوء لا تبطلة، والرجوع مثلا إلى الأعضاء الأولى لا يبطله أيضا، وإن كان الرجوع في الحقيقة لا يعتبر وضوءا؛ لأنه غير شرعي، وربما يكون في الأولى غسل وجهه على أنه واحدة، ثم غسل يديه، ثم قال:
следующие страницы →