← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

قال الشاعر: فواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وهي تطلق على العالمين بهذا المعنى، وتطلق على العالمين في وقت معين، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧] ؛ يعني: عالمي زمانهم. والرب هنا: المالك المتصرف، وهذه ربوبية مطلقة. الآية الثانية: قوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ ، الجملة حالية من قوله: (لله) ؛ أي: حال كونه لا شريك له، والله سبحانه لا شريك له في عبادته ولا في ربوبيته ولا في أسمائه وصفاته، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . وقد ضل من زعم أن لله شركاء كمن عبد الأصنام أو عيسى ابن مريم ﵇، وكذلك بعض غلاة الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق؛ كقول بعضهم يخاطب ممدوحا له: فكن كمن شئت يا من لا شبيه له ... وكيف شئت فما خلق يدانيك وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرسول ﷺ : يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم وهذا من أعظم الشرك؛ لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول، ومقتضاه أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.

стр. 3047

وقال: إن " من علومك علم اللوح والقلم "، يعني: وليس ذلك كل علومك؛ فما بقي لله علم ولا تدبير والعياذ بالله. قوله: (بذلك) ، الجار والمجرور متعلق بـ أمرت؛ فيكون دالا على الحصر والتخصيص، وإنما خص بذلك؛ لأنه أعظم المأمورات، وهو الإخلاص لله تعالى ونفي الشرك، فكأنه ما أمر إلا بهذا، ومعلوم أن من أخلص لله تعالى؛ فسيقوم بعبادة الله في جميع الأمور. قوله: أمرت، إبهام الفاعل هنا من باب التعظيم والتفخيم، وإلا فمن المعلوم أن الآمر هو الله تعالى. قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، يحتمل أن المراد الأولية الزمنية، فيتعين أن تكون أولية إضافية ويكون المراد أنا أول المسلمين من هذه الأمة؛ لأنه سبقه في الزمن من أسلموا. ويحتمل أن المراد الأولية المعنوية؛ فإن أعظم الناس إسلاما وأتمهم انقيادا هو الرسول ﷺ ؛ فتكون الأولية أولية مطلقة. ومثل هذا التعبير يقع كثيرا أن تقع الأولية أولية معنوية، مثل أن تقول: أنا أول من يصدق بهذا الشيء، وإن كان غيرك قد صدق قبلك، لكن تريد أنك أسبق الناس تصديقا بذلك، ولن يكون عندك إنكار أبدا، ومثل قوله ﷺ : «نحن أولى بالشك من إبراهيم حينما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ » [البقرة:٢٦٠] ؛ فليس معناه أن إبراهيم شاك، لكن إن قدر أن يحصل شك؛ فنحن

стр. 3048

وقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] . ــ أولى بالشك منه، وإلا؛ فلسنا نحن شاكين، وكذلك إبراهيم ليس شاكا. قوله: ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ ، الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان؛ لأن المراد به الاستسلام لله ظاهرا وباطنا، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] ، وهذا إسلام الباطن. وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ، هذا إسلام الظاهر، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] يشمل الإسلام الباطن والظاهر، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ٧٢] . ومتى وجد الإيمان حقا لزم من وجوده الإسلام. واما إذا قرنا جميعا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، مثل حديث جبريل، وفيه: «أخبرني عن الإسلام؛ فأخبره عن أعمال ظاهرة، وأخبرني عن الإيمان؛ فأخبره عن أعمال باطنة» . وكذا قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . والشاهد من الآية التي ذكرها المؤلف: أن الذبح لا بد أن يكون خالصا لله. الآية الثالثة: قوله: فصل، الفاء للسببية عاطفة على قوله:

стр. 3049

﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ؛ أي بسبب إعطائنا لك ذلك صل لربك وانحر شكرا لله تعالى على هذه النعمة. والمراد بالصلاة هنا الصلاة المعروفة شرعا. وقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ ، المراد بالنحر: الذبح، أي اجعل نحرك لله كما أن صلاتك له؛ فأفادت هذه الآية الكريمة أن النحر من العبادة، ولهذا أمر الله به وقرنه بالصلاة. وقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ ، مطلق؛ فيدخل فيه كل ما ثبت في الشرع مشروعيته، وهي ثلاثة أشياء: الأضاحي، والهدايا، والعقائق؛ فهذه الثلاثة يطلب من الإنسان أن يفعلها. أما الهدايا؛ فمنها واجب، ومنها مستحب، فالواجب كما في التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وكما في المحصر: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وكما في حلق الرأس: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، هذا إن صح أن نقول: إنها هدي، ولكن الأولى أن نسميها فدية كما سماها الله ؛ لأنها بمنزلة الكفارة. وأما الأضاحي؛ فاختلف العلماء فيها: فمنهم من قال: إنها واجبة. ومنهم من قال: إنها مستحبة. وأكثر أهل العلم على أنها مستحبة، وأنه يكره للقادر تركها. ومذهب أبي حنيفة ﵀ أنها واجبة على القادر، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 3050

عن علي ﵁؛ قال: «حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات:» ــ والأضحية ليست عن الأموات كما يفهمه العوام، بل هي للأحياء، وأما الأموات؛ فليس من المشروع أن يُضَحَّى لهم استقلالا، إلا إن أوصوا به؛ فعلى ما أوصوا به؛ لأن ذلك لم يرد عن الرسول ﷺ . وأما العقيقة: وهي التي تذبح عن المولود في يوم سابعه إن كان ذكرا فاثنتان، وإن كان أنثى فواحدة، وتجزيء الواحدة مع الإعسار في الذكور. وهي سنة عند أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة؛ لأن النبي ﷺ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته» . (١) * * * قوله: (كلمات) : جمع كلمة، والكلمة في اصطلاح النحويين: القول المفرد. أما في اللغة؛ فهي كل قول مفيد، قال الرسول ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» ، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ، وهي قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] . قال شيخ الإسلام: لا تطلق الكلمة في اللغة العربية إلا على الجملة المفيدة.

стр. 3051

«لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض» رواه مسلم. ــ قوله: (لعن الله) ، اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإذا قيل: لعنه الله؛ فالمعنى: طرده وأبعده عن رحمته، وإذا قيل: اللهم العن فلانا؛ فالمعنى أبعده عن رحمتك واطرده عنها. قوله: (من ذبح لغير الله) ، عام يشمل من ذبح بعيرا، أو بقرة، أو دجاجة، أو غيرها. قوله: (لغير الله) ، يشمل كل من سوى الله حتى لو ذبح لنبي، أو ملك، أو جني، أو غيرهم. وقوله: (لعن) يحتمل أن يكون الجملة خبرية، وأن الرسول ﷺ يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر؛ أي: اللهم العن من ذبح لغير الله، والخبر أبلغ؛ لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب. قوله: (والديه) ، يشمل الأب والأم، ومن فوقهما؛ لأن الجد أب، كما أن أولاد الابن والبنت أبناء في وجوب الاحترام لأصولهم. والمسألة هنا ليست مالية، بل هي من الحقوق، ولعن الأدنى أشد من لعن الأعلى؛ لأنه أولى بالبر، ولعنه ينافي البر. قوله: (من لعن والديه) ، أي: سبهما وشتمهما؛ فاللعن من الإنسان السب والشتم، فإذا سببت إنسانا أو شتمته؛ فهذا لعنه؛ «لأن النبي ﷺ قيل له: كيف يلعن»

стр. 3052

«الرجل والديه؟ قال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» . وأخذ الفقهاء من هذا الحديث قاعدة، وهي: أن السبب بمنزلة المباشرة في الإثم؛ وإن كان يخالفه في الضمان على تفصيل في ذلك عند أهل العلم. قوله: (من آوى محدثا) ، أي: ضمه إليه وحماه، والإحداث: يشمل الإحداث في الدين؛ كالبدع التي أحدثها الجهمية والمعتزلة، وغيرهم. والإحداث في الأمر: أي في شؤون الأمة؛ كالجرائم وشبهها، فمن آوى محدثا؛ فهو ملعون، وكذا من ناصرهم؛ لأن الإيواء أن تأويه لكف الأذى عنه، فمن ناصره؛ فهو أشد وأعظم. والمحدث أشد منه؛ لأنه إذا كان إيواؤه سببا للعنة؛ فإن نفس فعله جرم أعظم. ففيه التحذير من البدع والإحداث في الدين، قال النبي ﷺ : ( «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» ، وظاهر الحديث: ولو كان أمرا يسيرا. قوله: (منار الأرض) ، أي: علاماتها ومراسيمها التي تحدد بين الجيران، فمن غيرها ظلما؛ فهو ملعون، وما أكثر الذين يغيرون منار الأرض، لا سيما إذا زادت قيمتها، وما علموا أن الرسول ﷺ يقول: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما؛ طوقه من سبع أرضين» ؛ فالأمر عظيم، مع أن هذا الذي يقتطع من الأرض ويغير المنار، ويأخذ ما لا يستحق لا يدري: قد يستفيد منها في دنياه، وقد يموت قبل ذلك، وقد يسلط عليه آفة تأخذ ما أخذ.

стр. 3053

وعن طارق بن شهاب؛ أن رسول الله ﷺ قال: «دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب) قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: (مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقربه. قالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله . فضربوا عنقه، فدخل الجنة» (١) رواه أحمد. ــ فالحاصل: أن هذا دليل على أن تغيير منار الأرض من كبائر الذنوب، ولهذا قرنه النبي ﷺ بالشرك وبالعقوق وبالإحداث؛ مما يدل على أن أمره عظيم، وأنه يجب على المرء أن يحذر منه، وأن يخاف الله حتى لا يقع فيه. * * * قوله: (عن طارق بن شهاب) . في الحديث علتان: الأولى: أن طارق بن شهاب اتفقوا على أنه لم يسمع من النبي ﷺ ، واختلفوا في صحبته، والأكثرون على أنه صحابي. لكن إذا قلنا: إنه صحابي؛ فلا يضر عدم سماعه من النبي ﷺ ؛ لأن

стр. 3054

مرسل الصحابي حجة، وإن كان غير صحابي؛ فإنه مرسل غير صحابي، وهو من أقسام الضعيف. الثانية: أن الحديث معنعن من قبل الأعمش، وهو من المدلسين، وهذه آفة في الحديث؛ فالحديث في النفس منه شيء من أجل هاتين العلتين. ثم للحديث عله ثالثة، وهي أن الإمام أحمد رواه عن طارق عن سلمان موقوفا من قوله، وكذا أبو نعيم وابن أبي شيبة؛ فيحتمل أن سلمان أخذه عن بني إسرائيل. قوله: (في ذباب) ، في: للسببية، وليست للظرفية؛ أي: بسبب ذباب، ونظيره قول النبي ﷺ : ( «دخلت النار امرأة في هرة حبستها» ....) الحديث؛ أي: بسبب هرة. قوله: (فدخل النار) ، مع أنه ذبح شيئا حقيرا لا يؤكل، لكن لما نوى التقرب به إلى هذا الصنم؛ صار مشركا، فدخل النار.

стр. 3055

فيه مسائل: الأولى: تفسير ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ . الثانية: تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ . الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله. الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك. ــ فيه مسائل: الأولى: تفسير ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ ، وقد سبق ذلك في أول الباب. الثانية: تفسير: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ، وقد سبق ذلك في أول الباب. الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله، بدأ به؛ لأنه من الشرك، والله إذا ذكر الحقوق يبدأ أولا بالتوحيد؛ لأن حق الله أعظم الحقوق، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وينبغي أن يبدأ في المناهي والعقوبات بالشرك وعقوبته. الرابعة: لعن من لعن والديه. ولعن الرجل للرجل له معنيان: الأول: الدعاء عليه باللعن. الثاني: سبه وشتمه؛ لأن الرسول ﷺ فسره بقوله: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» .

стр. 3056

الخامسة: لعنُ من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق الله؛ فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك. السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك من الأرض، فتغيرها بتقديم أو تأخير. السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم. ــ الخامسة: لعن من آوى محدثا، وقد سبق أنه يشمل الإحداث في الدين والجرائم، فمن آوى محدثا ببدعة؛ فهو داخل في ذلك، ومن آوى محدثا بجريمة؛ فهو داخل في ذلك. السادسة: لعن من غير منار الأرض، وسواء كانت بينك وبين جارك، أو بينك وبين السوق مثلا؛ لأن الحديث عام. السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم، فالأول ممنوع، والثاني جائز، فإذا رأيت من آوى محدثا؛ فلا تقل: لعنك الله، بل قل: لعن الله من آوى محدثا على سبيل العموم، والدليل على ذلك «أن النبي ﷺ لما صار يلعن أناسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: (اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا) نهي عن ذلك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ » [آل عمران: ١٢٨] ؛ فالمعين ليس لك أن تلعنه، وكم من إنسان صار على وصف يستحق به اللعنة ثم تاب فتاب

стр. 3057

الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب. التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم. ــ الله عليه، إذن يؤخذ هذا من دليل منفصل، وكأن المؤلف ﵀ قال: الأصل عدم جواز إطلاق اللعن؛ فجاء هذا الحديث لاعنا للعموم، فيبقى الخصوص على أصله؛ لأن المسلم ليس بالطعان ولا باللعان، والرسول ﷺ ليس طعانا ولا لعانا، ولعل هذا وجه أخذ الحكم من الحديث، وإلا؛ فالحديث لا تفريق فيه. الثامنة: هذه القصة العظيمة وهي قصة الذباب، كأن المؤلف ﵀ يصحح الحديث، ولهذا بنى عليه حكما، والحكم المأخوذ من دليل فرع عن صحته، والقصة معروفة. التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم، هذه المسألة ليست مسلمة، فإن قوله: قرب ولو ذبابا يقتضي أنه فعله قاصدا التقرب، أما لو فعله تخلصا من شرهم فإنه لا يكفر لعدم قصد التقرب، ولهذا قال الفقهاء: لو أكره على طلاق امرأته فطلق تبعا لقول المكره؛ لم يقع الطلاق، بخلاف ما لو نوى الطلاق؛ فإن الطلاق يقع، وإن طلق دفعا للإكراه؛ لم يقع، وهذا حق لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» . وظاهر القصة أن الرجل ذبح بنية التقرب؛ لأن الأصل أن الفعل المبني

стр. 3058

العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين؛ كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر؟! ــ على طلب يكون موافقا لهذا الطلب. ونحن نرى خلاف ما يرى المؤلف ﵀، أي أنه لو فعله بقصد التخلص ولم ينو التقرب لهذا الصنم لا يكفر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] . وهذا الذي فعل ما يوجب الكفر تخلصا مطمئن قلبه بالإيمان. والصواب أيضا: أنه لا فرق بين القول المكره عليه والفعل، وإن كان بعض العلماء يفرق ويقول: إذا أكره على القول لم يكفر، وإذا أكره على الفعل كفر، ويستدل بقصة الذباب، وقصة الذباب فيها نظر من حيث صحتها، وفيها نظر من حيث الدلالة؛ لما سبق أن الفعل المبني على طلب يكون موافقا لهذا الطلب. ولو فرض أن الرجل تقرب بالذباب تخلصا من شرهم؛ فإن لدينا نصا محكما في الموضوع، وهو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] الآية، ولم يقل: بالقول، فما دام عندنا نص قرآني صريح؛ فإنه لو وردت السنة صحيحة على وجه مشتبه؛ فإنها تحمل على النص المحكم. الخلاصة أن من أكره على الكفر؛ لم يكن كافرا ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان ولم يشرح بالكفر صدرا. العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين ... إلخ، وقد بينها المؤلف رحمه الله تعالى

стр. 3059

مسألة: هل الأولى للإنسان إذا أكره على الكفر أن يصبر ولو قتل، أو يوافق ظاهرا ويتأول؟ هذه المسألة فيها تفصيل: أولا: أن يوافق ظاهرا وباطنا، وهذا لا يجوز لأنه ردة. ثانيا: أن يوافق ظاهرا لا باطنا، ولكن يقصد التخلص من الإكراه؛ فهذا جائز. ثالثا: أن لا يوافق لا ظاهرا ولا باطنا ويقتل وهذا جائز، وهو من الصبر. لكن أيهما أولى أن يصبر ولو قتل، أو أن يوافق ظاهرا؟ فيه تفصيل: إذا كان موافقة الإكراه لا يترتب عليه ضرر في الدين للعامة؛ فإن الأولى أن يوافق ظاهرا لا باطنا، لا سيما إذا كان بقاؤه فيه مصلحة للناس، مثل: صاحب المال الباذل فيما ينفع أو العلم النافع وما أشبه ذلك، حتى وإن لم يكن فيه مصلحة؛ ففي بقائه على الإسلام زيادة عمل، وهو خير، وهو قد رخص له أن يكفر ظاهرا عند الإكراه؛ فالأولى أن يتأول، ويوافق ظاهرا لا باطنا. أما إذا كان في موافقته وعدم صبره ضرر على الإسلام؛ فإنه يصبر، وقد يجب الصبر؛ لأنه من باب الصبر على الجهاد في سبيل الله، وليس من باب إبقاء النفس، ولهذا «لما شكى الصحابة للنبي ﷺ ما يجدونه من مضايقة المشركين؛ قص عليهم قصة الرجل فيمن كان قبلنا بأن الإنسان كان يمشط ما بين لحمه وجلده بأمشاط الحديد» ويصبر، فكأنه يقول لهم: اصبروا على الأذى.

стр. 3060

الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرا لم يقل: «دخل النار في ذباب» . الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» . ــ ولو حصل من الصحابة ﵃ في ذلك الوقت موافقة للمشركين وهم قلة؛ لحصل بذلك ضرر عظيم على الإسلام. والإمام أحمد ﵀ في المحنة المشهورة لو وافقهم ظاهرا؛ لحصل في ذلك مضرة على الإسلام. الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرا لم يقل: دخل النار في ذباب، وهذا صحيح، أي أنه كان مسلما ثم كفر بتقريبه للصنم؛ فكان تقريبه هو السبب في دخوله النار. ولو كان كافرا قبل أن يقرب الذباب؛ لكان دخوله النار لكفره أولى، لا بتقريبه الذباب. الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» ، والغرض من هذا: الترغيب والترهيب، فإذا علم أن الجنة أقرب إليه من شراك النعل؛ فإنه ينشط على السعي، فيقول: ليست بعيدة؛ كقوله ﷺ «لما سئل عما يدخل الجنة ويباعد من النار، فقال: "لقد سألت»

стр. 3061

الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأصنام. ــ «عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه» (١) ، والنار إذا قيل له: إنها أقرب من شراك النعل يخاف، ويتوقى في مشيه لئلا يزل فيهلك، ورب كلمة توصل الإنسان إلى أعلى عليين، وكلمة أخرى توصله إلى أسفل سافلين. الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان، والحقيقة أن هذه المسألة مع التاسعة فيها شبه تناقض؛ لأنه في هذه المسألة أحال الحكم على عمل القلب، وفي التاسعة أحاله على الظاهر؛ فقال: بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم، ومقتضى ذلك أن باطنه سليم، وهنا يقول: إن العمل بعمل القلب، ولا شك أن ما قاله المؤلف ﵀ حق بالنسبة إلى أن المدار على القلب. والحقيقة أن العمل مركب على القلب، والناس يختلفون في أعمال القلوب أكثر من اختلافهم في أعمال الأبدان، والفرق بينهم قصدا وذلا أعظم من الفرق بين أعمالهم البدنية؛ لأن من الناس من يعبد الله لكن عنده من الاستكبار ما لا يذل معه ولا يذعن لكل حق، وبعضهم يكون عنده ذل للحق، لكن عنده نقص في القصد؛ فتجد عنده نوعا من الرياء مثلا. فأعمال القلب وأقواله لها أهمية عظيمة، فعلى الإنسان أن يخلصها لله.

стр. 3062

وأقوال القلب هي اعتقاداته؛ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وأعماله هي تحركاته؛ كالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والاستعانة، وما أشبه ذلك. والدواء لذلك: القرآن والسنة، والرجوع إلى سيرة الرسول ﷺ بمعرفة أحواله وأقواله وجهاده ودعوته، هذا مما يعين على جهاد القلب. ومن أسباب صلاح القلب أن لا تشغل قلبك بالدنيا. * * *

стр. 3063

باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الآية [التوبة: ١٠٨] . ــ هذا الانتقال من المؤلف من أحسن ما يكون؛ ففي الباب السابق ذكر الذبح لغير الله؛ فنفس الفعل لغير الله. وفي هذا الباب ذكر الذبح لله، ولكنه في مكان يذبح فيه لغيره ، كمن يريد أن يضحي لله في مكان يذبح فيه للأصنام؛ فلا يجوز أن تذبح فيه؛ لأنه موافقة للمشركين في ظاهر الحال، وربما أدخل الشيطان في قلبك نية سيئة؛ فتعتقد أن الذبح في هذا المكان أفضل، وما أشبه ذلك، وهذا خطر. * * * قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ﴾ ، ضمير الغيبة يعود إلى مسجد الضرار، حيث بني على نية فاسدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] ، والمتخذون هم المنافقون، وغرضهم من ذلك: ١ - مضارة مسجد قباء: ولهذا يسمى مسجد الضرار. ٢ - الكفر بالله: لأنه يقرر فيه الكفر - والعياذ بالله -؛ لأن الذين اتخذوه هم المنافقون. ٣ - التفريق بين المؤمنين: فبدلا من أن يصلي في مسجد قباء صف أو صفان يصلي فيه نصف صف، والباقون في المسجد الآخر، والشرع له نظر في

стр. 3064

اجتماع المؤمنين. ٤ - الإرصاد لمن حارب الله ورسوله يقال: إن رجلا ذهب إلى الشام، وهو أبو عامر الفاسق، وكان بينه وبين المنافقين الذين اتخذوا المسجد مراسلات، فاتخذوا هذا المسجد بتوجيهات منه، فيجتمعون فيه لتقرير ما يريدونه من المكر والخديعة للرسول ﷺ وأصحابه، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] ؛ فهذه سنة المنافقين: الأيمان الكاذبة. إن: نافية، بدليل وقوع الاستثناء بعدها، أي: ما أردنا إلا الحسنى، والجواب عن هذا اليمين الكاذب: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] . فشهد الله تعالى على كذبهم؛ لأن ما يسرونه في قلوبهم ولا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب؛ فكأن هذا المضمر في قلوبهم بالنسبة إلى الله أمر مشهود يرى بالعين؛ كما قال الله تعالى في سورة المنافقين: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] . وقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ﴾ ، لا: ناهية، وتقم: مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه السكون، وحذفت الواو؛ لأنه سكن آخره، والواو ساكنة؛ فحذفت تخلصا من التقاء الساكنين. قوله: أبدا إشارة إلى أن هذا المسجد سيبقى مسجد نفاق. قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ ، اللام: للابتداء، ومسجد: مبتدأ وخبره: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ، وفي هذا التنكير تعظيم للمسجد، بدليل قوله: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨] ؛ أي جعلت التقوى أساسا له، فقام عليه. وهذه الأحقية ليست على بابها، وهو أن اسم التفضيل يدل على مفضل ومفضل عليه اشتركا في أصل الوصف؛ لأنه لا حق لمسجد الضرار أن يقام

стр. 3065

فيه، وهذا (أعني: كون الطرف المفضل عليه ليس فيه شيء من الأصل الذي وقع فيه التفضيل) موجود في القرآن كثيراَ؛ كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] . قوله: فيه، أي: في هذا المسجد المؤسس على التقوى. قوله: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ، بخلاف من كان في مسجد الضرار؛ فإنهم رجس؛ كما قال الله تعالى في المنافقين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥] . قوله: ﴿يَتَطَهَّرُوا﴾ ، يشمل طهارة القلب من النفاق والحسد والغل وغير ذلك، وطهارة البدن من الأقذار والنجاسات والأحداث. قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ، هذه محبة حقيقية ثابتة لله تليق بجلاله وعظمته، ولا تماثل محبة المخلوقين، وأهل التعطيل يقولون: المراد بالمحبة: الثواب أو إرادته؛ فيفسرونها إما بالفعل أو إرادته، وهذا خطأ. وقوله: ﴿الْمُطَّهِّرِينَ﴾ أصله المتطهرين، وأدغمت التاء بالطاء لعلة تصريفية معروفة. * وجه المناسبة من الآية: أنه لما كان مسجد الضرار مما اتخذ للمعاصي ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين؛ نهى الله رسوله أن يقوم فيه، مع أن صلاته فيه لله؛ فدل على أن كل مكان يعصى الله فيه أنه لا يقام فيه، فهذا المسجد متخذ للصلاة، لكنه محل معصية؛ فلا تقام فيه الصلاة. وكذا لو أراد إنسان أن يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله كان حراما؛ لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار.

стр. 3066

وعن ثابت بن الضحاك ﵁؛ قال: «نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة ، فسأل النبي ﷺ ؟ فقال: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ . قالوا: لا. قال: (فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟) . قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : (أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» . رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما (١) ــ وقريب من ذلك النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأنهما وقتان يسجد فيهما الكفار للشمس؛ فهذا باعتبار الزمن والوقت، والحديث الذي ذكره المؤلف باعتبار المكان. * * * قوله: (نذر) ، النذر في اللغة: الإلزام والعهد. واصطلاحا: إلزام المكلف نفسه لله شيئا غير واجب. وقال بعضهم: لا نحتاج أن نقيد بغير واجب، وأنه إذا نذر الواجب صح النذر وصار المنذور واجبا من وجهين: من جهة النذر، ومن جهة الشرع، ويترتب على ذلك وجوب الكفارة إذا لم يحصل الوفاء. والنذر في الأصل مكروه، بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه، وقال: ( «لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» ، ولأنه إلزام

стр. 3067

لنفس الإنسان بما جعله الله في حل منه، وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه. ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم، وتجده يسأل العلماء يمينا وشمالا يريد الخلاص مما نذر لثقله ومشقته عليه، ولا سيما ما يفعله بعض العامة إذا مرض، أو تأخر له حاجة يريدها؛ تجده ينذر كأنه يقول: إن الله لا ينعم عليه بجلب خير أو دفع الضرر إلا بهذا النذر. قوله: (إبلا) ، اسم جمع لا واحد له من لفظه، لكن له واحد من معناه، وهو البعير. قوله: (ببوانة) ، الباء بمعنى في، وهي للظرفية، والمعنى: بمكان يسمى بوانة. قوله: (هل كان فيها وثن) ، الوثن: كل ما عبد من دون الله؛ من شجر، أو حجر، سواء نحت أو لم ينحت. والصنم يختص بما صنعه الآدمي. قوله: (الجاهلية) ، نسبة إلى ما كان قبل الرسالة، وسميت بذلك لأنهم كانوا على جهل عظيم. قوله: (يعبد) ، صفة لقوله: (وثن) ، وهو بيان للواقع؛ لأن الأوثان هي التي تعبد من دون الله. قوله: (قالوا: لا) ، السائل واحد، لكنه لما كان عنده ناس أجابوا النبي ﷺ ، ولا مانع أن يكون المجيب غير المسؤول. قوله: (عيد) ، العيد: اسم لما يعود أو يتكرر، والعود بمعنى الرجوع؛ أي: هل اعتاد أهل الجاهلية أن يأتوا إلى هذا المكان ويتخذوا هذا اليوم عيدا، وإن لم يكن فيه وثن؟ قالوا: لا. فسأل النبي ﷺ عن أمرين: عن الشرك، ووسائله. فالشرك: هل كان فيها وثن؟ ووسائله: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟

стр. 3068

قوله: (أوف بنذرك) ، فعل أمر مبني على حذف حرف العلة الياء، والكسرة دليل عليها. وهل المراد به المعنى الحقيقي أو المراد به الإباحة؟ الجواب: يحتمل أن يراد به الإباحة، ويحتمل أن يراد به المعنى الحقيقي؛ فبالنسبة لنحر الإبل المراد به المعنى الحقيقي. وبالنسبة للمكان المراد به الإباحة؛ لأنه لا يتعين أن يذبحها في ذلك المكان؛ إذ إنه لا يتعين أي مكان في الأرض إلا ما تميز بفضل، والمتميز بفضل المساجد الثلاثة؛ فالأمر هنا بالنسبة لنحر الإبل من حيث هو نحر واجب. وبالنسبة للمكان؛ فالأمر للإباحة، بدليل أنه سأل هذين السؤالين، فلو أجيب بنعم؛ لقال: لا توف، فإذا كان المقام يحتمل النهي والترخيص؛ فالأمر للإباحة. وقوله: (أوف بنذرك) علل ﷺ ذلك بانتفاء المانع؛ فقال: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» . قوله: (لا وفاء) ، لا: نافية للجنس، وفاء: اسمها، لنذر: خبرها. قوله: (في معصية الله) ، صفة لنذر؛ أي: لا يمكن أن توفي بنذر في معصية الله؛ لأنه لا يتقرب إلى الله بمعصيته، وليست المعصية مباحة حتى يقال افعلها. أقسام النذر: الأول: ما يجب الوفاء به، وهو نذر الطاعة؛ لقوله ﷺ : «من نذر أن يطع الله؛ فليطعه» .

стр. 3069

الثاني: ما يحرم الوفاء به، وهو نذر المعصية لقوله ﷺ : «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ، وقوله: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» . الثالث: ما يجري مجرى اليمين، وهو نذر المباح؛ فيخير بين فعله وكفارة اليمين، مثل لو نذر أن يلبس هذا الثوب؛ فإن شاء لبسه وإن شاء لم يلبسه، وكفر كفارة يمين. الرابع: نذر اللجاج والغضب، وسمي بهذا الاسم؛ لأن اللجاج والغضب يحملان عليه غالبا، وليس بلازم أن يكون هناك لجاج وغضب، وهو الذي يقصد به معنى اليمين، الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب. مثل لو قال: حصل اليوم كذا وكذا، فقال الآخر: لم يحصل، فقال: إن كان حاصلا؛ فعلي لله نذر أن أصوم سنة؛ فالغرض من هذا النذر التكذيب، فإذا تبين أنه حاصل؛ فالناذر مخير بين أن يصوم سنة، وبين أن يكفر كفارة يمين؛ لأنه إن صام فقد وفى بنذره، وإن لم يصم حنث، والحانث في اليمين يكفر كفارة يمين. الخامس: نذر المكروه، فيكره الوفاء به، وعليه كفارة يمين. السادس: النذر المطلق، وهو الذي ذكر فيه صيغة النذر؛ مثل أن يقول: لله علي نذر فهذا كفارته كفارة يمين كما قال النبي ﷺ : «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين» . (١) مسألة هل ينعقد نذر المعصية؟

стр. 3070

الجواب: نعم، ينعقد، ولهذا قال الرسول ﷺ : «من نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» ، ولو قال: من نذر أن يعصي الله فلا نذر له؛ لكان لا ينعقد؛ ففي قوله: (فلا يعصه) دليل على أنه ينعقد لكن لا ينفذ. وإذا انعقد هل تلزمه كفارة أو لا؟ اختلف في ذلك أهل العلم، وفيها روايتان عن الإمام أحمد: فقال بعض العلماء: إنه لا تلزمه الكفارة، واستدلوا بقول النبي ﷺ : «لا وفاء لنذر في معصية الله» . وبقوله ﷺ : «ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» ، ولم يذكر النبي ﷺ كفارة، ولو كانت واجبة؛ لذكرها. القول الثاني: تجب الكفارة، وهو المشهور من المذهب؛ لأن الرسول ﷺ ذكر في حديث آخر غير الحديثين أن كفارته كفارة يمين وكون الأمر لا يذكر في حديث لا يقتضي عدمه؛ فعدم الذكر ليس ذكرا للعدم، نعم، لو قال الرسول: لا كفارة؛ صار في الحديثين تعارض، وحينئذ نطلب الترجيح، لكن الرسول لم ينف الكفارة، بل سكت والسكوت لا ينافي المنطوق؛ فالسكوت وعدم الذكر يكون اعتمادا على ما تقدم، فإن كان الرسول قاله قبل أن ينهي هذا الرجل؛ فاعتمادا عليه لم يقله؛ لأنه ليس بلازم أن كل مسألة فيها قيد أو تخصيص يذكرها الرسول عند كل عموم، فلو كان يلزم هذا؛ لكانت تطول السنة، لكن الرسول ﷺ إذا ذكر حديثا عاما وله ما يخصصه في مكان آخر حمل عليه وإن

стр. 3071

ــ لم يذكره حين تكلم بالعموم. وأيضا من حيث القياس لو أن الإنسان أقسم ليفعلن محرما، وقال: والله؛ لأفعلن هذا الشيء وهو محرم؛ فلا يفعله، ويكفر كفارة يمين، مع أنه أقسم على فعل محرم، والنذر شبيه بالقسم، وعلى هذا؛ فكفارته كفارة يمين، وهذا القول أصح. وقوله: (ولا فيما لا يملك ابن آدم) الذي لا يملكه ابن آدم يحتمل معنيين: الأول: ما لا يملك فعله شرعا؛ كما لو قال: لله علي أن أعتق عبد فلان؛ فلا يصح لأنه لا يملك إعتاقه. الثاني: ما لا يملك فعله قدرا، كما لو قال: لله علي نذر أن أطير بيدي؛ فهذا لا يصح لأنه لا يملكه. والفقهاء ﵏ يمثلون بمثل هذا للمستحيل. * ويستفاد من الحديث: أنه لا يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله، وهو ما ساقه المؤلف من أجله، والحكمة من ذلك ما يلي: الأول: أنه يؤدي إلى التشبه بالكفار. الثاني: أنه يؤدي إلى الاغترار بهذا الفعل؛ لأن من رآك تذبح بمكان يذبح فيه المشركون ظن أن فعل المشركين جائز. الثالث: أن هؤلاء المشركين سوف يقوون على فعلهم إذا رأوا من يفعل مثلهم، ولا شك أن تقوية المشركين من الأمور المحظورة، وإغاظتهم من الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] .

стр. 3072

فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ . الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة. الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة؛ ليزول الإشكال. ــ فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ ، وقد سبق ذلك في أول الباب. الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة، أي: لما كانت هذه الأرض مكان شرك؛ حرم أن يعمل الإنسان ما يشبه الشرك فيها لمشابهة المشركين. أما بالنسبة للصلاة في الكنيسة؛ فإن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة؛ لا يكون الإنسان متشبها بهذا العمل، بخلاف الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، فإن الفعل واحد بنوعه وجنسه، ولهذا لو أراد إنسان أن يصلي في مكان يذبح فيه لغير الله لجاز ذلك؛ لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان. وكذا الطاعة تؤثر في الأرض، ولهذا؛ فإن المساجد أفضل من الأسواق، والقديم منها أفضل من الجديد. * الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى البينة ليزول الإشكال، فالمنع من الذبح في هذا المكان أمر مشكل، لكن الرسول ﷺ بين ذلك بالاستفصال.

стр. 3073

الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك. الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله. ــ الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك، لأن النبي ﷺ استفصل، لكن هل يجب الاستفصال على كل حال، أو إذا وجد الاحتمال؟ الجواب: لا يجب إذا وجد الاحتمال؛ لأننا لو استفصلنا في كل مسألة؛ لطال الأمر. مثلا: لو سألنا سائل عن عقد بيع لم يلزم أن نستفصل عن الثمن: هل هو معلوم؟ وعن المثمن: هل هو معلوم؟ وهل وقع البيع معلقا أو غير معلق؟ وهل كان ملكا للبائع؟ وكيف ملكه؟ وهل انتفت موانعه أو لا؟ أما إذا وجد الاحتمال؛ فيجب الاستفصال، مثل: أن يسأل عن رجل مات عن بنت وأخ وعم شقيق؛ فيجب الاستفصال عن الأخ: هل هو شقيق أو لأم؟ فإن كان لأم؛ سقط، وأخذ الباقي العم، وإلا؛ سقط العم، وأخذ الباقي الأخ. الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع لقوله: (أوف بنذرك) ، وسواء كانت هذه الموانع واقعة أو متوقعة. فالواقعة: أن يكون فيها وثن أو عيد من أعياد الجاهلية. والمتوقعة: أن يخشى من الذبح في هذا المكان تعظيمه، فإذا خشي؛ كان ممنوعًا، مثل: لو أراد أن يذبح عند جبل؛ فالأصل أنه جائز، لكن لو خشي أن العوام يعتقدون أن في هذا المكان مزية؛ كان ممنوعًا. السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله،

стр. 3074

السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله. الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية. التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده. العاشرة: لا نذر في معصية. ــ لقوله: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟» ؛ لأن (كان) فعل ماض، والمحظور بعد زوال الوثن باق؛ لأنه ربما يعاد. السابعة: المنع منه إذا كان فيها عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله، لقوله: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» . * الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية، لقوله: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» . * التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن حصول التشبه لا يشترط فيه القصد؛ فإنه يمنع منه ولو لم يقصده، لكن مع القصد يكون أشد إثما، ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: ولو لم يقصده. * العاشرة: لا نذر في معصية الله، هكذا قال المؤلف، ولفظ الحديث المذكور: (لا وفاء لنذر) ، وبينها فرق. فإذا قيل: لا نذر في معصية؛ فالمعنى أن النذر لا ينعقد، وإذا قيل: لا وفاء؛ فالمعنى أن النذر ينعقد، لكن لا يوفى، وقد وردت السنة بهذا وبهذا. لكن: (لا نذر) يحمل على أن المراد لا وفاء لنذر؛ لقوله ﷺ في الحديث

стр. 3075

الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك. ــ الصحيح: «ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» . الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، يقال فيه ما قيل في: لا نذر في معصية. والمعنى: لا وفاء لنذر فيما لا يملك ابن آدم، ويشتمل ما لا يملكه شرعا، وما لا يملكه قدرا. * * *

стр. 3076

باب من الشرك النذر لغير الله وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] . ــ النذر لغير الله مثل أن يقول: لفلان علي نذر، أو لهذا القبر علي نذر، أو لجبريل علي نذر، يريد بذلك التقرب إليهم، وما أشبه ذلك. والفرق بينه وبين المعصية: أن النذر لغير الله ليس لله أصلا، ونذر المعصية لله، ولكنه على معصية من معاصيه، مثل أن يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا وكذا من معاصي الله؛ فيكون النذر والمنذور معصية، ونظير هذا الحلف بالله على شيء محرم، والحلف بغير الله؛ فالحلف بغير الله مثل: والنبي لأفعلن كذا وكذا، ونظيره النذر لغير الله، والحلف بالله على محرم؛ مثل: والله؛ لأسرقن، ونظيره نذر المعصية، وحكم النذر لغير الله شرك؛ لأنه عبادة للمنذور له، وإذا كان عبادة؛ فقد صرفها لغير الله فيكون مشركا. وهذا النذر لغير الله لا ينعقد إطلاقا، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه؛ كالحلف بغير الله؛ فلا ينعقد، وليس فيه كفارة. وأما نذر المعصية؛ فينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، وعليه كفارة يمين؛ كالحلف بالله على المحرم ينعقد، وفيه كفارة. وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين: الأولى: قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ، هذه الآية سيقت لمدح الأبرار، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الانسان:٥] .

стр. 3077

وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] . ــ ومدحهم بهذا يقتضي أن يكون عبادة؛ لأن الإنسان لا يمدح ولا يستحق دخول الجنة إلا بفعل شيء يكون عبادة. ولو أعقب المؤلف هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ؛ لكان أوضح؛ لأن قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أمر، والأمر بوفائه يدل على أنه عبادة؛ لأن العبادة ما أمر به شرعا. وجه استدلال المؤلف بالآية على أن النذر لغير الله من الشرك: أن الله تعالى أثنى عليهم بذلك، وجعله من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة؛ فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك. الآية الثانية قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ . (ما) : شرطية، وأنفقتم: فعل الشرط، وجوابه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ . قوله: ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾ ، بيان ل (ما) في قوله: ما أنفقتم، والنفقة: بذل المال، وقد يكون في الخير، وقد يكون في غيره. قوله: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ ، معطوف على قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ . قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ، تعليق الشيء بعلم الله دليل على أنه محل جزاء؛ إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه، وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يجازى الإنسان عليها، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية. * * *

стр. 3078

وفي الصحيح عن عائشة ﵂؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله ؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» . ــ قوله: (وفي الصحيح) ، سبق الكلام على مثل هذا التعبير في باب تفسير التوحيد (ص١٤٦) . قوله: (من نذر) ، جملة شرطية تفيد العموم، وهل تشمل الصغير؟ قال بعض العلماء: تشمله؛ فينعقد النذر منه. وقيل: لا تشمله؛ لأن الصغير ليس أهلا للإلزام ولا للالتزام، وبناء على هذا يخرج الصغير من هذا العموم؛ لأنه ليس أهلا للإلزام ولا للالتزام. قوله: (أن يطيع الله) ، الطاعة: هي موافقة الأمر؛ أي: توافق الله فيما يريد منك إن أمرك؛ فالطاعة فعل المأمور به، وإن نهاك؛ فالطاعة ترك المنهي عنه، هذا معنى الطاعة إذا جاءت مفردة. أما إذا قيل: طاعة ومعصية؛ فالطاعة لفعل الأوامر، والمعصية لفعل النواهي. قوله: (فليطعه) ، الفاء واقعة في جواب الشرط؛ لأن الجملة إنشائية طلبية، واللام لام الأمر. وظاهر الحديث: يشمل ما إذا كانت الطاعة المنذورة جنسها واجب؛ كالصلاة والحج وغيرهما، أو غير واجب؛ كتعليم العلم وغيره.

стр. 3079

وقال بعض أهل العلم: لا يجب الوفاء بالنذر إلا إذا كان جنس الطاعة واجبا، وعموم الحديث يرد عليهم. وظاهر الحديث أيضا يشمل من نذر طاعة نذرا مطلقا ليس له سبب، مثل: (لله علي أن أصوم ثلاثة أيام) . ومن نذر نذرا معلقا، مثل: إن نجحت؛ فلله علي أن أصوم ثلاثة أيام. ومن فرق بينهما؛ فليس بجيد لأن الحديث عام. واعلم أن النذر لا يأتي بخير ولو كان نذر طاعة، «وإنما يستخرج به من البخيل» ، ولهذا نهى عنه النبي ﷺ ، وبعض العلماء يحرمه، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية للنهي عنه، ولأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه، وكم من إنسان نذر وأخيرا ندم، وربما لم يفعل. ويدل لقوة القول بتحريم النذر قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور: ٥٣] ؛ فهذا التزام موكد بالقسم، فيشبه النذر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣] ؛ أي: عليكم طاعة معروفة بدون يمين، والإنسان الذي لا يفعل الطاعة إلا بنذر، أو حلف على نفسه يعني أن الطاعة ثقيلة عليه. ومما يدل على قوة القول بالتحريم أيضا خصوصا النذر المعلق: أن النادر كأنه غير واثق بالله ؛ فكأنه يعتقد أن الله لا يعطيه الشفاء إلا إذا أعطاه مقابله ولهذا إذا أيسوا من البرء ذهبوا ينذرون، وفي هذا سوء ظن بالله . والقول بالتحريم قول وجيه.

стр. 3080

فيه مسائل: الأولى: وجوب الوفاء بالنذر. الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غير الله شرك. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به. ــ فإن قيل: كيف تحرمون ما أثنى الله على من وفى به؟ فالجواب: أننا لا نقول: إن الوفاء هو المحرم حتى يقال: إننا هدمنا النص، إنما نقول: المحرم أو المكروه كراهة شديدة هو عقد النذر، وفرق بين عقده ووفائه؛ فالعقد ابتدائي، والوفاء في ثاني الحال تنفيذ لما نذر. قوله: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ، لا: ناهية، والنهي بحسب المعصية، فإن كانت المعصية حراما؛ فالوفاء بالنذر حرام، وإن كانت المعصية مكروهة؛ فالوفاء بالنذر مكروه؛ لأن المعصية الوقوع فيما نهي عنه، والمنهي عنه ينقسم عند أهل العلم إلى قسمين: منهي عنه نهي تحريم، ومنهي عنه نهي تنزيه. * * * فيه مسائل: * الأولى: وجوب الوفاء بالنذر، يعني: نذر الطاعة فقط؛ لقوله: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه» ، ولقول المؤلف في المسألة الثالثة: إن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به. * الثانية: إذا ثبت كونه عبادة؛ فصرفه إلى غير الله شرك، وهذه قاعدة في توحيد العبادة، فأي فعل كان عبادة؛ فصرفه لغير الله شرك. * الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، لقوله ﷺ : «من نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» .

стр. 3081

باب من الشرك الاستعاذة بغير الله و قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [ الجن:٦] . ــ قوله: (من الشرك) ، من: للتبغيض، وهذه الترجمة ليست على إطلاقها؛ لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه؛ فإنه جائز؛ كالاستعانة. * * * قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾ ، الواو: حرف عطف، و (أن) : فتحت همزتها بسبب عطفها على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ . قال ابن مالك: وهمز إن افتح لسد مصدر ... وفي سوى ذاك اكسر فيؤول بمصدر، أي: قل أوحي إلي استماع نفر وكون رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن. قوله: ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾ ، صفة لرجال؛ لأن رجال نكرة، وما بعد النكرة صفة لها. قوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾ ، الجملة خبر كان، ويقال: عاذ به ولاذ به؛ فالعياذ مما يخاف، واللياذ فيما يؤمل، وعليه قول الشاعر يخاطب ممدوحه، ولا يصلح ما قاله إلا لله:

стр. 3082

يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ، أي: يلتجئون إليهم مما يحاذرونه، يظنون أنهم يعيذونهم، ولكن زادوهم رهقا؛ أي: خوفا وذعرا، وكانت العرب في الجاهلية إذا نزلوا في واد نادوا بأعلى أصواتهم: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. قوله: ﴿رَهَقًا﴾ ، أي: ذعرا وخوفا، بل الرهق أشد من مجرد الذعر والخوف؛ فكأنهم مع ذعرهم وخوفهم أرهقهم وأضعفهم شيء؛ فالذعر والخوف في القلوب والرهق في الأبدان. وهذه الآية تدل على أن الاستعاذة بالجن حرام؛ لأنها لا تفيد المستعيذ، بل تزيده رهقا؛ فعوقب بنقيض قصده، وهذا ظاهر؛ فتكون الواو ضمير الجن والهاء ضمير الإنس. وقيل: إن الإنس زادوا الجن رهقا؛ أي: استكبارا وعتوا، ولكن الصحيح الأول. قوله: ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ، يستفاد منه أن للجن رجالا، ولهم إناث، وربما يجامع الرجل من الجن الأنثى من بني آدم، وكذلك العكس الرجل من بني آدم قد يجامع الأنثى من الجن، وقد ذكر الفقهاء الخلاف في وجوب الغسل بهذا الجماع. والفقهاء يقولون في باب الغسل: لو قالت: إن بها جنيا يجامعها كالرجل؛ وجب عليها الغسل، وأما أن الرجل يجامع الأنثى من الجن؛ فقد قيل ذلك، لكن لم أره في كلام أهل العلم، وإنما أساطير تقال، والله أعلم.

стр. 3083

وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم. ــ لكن علينا أن نصدق بوجودهم، وأنهم مكلفون، وبأن منهم الصالحين ومنهم دون ذلك، وبأن منهم المسلمين والقاسطين، وبأن منهم رجالا ونساء. وجه الاستشهاد بالآية: ذم المستعيذين بغير الله، والمستعيذ بالشيء لا شك أنه قد علق رجاءه به، واعتمد عليه، وهذا نوع من الشرك. * * * قوله: (كلمات) ، من جموع القلة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجموع القلة من ثلاثة إلى عشرة، والكثرة ما فوق ذلك. وقيل: جموع الكثرة من ثلاثة إلى ما لا نهاية له؛ فيكون جمع القلة والكثرة يتفقان في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء. قال ابن مالك: أفعلة أَفْعُلُ ثم فِعْلَهْ ... ثمت أفعال جموع قِلَّهْ وبعض ذي بكثرة وضعا يفي ... كأرجل والعكس جاء كالصفي والراجح: أن جموع القلة تدل على الكثرة بالدليل. و (كلمات) : جمع قلة دال على الكثرة لوجود الدليل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] .

стр. 3084

وأبلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] . والمراد بالكلمات هنا: الكلمات الكونية والشرعية. وقوله: (من نزل منزلا) يشمل من نزله على سبيل الإقامة الدائمة، أو الطارئة، بدليل أنه نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم. وقوله: (أعوذ) بمعنى: ألتجىء وأعتصم. قوله: التامات: تمام الكلام بأمرين: ١ - الصدق في الأخبار. ٢ - العدل في الأحكام. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] . قوله: (من شر ما خلق) ، أي: من شر الذي خلق؛ لأن الله خلق كل شيء: الخير والشر، ولكن الشر لا ينسب إليه؛ لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيرا، فكان خيرا. وعلى هذا نقول: الشر ليس في فعل الله، بل في مفعولاته؛ أي: مخلوقاته. وعلى هذا تكون (ما) موصولة لا غير؛ أي: من شر الذي خلق؛ لأنك لو أولتها إلى المصدرية وقلت: من شر خلقك؛ لكان الخلق هنا مصدرا يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أيضا المفعول، لكن لو جعلتها اسما موصولا تعين أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق. وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر؛ لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:

стр. 3085

١ - شر محض كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها؛ فهي خير. ٢ - خير محض؛ كالجنة، والرسل، والملائكة. ٣ - فيه شر وخير؛ كالإنس، والجن، والحيوان. وأنت إنما تستعيذ من شر ما فيه شر. قوله: (لم يضره شيء) ، نكرة في سياق النفي؛ فتفيد العموم من شر كل ذي شر من الجن والإنس وغيرهم والظاهر الخفي حتى يرتحل من منزله؛ لأن هذا خبر لا يمكن أن يتخلف مخبره؛ لأنه كلام الصادق المصدوق، لكن إن تخلف؛ فهو لوجود مانع لا لقصور السبب أو تخلف الخبر. ونظير ذلك كل ما أخبر به النبي ﷺ من الأسباب الشرعية إذا فعلت ولم يحصل المسبب فليس ذلك لخلل في السبب، ولكن لوجود مانع، مثل: قراءة الفاتحة على المرضى شفاء، ويقرؤها بعض الناس ولا يشفى المريض، وليس ذلك قصورا في السبب، بل لوجود مانع بين السبب وأثره. ومنه: التسمية عند الجماع؛ فإنها تمنع ضرر الشيطان للولد، وقد توجد التسمية ويضر الشيطان الولد؛ لوجود مانع يمنع من حصول أثر هذا السبب، فعليك أن تفتش ما هو المانع حتى تزيله فيحصل لك أثر السبب. قال القرطبي: وقد جربت ذلك؛ حتى إني نسيت ذات يوم، فدخلت منزلي ولم أقل ذلك، فلدغتني عقرب. والشاهد من الحديث: قوله: «أعوذ بكلمات الله» . والمؤلف يقول في الترجمة: الاستعاذة بغير الله، وهنا استعاذة بالكلمات، ولم يستعذ بالله؛ فلماذا؟
следующие страницы →