← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

(التمائم) : شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين. لكن إذا كان المعلق من القرآن؛ فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁. ــ ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله ؛ فهذا لا ينافي التوحيد لا كمالًا ولا أصلًا، وعلى هذا لا إثم فيه. ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله. فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقًا كاملًا، مع الغفلة عن المسبب، وهو الله، قد وقع في نوع من الشرك، أما إذا اعتقد أن المرتب سبب والمسبب هو الله ، وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب؛ فهذا لا ينافي التوكل. وقد كان الرسول ﷺ يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبب, وهو الله . وجاء في الحديث: (من تعلق) ، ولم يقل: من علق؛ لأن المتعلق بالشيء يتعلق به بقلبه وبنفسه، بحيث ينزل خوفه ورجاءه وأمله به, وليس كذلك من علق. قوله: (إذا كان المعلق من القرآن. . .) إلخ. إذا كان المعلق من القرآن أو الأدعية المباحة والأذكار الواردة؛ فهذه

стр. 3012

المسألة اختلف فيها السلف ﵏؛ فمنهم من رخص في ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ولم يذكر الوسيلة التي نتوصل بها إلى الاستشفاء بهذا القرآن؛ فدل على أن كل وسيلة يتوصل بها إلى ذلك فهي جائزة، كما لو كان القرآن دواء حسيًّا. ومنهم من منع ذلك وقال: لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به؛ لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به؛ فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد؛ فمعنى ذلك أننا فعلنا سببًا ليس مشروعًا (١) ، وقد نقله المؤلف ﵀ عن ابن مسعود ﵁. ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء؛ لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمرًا ظاهرًا؛ فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم؛ فإنه يتأثر بذلك. ولهذا نقول؛ الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا يسما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن؛ كالغيبة مثلًا، ودخول بيت الخلاء، وأيضًا إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة؛ فمثلًا: علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغني بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرأن على صدره.

стр. 3013

و (الرقى) : هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك؛ فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة. و (التولة) : هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته. ــ وإن كان صبيا؛ فربما بال ووصلت الرطوبة إلى هذا المعلق، وأيضًا لم يرد عن النبي ﷺ فيه شيء. فالأقرب أن يقال: إنه لا يفعل، أما أن يصل إلى درجة التحريم؛ فأنا أتوقف فيه، لكن إذا تضمن محظورًا؛ فإنه محرمًا بسبب ذلك المحظور. قوله: (التي تسمى العزائم) . أي: في عرف الناس، وعزم عليه؛ أي: قرأ عليه، وهذه عزيمة؛ أي قراءة. قوله: (وخص منها الدليل ما خلا من الشرك) ، أي: الأشياء الخالية من الشرك؛ فهي جائزة، سواء كان مما ورد بلفظه مثل: «اللهم رب الناس! أذهب الباس، اشف أنت الشافي» . . .) ، أو لم يرد بلفظه مثل: «اللهم عافه، اللهم اشفه» ، وإن كان فيها شرك؛ فإنها غير جائزة، مثل: (يا جني! أنقده، ويا فلان الميت! اشفه) ، ونحو ذلك.

стр. 3014

قوله: (من العين والحمة) ، سبق تعريفهما في باب من حقق التوحيد دخل الجنة. وظاهر كلام المؤلف أن الدليل يرخص بجواز القراءة إلا في هذين الأمرين: (العين، والحمة) ، لكن ورد بغيرهما؛ فقد «كان النبي ﷺ ينفخ على يديه عند منامه بالمعوذات، ويمسح بهما ما استطاع من جسده» ، وهذا من الرقية، وليس عيبًا ولا حمة. ولهذا يرى بعض أهل العلم الترخيص في الرقية من القرآن للعين والحمة وغيرهما عام، ويقول: إن معنى قول النبي ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة» ؛ أي: لا استرقاء إلا من عين أو حمة، والاسترقاء: طلب الرقية؛ فالمصيب بالعين -وهو (العائن) - يطلب منه أن يقرأ على المعيون. وكذلك الحمة يطلب الإنسان من غيره أن يقرأ عليه؛ لأنه مفيد كما في حديث أبي سعيد في قصة السرية. شروط جواز الرقية: الأول: أن لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله؛ فهو محرم، بل شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله. الثاني: أن لا تكون مما يخالف الشرع؛ كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله، أو استغاثة بالجن، وما أشبه ذلك؛ فإنها محرمة، بل شرك. الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم

стр. 3015

وروى أحمد عن رويفع؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك؛ فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا بريء منه» . (١) ــ والشعوذة؛ فإنها لا تجوز. أما بالنسبة للتمائم؛ فإن كانت من أمر محرم، أو اعتقد أنها نافعة لذاتها، أو كانت بكتابة لا تفهم؛ فإنها لا تجوز بكل حال. وإن تمت فيها الشروط الثلاثة السابقة في الرقية؛ فإن أهل العلم اختلفوا فيها كما سبق. قوله: (من عقد لحيته) ، اللحية عند العرب كانت لا تقص ولا تحلق، كما أن ذلك هو السنة، لكنهم كانوا يعقدون لحاهم لأسباب: منها: الافتخار والعظمة، فتجد أحدهم يعقد أطرافها، أو يعقدها من الوسط عقدة واحدة ليعلم أنه رجل عظيم، وأنه سيد في قومه. الثاني: الخوف من العين؛ لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك؛ فإن الرسول ﷺ بريء منه. وبعض العامة إذا جاءهم طعام من السوق أخذوا شيئًا منه يرمونه في الأرض؛ دفعًا للعين، وهذا اعتقاد فاسد ومخالف لقول النبي ﷺ : «إذا»

стр. 3016

وعن سعيد بن جبير؛ قال: (من قطع تميمة من إنسان؛ كان كعدل رقبة) . رواه وكيع (١) . ــ «سقطت لقمة أحدكم؛ فليمط ما بها من الأذى، وليأكلها» . قوله: (أو تقلد وتراً) ، الوتر: سلك من العصب يؤخذ من الشاة، وتتخذ للقوس وترًا، ويستعملونها في أعناق إبلهم أو خيلهم، أو في أعناقهم، يزعمون أنه يمنع العين، وهذا من الشرك. قوله: «أو استنجى برجيع دابة» ، الاستنجاء: مأخوذ من النجو، وهو إزالة أثر الخارج من السبيلين؛ لأن الإنسان الذي يتمسح بعد الخلاء يزيل أثره. ورجيع الدابة: هو روثها. قوله: (أو عظم) . العظم معروف، وإنما تبرأ النبي ﷺ ممن استنجى بهما؛ لأن الروث علف بهائم الجن والعظم طعامهم، يجدونه أوفر ما يكون لحمًا. وكل ذنب قرن بالبراءة من فاعله؛ فهو من كبائر الذنوب، كما هو معروف عند أهل العلم. الشاهد من هذا الحديث قوله: (من تقلد وترًا) . قوله: وعن سعيد بن جبير؛ قال: (من قطع تميمة. . .) الحديث. قوله: (كعدل رقبة) بفتح العين لأنه من غير الجنس، والمعادلة من الجنس

стр. 3017

وله عن إبراهيم؛ قال: (كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن) . (١) ــ بكسر العين، ووجه المشابهة بين قطع التميمة وعتق الرقبة: أنه إذا قطع التميمة من إنسان ؛ فكأنه أعتقه من الشرك، ففكه من النار، ولكن يقطعها بالتي هي أحسن؛ لأن العنف يؤدي إلى المشاحنة والشقاق، إلا إن كان ذا شأن كالأمير، والقاضي، ونحوه ممن له سلطة؛ فله أن يقطعها مباشرة. قوله: (كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن) ، وقد سبق أن هذا رأي ابن مسعود ﵁؛ فأصحابه يرون ما يراه. قوله: (وله عن إبراهيم) ، وهو إبراهيم النخعي. قوله: (كانوا) ، الضمير يعود إلى أصحاب ابن مسعود؛ لأنهم هم قرناء إبراهيم النخعي. قوله: (التمائم) ، هي ما يعلق على المريض أو الصحيح, سواء من القرآن أو غيره للاستشفاء أو لاتقاء العين، أو ما يعلق على الحيوانات. وفي هذا الوقت أصبح تعليق القرآن لا للاستشفاء، بل لمجرد التبرك والزينة؛ كالقلائد الذهبية، أو الحلي التي يكتب عليها لفظ الجلالة، أو آية الكرسي، أو القرآن كاملًا؛ فهذا كله من البدع.

стр. 3018

فيه مسائل: الأولى: تفسير الرقى والتمائم. الثانية: تفسير التولة. الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء. ــ فالقرآن ما نزل ليستشفى به على هذا الوجه، إنما يستشفى به على ما جاء به الشرع. قوله: الأولى: تفسير الرقى والتمائم، وقد سبق ذلك. الثانية: تفسير التولة، وقد سبق ذلك، وعندي أن منها ما يسمى بالدبلة إن اعتقدوا أنها صلة بين المرء وزوجته. الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء، ظاهر كلامه حتى الرقى، وهذا فيه نظر؛ لأن الرقى «ثبت عن النبي ﷺ أنه يرقي ويرقى» ، ولكنه لا يسترقي؛ أي: لا يطلب الرقية؛ فإطلاقها بالنسبة للرقى فيه نظر، وقد سبق للمؤلف ﵀ أن الدليل خص منها ما خلا من الشرك، وبالنسبة للتمائم، فعلى رأي الجمهور فيه نظر أيضًا. وأما على رأي ابن مسعود؛ فصحيح، وبالنسبة للتولة؛ فهي شرك بدون استثناء.

стр. 3019

الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك. الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء؛ هل هي من ذلك أم لا؟ السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك. ــ الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين أو الحمة ليس من ذلك. قوله: (الكلام الحق) ، ضده الباطل، وكذا المجهول الذي لا يعلم أنه حق أو باطل. والمؤلف رحمه الله تعالى خصص العين أو الحمة فقط استنادا لقول الرسول ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة» ، ولكن الصحيح أنه يشمل غيرهما؛ كالسحر. الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أم لا؟ قوله: (ذلك) المشار إليه: التمائم المحرمة. وقد سبق بيان هذا الخلاف والأحوط مذهب ابن مسعود؛ لأن الأصل عدم المشروعية حتى يتبين ذلك من السنة. السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك، أي: من الشرك.

стр. 3020

السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا. الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان. ــ (تنبيه) : ظهر في الأسواق في الآونة الأخيرة حلقة من النحاس يقولون: إنها تنفع من الروماتيزم، يزعمون أن الإنسان إذا وضعها على عضده وفيه روماتيزم نفعته من هذا الروماتيزم، ولا ندري هل هذا صحيح أم لا؟ لكن الأصل أنه ليس بصحيح؛ لأنه ليس عندنا دليل شرعي ولا حسي يدل على ذلك، وهي لا تؤثر على الجسم؛ فليس فيها مادة دهنية حتى نقول: إن الجسم يشرب هذه المادة وينتفع بها؛ فالأصل أنها ممنوعة حتى يثبت لنا بدليل صحيح صريح واضح أن لها اتصالا مباشرا بهذا الروماتيزم حتى ينتفع بها. السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا، وذلك لبراءة الرسول ﷺ ممن تعلق وترًا، بل ظاهره أنه كفر مخرج من الملة، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] ، لكن قال أهل العلم: إن البراءة هنا براءة من هذا الفعل؛ كقوله ﷺ : «من غشنا؛ فليس منا» . الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان، لقول سعيد بن جبير: (كان كعدل رقبة) ، ولكن هل قوله حجة أو لا؟ إن قيل: ليس بحجة؛ فكيف يقول المؤلف: فضل ثواب من قطع تميمة

стр. 3021

التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود. ــ من إنسان؟ ! فيقال: إنه إنما كان كذلك؛ لأنه إنقاذ له من رق الشرك؛ فهو كمن أعتقه، بل أبلغ. فهو من باب القياس، فمن أنقذ نفسًا من الشرك؛ فهو كمن أنقذها من الرق لأنه أنقذه من رق الشيطان والهوى. فائدة: إذا قال التابعي: من السنة كذا؛ فهل يعتبر موقوفًا متصلًا ويكون المراد من السنة أي سنة الصحابة، أو يكون مرفوعًا مرسلًا. وتقدم لنا أنه ينبغي أن يفصل في هذا، وإن التابعي إذا قاله محتجًّا به؛ فإنه يكون مرفوعًا مرسلًا، أما إذا قاله في سياق غير الاحتجاج؛ فهذا قد يقال: إنه من باب الموقوف الذي ينسب إلى الصحابي. التاسعة: أن كلام إبراهيم النخعي لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود، وليس مراده الصحابة، ولا التابعين عمومًا.

стр. 3022

باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما ــ قوله: (تبرك) ، تفعل من البركة، والبركة: هي كثرة الخير وثبوته، وهي مأخوذة من البركة بالكسر، والبركة: مجمع الماء، ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين: ١ - الكثرة. ٢ - الثبوت. والتبرك طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين: ١ - أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم؛ مثل القرآن، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص:٢٩] ، فمن بركته أن من أخذ به حصل له الفتح، فأنقذ الله بذلك أمما كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذا يوفر للإنسان الوقت والجهد، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة. ٢ - أن يكون بأمر حسي معلوم؛ مثل: التعليم، والدعاء، ونحوه؛ فهذا الرجل يتبرك بعلمه ودعوته إلى الخير؛ فيكون هذا بركة لأننا نلنا منه خيرا كثيرا. وقال أسيد بن حضير: (ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر) ؛ فإن الله يجري على بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر. وهناك بركات موهومة باطلة؛ مثل ما يزعمه الدجالون: أن فلانا الميت

стр. 3023

الذي يزعمون أنه ولي أنزل عليكم من بركته وما أشبه ذلك؛ فهذه بركة باطلة، لا أثر لها، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر، لكنها لا تعدو أن تكون آثارا حسية، بحيث إن الشيطان يخدم هذا الشيخ؛ فيكون في ذلك فتنة. أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة؛ فيعرف ذلك بحال الشخص، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدعة؛ فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة ما لا يحصل لغيره. ومن ذلك ما جعل الله على يد شيخ الإسلام ابن تيمية من البركة التي انتفع بها الناس في حياته وبعد موته. أما إن كان مخالفا للكتاب والسنة، أو يدعو إلى باطل؛ فإن بركته موهومة، وقد تضعها الشياطين له مساعدة على باطله، وذلك مثل ما يحصل لبعضهم أنه يقف مع الناس في عرفة ثم يأتي إلى بلده ويضحي مع أهل بلده. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الشياطين تحملهم لكي يغتر بهم الناس، وهؤلاء وقع منهم مخالفات، منها: عدم إتمام الحج، ومنها أنهم يمرون بالميقات ولا يحرمون منه. (١) قوله: (شجر) ، اسم جنس؛ فيشمل أي شجرة تكون، ومن حسنات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما رأى الناس ينتابون الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان أمر بقطعها. قوله: (وحجر) ، اسم جنس يشمل أي حجر كان حتى الصخرة التي في بيت المقدس؛ فلا يتبرك بها، وكذا الحجر الأسود لا يتبرك به، وإنما يتعبد لله

стр. 3024

وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ الآيات [النجم:١٩] . ــ بمسحه وتقبيله؛ اتباعا للرسول ﷺ ، وبذلك تحصل بركة الثواب. ولهذا قال عمر ﵁: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك؛ ما قبلتك) . فتقبيله عبادة محضة خلافا للعامة، يظنون أن به بركة حسية، ولذلك إذا استلمه بعض هؤلاء مسح على جميع بدنه تبركا بذلك. قوله: (ونحوهما) ، أي: من البيوت، والقباب، والحجر؛ حتى حجرة قبر النبي ﷺ ؛ فلا يتمسح بها تبركا، لكن لو مسح الحديد لينظر هل هو أملس أو لا؛ فلا بأس، إلا إن خشي أن يقتدى به؛ فلا يمسحه. * * * قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ، لما ذكر الله المعراج بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ . . . [النجم:١، ٢] ، قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] ؛ أي رأى النبي ﷺ من آيات الله الكبرى. وقد اختلف العلماء في قوله: الكبرى: هل هي مفعول ل (رأى) ، أو صفة ل (آيات) ؟ وقوله: الكبرى قيل: إنها مفعول ل رأى، والتقدير: لقد رأى من آيات الله الكبرى. فعلى الأول: يكون المعنى: أنه رأى الكبرى من الآيات.

стр. 3025

وعلى الثاني: يكون المعنى: أنه رأى بعض الآيات الكبرى، وهذا هو الصحيح، أن الكبرى صفة ل آيات، وليست مفعولا ل رأى؛ إذ إن ما رآه ليس أكبر آيات الله. وبعد أن ذكر الله ما رأى النبي ﷺ من هذه الآيات؛ قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ؛ أي: أخبروني ما شأنها، وما حالها بالنسبة إلى هذه الآيات العظيمة، إنها ليست بشيء. والاستفهام: للاستخفاف والاستهجان بهذه الأصنام. قوله: اللات، تقرأ بتشديد التاء وتخفيفها، والتشديد قراءة ابن عباس؛ فعلى قراءة التشديد تكون اسم فاعل من اللت، وكان هذا الصنم أصله رجل يلت السويق للحجاج؛ أي: يجعل فيه السمن، ويطعمه الحجاج، فلما مات عكفوا على قبره وجعلوه صنما. وأما على قراءة التخفيف؛ فإن اللات مشتقة من الله، أو من الإله؛ فهم اشتقوا من أسماء الله اسما لهذا الصنم، وسموه اللات، وهي لأهل الطائف ومن حولهم من العرب. وقوله: العزى، مؤنث أعز، وهو صنم يعبده قريش وبنو كنانة مشتق من اسم الله العزيز كان بنخلة بين مكة والطائف. قوله: ومناة، قيل: مشتقة من المنان، وقيل: من منى؛ لكثرة ما يمنى عنده من الدماء بمعنى يراق، ومنه سميت منى؛ لكثرة ما يراق فيها من الدماء. وكان هذا الصنم بين مكة والمدينة لهذيل وخزاعة، وكان الأوس والخزرج يعظمونها ويهلون منها للحج. قوله: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ، إشارة إلى أن التي تعظمونها، وتذبحون

стр. 3026

عندها، وتكثر إراقة الدماء حولها: أنها أخرى بمعنى متأخرة؛ أي: ذميمة حقيرة: مأخوذة من قولهم: فلان أخر؛ أي: ذميم، حقير، متأخر. فهذه الأصنام الثلاثة المعبودة عند العرب ما حالها بالنسبة لما رأى النبي ﷺ ؟ لا شي، وإنما ذكر هذه الأصنام الثلاثة لأنها أشهر الأصنام وأعظمها عند العرب. قوله: (الآيات) ، أي: أكمل الآيات بعدها. قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ، هذا أيضا استفهام إنكاري على المشركين الذين يجعلون لله البنات ولهم البنين، فإذا ولد لهم الذكر فرحوا واستبشروا به، وإذا ولدت الأنثى ظل وجه الإنسان منهم مسودا، وهو كظيم، ومع ذلك يقولون: الملائكة بنات الله؛ فيجعلون البنات لله والعياذ بالله ولهم ما يشتهون. قوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ، ضيزى: جائرة؛ لأنه على الأقل إذا أردتم القسمة؛ فاجعلوا لكم من البنات نصيبا، واجعلوا لله من البنين نصيبا، أما أن تجعلوا ما تختارونه لأنفسكم، وهم البنون، وتجعلون ما تكرهون لله؛ فهذه قسمة جائرة. قوله: إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، الضمير في (هي) يعود إلى الأصنام؛ أي: هذه الأصنام (اللات والعزى ومناة) التي سميتموها آلهة واتخذتموها آلهة تعبدونها هي مجرد أسماء سميتموها، ولكن ما أنزل الله بها من سلطان؛ أي: من حجة ودليل. بل أبطلها الله سبحانه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] .

стр. 3027

وأصل السلطان في اللغة العربية: ما به سلطة، فإن كان في مقام العلم؛ فهو العلم، وإن كان في مقام القدوة؛ فهو القدوة، وإن كان في مقام الأمر والنهي؛ فهو من له الأمر والنهي؛ فمثلا قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] ؛ أي: بقدرة وقوة، ومثل قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣] ؛ أي: من حجة وبرهان. وفي الحديث: «السلطان ولي من لا ولي له» (١) ؛ أي: من له الأمر والنهي. قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ، (إن) هنا بمعنى ما، وعلامة إن التي بمعنى ما أن تأتي بعدها إلا، قال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] ، يعني ما هذا إلا ملك كريم، وقال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ؛ أي: ما هو إلا قول البشر، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] ؛ أي: ما يتبعون إلا الظن. والظن الذي يتبعونه هو أنها آلهة، وأن لله البنات ولهم البنون، والظن لا يغني من الحق شيئا؛ كما قال تعالى في آية أخرى. قوله: ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ ، كذلك أيضا يتبعون ما تهوى الأنفس، وهذا أضر شيء على الإنسان أن يتبع ما يهوى؛ فالإنسان الذي يعبد الله بالهوى؛ فإنه لا يعبد الله حقا، إنما يعبد عقله وهواه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] ، لكن الذي يعبد الله

стр. 3028

وعن أبي واقد الليثي؛ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا:» ــ بالهدى لا بالهوى هو الذي على الحق. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ، أي: على يد النبي ﷺ ؛ فكان الأجدر بهم أن يتبعوا الهدى دون الهوى. * مناسبة الآية للترجمة: أنهم يعتقدون أن هذه الأصنام تنفعهم وتضرهم، ولهذا يأتون إليها؛ يدعونها، ويذبحون لها، ويتقربون إليها، وقد يبتلي الله المرء فيحصل له ما يريد من اندفاع ضر أو جلب نفع بهذا الشرك؛ ابتلاء من الله وامتحانا، وهذا قد تقدم لنا له نظائر أن الله يبتلي المرء بتيسير أسباب المعصية له حتى يعلم سبحانه من يخافه بالغيب. * * * قوله: «خرجنا مع النبي ﷺ » ، أي: بعد غزوة الفتح؛ لأن النبي ﷺ لما فتح مكة تجمعت له ثقيف وهوازن بجمع عظيم كثير جدا. فقصدهم ﷺ ومعه اثنا عشر ألفا: ألفان من أهل مكة، وعشرة آلاف جاء بهم من المدينة، فلما توجهوا بهذه الكثرة العظيمة؛ قالوا: لن نغلب اليوم من قلة. فأعجبوا بكثرتهم، ولكن بين الله أن النصر من عنده سبحانه وليس بالكثرة، قال تعالى:

стр. 3029

«يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : (الله أكبر! إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨] . لتركبن سنن من كان من قبلكم» . رواه الترمذي وصححه (١) . ــ ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآيتين [التوبة:٢٥] ، ثم لما انحدروا من وادي حنين وجدوا أن المشركين قد كمنوا لهم في الوادي؛ فحصل ما حصل، وتفرق المسلمون عن رسول الله ﷺ ، ولم يبق معه إلا نحو مائة رجل، وفي آخر الأمر كان النصر للنبي ﷺ ، والحمد لله. قوله: (حدثاء) ، جمع حديث؛ أي: أننا قريبو عهد بكفر، وإنما ذكر ذلك ﵁ للاعتذار لطلبهم وسؤالهم، ولو وقر الإيمان في قلوبهم لم يسألوا هذا السؤال. قوله: (يعكفون عندها) ، أي: يقيمون عليها، والعكوف: ملازمة الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] . قوله: (ينوطون) ، أي: يعلقون بها أسلحتهم تبركا. قوله: (يقال: لها ذات أنواط) ، أي: أنها تلقب بهذا اللقب لأنه تناط فيها الأسلحة، وتعلق عليها رجاء بركتها؛ فالصحابة ﵃ قالوا للنبي

стр. 3030

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» ؛ أي: سدرة نعلق أسلحتنا عليها تبركا بها؛ فقال النبي ﷺ : (الله أكبر) ، كبر تعظيما لهذا الطلب؛ أي: استعظاما له، وتعجبا لا فرحا به، كيف يقولون هذا القول وهم آمنوا بأنه لا إله إلا الله؟ ! لكن: (إنها السنن) ؛ أي: الطرق التي يسلكها العباد. قوله: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ » ، أي: إن الرسول ﷺ قاس ما قاله الصحابة ﵃ على ما قاله بنو إسرائل لموسى حين قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؛ فأنتم طلبتم ذات أنواط كما أن لهؤلاء المشركين ذات أنواط. وقوله ﵊: (والذي نفسي بيده) المراد أن نفسه بيد الله، لا من جهة إماتتها وإحيائها فحسب؛ بل من جهة تدبيرها وتصريفها أيضا، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها . قوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم) ، أي: لتفعلن مثل فعلهم، ولتقولن مثل قولهم، وهذه الجملة لا يراد بها الإقرار، وإنما يراد بها التحذير؛ لأنه من المعلوم أن سنن من كان قبلنا مما جرى تشبيهه سنن ضالة، حيث طلبوا آلهة مع الله؛ فأراد النبي ﵊ أن يحذر أمته أن تركب سنن من كان قبلها من الضلال والغي. والشاهد من هذا الحديث قولهم: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» ؛ فأنكر عليهم النبي ﷺ . * * *

стр. 3031

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النجم. الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا. الثالثة: كونهم لم يفعلوا. الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك؛ لظنهم أنه يحبه. ــ فيه مسائل: * الأولى: تفسير آية النجم، أي: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ . . . الآية، وسبق تفسيرها، وأن الله تعالى أنكر على هؤلاء الذين يعبدون اللات والعزى، وأتى بصيغة الاستفهام الدالة على التحقير والتصغير لهذه الأصنام. * الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا، وهو أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط كما أن للمشركين ذات أنواط، وهم إنما أرادوا أن يتبركوا بهذه الشجرة لا أن يعبدوها؛ فدل ذلك على أن التبرك بالأشجار ممنوع، وأن هذا من سنن الضالين السابقين من الأمم. * الثالة: كونهم لم يفعلوا، أي: لم يعلقوا أنواطا على الشجرة، ويطلبوا من الرسول ﷺ أن يقرهم على هذا العمل، بل طلبوا من الرسول ﷺ أن يجعل لهم ذلك. * الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه، (بذلك) ؛ أي: بتعليق الأسلحة ونحوها على الشجرة التي يعينها الرسول ﷺ ، ولهذا

стр. 3032

الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا؛ فغيرهم أولى بالجهل. السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم. السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: «الله أكبر! إنها السنن! لتتبعن سنن من كان قبلكم» ؛ فغلظ الأمر بهذه الثلاث. ــ طلبوا ذلك من الرسول لتكتسب بهذا معنى العبادة. الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا؛ فغيرهم أولى بالجهل، لأن الصحابة لا شك أعلم الناس بدين الله، فإذا كان الصحابة يجهلون أن التبرك بهذا نوع من اتخاذها إلها؛ فغيرهم من باب أولى، وقصد المؤلف ﵀ بهذا أن لا نغتر بعمل الناس؛ لأن عمل الناس قد يكون عن جهل؛ فالعبرة بما دل عليه الشرع لا بعمل الناس. * السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم، وهذا معلوم من الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] ؛ فالصحابة ﵃ لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة وأسباب المغفرة ما ليس لغيرهم، ومع ذلك لم يعذرهم النبي ﷺ بهذا الطلب. * السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: «الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم» ؛ فغلظ الأمر بهذه الثلاث، وهي قوله: (الله أكبر) ، وقوله: (إنها السنن) ، وقوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم) ؛ فغلظ الأمر بهذا لأن التكبير استعظاما للأمر الذي طلبوه، و (إنها السنن) : تحذير، و (لتركبن

стр. 3033

الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها. التاسعة: أن نفي هذا من معنى (لا إله إلا الله) مع دقته وخفائه على أولئك. العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة. ــ سنن من قبلكم) كذلك أيضا تحذير. الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ، فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون بها، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة؛ فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذه إلها شرك واضح. التاسعة: أن نفي هذا من معنى: لا إله إلا الله، مع دقته وخفائه على أولئك، أي: أن التبرك بالأشجار ونحوها من معنى لا إله إلا الله؛ فإن لا إله إلا الله تنفي كل إله سوى الله، وتنفي الألوهية عما سوى الله ؛ فكذلك البركة لا تكون من غير الله . العاشرة: أنه حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة، أي: أن النبي ﷺ حلف على الفتيا في قوله: (قلتم، والذي نفسي بيده) ، والنبي ﷺ لا يحلف إلا لمصلحة، أو دفع مضرة ومفسدة؛ فليس ممن يحلف على أي سبب يكون، كما هي عادة بعض الناس.

стр. 3034

الحادية عشرة: أن الشرك فيه أصغر وأكبر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا. ــ الحادية عشرة: أن الشرك فيه أصغر وأكبر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا، حيث لم يطلبوا جعل ذات الأنواط لعبادتها، بل للتبرك بها، والشرك فيه أصغر وأكبر، وفيه خفي وجلي. فالشرك الأكبر: ما يخرج الإنسان من الملة. والشرك الأصغر: ما دون ذلك. لكن كلمة (ما دون ذلك) ليست ميزانا واضحا. ولذلك اختلف العلماء في ضابط الشرك الأصغر على قولين: القول الأول: أن الشرك الأصغر كل شيء أطلق الشارع عليه أنه شرك ودلت النصوص على أنه ليس من الأكبر، مثل: «من حلف بغير الله؛ فقد أشرك» (١) ؛ فالشرك هنا أصغر؛ لأنه دلت النصوص على أن مجرد الحلف بغير الله لا يخرج من الملة. القول الثاني: أن الشرك الأصغر: ما كان وسيلة للأكبر، وإن لم يطلق الشرع عليه اسم الشرك، مثل: أن يعتمد الإنسان على شيء كاعتماده على الله، لكنه لم يتخذه إلها؛ فهذا شرك أصغر؛ لأن هذا الاعتماد الذي يكون كاعتماده على الله يؤدي به في النهاية إلى الشرك الأكبر، وهذا التعريف أوسع من الأول؛ لأن الأول يمنع أن تطلق على شيء أنه شرك إلا إذا كان لديك

стр. 3035

دليل، والثاني يجعل كل ما كان وسيلة للشرك فهو شرك، وربما نقول على هذا التعريف: إن المعاصي كلها شرك أصغر؛ لأن الحامل عليها الهوى، وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] ، ولهذا أطلق النبي ﷺ الشرك على تارك الصلاة، مع أنه لم يشرك؛ فقال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة» . فالحاصل أن المؤلف ﵀ يقول: إن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا، وسبق وجه ذلك. الجلي والخفي؛ فبعضهم قال: إن الجلي والخفي هو الأكبر والأصغر، وبعضهم قال: الجلي ما ظهر للناس من أصغر أو أكبر؛ كالحلف بغير الله، والسجود للصنم. والخفي: ما لا يعلمه الناس من أصغر أو أكبر؛ كالرياء، واعتقاد أن مع الله إلها آخر. وقد يقال: إن الجلي ما انجلى أمره وظهر كونه شركا؛ ولو كان أصغر، والخفي: ما سوى ذلك. وأيهما الذي لا يغفر؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر؛ لعموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] ،و ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ مؤول بمصدر تقديره: شركا به، وهو نكرة في سياق النفي؛ فيفيد العموم.

стр. 3036

الثانية عشرة: قولهم: (ونحن حدثاء عهد بكفر) ؛ فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب؛ خلافا لمن كرهه. ــ وقال بعض العلماء: إن الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة، وإن المراد بقوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الشرك الأكبر، وأما الشرك الأصغر؛ فإنه يغفر لأنه لا يخرج من الملة، وكل ذنب لا يخرج من الملة؛ فإنه تحت المشيئة، وعلى كل؛ فصاحب الشرك الأصغر على خطر، وهو أكبر من كبائر الذنوب، قال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) . الثانية عشرة: قوله: (ونحن حدثاء عهد بكفر ... ) ، معناه: أنه يعتذر عما طلبوا، حيث طلبوا أن يجعل لهم ذات أنواط؛ فهم يعتذرون لجهلهم بكونهم حدثاء عهد بكفر، وأما غيرهم ممن سبق إسلامه؛ فلا يجهل ذلك. وعلى هذا؛ فنقول: إنه ينبغي للإنسان أن يقدم العذر عن قوله أو فعله حتى لا يعرض نفسه إلى القول أو الظن بما ليس فيه، ويدل لذلك «حديث صفية حين شيعها الرسول ﷺ وهو معتكف، فمر رجلان من الأنصار، فقال: (إنها صفية بنت حيي» . الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب ... إلخ تؤخذ من قوله: (الله أكبر) ؛ أي: الله أكبر وأعظم من أن يشرك به، وفي رواية الترمذي أنه قال: (سبحان الله) ؛ أي: تنزيها لله عما لا يليق به.

стр. 3037

الرا بعة عشرة: سد الذرائع. الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية. السادسة عشرة: الغضب عند التعليم. السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: (إنها السنن) . ــ الرابعة عشرة: سد الذرائع، الذرائع: الطرق الموصلة إلى الشيء، وذرائع الشيء: وسائله وطرقه. والذرائع نوعان: أ- ذرائع إلى أمور مطلوبة؛ فهذه لا تسد، بل تفتح وتطلب. ب- ذرائع إلى أمور مذمومة؛ فهذه تسد، وهو مراد المؤلف رحمه الله تعالى. وذات الأنواط وسيلة إلى الشرك الأكبر، فإذا وضعوا عليها أسلحتهم وتبركوا بها؛ يتدرج بهم الشيطان إلى عبادتها وسؤالهم حوائجهم منها مباشرة، فلهذا سد النبي ﷺ الذرائع. * الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية، تؤخذ من قوله: (قلتم كما قالت بنو إسرائيل) ؛ فأنكر عليهم، وبهذا نعرف أن الجاهلية لا تختص بمن كان قبل زمن النبي ﷺ ، بل كل من جهل الحق وعمل عمل الجاهلين؛ فهو من أهل الجاهلية. * السادسة عشرة: الغضب عند التعليم، والحديث ليس بصريح في ذلك، وربما يؤخذ من قرائن قوله: «الله أكبر! إنها السنن» ... ) ؛ لأن قوة هذا الكلام تفيد الغضب. السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: (إنها السنن) ، أي: الطرق، وأن

стр. 3038

الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة لكونه وقع كما أخبر. ــ هذه الأمة ستتبع طرق من كان قبلها، وهذا لا يعني الحل والإباحة، ولكنه للتحذير؛ كما قال الرسول ﷺ : «ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار؛ إلا واحدة» ، وقال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير» ....) الحديث، وقال: «إن الظعينة تذهب من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله» ، وما أشبه ذلك من الأمور التي أخبر النبي ﷺ عن وقوعها مع تحريمها. الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة لكونه وقع كما أخبر، يعني اتباع سنن من كان قبلنا. فإن قال قائل: إن النبي ﷺ قد خطب الناس بعرفة، وقال: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب» ؛ فكيف تقع عبادته. فالجواب: أن إخبار النبي ﷺ بيأسه لا يدل على عدم الوقوع، بل يجوز أن يقع، على خلاف ما توقعه الشيطان؛ لأن الشيطان لما حصلت الفتوحات، وقوي الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجا؛ يئس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة، ولكن حكمة الله تأبى إلا أن يكون ذلك، وهذا نقوله ولا بد؛ لئلا يقال: إن جميع الأفعال التي تقع في الجزيرة العربية لا يمكن أن تكون

стр. 3039

التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن؛ أنه لنا. ــ شركا، ومعلوم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ جدد التوحيد في الجزيرة العربية، وأن الناس كانوا في ذلك الوقت فيهم المشرك وغير المشرك. فالحديث أخبر عما وقع في نفس الشيطان ذلك الوقت، ولكنه لا يدل على عدم الوقوع، وهذا الرسول ﷺ يقول: «لتركبن سنن من كان قبلكم» ، وهو يخاطب الصحابة وهم في جزيرة العرب. التاسعة عشرة: أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا هذا ليس على إطلاقه وظاهره، بل يحمل قوله: (لنا) ؛ أي: لبعضنا، ويكون المراد به المجموع لا الجميع؛ كما قال العلماء في قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] ، والرسل كانوا من الإنس فقط. فإذا وقع تشبه باليهود والنصارى؛ فإن الذم الذي يكون لهم يكون لنا، وما من أحد من الناس غالبا إلا وفيه شبه باليهود أو النصارى؛ فالذي يعصي الله على بصيرة فيه شبه من اليهود، والذي يعبد الله على ضلالة فيه شبه من النصارى، والذي يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله فيه شبه من اليهود، وهلم جرا. وإن أراد أن كل ما ذم به اليهود والنصارى؛ فهو لهذه الأمة على سبيل العموم؛ فلا.

стр. 3040

العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر: أما (من ربك؟) فواضح، وأما (من نبيك؟) ؛ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما (ما دينك؟) ؛ فمن قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ ... ) إلى آخره. ــ العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر ... إلخ، وهذا واضح؛ فالعبادات مبناها على الأمر، فما لم يثبت فيه أمر الشارع؛ فهو بدعة، قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد» ، وقال: «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» . (١) فمن تعبد بعبادة طولب بالدليل؛ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، إلا ما قام الدليل على مشروعيتها. وأما الأكل والمعاملات والآداب واللباس وغيرها؛ فالأصل فيها الإباحة؛ إلا ما قام الدليل على تحريمه. وقوله: (مسائل القبر التي يسأل فيها الإنسان في قبره: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟) . ففي هذه القصة دليل على مسائل القبر الثلاث، وليس مراده أن فيها دليلا

стр. 3041

الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين. الثانية والعشرون: ان المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة؛ لقوله: (ونحن حدثاء عهد بكفر) . ــ على أن الإنسان يسأل في قبره، بل فيها دليل على إثبات الربوبية والنبوة والعبادة. أما (من ربك) ؛ فواضح، يعني أنه لا رب إلا الله تعالى. أما (من نبيك) ؛ فمن إخباره بالغيب، قال ﷺ : «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» ؛ فوقع كما أخبر. أما (ما دينك) ؛ فمن قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ ؛ أي: مألوها معبودا، والعبادة هي الدين. والمؤلف محمد بن عبد الوهاب ﵀ فهمه دقيق جدا لمعاني النصوص؛ فأحيانا يصعب على الإنسان بيان وجه استنباط المسألة من الدليل. الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين، تؤخذ من قوله: (كما قالت بنو إسرائيل لموسى) . * الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العبادة، وهذا صحيح؛ فالإنسان المنتقل من شيء، سواء كان باطلا أو لا؛ لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية منه، وهذه البقية لا تزول إلا بعد مدة؛ لقوله: (ونحن حدثاء عهد بكفر) ؛ فكأنه يقول: ما سألناه

стр. 3042

إلا لأن عندنا بقية من بقايا الجاهلية، ولهذا كان من الحكمة تغريب الزاني بعد جلده عن مكان الجريمة؛ لئلا يعود إليها. فالإنسان ينبغي أن يبتعد عن مواطن الكفر والشرك والفسوق؛ حتى لا يقع في قلبه شيء منها.

стр. 3043

باب ما جاء في الذبح لغير الله ــ قوله: (في الذبح) ، أي: ذبح البهائم. قوله: (لغير الله) ، اللام للتعليل، والقصد: أي قاصدا بذبحه غير الله، والذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين: ١ - أن يذبح لغير الله تقربا وتعظيما؛ فهذا لا يخرج من الملة، بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانا وغير مطلوبة أحيانا؛ فالأصل أنها مباحة. ومراد المؤلف هنا القسم الأول. فلو قدم السلطان إلى بلد، فذبحنا له، فإن كان تقربا وتعظيما؛ فإنه شرك أكبر، وتحرم هذه الذبائح، وعلامة ذلك: أننا نذبحها في وجهه ثم ندعها. أما لو ذبحنا له إكراما وضيافة، وطبخت وأكلت؛ فهذا من باب الإكرام، وليس بشرك. وقوله: (لغير الله) يشمل الأنبياء، والملائكة، والأولياء، وغيرهم؛ فكل من ذبح لغير الله تقربا وتعظما؛ فإنه داخل في هذه الكلمة بأي شيء كان. وقوله في الترجمة: (باب ما جاء في الذبح لغير الله) ، أشار إلى الدليل دون الحكم، ومثل هذه الترجمة يترجم بها العلماء للأمور التي لا يجزمون بحكمها، أو التي فيها تفصيل، وأما الأمور التي يجزمون بها؛ فإنهم يقولونها

стр. 3044

٩٩ وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] . ــ بالجزم؛ مثل باب وجوب الصلاة، وباب تحريم الغيبة، ونحو ذلك. والمؤلف رحمه الله تعالى لا شك أنه يرى تحريم الذبح لغير الله على سبيل التقرب والتعظيم، وأنه شرك أكبر، لكنه أراد أن يمرن الطالب على أخذ الحكم من الدليل، وهذا نوع من التربية العلمية؛ فإن المعلم أو المؤلف يدع الحكم مفتوحا، ثم يأتي بالأدلة لأجل أن يكل الحكم إلى الطالب؛ فيحكم به على حسب ما سيق له من هذه الأدلة، وقد ذكر المؤلف في هذا الباب ثلاث آيات: * * * الآية الأولى: قوله: قل: الخطاب للنبي ﷺ ، أي: قل لهؤلاء المشركين معلنا لهم قيامك بالتوحيد الخالص؛ لأن هذه السورة مكية. قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾ ، الصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: عبادة لله ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ ، النسك لغة: العبادة، وفي الشرع: ذبح القربان. فهل تحمل هذه الآية على المعنى اللغوي أو على المعنى الشرعي؟ سبق أن ما جاء في لسان الشرع يحمل على الحقيقة الشرعية؛ كما أن ما جاء في لسان العرف؛ فهو محمول على الحقيقة العرفية، وفي لسان العرب على الحقيقة اللغوية. فعندما أقول لشخص: عندك شاة؟ يفهم الأنثى من الضأن، لكن في اللغة العربية الشاة تطلق على الواحدة من الضأن والمعز، ذكرا كان أو أنثى،

стр. 3045

وعلى هذا؛ فيحمل النسك في الآية على المعنى الشرعي. وقيل: تحمل على المعنى اللغوي؛ لأنه أعم؛ فالنسك العبادة، كأنه يقول: أنا لا أدعو إلا الله، ولا أعبد إلا الله، وهذا عام للدعاء والتعبد. وإذا حملت على المعنى الشرعي؛ صارت خاصة في نوع من العبادات، وهي: الصلاة، والنسك، ويكون هذا كمثال، فإن الصلاة أعلى العبادات البدنية، والذبح أعلى العبادات المالية؛ لأنه على سبيل التعظيم لا يقع إلا قربة، هكذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة. ويحتاج إلى مناقشة في مسألة أن القربان أعلى أنواع العبادات المالية؛ فإن الزكاة لا شك أنها أعظم، وهي عبادة مالية. وهناك رأي ثالث يقول: إن الصلاة هي الصلاة المعروفة شرعا، والنسك: العبادة مطلقا، ويكون ذلك من عطف العام على الخاص. قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ ، أي: حياتي وموتي؛ أي: التصرف في وتدبير أمري حيا وميتا لله. وفي قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ إثبات توحيد العبادة. وفي قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ إثبات توحيد الربوبية. قوله: (لله) ، خبر إن، والله: علم على الذات الإلهية، وأصله: الإله، فحذفت الهمزة؛ لكثرة الاستعمال تخفيفا. وهو بمعنى مألوه؛ فهو فعال بمعنى مفعول، مثل غراس بمعنى مغروس، وفراش بمعنى مفروش، والمألوه: المحبوب المعظم. قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، والمراد ب ﴿الْعَالَمِينَ﴾ : ما سوى الله، وسمي بذلك؛ لأنه علم على خالقه.

стр. 3046

قال الشاعر: فواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وهي تطلق على العالمين بهذا المعنى، وتطلق على العالمين في وقت معين، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧] ؛ يعني: عالمي زمانهم. والرب هنا: المالك المتصرف، وهذه ربوبية مطلقة. الآية الثانية: قوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ ، الجملة حالية من قوله: (لله) ؛ أي: حال كونه لا شريك له، والله سبحانه لا شريك له في عبادته ولا في ربوبيته ولا في أسمائه وصفاته، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . وقد ضل من زعم أن لله شركاء كمن عبد الأصنام أو عيسى ابن مريم ﵇، وكذلك بعض غلاة الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق؛ كقول بعضهم يخاطب ممدوحا له: فكن كمن شئت يا من لا شبيه له ... وكيف شئت فما خلق يدانيك وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرسول ﷺ : يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم وهذا من أعظم الشرك؛ لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول، ومقتضاه أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.

стр. 3047

وقال: إن " من علومك علم اللوح والقلم "، يعني: وليس ذلك كل علومك؛ فما بقي لله علم ولا تدبير والعياذ بالله. قوله: (بذلك) ، الجار والمجرور متعلق بـ أمرت؛ فيكون دالا على الحصر والتخصيص، وإنما خص بذلك؛ لأنه أعظم المأمورات، وهو الإخلاص لله تعالى ونفي الشرك، فكأنه ما أمر إلا بهذا، ومعلوم أن من أخلص لله تعالى؛ فسيقوم بعبادة الله في جميع الأمور. قوله: أمرت، إبهام الفاعل هنا من باب التعظيم والتفخيم، وإلا فمن المعلوم أن الآمر هو الله تعالى. قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، يحتمل أن المراد الأولية الزمنية، فيتعين أن تكون أولية إضافية ويكون المراد أنا أول المسلمين من هذه الأمة؛ لأنه سبقه في الزمن من أسلموا. ويحتمل أن المراد الأولية المعنوية؛ فإن أعظم الناس إسلاما وأتمهم انقيادا هو الرسول ﷺ ؛ فتكون الأولية أولية مطلقة. ومثل هذا التعبير يقع كثيرا أن تقع الأولية أولية معنوية، مثل أن تقول: أنا أول من يصدق بهذا الشيء، وإن كان غيرك قد صدق قبلك، لكن تريد أنك أسبق الناس تصديقا بذلك، ولن يكون عندك إنكار أبدا، ومثل قوله ﷺ : «نحن أولى بالشك من إبراهيم حينما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ » [البقرة:٢٦٠] ؛ فليس معناه أن إبراهيم شاك، لكن إن قدر أن يحصل شك؛ فنحن

стр. 3048

وقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] . ــ أولى بالشك منه، وإلا؛ فلسنا نحن شاكين، وكذلك إبراهيم ليس شاكا. قوله: ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ ، الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان؛ لأن المراد به الاستسلام لله ظاهرا وباطنا، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] ، وهذا إسلام الباطن. وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ، هذا إسلام الظاهر، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] يشمل الإسلام الباطن والظاهر، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ٧٢] . ومتى وجد الإيمان حقا لزم من وجوده الإسلام. واما إذا قرنا جميعا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، مثل حديث جبريل، وفيه: «أخبرني عن الإسلام؛ فأخبره عن أعمال ظاهرة، وأخبرني عن الإيمان؛ فأخبره عن أعمال باطنة» . وكذا قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . والشاهد من الآية التي ذكرها المؤلف: أن الذبح لا بد أن يكون خالصا لله. الآية الثالثة: قوله: فصل، الفاء للسببية عاطفة على قوله:

стр. 3049

﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ؛ أي بسبب إعطائنا لك ذلك صل لربك وانحر شكرا لله تعالى على هذه النعمة. والمراد بالصلاة هنا الصلاة المعروفة شرعا. وقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ ، المراد بالنحر: الذبح، أي اجعل نحرك لله كما أن صلاتك له؛ فأفادت هذه الآية الكريمة أن النحر من العبادة، ولهذا أمر الله به وقرنه بالصلاة. وقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ ، مطلق؛ فيدخل فيه كل ما ثبت في الشرع مشروعيته، وهي ثلاثة أشياء: الأضاحي، والهدايا، والعقائق؛ فهذه الثلاثة يطلب من الإنسان أن يفعلها. أما الهدايا؛ فمنها واجب، ومنها مستحب، فالواجب كما في التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وكما في المحصر: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وكما في حلق الرأس: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، هذا إن صح أن نقول: إنها هدي، ولكن الأولى أن نسميها فدية كما سماها الله ؛ لأنها بمنزلة الكفارة. وأما الأضاحي؛ فاختلف العلماء فيها: فمنهم من قال: إنها واجبة. ومنهم من قال: إنها مستحبة. وأكثر أهل العلم على أنها مستحبة، وأنه يكره للقادر تركها. ومذهب أبي حنيفة ﵀ أنها واجبة على القادر، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 3050

عن علي ﵁؛ قال: «حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات:» ــ والأضحية ليست عن الأموات كما يفهمه العوام، بل هي للأحياء، وأما الأموات؛ فليس من المشروع أن يُضَحَّى لهم استقلالا، إلا إن أوصوا به؛ فعلى ما أوصوا به؛ لأن ذلك لم يرد عن الرسول ﷺ . وأما العقيقة: وهي التي تذبح عن المولود في يوم سابعه إن كان ذكرا فاثنتان، وإن كان أنثى فواحدة، وتجزيء الواحدة مع الإعسار في الذكور. وهي سنة عند أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة؛ لأن النبي ﷺ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته» . (١) * * * قوله: (كلمات) : جمع كلمة، والكلمة في اصطلاح النحويين: القول المفرد. أما في اللغة؛ فهي كل قول مفيد، قال الرسول ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» ، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ، وهي قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] . قال شيخ الإسلام: لا تطلق الكلمة في اللغة العربية إلا على الجملة المفيدة.
следующие страницы →