← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

باب من الشرك الاستعاذة بغير الله و قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [ الجن:٦] . ــ قوله: (من الشرك) ، من: للتبغيض، وهذه الترجمة ليست على إطلاقها؛ لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه؛ فإنه جائز؛ كالاستعانة. * * * قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾ ، الواو: حرف عطف، و (أن) : فتحت همزتها بسبب عطفها على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ . قال ابن مالك: وهمز إن افتح لسد مصدر ... وفي سوى ذاك اكسر فيؤول بمصدر، أي: قل أوحي إلي استماع نفر وكون رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن. قوله: ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾ ، صفة لرجال؛ لأن رجال نكرة، وما بعد النكرة صفة لها. قوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾ ، الجملة خبر كان، ويقال: عاذ به ولاذ به؛ فالعياذ مما يخاف، واللياذ فيما يؤمل، وعليه قول الشاعر يخاطب ممدوحه، ولا يصلح ما قاله إلا لله:

стр. 3082

يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ، أي: يلتجئون إليهم مما يحاذرونه، يظنون أنهم يعيذونهم، ولكن زادوهم رهقا؛ أي: خوفا وذعرا، وكانت العرب في الجاهلية إذا نزلوا في واد نادوا بأعلى أصواتهم: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. قوله: ﴿رَهَقًا﴾ ، أي: ذعرا وخوفا، بل الرهق أشد من مجرد الذعر والخوف؛ فكأنهم مع ذعرهم وخوفهم أرهقهم وأضعفهم شيء؛ فالذعر والخوف في القلوب والرهق في الأبدان. وهذه الآية تدل على أن الاستعاذة بالجن حرام؛ لأنها لا تفيد المستعيذ، بل تزيده رهقا؛ فعوقب بنقيض قصده، وهذا ظاهر؛ فتكون الواو ضمير الجن والهاء ضمير الإنس. وقيل: إن الإنس زادوا الجن رهقا؛ أي: استكبارا وعتوا، ولكن الصحيح الأول. قوله: ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ، يستفاد منه أن للجن رجالا، ولهم إناث، وربما يجامع الرجل من الجن الأنثى من بني آدم، وكذلك العكس الرجل من بني آدم قد يجامع الأنثى من الجن، وقد ذكر الفقهاء الخلاف في وجوب الغسل بهذا الجماع. والفقهاء يقولون في باب الغسل: لو قالت: إن بها جنيا يجامعها كالرجل؛ وجب عليها الغسل، وأما أن الرجل يجامع الأنثى من الجن؛ فقد قيل ذلك، لكن لم أره في كلام أهل العلم، وإنما أساطير تقال، والله أعلم.

стр. 3083

وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم. ــ لكن علينا أن نصدق بوجودهم، وأنهم مكلفون، وبأن منهم الصالحين ومنهم دون ذلك، وبأن منهم المسلمين والقاسطين، وبأن منهم رجالا ونساء. وجه الاستشهاد بالآية: ذم المستعيذين بغير الله، والمستعيذ بالشيء لا شك أنه قد علق رجاءه به، واعتمد عليه، وهذا نوع من الشرك. * * * قوله: (كلمات) ، من جموع القلة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجموع القلة من ثلاثة إلى عشرة، والكثرة ما فوق ذلك. وقيل: جموع الكثرة من ثلاثة إلى ما لا نهاية له؛ فيكون جمع القلة والكثرة يتفقان في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء. قال ابن مالك: أفعلة أَفْعُلُ ثم فِعْلَهْ ... ثمت أفعال جموع قِلَّهْ وبعض ذي بكثرة وضعا يفي ... كأرجل والعكس جاء كالصفي والراجح: أن جموع القلة تدل على الكثرة بالدليل. و (كلمات) : جمع قلة دال على الكثرة لوجود الدليل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] .

стр. 3084

وأبلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] . والمراد بالكلمات هنا: الكلمات الكونية والشرعية. وقوله: (من نزل منزلا) يشمل من نزله على سبيل الإقامة الدائمة، أو الطارئة، بدليل أنه نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم. وقوله: (أعوذ) بمعنى: ألتجىء وأعتصم. قوله: التامات: تمام الكلام بأمرين: ١ - الصدق في الأخبار. ٢ - العدل في الأحكام. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] . قوله: (من شر ما خلق) ، أي: من شر الذي خلق؛ لأن الله خلق كل شيء: الخير والشر، ولكن الشر لا ينسب إليه؛ لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيرا، فكان خيرا. وعلى هذا نقول: الشر ليس في فعل الله، بل في مفعولاته؛ أي: مخلوقاته. وعلى هذا تكون (ما) موصولة لا غير؛ أي: من شر الذي خلق؛ لأنك لو أولتها إلى المصدرية وقلت: من شر خلقك؛ لكان الخلق هنا مصدرا يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أيضا المفعول، لكن لو جعلتها اسما موصولا تعين أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق. وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر؛ لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:

стр. 3085

١ - شر محض كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها؛ فهي خير. ٢ - خير محض؛ كالجنة، والرسل، والملائكة. ٣ - فيه شر وخير؛ كالإنس، والجن، والحيوان. وأنت إنما تستعيذ من شر ما فيه شر. قوله: (لم يضره شيء) ، نكرة في سياق النفي؛ فتفيد العموم من شر كل ذي شر من الجن والإنس وغيرهم والظاهر الخفي حتى يرتحل من منزله؛ لأن هذا خبر لا يمكن أن يتخلف مخبره؛ لأنه كلام الصادق المصدوق، لكن إن تخلف؛ فهو لوجود مانع لا لقصور السبب أو تخلف الخبر. ونظير ذلك كل ما أخبر به النبي ﷺ من الأسباب الشرعية إذا فعلت ولم يحصل المسبب فليس ذلك لخلل في السبب، ولكن لوجود مانع، مثل: قراءة الفاتحة على المرضى شفاء، ويقرؤها بعض الناس ولا يشفى المريض، وليس ذلك قصورا في السبب، بل لوجود مانع بين السبب وأثره. ومنه: التسمية عند الجماع؛ فإنها تمنع ضرر الشيطان للولد، وقد توجد التسمية ويضر الشيطان الولد؛ لوجود مانع يمنع من حصول أثر هذا السبب، فعليك أن تفتش ما هو المانع حتى تزيله فيحصل لك أثر السبب. قال القرطبي: وقد جربت ذلك؛ حتى إني نسيت ذات يوم، فدخلت منزلي ولم أقل ذلك، فلدغتني عقرب. والشاهد من الحديث: قوله: «أعوذ بكلمات الله» . والمؤلف يقول في الترجمة: الاستعاذة بغير الله، وهنا استعاذة بالكلمات، ولم يستعذ بالله؛ فلماذا؟

стр. 3086

أجيب: أن كلمات الله صفة من صفاته، ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته غير مخلوق؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز في مثل هذا الأمر، ولو كانت الكلمات مخلوقة ما أرشد النبي ﷺ إلى الاستعاذة بها. ولهذا كان المراد من كلام المؤلف: الاستعاذة بغير الله؛ أي: أو صفة من صفاته. وفي الحديث: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» ، وهنا استعاذ بعزة الله وقدرته، ولم يستعذ بالله، والعزة والقدرة من صفات الله، وهي ليست مخلوقة. ولهذا يجوز القسم بالله وبصفاته؛ لأنها غير مخلوقة. أما القسم بالآيات، فإن أراد الآيات الشرعية؛ فجائز، وإن أراد الآيات الكونية؛ فغير جائز. أما الاستعاذة بالمخلوق؛ ففيها تفصيل، فإن كان المخلوق لا يقدر عليه؛ فهي من الشرك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق عند أحد من الأئمة) ، وهذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله؛ سوى الله. ومن ذلك أيضا الاستعاذة بأصحاب القبور؛ فإنهم لا ينفعون ولا يضرون؛ فالاستعاذة بهم شرك أكبر، سواء كان عند قبورهم أم بعيدا عنهم. أما الاستعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه؛ فهي جائزة، وقد أشار إلى ذلك الشارح الشيخ سليمان في (تيسير العزيز الحميد) ، وهو مقتضى الأحاديث

стр. 3087

الواردة في (صحيح مسلم) لما ذكر النبي ﷺ الفتن؛ قال: «فمن وجد من ذلك ملجأ؛ فليعذ به» . وكذلك قصة المرأة التي عاذت بأم سلمة، والغلام الذي عاذ بالنبي ﷺ ، وكذلك في قصة الذين يستعيذون بالحرم والكعبة، وما أشبه ذلك. وهذا هو مقتضى النظر، فإذا اعترضني قطاع طريق، فعذت بإنسان يستطيع أن يخلصني منهم؛ فلا شيء فيه. لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ؛ فهذا شرك؛ لأن هذا لا يكون إلا لله. وعلى هذا؛ فكلام الشيخ ﵀ في قوله؛ (إن الأئمة لا يجوزون الاستعاذة بمخلوق) مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، ولولا أن النصوص وردت بالتفصيل لأخذنا الكلام على إطلاقه، وقلنا: لا يجوز الاستعاذة بغير الله مطلقا.

стр. 3088

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن. الثانية: كونه من الشرك. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية؛ من كف شر أو جلب نفع؛ لا يدل على أنه ليس من الشرك. ــ فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن، وقد سبق ذلك في أول الباب. الثانية: كونه من الشرك، أي: الاستعاذة بغير الله، وقد سبق التفصيل في ذلك. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وجه الاستشهاد: أن الاستعاذة بكلمات الله لا تخرج عن كونها استعاذة بالله؛ لأنها صفة من صفاته. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره، أي: فائدته، وهي أنه لا يضرك شيء ما دمت في هذا المنزل. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من الشرك، ومعنى كلامه: أنه قد يكون الشيء من الشرك، ولو حصل لك فيه منفعة؛ فلا يلزم من حصول النفع أن ينتفي الشرك؛ فالإنسان قد ينتفع بما هو شرك.

стр. 3089

مثال ذلك: الجن؛ فقد يعيذونك، وهذا شرك مع أن فيه منفعة. مثال آخر: قد يسجد إنسان لملك، فيهبه أموالا وقصورا، وهذا شرك مع أن فيه منفعة، ومن ذلك ما يحصل لغلاة المداحين لملوكهم لأجل العطاء؛ فلا يخرجهم ذلك عن كونهم مشركين. قال بعضهم: فكن كما شئت يا من لا نظير له ... وكيف شئت فما خلق يدانيك وفي الحديث فائدة، وهي: أن الشرع لا يبطل أمرا من أمور الجاهلية إلا ذكر ما هو خير منه؛ ففي الجاهلية كانوا يستعيذون بالجن، فأبدل بهذه الكلمات، وهي: أن يستعيذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وهذه الطريقة هي الطريقة السليمة التي ينبغي أن يكون عليها الداعية، أنه إذا سد الناس باب الشر؛ وجب عليه أن يفتح لهم باب الخير، ولا يقول: حرام، ويسكت، بل يقول: هذا حرام، وافعل كذا وكذا من المباح بدلا عنه، وهذا له أمثلة في القرآن والسنة. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، فلما نهاهم عن قول راعنا ذكر لهم ما يقوم مقامه وهو انظرنا. ومن السنة «قوله ﷺ لمن نهاه عن بيع الصاع من التمر الطيب بالصاعين، والصاعين بالثلاثة: (بع الجمع بالدراهم، واشتر بالدراهم جنيبا» . فلما منعه من المحذور؛ فتح له الباب السليم الذي لا محذور فيه. * * *

стр. 3090

باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ــ قوله: (من الشرك) ، من: للتبعيض؛ فيدل على أن الشرك ليس مختصا بهذا الأمر. والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة. وكلام المؤلف ﵀ ليس على إطلاقه، بل يقيد بما لا يقدر عليه المستغاث به، إما لكونه ميتا، أو غائبا، أو يكون الشيء مما لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى، فلو استغاث بميت ليدفع عنه أو بغائب أو بحي حاضر لينزل المطر، فهذا كله من الشرك، ولو استغاث بحي حاضر فيما يقدر عليه كان جائزا، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] . وإذا طلبت من أحد الغوث وهو قادر عليه؛ فإنه يجب عليك تصحيحا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب، وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة؛ لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد. قوله: (أو يدعو غيره) ، معطوف على قوله: (أن يستغيث) ؛ فيكون المعنى: من الشرك أن يدعو غير الله، وذلك لأن الدعاء من العبادة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ، عبادتي؛ أي دعائي؛ فسمى الله الدعاء عبادة.

стр. 3091

وقال ﷺ : «إن الدعاء هو العبادة» . (١) والدعاء ينقسم إلى قسمين: ١ - ما يقع عبادة، وهذا صرفه لغير الله شرك، وهو المقرون بالرهبة والرغبة، والحب، والتضرع. ٢ - ما لا يقع عبادة؛ فهذا يجوز أن يوجه إلى المخلوق، قال النبي ﷺ : «من دعاكم فأجبيوه» ، وقال: «إذا دعاك فأجبه» ، وعلى هذا؛ فمراد المؤلف بقوله: (أو يدعو غيره) دعاء العبادة أو دعاء المسألة فيما لا يمكن للمسؤول إجابته. قوله: (أن يستغيث) ، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، وخبرها مقدم، وهو قوله: من الشرك، والتقدير: من الشرك الاستغاثة بغير الله، والمبتدأ يكون صريحا ومؤولا. فالمبتدأ الصريح مثل: زيد قائم، والمؤول مثل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٤] ؛ أي: وصوموا خير لكم. وقوله: (أو يدعو) هذا من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الاستغاثة دعاء بإزالة الشدة فقط، والدعاء عام لكونه لجلب منفعة، أو لدفع مضرة. وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب عدة آيات: * * *

стр. 3092

وقول الله تعالى ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] . ــ الآية الأولى قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . ظاهر سياق الآية أن الخطاب للرسول ﷺ ، وسواء كان خاصا به أو عاما له ولغيره؛ فإن بعض العلماء قال: لا يصح أن يكون للرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ يستحيل أن يقع منه ذلك، والآية على تقدير قل، وهذا ضعيف جدا، وإخراج للآيات عن سياقها. والصواب: أنه خاص بالرسول ﷺ والحكم له ولغيره، وإما عام لكل من يصح خطابه ويدخل فيه الرسول ﷺ . وكونه يوجه إليه مثل هذا الخطاب لا يقتضي أن يكون ممكنا منه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] ؛ فالخطاب له ولجميع الرسل، ولا يمكن أن يقع منه باعتبار حاله لا باعتبار كونه إنسانا وبشرا. إذًا؛ فالحكمة من النهي أن يكون غيره متأسيا به، فإذا كان النهي موجها إلى من لا يمكن منه باعتبار حاله؛ فهو إلى من يمكن منه من باب أولى. وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، الدعاء: طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضر، وهو نوعان كما قال أهل العلم: الأول: دعاء عبادة وهو أن يكون قائما بأمر الله؛ لأن القائم بأمر الله - كالمصلي، والصائم، والمزكي - يريد بذلك الثواب والنجاة من العقاب، ففعله متضمن للدعاء بلسان الحال، وقد يصحب فعله هذا دعاء بلسان المقال.

стр. 3093

الثاني: دعاء مسألة، وهو طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضره. فالأول لا يجوز صرفه لغير الله، والثاني فيه تفصيل سبق. قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، أي: سوى الله. قوله: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ ، أي: ما لا يجلب لك النفع لو عبدته. ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ : قيل: لا يدفع عنك الضر، وقيل: لو تركت عبادته لا يضرك؛ لأنه لا يستطيع الانتقام، وهو الظاهر من اللفظ. قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ ؛ أي: لأنه لا ينفعك ولا يضرك، وهذا القيد ليس شرطا بحيث يكون له مفهوم؛ فيكون لك أن تدعو من ينفعك ويضرك، بل هو لبيان الواقع؛ لأن المدعو من دون الله لا يحصل منه نفع ولا ضرر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥، ٦] . ومن القيد الذي ليس بشرط، بل هو لبيان الواقع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] . فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لبيان الواقع؛ إذ ليس هناك رب ثان لم يخلقنا والذين من قبلنا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ؛ فهذا بيان للواقع الأغلب. ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ؛ فهذا بيان للواقع؛ إذ دعاء الرسول ﷺ إيانا كله لما يحيينا. وكل قيد يراد به بيان الواقع؛ فإنه كالتعليل للحكم؛ فمثلا قوله تعالى:

стр. 3094

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ؛ أي: لأنه لا يدعوكم إلا لما يحييكم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ ؛ أي: لأنه لا ينفعك ولا يضرك؛ فعلى هذا لا يكون هذا القيد شرطا، وهذه يسميها بعض الناس صفة كاشفة. قوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، أي: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، والخطاب للرسول ﷺ . و (إن) : شرطية، وجواب الشرط جملة: ﴿فَإِنَّكَ إِذًا﴾ . و (إذًا) ؛ أي: حال فعلك من الظالمين، وهو قيد، لأن (إذًا) للظرف الحاضر، أي: فإنك حال فعله من الظالمين، لكن قد تتوب منه فيزول عنك وصف الظلم؛ فالإنسان قبل الفعل ليس بظالم، وبعد التوبة ليس بظالم، لكن حين فعل المعصية يكون ظالما كما قال ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ؛ فنفى الإيمان عنه حال الفعل. ونوع الظلم هنا ظلم شرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ، وعبر الله بقوله: من الظالمين، ولم يقل: من المشركين؛ لأجل أن يبين أن الشرك ظلم؛ لأن كون الداعي لغير الله مشركا أمر بين، لكن كونه ظالما قد لا يكون بينا من الآية. * * *

стр. 3095

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] . ــ الآية الثانية قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ ، أي: يصيبك بضر؛ كالمرض، والفقر، ونحوه. قوله: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ . (لا) : نافية للجنس واسمها: كاشف، وخبرها: له، وإلا هو بدل، وإن قلنا بجواز كون خبرها معرفة صار (هو) الخبر. أي: ما أحد يكشفه أبدا إذا مسك الله بضر إلا الله، وهذا كقول النبي ﷺ : «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» . (١) قوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ ، هنا قال يردك، وفي الضر قال: يمسسك فهل هذا من باب تنويع العبارة، أو هناك فرق معنوي؟ الجواب: هناك فرق معنوي، وهو أن الأشياء المكروهة لا تنسب إلى إرادة الله، بل تنسب إلى فعله؛ أي: مفعوله. فالمس من فعل الله، والضر من مفعولاته؛ فالله لا يريد الضر لذاته، بل يريده لغيره؛ لما يترتب عليه من الخير، ولما وراء ذلك من الحكم البالغة، وفي الحديث القدسي: «إن من عبادي من لو أغنيته أفسده الغنى» . (٢)

стр. 3096

أما الخير؛ فهو مراد لله لذاته، ومفعول له، ويقرب من هذا ما في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] . فإذا أصيب الإنسان بمرض؛ فالله لم يرد به الضرر لذاته، بل أراد المرض، وهو يضره، لكن لم يرد ضرره، بل أراد خيرا من وراء ذلك، وقد تكون الحكمة ظاهرة في نفس المصاب، وقد تكون ظاهرة في غيره؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥] . فالمهم أنه ليس لنا أن نتحجر حكمة الله؛ لأنها أوسع من عقولنا، لكننا نعلم علم اليقين أن الله لا يريد الضرر لأنه ضرر؛ فالضرر عند الله ليس مرادا لذاته، بل لغيره، ولا يترتب عليه إلا الخير، أما الخير؛ فهو مراد لذاته، ومفعول له، والله أعلم بما أراد بكلامه، لكن هذا الذي يتبين لي. قوله: ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ، أي: لا يستطيع أن يرد فضل الله أبدا، ولو اجتمعت الأمة على ذلك، وفي الحديث: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت» . وعليه؛ فنعتمد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، وبقاء ما أنعم علينا به، ونعلم أن الأمة مهما بلغت من المكر والكيد والحيل لتمنع فضل الله؛ فإنها لا تستطيع. قوله: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ، الضمير إما أن يعود إلى الفضل؛ لأنه أقرب، أو إلى الخير؛ لأنه هو الذي يتحدث عنه، ولا يختلف المعنى بذلك. قوله: من يشاء، كل فعل مقيد بالمشيئة؛ فإنه مقيد بالحكمة؛ لأن

стр. 3097

وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] . ــ مشيئة الله ليست مجردة يفعل ما يشاء لمجرد أنه يفعله فقط؛ لأن من صفات الله الحكمة، ومن أسمائه الحكيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الانسان:٣٠] . قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ، أي: ذو المغفرة، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذ من المغفر، وهو ما يتقي به السهام، والمغفرة فيه ستر ووقاية. والرحيم؛ أي: ذو الرحمة، وهي صفة تليق بالله ، تقتضي الإحسان والإنعام. الشاهد قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ في الآية الأولى؛ فقد نبه الله نبيه أن من يدعو أحدا من دون الله (أي: من سواه)) لا ينفعه ولا يضره. وقوله في الآية الثانية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ . * * * الآية الثالثة قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ . لو أتي المؤلف بأول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ لكان أولى؛ فهم يعبدون هذه الأوثان من شجر وحجر وغيرها، وهي لا تملك لهم رزقا أبدا، لو دعوها إلى يوم القيامة ما أحضرت لهم ولا حبة بر، ولا دفعت عنهم أدنى مرض أو فقر، فإذا كانت لا تملك الرزق؛ فالذي يملكه هو الله، ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ؛ أي: اطلبوا عند الله الرزق؛

стр. 3098

لأنه سبحانه هو الذي لا ينقضي ما عنده، ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] ، والرزق هو العطاء كما قال الله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ . وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ : عند الله: حال من الرزق، وقدم الحال مع أن موضعها التأخير عن صاحبها لإفادة الحصر؛ إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ أي: فابتغوا الرزق حال كونه عند الله لا عند غيره. قوله: واعبدوه، أي: تذللوا بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التعبيد، وهو التذليل، ومنه قولهم: طريق معبد؛ أي: مذلل للسالكين، قد أزيل عنه الأحجار والأشجار المؤذية؛ لأنكم إذا تذللتم له بالطاعة؛ فهو من أسباب الرزق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣، ٤] ؛ فأمر أن نطلب الرزق عنده، ثم أعقبه بقوله: واعبدوه إشارة إلى أن تحقيق العبادة من طلب الرزق؛ لأن العابد ما دام يؤمن أن من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ فعبادته تتضمن طلب الرزق بلسان الحال. قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ ، إذا أضاف الله الشكر له متعديا باللام؛ فهو إشارة إلى الإخلاص؛ أي: واشكروا نعمة الله لله؛ فاللام هنا لإفادة الإخلاص؛ لأن الشاكر قد يشكر الله لبقاء النعمة، وهذا لا بأس به، ولكن كونه شكر لله وتأتي إرادة بقاء النعمة تبعا هذا هو الأكمل والأفضل. والشكر فسروه بأنه: القيام بطاعة المنعم، وقالوا: إنه يكون في ثلاثة مواضع: ١- في القلب، وهو أن يعترف بقلبه أن هذه النعمة من الله، فيرى لله فضلا عليه بها، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ، وأعظم نعمة هي نعمة الإسلام، قال تعالى:

стр. 3099

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤] . ٢ - اللسان، وهو أن يتحدث بها على وجه الثناء على الله والاعتراف وعدم الجحود، لا على سبيل الفخر والخيلاء والترفع على عباد الله؛ فيتحدث بالغنى لا ليكسر خاطر الفقير، بل لأجل الثناء على الله، وهذا جائز كما في قصة الأعمى من بني إسرائيل لما ذكرهم الملك بنعمة الله، قال: (نعم، كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيرا فأعطاني الله المال) ؛ فهذا من باب التحدث بنعمة الله. والنبي ﷺ تحدث بنعمة الله عليه بالسيادة المطلقة: فقال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» . ٣ - الجوارح، وهو أن يستعملها بطاعة المنعم، وعلى حسب ما يختص بهذه النعمة. فمثلا: شكر الله على نعمة العلم: أن تعمل به، وتعلمه الناس. وشكر الله على نعمة المال: أن تصرفه بطاعة الله، وتنفع الناس به. وشكر الله على نعمة الطعام: أن تستعمله فيما خلق له، وهو تغذية البدن؛ فلا تبني من العجين قصرا مثلا؛ فهو لم يخلق لهذا الشيء. قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، الجار والمجرور متعلق بـ ترجعون، وتقديمه دل على الحصر، أي أن رجوعنا إلى الله سبحانه، وهو الذي سيحاسبنا

стр. 3100

وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [الأحقاف: ٥] . ــ على ما حملنا إياه من الأمر بالعبادة، والأمر بالشكر، وطلب الرزق منه. والشاهد من هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ؛ فالفقير يستغيث بالله لكي ينجيه من الفقر، والله هو الذي يستحق الشكر، وإذا كانت هذه الأصنام لا تملك الرزق؛ فكيف تستغيث بها؟ ! * الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ ، (من) : اسم استفهام مبتدأ، و (أضل) : خبره والاستفهام يراد به هنا النفي، أي لا أحل أضل. وأضل: اسم تفضيل؛ أي: لا أحد أضل من هذا. والضلال: أن يتيه الإنسان عن الطريق الصحيح. وإذا كان الاستفهام مرادا به النفي كان أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يحوله من نفي إلى تحد؛ أي: بين لي عن أحد أضل ممن يدعو من دون الله؟ فهو متضمن للتحدي، وهو أبلغ من قوله: لا أضل ممن يدعو؛ لأنه هذا نفي مجرد، وذلك نفي مشرب معنى التحدي. قوله: ﴿مِمَّنْ يَدْعُو﴾ ، متعلق بأضل، ويراد بالدعاء هنا دعاء المسألة ودعاء العبادة. قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، أي: سواه. قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ، (من) : مفعول يدعو؛ أي لو بقي كل عمر الدنيا يدعو ما استجاب له، قال الله تعالى:

стр. 3101

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] ، والخبر هنا عن الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] ، يعني: نفسه . وقوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ﴾ أتى بـ (من) ، وهي للعاقل، مع أنهم يعبدون الأصنام والأحجار والأشجار، وهي غير عاقلة؛ لأنهم لما عبدوها نزلوها منزلة العاقل، فخوطبوا بمقتضى ما يدعون؛ لأنه أبلغ في إقامة الحجة عليهم في أنهم يدعون من يرونهم عقلاء، ومع ذلك لا يستجيبون لهم، وهذا من بلاغة القرآن؛ لأنه خاطبهم بما تقتضيه حالهم ليقيم الحجة عليهم؛ إذ لو قيل: ما لا يستجيب له؛ لقالوا: هناك عذر في عدم الاستجابة لأنهم غير عقلاء. قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ﴾ ، الضمير في قوله: (هم) يعود على (من) باعتبار المعنى؛ لأنهم جماعة، وضمير يستجيب يعود على (من) باعتبار اللفظ؛ لأنه مفرد، فأفرد الضمير باعتبار لفظ (من) ، وجمعه باعتبار لفظ (من) ، وجمعه باعتبار المعنى؛ لأن (من) تعود على الأصنام، وهي جماعة، و (من) قد يراعى لفظها ومعناها في كلام واحد. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] ؛ فهنا راعي اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ. قوله: ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾ ، الضمير في دعائهم يعود إلى المدعوين، وهل المعنى: (وهم) ؛ أي: الأصنام، ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾ ، أي: دعاء الداعين إياهم، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، أو المعنى: و (هم) عن دعاء العابدين لهم؛ فيكون (دعاء) مضافا إلى فاعله، والمفعول محذوف؟

стр. 3102

الأول أبلغ، أي عن دعاء العابدين إياهم أبلغ من دعاء العابدين على سبيل الإطلاق، فإذا قلت: ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾ ؛ أي: عن دعاء العابدين إياهم، وجعلت الضمير هنا يعود على المدعوين؛ صار المعنى أن هذه الأصنام غافلة عن دعوة هؤلاء إياهم، ويكون هذا أبلغ في أن هذه الأصنام لا تفيد شيئا في الدنيا ولا في الآخرة. قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ ، أي: يوم القيامة، ﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ ، هل المعنى: كان العابدون للمعبودين أعداء، أو كان المعبودون للعابدين أعداء؟ الجواب: يشمل المعنيين، وهذا من بلاغة القرآن. الشاهد: قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ، فإذا كان من سوى الله لا يستجيب إلى يوم القيامة؛ فكيف يليق بك أن تستغيث به دون الله؟ ! فبطل تعلق هؤلاء العابدين بمعبوداتهم. فالذي يأتي للبدوي أو للدسوقي في مصر، فيقول: المدد! المدد! أو: أغثني؛ لا يغني عنه شيئا، ولكن قد يبتلى فيأتيه المدد عند حصول هذا الشيء لا بهذا الشيء، وفرق بين ما يأتي بالشيء وما يأتي عند الشيء. مثال ذلك: امرأة دعت البدوي أن تحمل، فلما جامعها زوجها حملت، وكانت سابقا لا تحمل؛ فنقول هنا: إن الحمل لم يحصل بدعاء البدوي، وإنما حصل عنده لقوله تعالى: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . أو يأتي للجيلاني في العراق، أو ابن عربي في سوريا، فيستغيث به؛ فإنه لا ينتفع، ولو بقي الواحد منهم إلى يوم القيامة يدعو ما أجابه أحد. والعجب أنهم في العراق يقولون: عندنا الحسين، فيطوفون بقبره ويسألونه، وفي مصر كذلك، وفي سوريا كذلك، وهذا سفه في العقول،

стр. 3103

وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] . ــ وضلال في الدين، والعامة قد لا يلامون في الواقع، لكن الذي يلام من عنده علم من العلماء ومن غير العلماء. * * * * * * * الآية الخامسة قوله تعالى: أمن، أم: منقطعة، والفرق بين المنقطعة والمتصلة ما يلي: ١ - المنقطعة بمعنى بل، والمتصلة بمعنى أو. ٢ - المتصلة لا بد فيها من ذكر المعادل، والمنقطعة لا يشترط فيها ذكر المعادل. مثال ذلك: أعندك زيد أم عمرو؟ فهذه متصلة، وقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] متصلة، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ منقطعة؛ لأنه لم يذكر لها معادل؛ فهي بمعنى بل والهمزة. قوله: المضطر، أصلها: المضتر؛ أي: الذي أصابه الضرر، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الانبياء: ٨٣-٨٤] ؛ فلا يجيب المضطر إلا الله، لكن قيده بقوله: إذا دعاه، أما إذا لم يدعه؛ فقد يكشف الله ضره، وقد لا يكشفه. قوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ، أي: يزيل السوء، والسوء: ما يسوء المرء، وهو دون الضرورة؛ لأن الإنسان قد يساء بما لا يضره، لكن كل ضرورة سوء. وقوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هل هي متعلقة بما قبلها في المعنى، وإنه إذا أجابه كشف سوءه، أو هي مستقلة يجيب المضطر إذا دعاه ثم أمر آخر يكشف السوء؟ الجواب: المعنى الأخير أعم؛ لأنها تشمل كشف سوء المضطر وغيره،

стр. 3104

ومن دعا الله ومن لم يدعه، وعلى التقدير الأول تكون خاصة بكشف سوء المضطر، ومعلوم أنه كلما كان المعنى أعم كان أولى، ويؤيد العموم قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ . قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ ، الذين يجعلهم الله خلفاء الأرض هم عباد الله الصالحون، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] . قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ، الاستفهام للإنكار أو بمعنى النفي، وهما متقاربان أي: هل أحد مع الله يفعل ذلك؟! الجواب: لا، وإذا كان كذلك؛ فيجب أن تصرف العبادة لله وحده، وكذلك الدعاء؛ فالواجب على العبد أن يوجه السؤال إلى الله تعالى، ولا يطلب من أحد أن يزيل ضرورته ويكشف سوءه وهو لا يستطيع. * إشكال وجوابه: وهو أن الإنسان المضطر يسأل غير الله ويستجاب له، كمن اضطر إلى طعام وطلب من صاحب الطعام أن يعطيه فأعطاه؛ فهل يجوز أم لا؟ الجواب: أن هذا جائز، لكن يجب أن نعتقد أن هذا مجرد سبب لا أنه مستقل؛ فالله جعل لكل شيء سببا، فيمكن أن يصرف الله قلبه فلا يعطيك، ويمكن أن تأكل ولا تشبع فلا تزول ضرورتك، ويمكن أن يسخره الله ويعطيك. * * *

стр. 3105

روى الطبراني بإسناده (١) : «أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق.» ــ قوله: (بإسناده) ، يشير إلى أن هذا الإسناد ليس على شرط الصحيح، أو المتفق عليه بين الناس، بل هو إسناده الخاص، وعليه؛ فيجب أن يراجع هذا الإسناد فليس كل إسناد محدث قد تمت فيه شروط القبول. وذكر الهيثمي في (مجمع الزوائد) : (إن رجاله رجال الصحيح) ؛ غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وابن لهيعة خلط في آخر عمره لاحتراق كتبه) ، ولم يذكر المؤلف الصحابي، وفي الشرح هو عبادة بن الصامت ﵁. قوله: (في زمن النبي) ، أي: عهده، وكان الكافر أولا يعلن كفره ولا يبالي، ولما قوي المسلمون بعد غزوة بدر خاف الكفار؛ فصاروا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. قوله: (منافق) ، المنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهؤلاء ظهروا بعد غزوة بدر. ولم يسم المنافق في هذا الحديث؛ فيحتمل أنه عبد الله بن أبي؛ لأنه مشهور بإيذاء المسلمين، ويحتمل غيره.

стр. 3106

«فقال النبي ﷺ : (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله» . ــ واعلم أن أذية المنافقين للمسلمين ليست بالضرب أو القتل؛ لأنهم يتظاهرون بمحبة المسلمين، ولكن بالقول والتعريض كما صنعوا في قصة الإفك. قوله: (فقال بعضهم) ، أي: الصحابة. قوله: (نستغيث) ، أي: نطلب الغوث وهو إزالة الشدة. قوله: (من هذا المنافق) ، إما بزجره، أو تعزيزه، أو بما يناسب المقام. وفي الحديث إيجاز حذف دل عليه السياق؛ أي: فقاموا إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله! إنا نستغيث بك من هذا المنافق. قوله: «إنه لا يستغاث بي» ، ظاهر هذه الجملة النفي مطلقا، ويحتمل أن المراد: لا يستغاث به في هذه القضية المعينة. فعلى الأول: يكون نفي الاستغاثة من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول ﷺ ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه. أما إذا قلنا: إن النفي عائد إلى القضية المعنية التي استغاثوا بالنبي ﷺ منها؛ فإنه يكون على الحقيقة، أي: على النفي الحقيقي، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه القضية؛ لأن النبي ﷺ كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، ولا يمكنه حسب الحكم الظاهر للمنافقين أن ينتقم من هذا المنافق انتقاما ظاهرا؛ إذ إن المنافقين يستترون، وعلى هذا؛ فلا يستغاث للتخلص من المنافق إلا بالله. * * *

стр. 3107

فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص. الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ . الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر. ــ فيه مسائل: * الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، يعني: حيث قال في الترجمة باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، ووجه ذلك أن الاستغاثة طلب إزالة الشدة، والدعاء طلب ذلك وغيره، إذًا الاستغاثة نوع من الدعاء، والدعاء أعم؛ فهو من باب عطف العام على الخاص، وهذا سائغ في اللغة العربية؛ فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧] . * الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ ، الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ خاصة، بدليل الآيات التي قبلها، قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥] . فإن قيل: كيف ينهاه الله عن أمر لا يمكن أن يقع منه شرعا؟ أجيب: إن الغرض هو التنديد بمن فعل ذلك، كأنه يقول: لا تسلك هذا الطريق التي سلكها أهل الضلال، وإن كان الرسول لا يمكن أن يقع منه ذلك شرعا. الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر، يؤخذ من قوله تعالى:

стр. 3108

الرابعة: أن أصلح الناس لو فعله إرضاء لغيره؛ صار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها. السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا. السابعة: تفسير الآية الثالثة. الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله؛ كما أن الجنة لا تطلب إلا منه. ــ ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، مضافا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . الرابعة: أن أصلح الناس لو فعله إرضاء لغيره؛ صار من الظالمين، تؤخذ من كون الخطاب للرسول ﷺ ، وهو أصلح الناس، فلو فعل ذلك إرضاء لغيره؛ صار من الظالمين، حتى ولو فعله مجاملة لإنسان مشرك، فدعا صاحب قبر إرضاء لذلك المشرك؛ فإنه يكون مشركا؛ إذ لا تجوز المحاباة في دين الله. * الخامسة: تفسير الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [الأنعام: ١٧] ، فإذا كان لا يكشف الضر إلا الله؛ وجب أن تكون العبادة له وحده والاستغاثة به وحده. * السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ ، فلم ينتفع من دعائه هذا؛ فخسر الدنيا بذلك، والآخره بكفره. * السابعة: تفسير الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ . وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ حال من الرزق، وعليه يكون ابتغاء الرزق عند الله وحده. * الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا

стр. 3109

التاسعة: تفسير الآية الرابعة. العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعدواته له. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو. ــ منه، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ لأن العبادة سبب لدخول الجنة، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . التاسعة: تفسير الآية الرابعة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] . العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] ؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ، (وهم) ؛ أي: المدعوون ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾ أي: دعاء الداعين، أو عن دعاء الداعين إياهم؛ فالاحتمال في الضمير الثاني وهو قوله: ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾ ، أما الضمير الأول؛ فإنه يعود إلى المدعوين لا ريب، وقد سبق بيانه بالتفصيل. * الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . * الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو، تؤخذ من قوله تعالى:

стр. 3110

الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة. الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس. السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة. السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين. ــ ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة، معنى كفر المدعو: رده وإنكاره، فإذا كان يوم القيامة تبرأ منه وأنكره. تؤخذ من قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس، وذلك لأمور، هي: ١ - أنه يدعو من دون الله من لا يستجيب له. ٢ - أن المدعوين غافلون عن دعائهم. ٣ - أنه إذا حشر الناس كانوا له أعداء. ٤ - أنه كافر بعبادتهم السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة، وهي قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ وقد سبق ذلك. السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله....إلخ، وهو كما قال ﵀: وهذا موجود الآن؛ فمن الناس من يسجد للأصنام التي صنعوها بأنفسهم تعظيما، فإذا وقعوا في الشدة دعوا الله مخلصين له الدين، وكان عليهم أن يلجؤوا للأصنام لو كانت عبادتها

стр. 3111

الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد والتأدب مع الله. ــ حقا، إلا أن من المشركين اليوم من هو أشد شركا من المشركين السابقين، فإذا وقعوا في الشدة دعوا أولياءهم؛ كعلي والحسين، وإذا كان الأمر سهلا دعوا الله، وإذا حلفوا حلفا هم فيه صادقون حلفوا بعلي أو غيره من أوليائهم، وإذا حلفوا حلفا هم فيه كاذبون حلفوا بالله ولم يبالوا. الثامنة عشرة: حماية المصطفى حمى التوحيد، والتأدب مع الله. اختار المؤلف أن قوله: «لا يستغاث بي» من باب التأدب بالألفاظ، والبعد عن التعلق بغير الله، وأن يكون تعلق الإنسان دائما بالله وحده؛ فهو يعلم الأمة أن تلجأ إلى الله وحده إذا وقعت في الشدائد، ولا تستغيث إلا به وحده.

стр. 3112

باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ الآية [الأعراف: ١٩١،١٩٢] . ــ مناسبة الباب لما قبله: لما ذكر ﵀ الاستعاذة والاستغاثة بغير الله ؛ ذكر البراهين الدالة على بطلان عبادة ما سوى الله، ولهذا جعل الترجمة لهذا الباب نفس الدليل، وذكر ﵀ ثلاث آيات: * * * الآية الأولى والثانية قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ ، الاستفهام للإنكار والتوبيخ؛ أي: يشركونه مع الله. قوله: ﴿مَا لَا يَخْلُقُ﴾ ، هنا عبر بـ (ما) دون (من) ، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥] عبر ب (من) . والمناسبة ظاهرة؛ لأن الداعين هناك نزلوهم منزلة العاقل، أما هنا؛ فالمدعو جماد؛ لأن الذي لا يخلق شيئا ولا يصنعه جماد لا يفيد. قوله: شيئا، نكرة في سياق النفي؛ فتفيد العموم. قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ، وصف هذه الأصنام بالعجز والنقص. والرب المعبود لا يمكن أن يكون مخلوقا، بل هو الخالق؛ فلا يجوز عليه الحدوث ولا الفناء.

стр. 3113

والمخلوق: حادث، والحادث يجوز عليه العدم؛ لأن ما جاز انعدامه أولا؛ جاز عقلا انعدامه آخرًا. فكيف يعبد هؤلاء من دون الله؛ إذ المخلوق هو بنفسه مفتقر إلى خالقه، وهو حادث بعد أن لم يكن؛ فهو ناقص في إيجاده وبقائه؟! إشكال وجوابه: قوله: ﴿مَا لَا يَخْلُقُ﴾ الضمير بالإفراد، وقوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الضمير بالجمع؛ فما الجواب؟ أجيب: بأن قوله: ﴿مَا لَا يَخْلُقُ﴾ عاد الضمير على (ما) باعتبار اللفظ؛ لأن (ما) اسم موصول، لفظها مفرد، لكن معناها الجمع؛ فهي صالحة بلفظها للمفرد، وبمعناها للجمع؛ كقوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ . قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ عاد الضمير على (ما) باعتبار المعنى؛ كقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ . قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ ، أي: لا يقدرون على نصرهم لو هاجمهم عدو؛ لأن هؤلاء المعبودين قاصرون. والنصر: الدفع عن المخذول بحيث ينتصر على عدوه. قوله: ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ، بنصب أنفسهم على أنه مفعول مقدم، وليس من باب الاشتغال؛ لأن العامل لم يشتغل بضمير السابق. أي: زيادة على ذلك هم عاجزون عن الانتصار لأنفسهم؛ فكيف ينصرون غيرهم؟! فبين الله عجز هذه الأصنام، وأنها لا تصلح أن تكون معبودة من أربعة وجوه، هي:

стр. 3114

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الآية [فاطر: ١٣] . ــ ١ - أنها لا تخلق، ومن لا يخلق لا يستحق أن يعبد. ٢ - أنهم مخلوقون من العدم؛ فهم مفتقرون إلى غيرهم ابتداء ودواما. ٣ - أنهم لا يستطيعون نصر الداعين لهم، وقوله: لا يستطيعون أبلغ من قوله: (لا ينصرونهم) ؛ لأنه لو قال: (لا ينصرونهم) ؛ فقد يقول قائل: لكنهم يستطيعون، لكن لما قال: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ كان أبلغ لظهور عجزهم. ٤ - أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم. * * * الآية الثالثة قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ . يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، ومن دونه؛ أي: سوى الله. قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ، (ما) : نافية، (من) حرف زائد لفظا، وقيل: لا ينبغي أن يقال: حرف جر زائد في القرآن، بل يقال: من: حرف صلة، وهذا فيه نظر؛ لأن الحروف الزائدة لها معنى، وهو التوكيد، وإنما يقال: زائد من حيث الإعراب، وجملة ﴿مَا يَمْلِكُونَ﴾ خبر المبتدأ الذي هو الذين. وقوله: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ، القطمير: سلب نواة التمرة. وفي النواة ثلاثة أشياء ذكرها الله في القرآن لبيان حقارة الشيء. القطمير: وهو اللفافة الرقيقة التي على النواة.

стр. 3115

الفتيل: وهو سلك يكون في الشق الذي في النواة. النقير: وهي النقرة التي تكون على ظهر النواة. فهؤلاء لا يملكون من قطمير، فإن قيل: أليس الإنسان يملك النخل كله كاملا؟ أجيب: إنه يملكه، ولكنه ملك ناقص ليس حقيقيا؛ فلا يتصرف فيه إلا على حسب ما جاء به الشرع، فلا يملك مثلا إحراقه للنهي عن إضاعة المال. قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ ، جملة شرطية، تدعو: فعل الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، وأصلها: تدعونهم. قوله: ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ جواب الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل. قوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ، أي: إن هذه الأصنام لو دعوتموها ما سمعت، ولو فرض أنها سمعت ما استجابت؛ لأنها لا تقدر على ذلك، ولهذا قال إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] . فإذا كانت كذلك؛ فأي شيء يدعو إلى أن تدعى من دون الله؟ ! بل هذا سفه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] . قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ هو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] . فهؤلاء المعبودون إن كانوا يبعثون ويحشرون؛ فكفرهم بشركهم ظاهر كمن يعبد عزيرا والمسيح. وإن كانوا أحجارا وأشجارا ونحوها؛ فيحتمل أن يشملها ظاهر الآية، وهو أن الله يأتي بهذه الأحجار ونحوها؛ فتكفر بشرك من يشرك بها، ويؤيده

стр. 3116

قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ، وما ثبت في (الصحيحين) عن النبي ﷺ «أنه عند بعث الناس يقال لكل أمة: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد من دون الله» ؛ فالحجر يكون أمامهم يوم القيامة، ويكون له كلام ينطق به، ويكفر بشركهم، فإذا كانت المعبودات تحضر وتحصب في النار إهانة لعابديها وتحضر لتتبع إلى النار؛ فلا غرو أن تكفر بعابديها إذا أحضرت. قوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] ، هذا مثال يضرب لمن أخبر بخبر ورأى شكا عند من خاطبه به؛ فيقول: ولا ينبئك مثل خبير، ومعناه: إنه لا يخبرك بالخبر مثل خبير به، وهو الله؛ لأنه لا يعلم أحد ما يكون في يوم القيامة إلا الله، وخبره خبر صدق؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] . والخبير: العالم ببواطن الأمور. مسألة: هل يسمع الأموات السلام ويردونه على من سلم عليهم؟ اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: أن الأموات لا يسمعون السلام، وأن قول النبي ﷺ حين زيارة القبور: (السلام عليكم) دعاء لا يقصد به المخاطبة، ثم على فرض أنهم يسمعون كما جاء الحديث الذي صححه ابن عبد البر وأقره ابن القيم: بأن

стр. 3117

«الإنسان إذا سلم على شخص يعرفه في الدنيا رد الله عليه روحه فرد السلام» (١) وعلى تقدير صحة هذا الحديث إذا كانوا يسمعون السلام ويردونه؛ فلا يلزم أن يسمعوا كل شيء، ثم لو فرض أنهم يسمعون غير السلام؛ فإن الله صرح بأن المدعوين من دون الله لا يسمعون دعاء من يدعونهم؛ فلا يمكن أن نقول: إنهم يسمعون دعاء من يدعون؛ لأن هذا كفر بالقرآن؛ فتبين هذا أنه لا تعارض بين قوله ﷺ : «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» وبين هذه الآية. وأما قوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ ؛ فمعناه: لو سمعوا فرضا ما استجابوا لكم؛ لأنهم لا يستطيعون. القول الثاني: أن الأموات يسمعون. واستدلوا على ذلك بالخطاب الواقع في سلام الزائر لهم بالمقبرة. وبما ثبت في (الصحيح) من أن «المشيعين إذا انصرفوا سمع المشيع قرع نعالهم» . والجواب عن هذين الدليلين: أما الأول؛ فإنه لا يلزم من السلام عليهم أن يسمعوا، ولهذا كان المسلمون يسلمون على النبي ﷺ في حياته في التشهد،وهو لا يسمعهم قطعا.

стр. 3118

وفي الصحيح، عن أنس قال: «شج النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ » [آل عمران: ١٢٨] . (١) ــ أما الثاني؛ فهو وارد في وقت خاص، وهو انصراف المشيعين بعد الدفن، وعلى كل؛ فالقولان متكافئان، والله أعلم بالحال. قوله: " وفي الصحيح "، سبق الكلام على مثل هذا التعبير. قوله: " أحد "، جبل معروف شمالي المدينة، ولا يقال: المنورة؛ لأن كل بلد دخله الإسلام فهو منور بالإسلام، ولأن ذلك لم يكن معروفا عند السلف، وكذلك جاء اسمها في القرآن بالمدينة فقط، لكن لو قيل: المدينة النبوية لحاجة تمييزها؛ فلا بأس، وهذا الجبل حصلت فيه وقعة في السنة الثالثة من الهجرة في شوال، هزم فيها المسلمون بسبب ما حصل منهم من مخالفة أمر النبي ﷺ ؛ كما أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ، وجواب الشرط محذوف تقديره: حصل لكم ما تكرهون. وقد حصلت هزيمة المسلمين لمعصية واحدة، ونحن الآن نريد الانتصار والمعاصي كثيرة عندنا، ولهذا لا يمكن أن نفرح بنصر ما دمنا على هذه الحال؛

стр. 3119

إلا أن يرفق الله بنا، ويصلحنا جميعا. قوله: " شج "، الشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة. قوله: " وكسرت رباعيته "، السنان المتوسطان يسميان ثنايا، وما يليهما يسميان رباعيتين. قوله: «فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» ، الاستفهام يراد به الاستبعاد؛ أي: بعيد أن يفلح قوم شجوا نبيهم ﷺ . قوله: " يفلح " من الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب. قوله: " فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ "، أي: نزلت هذه الآية، والخطاب فيها للرسول ﷺ . وشيء: نكرة في سياق النفي؛ فتعم. قوله: الأمر؛ أي: الشأن، والمراد: شأن الخلق، فشأن الخلق إلى خالقهم، حتى النبي ﷺ ليس له فيهم شيء. ففي الآية خطاب للرسول ﷺ وقد شج وجهه، وكسرت رباعيته، ومع ذلك ما عذره الله سبحانه في كلمة واحدة: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» ، فإذا كان الأمر كذلك؛ فما بالك بمن سواه؟ فليس لهم من الأمر شيء؛ كالأصنام، والأوثان، والأولياء، والأنبياء؛ فالأمر كله لله وحده، كما أنه الخالق وحده، والحمد لله الذي لم يجعل أمرنا إلى أحد سواه؛ لأن المخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؛ فكيف يملك لغيره؟ ونستفيد من هذا الحديث أنه يجب الحذر من إطلاق اللسان فيما إذا رأى الإنسان مبتلى بالمعاصي ؛ فلا نستبعد رحمة الله منه، فإن الله تعالى قد يتوب عليه.

стр. 3120

وفيه: عن ابن عمر ﵄ أنه «سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر:» ــ فهؤلاء الذين شجوا نبيهم لما استبعد النبي ﷺ فلاحهم؛ قيل له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . «والرجل المطيع الذي يمر بالعاصي من بني إسرائيل، ويقول: "والله؛ لا يغفر الله لفلان. قال الله له: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك» ؛ فيجب على الإنسان أن يمسك اللسان؛ لأن زلته عظيمة، ثم إننا نشاهد أو نسمع قوما كانوا من أكفر عباد الله وأشدهم عداوة انقلبوا أولياء لله، فإذا كان كذلك؛ فلماذا نستبعد رحمة الله من قوم كانوا عتاة؟ وما دام الإنسان لم يمت؛ فكل شيء ممكن، كما أن المسلم -نسأل الله الحماية- قد يزيغ قلبه لما كان فيه من سريرة فاسدة. فالمهم أن هذا الحديث يجب أن يتخذ عبرة للمعتبر في أنك لا تستبعد رحمة الله من أي إنسان كان عاصيا. قوله: " فنزلت "، الفاء للسببية، وعليه؛ فيكون سبب نزول هذه الآية هذا الكلام: «كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟» . قوله: " وفيه "، أي الصحيح. قوله: " إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر "، قيد مكان
следующие страницы →