← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

قوله: تعبدون: العبادة هنا التذلل والخضوع؛ لأن في قومه من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الشمس والقمر والكواكب. قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ : جمع بين النفي والإثبات؛ فالنفي: ﴿بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ، والإثبات: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ؛ فدل على أن التوحيد لا يتم إلا بالكفر بما سوى الله والإيمان بالله وحده، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وهؤلاء يعبدون الله ويعبدون غيره؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ، والأصل في الاستثناء الاتصال إلا بدليل، ومع ذلك تبرأ منهم. وكذا يوجد في بعض البلدان الإسلامية من يصلي ويزكي ويصوم ويحج، ومع ذلك يذهبون إلى القبور يسجدون لها ويركعون؛ فهم كفار غير موحدين، ولا يقبل منهم أي عمل، وهذا من أخطر ما يكون على الشعوب الإسلامية؛ لأن الكفر بما سوى الله عندهم ليس بشيء، وهذا جهل منهم، وتفريط من علمائهم؛ لأن العامي لا يأخذ إلا من عالمه، لكن بعض الناس -والعياذ بالله- عالم دولة لا عالم ملة. وفي قول إبراهيم ﷺ : ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ، ولم يقل إلا الله فائدتان: الأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله وبالعبادة؛ لأنه كما أنه منفرد بالخلق؛ فيجب أن يفرد بالعبادة. الثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام؛ لأنها لم تفطركم حتى تعبدوها؛ ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات، وهذه من البلاغة التامة في تعبير إبراهيم ﵇. يستفاد من الآية أن التوحيد لا يحصل بعبادة الله مع غيره، بل لا بد من

стр. 2977

وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١] . ــ إخلاصه لله، والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم يعبد الله وحده. وقسم يعبد غيره فقط. وقسم يعبد الله وغيره. والأول فقط هو الموحد. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ... الآية. قوله: أحبارهم: والمعطوف عليها المفعول الأول لـ (اتخذوا) ، والثاني: " أربابا "؛ أي: هؤلاء اليهود والنصارى صيروا أحبارهم ورهبانهم أربابا. والأحبار: جمع حَبْر، وهو العالم، ويقال للعالم أيضا بحر لكثرة علمه. والحبر؛ بفتح الحاء، وكسرها يقال: حَبر، وحبر. قوله تعالى: ورهبانهم؛ أي: عبادهم. وقوله: أربابا: جمع رب، أي يجعلونهم أربابا من دون الله؛ فيجعلوا الأحبار أربابا؛ لأنهم يأتمرون بأمرهم في مخالفة أمر الله، فيطيعونهم في معصية الله. وجعلوا الرهبان أربابا باتخاذهم أولياء يعبدونهم من دون الله. قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: من غير الله. قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ : معطوف على أحبارهم؛ أي: اتخذوا المسيح

стр. 2978

وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٦٥.] . ــ ابن مريم أيضًا ربًا حيث قالوا: إنه ثالث ثلاثة. قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: يتذللوا بالطاعة لله وحده، الذي خلق المسيح والأحبار والرهبان والسماوات والأرض. قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ؛ أي: لا معبود حق إلا هو. قوله: سبحانه: تنزيه لله عما يشركون. وجه كون هذه الآية تفسيرًا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذه الآية سيأتي فيها ترجمة كاملة في كلام المؤلف ﵀؛ فهؤلاء جعلوا الأحبار شركاء في الطاعة، كلما أمروا بشيء أطاعوهم، سواء وافق أمر الله أم لا. إذا؛ فتفسير التوحيد أيضًا بلا إله إلا الله يستلزم أن تكون طاعتك لله وحده، ولهذا على الرغم من تأكيد النبي ﷺ لطاعة ولاة الأمر؛ قال: «إنما الطاعة في المعروف» . الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ . . . الآية.

стр. 2979

قوله: من الناس: من للتبعيض، وعلامتها أن يصح أن يحل محلها بعض، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومن يتخذ مبتدأ مؤخر، أي من يجعل لله أندادًا، ومفعولها الأول "أندادًا" مؤخرًا، ومفعولها الثاني "من دون الله" مقدمًا. وقوله: يتخذ: جاءت بالإفراد مراعاة للفظ " من ". وقوله: يحبونهم: بالجمع مراعاة للمعنى. وقوله: أندادًا: جمع ند، وهو الشبيه والنظير، ولهذا «قال النبي ﷺ لمن قال له ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده"» . وقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ : هذا وجه المشابهة؛ أي: الندية في المحبة يحبونهم كحب الله. واختلف المفسرون في قوله: كحب الله: فقيل: يجعلون محبة الأصنام مساوية لمحبة الله، فيكون في قلوبهم محبة لله ومحبة للأصنام، ويجعلون محبة الأصنام كمحبة الله؛ فيكون المصدر مضافًا إلى مفعوله، أي يحبون الأصنام كحبهم الله. وقيل: يحبون هذه الأصنام محبة شديدة كمحبة المؤمنين لله. وسياق هذه الآية يؤيد القول الأول. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ . على الرأي الأول يكون معناها: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لله؛ لأن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة هؤلاء فيها شرك بين الله وبين أصنامهم.

стр. 2980

وعلى الرأي الثاني معناها: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لأصنامهم؛ لأن محبة المؤمنين ثابتة في السراء والضراء على برهان صحيح، بخلاف المشركين؛ فإن محبتهم لأصنامهم تتضاءل إذا مسهم الضر. فما بالك برجل يحب غير الله أكثر من محبته لله؟ ! وما بالك برجل يحب غير الله ولا يحب الله؟ ! فهذا أقبح وأعظم، وهذا موجود في كثير من المنتسبين للإسلام اليوم، فإنهم يحبون أولياءهم أكثر مما يحبون الله، ولهذا لو قيل له: احلف بالله؛ حلف صادقًا أو كاذبًا، أما الولي؛ فلا يحلف به إلا صادقًا. وتجد كثيرًا منهم يأتون إلى مكة والمدينة ويرون أن زيارة قبر الرسول ﷺ أعظم من زيارة البيت؛ لأنهم يجدون في نفوسهم حبا لرسول الله ﷺ كحب الله أو أعظم، وهذا شرك؛ لأن الله يعلم أننا ما أحببنا رسول الله ﷺ إلا لحب الله، ولأنه رسول الله، ما أحببناه لأنه محمد بن عبد الله لكننا أحببناه لأنه رسول الله ﷺ ؛ فنحن نحبه بمحبة الله، لكن هؤلاء يجعلون محبة الله تابعة لمحبة الرسول ﷺ إن أحبوا الله. فهذه الآية فيها محنة عظيمة لكثير من قلوب المسلمين اليوم الذين يجعلون غير الله مثل الله في المحبة، وفيه أناس أيضًا أشركوا بالله في محبة غيره، لا على وجه العبادة الشرعية؛ لكن على وجه العبادة المذكورة في الحديث وهي محبة الدرهم والدينار والخميصة والخميلة، يوجد أناس لو فتشت عن قلوبهم؛ لوجدت قلوبهم ملأى من محبة متاع الدنيا، وحتى هذا الذي جاء يصلي هو في المسجد لكن قلبه مشغول بما يحبه من أمور الدنيا.

стр. 2981

فهذا نوع من أنواع العبادة في الحقيقة، ولو حاسب الإنسان نفسه لماذا خلق؟ لعلم أنه خلق لعبادة الله، وأيضًا خلق لدار أخرى ليست هذه الدار؛ فهذه الدار مجاز يجوز الإنسان منها إلى الدار الأخرى، الدار التي خلق لها والتي يجب أن يعنى بالعلم لها، يا ليت شعري متى يومًا من الأيام فكر الإنسان ماذا عملت؟ وكم بقي لي في هذه الدنيا؟ وماذا كسبت؟ الأيام تمضي ولا أدري هل ازددت قربًا من الله أو بعدًا من الله؟ هل نحاسب أنفسنا عن هذا الأمر؟ فلا بد لكل إنسان عاقل من غاية؛ فما هي غايته؟ نحن الآن نطلب العلم للتقرب إلى الله بطلبه، وإعلام أنفسنا، وإعلام غيرنا؛ فهل نحن كلما علمنا مسألة من المسائل طبقناها؟ نحن على كل حال نجد في أنفسنا قصورًا كثيرًا وتقصيرًا، وهل نحن إذا علمنا مسألة ندعو عباد الله إليها؟ هذا أمر يحتاج إلى محاسبة، ولذلك؛ فإن على طالب العلم مسئولية ليست هينة، عليه أكثر من زكاة المال؛ فيجب أن يعمل ويتحرك ويبث العلم والوعي في الأمة الإسلامية، وإلا انحرفت عن شرع الله. قال ابن القيم ﵀: كل الأمور تسير بالمحبة؛ فأنت مثلًا لا تتحرك لشيء إلا وأنت تحبه، حتى اللقمة من الطعام لا تأكلها إلا لمحبتك لها. ولهذا قيل: إن جميع الحركات مبناها على المحبة؛ فالمحبة أساس العمل، فالإشراك في المحبة إشراك بالله. والمحبة أنواع: الأول: المحبة لله، وهذه لا تنافي التوحيد، بل هي من كماله، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله.

стр. 2982

والمحبة لله هي أن تحب هذا الشيء؛ لأن الله يحبه، سواء كان شخصًا أو عملًا، وهذا من تمام التوحيد. قال مجنون ليلى: أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا الثاني: المحبة الطبيعية التي لا يؤثرها المرء على محبة الله؛ فهذه لا تنافي محبة الله؛ كمحبة الزوجة، والولد، والمال، ولهذا «لما سئل النبي ﷺ : من أحب الناس إليك؟ قال: " عائشة ". قيل: فمن الرجال؟ قال: "أبوها» . ومن ذلك محبة الطعام والشراب واللباس. الثالث: المحبة مع الله التي تنافي محبة الله، وهي أن تكون محبة غير الله كمحبة الله أو أكثر من محبة الله، بحيث إذا تعارضت محبة الله ومحبة غيره قدم محبة غير الله، وذلك إذا جعل هذه المحبة ندا لمحبة الله يقدمها على محبة الله أو يساويها بها. الشاهد من هذه الآية: أن الله جعل هؤلاء الذين ساووا محبة الله بمحبة غيره مشركين جاعلين لله أندادا.

стр. 2983

وفي الصحيح عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله » . وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب. ــ قوله: (وفي الصحيح) . لم يفصح المؤلف ﵀ بمراده بالصحيح؛ أهو (صحيح البخاري) أم (صحيح مسلم) ، أم أن المراد به الحديث الصحيح؛ سواء كان في (الصحيحين) معًا أم في أحدهما أم في غيرهما، وليس له اصطلاح في ذلك يحمل عليه عند الإطلاق، وعلى هذا يبحث عن الحديث في مظانه، وقد ورد هذا التعبير في سياق المؤلف للحديث في مواضع أخرى، والمراد به هنا (صحيح مسلم) . قوله ﷺ : " من قال لا إله إلا الله " أي لا معبود حق إلا الله، فلفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر، ومن يرى أن (لا) تعمل في المعرفة يقولون: هو الخبر. قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» ، أي: بعبادة من يعبد من دون الله، قلنا ذلك؛ لأن عيسى بن مريم كان يعبد من دون الله، ونحن نؤمن به، لكن لا نؤمن بعبادته ولا بأنه مستحق للعبادة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾

стр. 2984

فيه مسائل: فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة، وبينها بأمور واضحة. ــ [المائدة: ١١٦-١١٧] . وفي قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» دليل على أنه لا يكفي مجرد التلفظ بلا إله إلا الله بل لا بد أن تكفر بعبادة من يعبد من دون الله، بل وتكفر أيضًا بكل كفر، فمن يقول: لا إله إلا الله، ويرى أن النصارى واليهود اليوم على دين صحيح؛ فليس بمسلم، ومن يرى الأديان أفكارًا يختار منها ما يريد؛ فليس بمسلم، بل الأديان عقائد مفروضة من قبل الله ، يتمشى الناس عليها، ولهذا ينكر على بعض الناس في تعبيره بقوله: الفكر الإسلامي، بل الواجب أن يقال: الدين الإسلامي أو العقيدة الإسلامية، ولا بأس بقول المفكر الإسلامي؛ لأنه وصف للشخص نفسه لا للدين الذي هو عليه. قوله: (وشرح هذه الترجمة) ، المراد بالشرح هنا: التفصيل، والترجمة: هي التعبير بلغة عن لغة أخرى، ولكنها تطلق باصطلاح المؤلفين على العناوين والأبواب، فيقال: ترجم على كذا؛ أي: بوب له. قوله: (فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد) . فتفسير التوحيد أنه لا بد فيه من أمرين: الأول: نفى الألوهية عما سوى الله .

стр. 2985

منها أية الإسراء: بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين؛ ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر. ــ الثاني: إثبات الألوهية لله وحده؛ فلا بد من النفي والإثبات لتحقيق التوحيد؛ لأن التوحيد جعل الشيء واحدًا بالعقيدة والعمل، وهذا لا بد فيه من النفي والإثبات. فإذا قلت: زيد قائم؛ أثبت له القيام ولم توحده، لكن إذا قلت: لا قائم إلا زيد؛ أثبت له القيام ووحدته به. وإذا قلت: الله إله أثبت له الألوهية، لكن لم تنفها عن غيره؛ فالتوحيد لم يتم، وإذا قلت: لا إله إلا الله، أثبت الألوهية لله ونفيتها عما سواه. قوله: (تفسير الشهادة) . الشهادة: هي التعبير عما تيقنه الإنسان بقلبه؛ فقول: أشهد أن لا إله إلا الله؛ أي: أنطلق بلساني معبرًا عما يكنه قلبي من اليقين، وهو أنه لا إله إلا الله. قوله: (منها آية الإسراء) . وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ . . . [الإسراء: ٥٧.] ؛ فبين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، وبين أن هذا هو الشرك الأكبر؛ لأن الدعاء من العبادة، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ؛ فدل على أن الدعاء عبادة؛ لأن آخر الكلام تعليل لأوله، فكل من دعا أحدًا غير الله حيًا أو ميتًا؛ فهو مشرك شركًا أكبر. ودعاء المخلوق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 2986

ومنها آية براءة: بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهًا واحدًا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم. ــ الأول: جائز، وهو أن تدعو مخلوقًا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة؛ فهذا ليس من دعاء العبادة، بل هو من الأمور الجائزة، قال ﷺ : «وإذا دعاك فأجبه» . الثاني: أن تدعو مخلوقًا مطلقًا، سواء كان حيًّا أو ميتًا فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فهذا شرك أكبر؛ لأنك جعلته ندًّا لله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان اجعل ما في بطن امرأتي ذكرًا. الثالث: أن تدعو مخلوقًا ميتًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة؛ فهذا شرك أكبر أيضًا؛ لأنه لا يدعو من كان هذه حاله حتى يعتقد أن له تصرفًا خفيًّا في الكون. قوله: (ومنها آية براءة بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) . وهذا شرك الطاعة، وهو بتوحيد الربوبية ألصق من توحيد

стр. 2987

ومنها قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٧] فاستثنى من المعبودين ربه. وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] . ــ لألوهية؛ لأن الحكم شرعيًّا كان أو كونيًّا إلى الله تعالى؛ فهو من تمام ربوبيته، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] . والشيخ ﵀ جعل شرك الطاعة من الأكبر، وهذا فيه تفصيل، وسيأتي إن شاء الله في باب من أطاع الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو بالعكس. قوله: (ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ؛ فاستثنى من المعبودين ربه. فدل هذا على أن التوحيد لا بد فيه من نفي وإثبات: البراءة مما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحده. وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله؛ فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، وهي لا إله إلا الله؛ فكان معنى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هو معنى قول: لا إله إلا الله.

стр. 2988

ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] . ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبًّا عظيمًا، ولم يدخلهم في الإسلام؛ فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ ! وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟ ! ــ قوله: (ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ . فجعل الله المحبة شركًا إذا أحب شيئًا سوى الله كمحبته لله؛ فيكون مشركًا مع الله في المحبة، ولهذا يجب أن تكون محبة الله خالصة لا يشاركه فيها أحد حتى محبة الرسول ﷺ ، فلولا أنه رسول ما وجبت طاعته ولا محبته إلا كما نحب أي مؤمن، ولا يمنع الإنسان من محبة غير الله، بل له أن يحب كل شيء تباح محبته؛ كالولد، والزوجة، ولكن لا يجعل ذلك كمحبة الله. قال المؤلف: (فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!) . فالأقسام أربعة: الأول: أن يحب الله حبًّا أشد من غيره؛ فهذا هو التوحيد. الثاني: أن يحب غير الله كمحبة الله، وهذا شرك. الثالث: أن يحب غير الله أشد حبًّا من الله، وهذا أعظم مما قبله. الرابع: أن يحب غير الله وليس في قلبه محبة لله تعالى، وهذا أعظم وأطم.

стр. 2989

ومنها قوله ﷺ : ( «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» . وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله) ؛ فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. ــ والمحبة لها أسباب ومتعلقات، وتختلف باختلاف متعلقها، كما أن الفرح يختلف باختلاف متعلقه وأسبابه، فعندما يفرح بالطرب؛ فليس هذا كفرحه بذكر الله ونحوه. حتى نوع المحبة يختلف، يحب والده ويحب ولده وبينهما فرق، ويحب الله ويحب ولده، ولكن بين المحبتين فرق. فجميع الأمور الباطنة في المحبة والفرح والحزن تختلف باختلاف متعلقها، وسيأتي إن شاء الله لهذا البحث مزيد تفصيل عند قول المؤلف: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ . قوله: (ومنها: قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله ... ) إلخ. إذًا فلا بد من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] . قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» . أي: كفر بالأصنام، وأنكر أن تكون عبادتها حقًّا؛ فلا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، ولا أعبد صنمًا، بل لا بد أن

стр. 2990

يقول: الأصنام التي تعبد من دون الله أكفر بها وبعبادتها. فمثلًا لا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله ولا أعبد اللات، ولكن لا بد أن يكفر بها ويقول: إن عبادتها ليست بحق، وإلا؛ كان مقرًّا بالكفر. فمن رضي دين النصارى دينًا يدينون الله به؛ فهو كافر لأنه إذا ساوى غير دين الإسلام مع الإسلام؛ فقد كذب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] . وبهذا يكون كافرًا، وبهذا نعرف الخطر العظيم الذي أصاب المسلمين اليوم باختلاطهم مع النصارى، والنصارى يدعون إلى دينهم صباحًا ومساءً، والمسلمون لا يتحركون، بل بعض المسلمين الذين ما عرفوا الإسلام حقيقة يلينون لهؤلاء، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ، وهذا من المحنة التي أصابت المسلمين الآن، وآلت بهم إلى هذا الذل الذي صاروا فيه.

стр. 2991

باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه ــ قوله: (من الشرك) ، من هنا للتبعيض؛ أي: أن هذا بعض الشرك، وليس كل الشرك، والشرك: اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر، ولبس هذه الأشياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها، وكان لبس هذه الأشياء من الشرك؛ لأن كل من أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا شرعيًّا ولا قدريًّا؛ فقد جعل نفسه شريكًا مع الله. فمثلًا: قراءة الفاتحة سبب شرعي للشفاء. وأكل المسهل سبب حسي لانطلاق البطن، وهو قدري؛ لأنه يعلم بالتجارب. والناس في الأسباب طرفان ووسط: الأول: من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله؛ كالجبرية، والأشعرية. الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سببًا، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم. الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله، سواء كان سببًا شرعيًّا أو كونيًّا. ولا شك أن هؤلاء هم الذين آمنوا إيمانًا حقيقيًّا، وآمنوا بحكمته؛ حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، وهذا من تمام الحكمة.

стр. 2992

ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله؛ فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره. وإن اعتقد أنها سبب ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه؛ فهو مشرك شركًا أصغر؛ لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببًا؛ فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا. وطريق العلم بأن الشيء سبب: إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] ، وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . وإما عن طريق القدر، كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم أو المرض، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلًا؛ فهذا سبب ظاهر بين، وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل: أنا جربت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرًا؛ كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع لأن للانفعال النفسي للشيء أثرًا بينًا؛ فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحلق ويربطون الخيوط، قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناءً على اعتقادهم نفعها. وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقًا شرعيًّا لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقًا للتشريع. قوله: (لبس الحلقة والخيط) ، الحلقة: من حديد أو ذهب أو فضة أو ما أشبه ذلك، والخيط معروف.

стр. 2993

وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] . ــ قوله: (ونحوهما) ، كالمرصعات، وكمن يصنع شكلًا معينًا من نحاس أو غيره لدفع البلاء، أو يعلق على نفسه شيئًا من أجزاء الحيوانات، والناس كانوا يعلقون القرب البالية على السيارات ونحوها لدفع العين، حتى إذا رآها الشخص نفرت نفسه فلا يعين. قوله: (لرفع البلاء، أو دفعه) ، الفرق بينهما: أن الرفع بعد نزول البلاء، والدفع قبل نزول البلاء. وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا ينكر السبب الصحيح للرفع أو الدفع، وإنما ينكر السبب غير الصحيح. وقول الله تعالى: أفرأيتم؛ أي: أخبروني، وهذا تفسير باللازم؛ لأن من رأى أخبر، وإلا فهي استفهام عن رؤية، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١] ؛ أي: أخبرني ما حال من كذب بالدين؟ وهي تنصب مفعولين: الأول مفرد، والثاني جملة استفهامية. وقوله: (ما) ، المفعول الأول لرأيتم، والمفعول الثاني جملة: (إن أرادني الله بضر) . وقوله: (تدعون) ، المراد بالدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ فهم يدعون هذه الأصنام دعاء عبادة، فيتعبدون لها بالنذر والذبح والركوع والسجود، ويدعونها دعاء مسألة لدفع الضرر أو جلب النفع. فالله سبحانه إذا أراد ضرا لا تستطيع الأصنام أن تكشفه، وإن أراده

стр. 2994

برحمة لا تستطيع أن تمسك الرحمة عنه؛ فهي لا تكشف الضرر ولا تمنع النفع؛ فلماذا تعبد؟! وقوله: كاشفات، يشمل الدفع والرفع؛ فهي لا تكشف الضر بدفعه وإبعاده، ولا تكشفه برفعه وإزالته. وقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ ، أي: كافيني، والحسب: الكفاية، ومنه قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦] ، من الحسب، وهو الكفاية، وحسبي: مبتدأ، ولفظ الجلالة خبر، وهذا أبلغ. وقيل العكس، والراجح الأول؛ لوجهين: الأول: أن الأصل عدم التقديم والتأخير. الثاني: أن قولك: حسبي الله فيه حصر الحسب في الله، أي حسبي الله لا غيره؛ فهو كقولك: لا حسب لي إلا الله، بخلاف قولك: الله حسبي؛ فليس فيه الحصر المذكور؛ فلا يدل على حصر الحسب في الله. قوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. والمعنى أن المتوكل حقيقة هو المتوكل على الله، أما الذي يتوكل على الأصنام والأولياء والأضرحة؛ فليس بمتوكل على الله تعالى. وهذا لا ينافي أن يوكل الإنسان إنسانًا في شيء ويعتمد عليه؛ لأن هناك فرقًا بين التوكل على الإنسان الذي يفعل شيئًا بأمرك، وبين توكلك على الله؛ لأن توكلك على الله اعتقادك أن بيده النفع والضر، وأنك متذلل، معتمد

стр. 2995

عن عمران بن حصين ﵁؛ «أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذه) ؟ قال: من الواهنة. فقال: (انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك؛ ما أفلحت أبدًا» . (١) رواه أحمد بسند لا بأس به. ــ عليه، مفتقر إليه، مفوض أمرك إليه. والشاهد من هذه الآية: أن الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر؛ فليست أسباب لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري؛ فيعتبر اتخاذه سببا إشراكا بالله. وهناك شاهد آخر في قوله: حسبي الله؛ فإن فيه تفويض الكفاية إلى الله دون الأسباب الوهمية، وأما الأسباب الحقيقة؛ فلا ينافي تعاطيها توكل العبد على الله تعالى وتفويض الأمر إليه؛ لأنها من عنده. قوله في حديث عمران: (رأى رجلا) . لم يبين اسمه؛ لأن المهم بيان القضية وحكمها، لكن ورد ما يدل على أنه عمران نفسه، لكنه أبهم نفسه. قوله: «حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة» ، والحلقة والصفر

стр. 2996

معروفان، وأما الواهنة؛ فوجع في الذراع أو العضد. (ما أفلحت) : الفلاح هو النجاة من المرهوب وحصول المطلوب. هذا الحديث مناسب للباب مناسبة تامة؛ لأن هذا الرجل لبس حلقة من صفر؛ إما لدفع البلاء أو لرفعه. والظاهر أنه لرفعه؛ لقوله: ( «لا تزيدك إلا وهنا» ، والزيادة تكون مبنية على أصل. ففي الحديث دليل على عدة فوائد: ١ - أنه ينبغي لمن أراد إنكار المنكر أن يسأل أولا عن الحال؛ لأنه قد يظن ماليس بمنكرا، ودليله أن الرسول ﷺ قال: (ما هذه) . والاستفهام هنا للاستعلام فيما يظهر وليس للإنكار، وقول الرجل: (من الواهنة) : من للسببية؛ أي: لبستها بسب الواهنة، وهي مرض يوهن الإنسان ويضعفه، قد يكون في الجسم كله وقد يكون في بعض الأعضاء كما سبق. ٢ - وجوب إزالة المنكر؛ لقوله: (انزعها) ، فامره بنزعها؛ لأن لبسها منكر، وأيد ذلك بقوله: «إنها لا تزيدك إلا وهنا» ؛ أي: وهنا في النفس لا في الجسم، وربما تزيده وهنا في الجسم، أما وهن النفس؛ فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها ونسيت الاعتماد على الله والانفعال النفسي له أثر كبير في إضعاف الإنسان؛ فأحيانا يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض، وأحيانا يتناسى الإنسان المرض وهو مريض فيصبح صحيحا؛ فانفعال النفس بالشيء له أثر بالغ، ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر، حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا؛ فيزداد عليه الوهم حتى يصبح

стр. 2997

وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: «من تعلق تميمة؛ فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة؛ فلاودع الله له» . (١) ــ الموهوم حقيقة. فهذا الذي لبس الحلقة من الواهنة لا تزيده إلا وهنا؛ لأنه سوف يعتقد أنها ما دامت عليه فهو سالم فإذا نزعها عاد إليه الوهن، وهذا بلا شك ضعف في النفس. ٣ - أن الأسباب التي لا أثر لها يقتضي الشرع أو العادة أو التجربة لا ينتفع بها الإنسان. ٤ - أن لبس الحلقة وشبهها لدفع البلاء أو رفعه من الشرك؛ لقوله: (لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا) ، وانتفاء الفلاح دليل على الخيبة والخسران. ولكن هل هذا شرك أكبر أو أصغر؟ سبق لنا عند الترجمة أنه يختلف بحسب اعتقاد صاحبه. ٥ - أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: (لو مت وهي عليك) ؛ فعرف أنه لو أقلع عنها قبل الموت لم تضر؛ لأن الإنسان إذا تاب قبل أن يموت صار كمن لا ذنب له. قوله: (من تعلق تميمة) : أي علق بها قلبه واعتمد عليها في جلب النفع ودفع الضرر. والتميمة: شيء يعلق على الأولاد من خرز أو غيره يتقون به العين. وقوله: (فلا أتم الله له) . الجمله خبرية بمعنى الدعاء، ويحتمل أن تكون

стр. 2998

وفي رواية: «من تعلق تميمة؛ فقد أشرك» . (١) ولابن أبي حاتم عن حذيفة: (أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦.] . ــ خبرية محضة، وكلا الاحتمالين دال على أن التميمة محرمة، سواء نفى الرسول ﷺ أن يتم الله له أو دعا بأن لا يتم الله له؛ فإن كان الرسول ﷺ أراد به الخبر فإننا نخبر بما أخبر به النبي ﷺ ، وإلا؛ فإننا ندعو بما دعا به الرسول ﷺ . ومثل ذلك قوله ﷺ : «ومن تعلق ودعة؛ فلا ودع الله له» . والودعة: واحدة الودع، وهي أحجار تؤخذ من البحر يعلقونها لدفع العين، ويزعمون أن الإنسان إذا علق هذه الودعة لم تصبه العين، أو لا يصيبه الجن. قوله: (لا ودع الله له) ، أي: لا تركه الله في دعة وسكون، وضد الدعة والسكون القلق والألم. وقيل: لا ترك الله له خيرا؛ فعومل بنقيض قصده. وقوله: (فقد أشرك) ، هذا الشرك يكون أكبر إن اعتقد أنها ترفع أو تدفع بذاتها دون أمر الله، وإلا؛ فهو أصغر. قوله: (من الحمى) ، (من) هنا للسببية؛ أي: في يده خيط لبسه من أجل الحمى لتبرد عليه، أو يشفى منها. قوله: (فقطعه) أي: قطع الخيط؛ وفعله هذا من تغيير المنكر باليد،

стр. 2999

فيه مسائل: الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه؛ ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. ــ وهذا يدل على غيرة السلف الصالح وقوتهم في تغيير المنكر باليد وغيرها. وقوله: وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ، أي وتلا حذيفة هذه الآية. والمراد بها المشركون الذين يؤمنون بتوحيد الربوبية ويكفرون بتوحيد الألوهية. قوله: ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: وهم متلبسون بالشرك، وكلام حذيفة في رجل مسلم لبس خيطا لتبريد الحمى أو الشفاء منها. وفيه دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وشرك، ولكن ليس الشرك الأكبر؛ لأن الشرك الأكبر لا يجتمع مع الإيمان، ولكن المراد هنا الشرك الأصغر، وهذا أمر معلوم. قوله: (فيه مسائل) ، أي: في الباب مسائل: الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك؛ لقوله ﷺ : «انزعها -لا تزيدك إلا وهنا-، لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» ، وهذا تغليظ عظيم في لبس هذه الأشياء والتعلق بها. الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح، هذا وهو صحابي فكيف بمن دون الصحابي؟! فهو أبعد عن الفلاح.

стр. 3000

الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة. ــ قال المؤلف: (فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر) . قوله: (لكلام الصحابة) ؛ أي: لقولهم، وهو كذلك؛ فالشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقا) (١) وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكبيرة؛ لأن الشرك لا يغفر ولو كان أصغر، بخلاف الكبائر؛ فإنها تحت المشيئة. الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة. هذا فيه نظر؛ لأن قوله ﷺ : «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» ليس بصريح أنه لو مات قبل العلم، بل ظاهره: «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» ؛ أي: بعد أن علمت وأمرت بنزعها. وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل؛ فنقول: الجهل نوعان: جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئا عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم؛ فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي، وما كان ناشئا عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المقتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء؛ فإنه يعذر فيه، فان كان منتسبا إلى الإسلام؛ لم يضره، وإن كان منتسبا إلى الكفر؛ فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار.

стр. 3001

الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة؛ بل تضر، لقوله: (لا تزيدك إلا وهنا) . الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك. ــ فعلى هذا من نشأ ببادية بعيدة ليس عنده علماء ولم يخطر بباله أن هذا الشيء حرام، أو أن هذا الشيء واجب؛ فهذا يعذر، وله أمثلة: ومنها: رجل بلغ وهو صغير وهو في بادية ليس عنده عالم، ولم يسمع عن العلم شيئا، ويظن أن الإنسان لا تجب عليه العبادات إلا إذا بلغ خمس عشرة سنة، فبقي بعد بلوغه حتى تم له خمس عشرة سنة وهو لا يصوم ولا يصلي ولا يتطهر من جنابة؛ فهذا لا نأمره بالقضاء؛ لأنه معذور بجهله الذي لم يفرط فيه بالتعلم ولم يطرأ له على بال، وكذلك لو كانت أنثى أتاها الحيض وهي صغيرة وليس عندها من تسأل ولم يطرأ على بالها أن هذا الشيء واجب إلا إذا تم لها خمس عشرة سنة؛ فإنها تعذر إذا كانت لا تصوم ولا تصلي. وأما من كان بالعكس كالساكن في المدن يستطيع أن يسأل، لكن عنده تهاون وغفلة؛ فهذا لا يعذر؛ لأن الغالب في المدن أن هذه الأحكام لا تخفى عليه ويوجد فيها علماء يستطيع أن يسألهم بكل سهولة؛ فهو مفرط، فيلزمه القضاء ولا يعذر بالجهل. الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة, بل تضر؛ لقوله: «لا تزيدك إلا وهنا» . والمؤلف استنبط المسألة وأتى بوجه استنباطها. الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك، أي: ينبغي أن ينكر إنكارا مغلظا على من فعل مثل هذا، ووجه ذلك سياق الحديث الذي أشار إليه المؤلف، وأيضا قوله: «من تعلق تميمة؛ فلا أتم الله له» .

стр. 3002

السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا؛ وكل إليه (١) . السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة؛ فقد أشرك. الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك. التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر؛ كما ذكر ابن عباس في آية البقرة. ــ السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا وكل إليه. تؤخذ من قوله: «من تعلق تميمة؛ فلا أتم الله له» إذا جعلنا الجملة خبرية، وأن من تعلق تميمة؛ فإن الله لا يتم له، فيكون موكولا إلى هذه التميمة، ومن وكل إلى مخلوق؛ فقد خذل، ولكنها في الباب الذي بعده صريحة، «من تعلق شيئا وكل إليه» . السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة؛ فقد أشرك. وهو إحدى الروايتين في حديث عقبة بن عامر. الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك. يؤخذ من فعل حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ . التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.

стр. 3003

العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك. الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له؛ أي: ترك الله له. ــ أي: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ في الشرك الأكبر، لكنهم يستدلون بالآيات الواردة في الشرك الأكبر على الأصغر؛ لأن الأصغر شرك في الحقيقة وإن كان لا يخرج من الملة، ولهذا نقول: الشرك نوعان: أصغر وأكبر. وقوله: (كما ذكر ابن عباس في آية البقرة) وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ؛ فجعل المحبة التي تكون كمحبة الله من اتخاذ الند لله . العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك، وقوله: (من ذلك) ؛ أي: من تعليق التمائم الشركية؛ لأنه لا أثر لها ثابت شرعا ولا قدرا. الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له؛ أي: ترك الله له. تؤخذ من دعاء النبي ﷺ على هؤلاء الذين اتخذوا تمائم وودعا، ليس هذا بغريب أن نؤمر بالدعاء على من خالف وعصى؛ فقد قال النبي ﷺ : «إذا سمعتم من ينشد الضالة في المسجد؛ فقولوا: لا ردها الله عليك» (١) ، «وإذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد؛ فقولوا: لا»

стр. 3004

«أربح الله تجارتك» . (١) فهنا أيضا تقول له: لا أتم الله لك، ولكن الحديث إنما قاله الرسول ﷺ على سبيل العموم؛ فلا نخاطب هذا بالتصريح ونقول لشخص رأينا عليه تميمة: لا أتم الله لك، وذلك لأن مخاطبتنا الفاعل بالتصريح والتعيين سوف يكون سببا لنفوره، ولكن نقول: دع التمائم أو الودع؛ فإن النبي ﷺ يقول: «من تعلق تميمة؛ فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة؛ فلا ودع الله له» .

стр. 3005

باب ما جاء في الرقى والتمائم في الصحيح «عن أبي بشير الأنصاري ﵁؛ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولا: (أن يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» . ــ قول المؤلف: باب ما جاء في الرقى والتمائم. لم يذكر المؤلف أن هذا الباب من الشرك؛ لأن الحكم فيه يختلف عن حكم لبس الحلقة والخيط، ولهذا جزم المؤلف في الباب الأول أنها من الشرك بدون استثناء، أما هذا الباب؛ فلم يذكر أنها شرك؛ لأن من الرقى ما ليس بشرك، ولهذا قال: (باب ما جاء في الرقى والتمائم) . قوله: (الرقى) ، جمع رقية، وهي القراءة؛ فيقال: رقى: رقى عليه -بالألف- من القراءة، ورقي عليه -بالياء- من الصعود. قوله: (التمائم) ، جمع تميمة، وسميت تميمة؛ لأنهم يرون أنه يتم بها دفع العين. قوله: (أسفاره) ، السفر: مفارقة محل الإقامة، وسمي سفرا؛ لأمرين:

стр. 3006

الأول: حسي، وهو أنه يسفر ويظهر عن بلده لخروجه من البنيان. الثاني: معنوي، وهو أنه يسفر عن أخلاق الرجال؛ أي: يكشف عنها وكثير من الناس لا تعرف أخلاقهم وعاداتهم وطبائعهم إلا بالأسفار. قوله: «قلادة من وتر، أو قلادة» ، شك من الراوي، والأول أرجح؛ لأن القلائد كانت تتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد؛ لأنه تعلق بما ليس بسبب، وقد سبق أن التعلق بما ليس بسبب شرعي أو حسي شرك؛ لأنه يتعلقه أثبت للأشياء سببًا لم يثبته الله لا بشرعه ولا بقدره، ولهذا أمر النبي ﷺ أن نقطع هذه القلائد. أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة كالزمام؛ فهذا لا بأس به لعدم الاعتقاد الفاسد، وكان الناس يعلمون ذلك كثيرًا من الصوف أو غيره. قوله: (في رقبة بعير) ، ذكر البعير؛ لأن هذا هو الذي كان منتشرًا حينذاك؛ فهذا القيد بناءً على الواقع عندهم؛ فيكون كالتمثيل، وليس بمخصص. يستفاد من الحديث: ١ - أنه ينبغي لكبير القوم أن يكون مراعيًا لأحوالهم؛ فيتفقدهم وينظر في أحوالهم. ٢ - أنه يجب عليه رعايتهم بما تقتضيه الشريعة؛ فإذا فعلوا محرمًا منعهم منه، وإن تهاونوا في واجب حثهم عليه. ٣ - أنه لا يجوز أن تعلق في أعناق الإبل أشياء تجعل سببًا في جلب منفعة أو دفع مضرة، وهي ليست كذلك لا شرعًا ولا قدرًا؛ لأنه شرك، ولا

стр. 3007

وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» . رواه أحمد وأبو داود (١) . ــ يلزم أن تكون القلادة في القربة، بل لو جعلت في اليد أو الرجل؛ فلها حكم الرقبة؛ لأن العلة هي هذه القلادة، وليس مكان وضعها؛ فالمكان لا يؤثر. ٤ - أنه يجب على من يستطيع تغيير المنكر باليد أن يغيره بيده. قوله: (إن الرقى) ، جمع رقية، وهذه ليست على عمومها، بل هي عام أريد به خاص، وهو الرقى بغير ما ورد به الشرع، أما ما ورد به الشرع؛ فليست من الشرك، «قال ﷺ في الفاتحة: (وما يدريك أنها رقية) » . وهل المراد بالرقى في الحديث ما لم يدر به الشرع ولو كانت مباحة، أو المراد ما كان في شرك؟ الجواب: الثاني؛ لأن كلام النبي ﷺ لا يناقض بعضه بعضًا؛ فالرقى المشروعة التي ورد بها الشرع جائزة. وكذا الرقى المباحة التي يرقى بها الإنسان المريض بدعاء من عنده ليس فيه شرك جائز أيضًا. قوله: (التمائم) ، فسرها المؤلف بقوله: (شيء يعلق على الأولاد يتقون

стр. 3008

به العين) ، وهي من الشرك؛ لأن الشارع لم يجعلها سببًا تتقى به العين. وإذا كان الإنسان يلبس أبناءه ملابس رثة وبالية خوفًا من العين؛ فهل هذا جائز؟ الظاهر أنه لا بأس به؛ لأنه لم يفعل شيئاً، وإنما ترك شيئًا، وهو التحسين والتجميل، وقد ذكر ابن القيم في (زاد المعاد) أن عثمان رأى صبيًّا مليحًا، فقال: دسموا نونته، والنونة: هي التي تخرج في الوجه عندما يضحك الصبي كالنقوة، ومعنى دسموا؛ أي: سودوا. وأما الخط: وهي أوراق من القرآن تجمع وتوضع في جلد ويخاط عليها، ويلبسها الطفل على يده أو رقبته؛ ففيها خلاف بين العلماء. وظاهر الحديث: أنها ممنوعة، ولا تجوز. ومن ذلك أن بعضهم يكتب القرآن كله بحروف صغيرة في أوراق صغيرة، ويضعها في صندوق صغير، ويعلقها على الصبي، وهذا مع أنه محدث؛ فهو إهانة للقرآن الكريم؛ لأن هذا الصبي سوف يسيل عليه لعابه، وربما يتلوث بالنجاسة، ويدخل به الحمام والأماكن القذرة، وهذا كله إهانة للقرآن. ومع الأسف أن بعض الناس اتخذوا من العبادات نوعًا من التبرك فقط؛ مثل ما يشاهد من أن بعض الناس يمسح الركن اليماني من باب التبرك لا التعبد، وهذا جهل، وقد قال عمر في الحجر: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) .

стр. 3009

وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «من تعلق شيئًا؛ وكل إليه» رواه أحمد والترمذي. ــ قوله: (التولة) ، شيء يعلقونه على الزوج، يزعمون أنه يحبب الزوجة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، وهذا شرك؛ لأنه ليس بسبب شرعي ولا قدري للمحبة. ومثل ذلك الدبلة، والدبلة: خاتم يشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج؛ قالت المرأة: إنه لا يحبها؛ فهم يعتقدون فيه النفع والضرر، ويقولون: إنه ما دام في يد الزوج؛ فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، فإذا وجدت هذه النية؛ فإنه من الشرك الأصغر، وإن لم توجد هذه النية -وهي بعيدة ألا تصحبها-؛ ففيه تشبه بالنصارى، فإنها مأخوذة منهم. وإن كانت من الذهب؛ فهي بالنسبة للرجل فيها محذور ثالث وهو لبس الذهب؛ فهي إما من الشرك، أو مضاهاة النصارى، أو تحريم النوع إن كانت للرجال، فإن خلت من ذلك فهي جائزة لأنها خاتم من الخواتم. وقوله: (شرك) ، هل هي شرك أصغر أو أكبر؟ نقول: بحسب ما يريد الإنسان منها إن اتخذها معتقدًا أن المسبب للمحبة هو الله؛ فهي شرك أصغر، وإن اعتقد أنها تفعل بنفسها؛ فهي شرك أكبر. قوله: (من تعلق) ، أي: اعتمد عليه وجعله همه ومبلغ علمه، وصار

стр. 3010

يعلق رجاءه به وزوال خوفه به. قوله: (شيئًا) نكرة في سياق الشرط؛ فتعم جميع الأشياء، فمن تعلق بالله ، وجعل رغبته ورجاءه فيه وخوفه منه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ؛ أي: كافيه، ولهذا كان من دعاء الرسل وأتباعهم عند المصائب والشدائد: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، قالها إبراهيم حين ألقي في النار, وقالها محمد وأصحابه حين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . قوله: (وكل إليه) أي: أسند إليه، وفوض. أقسام التعلق بغير الله: الأول: ما ينافي التوحيد من أصله، وهو أن يتعلق بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير، ويعتمد عليه اعتمادًا معرضًا عن الله، مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب، ولهذا إذا مستهم الشراء الشديدة يقولون: يا فلان! أنقذنا؛ فهذا لا شك أنه شرك أكبر مخرج من الملة. الثاني: ما ينافي كمال التوحيد، وهو أن يعتمد على سبب شرعي صحيح من الغفلة عن المسبب، وهو الله ، وعدم صرف قلبه إليه؛ فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شرك أكبر؛ لأن هذا السبب جعله الله سببًا. الثالث: أن يتعلق بالسبب تعلقًا مجردًا لكونه سببًا فقط، مع اعتماده الأصلي على الله؛ فيعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل أثره،

стр. 3011

(التمائم) : شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين. لكن إذا كان المعلق من القرآن؛ فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁. ــ ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله ؛ فهذا لا ينافي التوحيد لا كمالًا ولا أصلًا، وعلى هذا لا إثم فيه. ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله. فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقًا كاملًا، مع الغفلة عن المسبب، وهو الله، قد وقع في نوع من الشرك، أما إذا اعتقد أن المرتب سبب والمسبب هو الله ، وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب؛ فهذا لا ينافي التوكل. وقد كان الرسول ﷺ يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبب, وهو الله . وجاء في الحديث: (من تعلق) ، ولم يقل: من علق؛ لأن المتعلق بالشيء يتعلق به بقلبه وبنفسه، بحيث ينزل خوفه ورجاءه وأمله به, وليس كذلك من علق. قوله: (إذا كان المعلق من القرآن. . .) إلخ. إذا كان المعلق من القرآن أو الأدعية المباحة والأذكار الواردة؛ فهذه

стр. 3012

المسألة اختلف فيها السلف ﵏؛ فمنهم من رخص في ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ولم يذكر الوسيلة التي نتوصل بها إلى الاستشفاء بهذا القرآن؛ فدل على أن كل وسيلة يتوصل بها إلى ذلك فهي جائزة، كما لو كان القرآن دواء حسيًّا. ومنهم من منع ذلك وقال: لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به؛ لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به؛ فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد؛ فمعنى ذلك أننا فعلنا سببًا ليس مشروعًا (١) ، وقد نقله المؤلف ﵀ عن ابن مسعود ﵁. ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء؛ لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمرًا ظاهرًا؛ فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم؛ فإنه يتأثر بذلك. ولهذا نقول؛ الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا يسما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن؛ كالغيبة مثلًا، ودخول بيت الخلاء، وأيضًا إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة؛ فمثلًا: علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغني بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرأن على صدره.

стр. 3013

و (الرقى) : هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك؛ فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة. و (التولة) : هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته. ــ وإن كان صبيا؛ فربما بال ووصلت الرطوبة إلى هذا المعلق، وأيضًا لم يرد عن النبي ﷺ فيه شيء. فالأقرب أن يقال: إنه لا يفعل، أما أن يصل إلى درجة التحريم؛ فأنا أتوقف فيه، لكن إذا تضمن محظورًا؛ فإنه محرمًا بسبب ذلك المحظور. قوله: (التي تسمى العزائم) . أي: في عرف الناس، وعزم عليه؛ أي: قرأ عليه، وهذه عزيمة؛ أي قراءة. قوله: (وخص منها الدليل ما خلا من الشرك) ، أي: الأشياء الخالية من الشرك؛ فهي جائزة، سواء كان مما ورد بلفظه مثل: «اللهم رب الناس! أذهب الباس، اشف أنت الشافي» . . .) ، أو لم يرد بلفظه مثل: «اللهم عافه، اللهم اشفه» ، وإن كان فيها شرك؛ فإنها غير جائزة، مثل: (يا جني! أنقده، ويا فلان الميت! اشفه) ، ونحو ذلك.

стр. 3014

قوله: (من العين والحمة) ، سبق تعريفهما في باب من حقق التوحيد دخل الجنة. وظاهر كلام المؤلف أن الدليل يرخص بجواز القراءة إلا في هذين الأمرين: (العين، والحمة) ، لكن ورد بغيرهما؛ فقد «كان النبي ﷺ ينفخ على يديه عند منامه بالمعوذات، ويمسح بهما ما استطاع من جسده» ، وهذا من الرقية، وليس عيبًا ولا حمة. ولهذا يرى بعض أهل العلم الترخيص في الرقية من القرآن للعين والحمة وغيرهما عام، ويقول: إن معنى قول النبي ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة» ؛ أي: لا استرقاء إلا من عين أو حمة، والاسترقاء: طلب الرقية؛ فالمصيب بالعين -وهو (العائن) - يطلب منه أن يقرأ على المعيون. وكذلك الحمة يطلب الإنسان من غيره أن يقرأ عليه؛ لأنه مفيد كما في حديث أبي سعيد في قصة السرية. شروط جواز الرقية: الأول: أن لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله؛ فهو محرم، بل شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله. الثاني: أن لا تكون مما يخالف الشرع؛ كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله، أو استغاثة بالجن، وما أشبه ذلك؛ فإنها محرمة، بل شرك. الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم

стр. 3015

وروى أحمد عن رويفع؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك؛ فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا بريء منه» . (١) ــ والشعوذة؛ فإنها لا تجوز. أما بالنسبة للتمائم؛ فإن كانت من أمر محرم، أو اعتقد أنها نافعة لذاتها، أو كانت بكتابة لا تفهم؛ فإنها لا تجوز بكل حال. وإن تمت فيها الشروط الثلاثة السابقة في الرقية؛ فإن أهل العلم اختلفوا فيها كما سبق. قوله: (من عقد لحيته) ، اللحية عند العرب كانت لا تقص ولا تحلق، كما أن ذلك هو السنة، لكنهم كانوا يعقدون لحاهم لأسباب: منها: الافتخار والعظمة، فتجد أحدهم يعقد أطرافها، أو يعقدها من الوسط عقدة واحدة ليعلم أنه رجل عظيم، وأنه سيد في قومه. الثاني: الخوف من العين؛ لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك؛ فإن الرسول ﷺ بريء منه. وبعض العامة إذا جاءهم طعام من السوق أخذوا شيئًا منه يرمونه في الأرض؛ دفعًا للعين، وهذا اعتقاد فاسد ومخالف لقول النبي ﷺ : «إذا»
следующие страницы →