فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: تفسير آية العنكبوت.
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى.
الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران. وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وسبق.
الثانية: تفسير آية براءة. وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ . وسبق.
الثالثة: تفسير آية العنكبوت. وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ . وقد تكلمنا على تفسيرها فيما سبق.
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى. تؤخذ من الحديث: «إن من ضعف اليقين» . . . " الحديث.
الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث. وهي أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض. وتؤخذ من قوله في
стр. 3502
السابعة: ذكر ثواب من فعله. الثامنة: ذكر عقاب من تركه.
ــ
الحديث: " من التمس " الحديث، ووجهه ترتيب العقوبة على من قدم رضا الناس على رضا الله تعالى.
السابعة: ذكر ثواب من فعله. وهو رضا الله عنه، وأنه يرضي عنه الناس، وهو العاقبة الحميدة.
الثامنة: ذكر عقاب من تركه. وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس، ولا ينال مقصوده.
وخلاصة الباب:
أنه يجب على المرء أن يجعل الخوف من الله فوق كل خوف، وأن لا يبالي بأحد في شريعة الله تعالى، وأن يعلم أن من التمس رضا الله تعالى وإن سخط الناس عليه فالعاقبة له، وإن التمس رضا الناس وتعلق بهم وأسخط الله انقلبت عليه الأحوال، ولم ينل مقصوده، بل حصل له عكس مقصوده، وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.
стр. 3503
باب قول الله تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ المائدة: ٢٣] .
ــ
مناسبة هذا الباب لما قبله:
هي أن الإنسان إذا أفرد الله - سبحانه - بالتوكل، فإنه يعتمد عليه في حصول مطلوبه وزوال مكروهه، ولا يعتمد على غيره.
والتوكل: هو الاعتماد على الله في حصول المطلوب، ودفع المكروه، مع الثقة به وفعل الأسباب المأذون فيها، وهذا أقرب تعريف له، ولا بد من أمرين:
الأول: أن يكون الاعتماد على الله اعتمادا صادقا حقيقيا.
الثاني: فعل الأسباب المأذون فيها.
فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب، نقص توكله على الله، ويكون قادحا في كفاية الله، فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه.
ومن جعل اعتماده على الله ملغيا للأسباب، فقد طعن في حكمة الله؛ لأن الله جعل لكل شيء سببا، فمن اعتمد على الله اعتمادا مجردا، كان قادحا في حكمة الله؛ لأن الله حكيم، يربط الأسباب بمسبباتها، كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج.
والنبي ﷺ أعظم المتوكلين، ومع ذلك كان يأخذ بالأسباب، فكان يأخذ الزاد في السفر، ولما خرج إلى أحد ظاهر بين درعين (١) ، أي: لبس
стр. 3504
درعين اثنين، ولما خرج مهاجرا أخذ من يدله الطريق، ولم يقل: سأذهب مهاجرا وأتوكل على الله، ولن أصطحب معي من يدلني الطريق، وكان ﷺ يتقي الحر والبرد، ولم ينقص ذلك من توكله.
ويذكر عن عمر ﵁ أنه قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد، فجيء بهم إلى عمر، فسألهم فقالوا: نحن المتوكلون على الله. فقال: لستم المتوكلين، بل أنتم المتواكلون.
والتوكل نصف الدين، ولهذا نقول في صلاتنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، فنطلب من الله العون اعتمادا عليه سبحانه بأنه سيعيننا على عبادته.
وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ، وقال تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ، ولا يمكن تحقيق العبادة إلا بالتوكل؛ لأن الإنسان لو وكل إلى نفسه وكل إلى ضعف وعجز، ولم يتمكن من القيام بالعبادة، فهو حين يعبد الله يشعر أنه متوكل على الله، فينال بذلك أجر العبادة وأجر التوكل، ولكن الغالب عندنا ضعف التوكل، وأننا لا نشعر حين نقوم بالعبادة أو العادة بالتوكل على الله والاعتماد عليه في أن ننال هذا الفعل، بل نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة وننسى ما وراء ذلك فيفوتنا ثواب عظيم، وهو ثواب التوكل، كما أننا لا نوفق إلى حصول المقصود كما هو الغالب، سواء حصل لنا عوارض توجب انقطاعها أو عوارض توجب نقصها.
стр. 3505
والتوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توكل عبادة وخضوع، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه، بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر، فيعتمد عليه اعتمادا كاملا، مع شعوره بافتقاره إليه، فهذا يجب إخلاصه لله تعالى، ومن صرفه لغير الله فهو مشرك شركا أكبر، كالذين يعتمدون على الصالحين من الأموات والغائبين، وهذا لا يكون إلا ممن يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون، فيعتمد عليهم في جلب المنافع ودفع المضار.
الثاني: الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك، وهذا من الشرك الأصغر، وقال بعضهم: من الشرك الخفي، مثل اعتماد كثير من الناس على وظيفته في حصول رزقه، ولهذا تجد الإنسان يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا اعتماد افتقار، فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر، فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب، بل جعله فوق السبب.
الثالث: أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، كما لو وكلت شخصا في بيع شيء أو شرائه، وهذا لا شيء فيه؛ لأنه اعتمد عليه وهو يشعر أن المنزلة العليا له فوقه؛ لأنه جعله نائبا عنه، وقد وكل النبي ﷺ علي بن أبي طالب أن يذبح ما بقي من هديه، ووكل أبا هريرة على الصدقة، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له شاة، وهذا بخلاف القسم الثاني؛ لأنه
стр. 3506
يشعر بالحاجة إلى ذلك، ويرى اعتماده على المتوكل عليه اعتماد افتقار.
ومما سبق يتبين أن التوكل من أعلى المقامات، وأنه يجب على الإنسان أن يكون مصطحبا له في جميع شئونه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولا يكون للمعطلة أن يتوكلوا على الله ولا للمعتزلة القدرية "؛ لأن المعطلة يعتقدون انتفاء الصفات عن الله تعالى، والإنسان لا يعتمد إلا على من كان كامل الصفات المستحقة لأنه يعتمد عليه.
وكذلك القدرية؛ لأنهم يقولون: إن العبد مستقل بعمله، والله ليس له تصرف في أعمال العباد.
ومن ثم نعرف أن طريق السلف هو خير الطرق، وبه تكمل جميع العبادات وتتم به جميع أحوال العابدين.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب أربع آيات، أولها ما جعله ترجمة للباب وهي:
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ . على الله متعلقة بقوله: فتوكلوا، وتقديم المفعول يدل على الحصر، أي: على الله لا على غيره، فتوكلوا، أي: اعتمدوا.
والفاء لتحسين اللفظ وليست عاطفة؛ لأن في الجملة حرف عطف وهو الواو، ولا يمكن أن نعطف الجملة بعاطفين، فتكون لتحسين اللفظ، كقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ ، والتقدير: " بل الله اعبد ".
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . إن: شرطية، وفعل الشرط كنتم، وجوابه قيل: إنه محذوف دل عليه ما قبله، وتقدير الكلام: إن كنتم مؤمنين فتوكلوا،
стр. 3507
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] الآية
ــ
وقيل: إنه في مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب اكتفاء بما سبق، فيكون ما سبق كأنه فعل معلق بهذا الشيء، وهذا أرجح؛ لأن الأصل عدم الحذف.
وقول أصحاب موسى في هذه الآية يفيد أن التوكل من الإيمان ومن مقتضياته، كما لو قلت: إن كنت كريما فأكرم الضيف. فيقتضي أن إكرام الضيف من الكرم.
وهذه الآية تقتضي انتفاء كمال الإيمان بانتفاء التوكل على الله، إلا إن حصل اعتماد كلي على غير الله، فهو شرك أكبر ينتفي له الإيمان كله.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ . إنما: أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، والمعنى: ما المؤمنون إلا هؤلاء.
وذكر الله في هذه الآية وما بعدها خمسة أوصاف:
أحدهما: قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ، أي: خافت لما فيها من تعظيم الله تعالى، مثال ذلك: رجل هم بمعصية، فذكر الله أو ذكر به، وقيل له: اتق الله. فإن كان مؤمنا فإنه سيخاف، وهذا هو علامة الإيمان.
الوصف الثاني: قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ، أي: تصديقا وامتثالا، وفي هذا دليل على أن الإنسان قد ينتفع بقراءة غيره أكثر مما ينتفع بقراءة نفسه كما «أمر الرسول ﷺ عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه، فقال:»
стр. 3508
ــ
«كيف أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: " إني أحب أن أسمعه من غيري "، فقرأ عليه من سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . قال: " حسبك "، فنظرت، فإذا عيناه تذرفان» .
الوصف الثالث: قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . أي: يعتمدون على الله لا على غيره، وهم مع ذلك يعملون الأسباب، وهذا هو الشاهد.
الوصف الرابع: قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي: يأتون بها مستقيمة كاملة، والصلاة: اسم جنس تشمل الفرائض والنوافل.
الوصف الخامس: قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . (من) للتبعيض، فيكون الله يمدح من أنفق بعض ماله لا كله، أو تكون لبيان الجنس، فيشمل الثناء من أنفق البعض ومن أنفق الكل، والصواب: أنها لبيان الجنس، وأن من أنفق الكل يدخل في الثناء إذا توكل على الله تعالى في أن يرزقه وأهله كما فعله أبو بكر، أما إن كان أهله في حاجة أو كان المنفق عليه ليس بحاجة ماسة تستلزم إنفاق المال كله، فلا ينبغي أن ينفق ماله عليه.
стр. 3509
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] الآية.
ــ
الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ . المراد به الرسول ﷺ ، يخاطب الله رسوله بوصف النبوة أحيانا وبوصف الرسالة أحيانا، فحينما يأمره أن يبلغ يناديه بوصف الرسالة، وأما في الأحكام الخاصة، فالغالب أن يناديه بوصف النبوة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] .
والنبي فعيل بمعنى مفعل بفتح العين ومفعل بكسرها، أي: منبأ، ومنبئ، فالرسول ﷺ منبأ من قبل الله، ومنبئ لعباد الله.
قوله: ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك، والحسب: الكافي، ومنه قوله: أعطي درهما فحسب، وحسب خبر مقدم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر، والمعنى: ما الله إلا حسبك، ويجوز العكس، أي: أن تكون حسب مبتدأ ولفظ الجلالة خبره، ويكون المعنى: ما حسبك إلا الله، وهذا أرجح.
قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . من: اسم موصول مبنية على السكون، وفي عطفها رأيان لأهل العلم: قيل: حسبك الله، وحسبك من اتبعك من المؤمنين، فـ من معطوفة على الله لأنه أقرب، ولو كان العطف على الكاف في حسبك لوجب إعادة الجار، وهذا كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] ، فالله أيد رسوله بالمؤمنين، فيكونون حسبا له هنا كما كان الله حسبا له.
وهذا ضعيف، والجواب عنه من وجوه:
أولا: قولهم: عطف عليه لكونه أقرب ليس بصحيح، فقد يكون العطف
стр. 3510
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] الآية.
ــ
على شيء سابق، حتى إن النحويين قالوا: إذا تعددت المعطوفات يكون العطف على الأول.
ثانيا: قولهم: لو عطف على الكاف لوجب إعادة الجار، والصحيح أنه ليس بلازم، كما قال ابن مالك:
ليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النثر والنظم الصحيح مثبتا
ثالثا: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
فالتأييد لهم غير كونهم حسبه؛ لأن معنى كونهم حسبه أن يعتمد عليهم، ومعنى كونهم يؤيدونه أي ينصرونه مع استقلاله بنفسه، وبينهما فرق.
رابعا: أن الله - سبحانه - حينما يذكر الحسب يخلصه لنفسه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] ، ففرق بين الحسب والإيتاء، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] ، فكما أن التوكل على غير الله لا يجوز، فكذلك الحسب لا يمكن أن يكون غير الله حسبا، فلو كان لجاز التوكل عليه، ولكن الحسب هو الله، وهو الذي عليه يتوكل المتوكلون.
خامسا: أن في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ ما يمنع أن يكون الصحابة حسبا للرسول ﷺ ، وذلك لأنهم تابعون، فكيف يكون التابع حسبا للمتبوع؟ ! هذا لا يستقيم أبدا، فالصواب أنه معطوف على الكاف في قوله: حسبك، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين، فتوكلوا عليه جميعا أنت ومن اتبعك.
стр. 3511
وعن ابن عباس، قال: « ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ "، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية» . رواه البخاري.
ــ
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . جملة شرطية تفيد بمنطوقها أن من يتوكل على الله، فإن الله يكفيه مهماته وييسر له أمره، فالله حسبه ولو حصل له بعض الأذية، فإن الله يكفيه الأذى، والرسول ﷺ سيد المتوكلين، ومع ذلك يصيبه الأذى ولا تحصل له المضرة؛ لأن الله حسبه، فالنتيجة لمن اعتمد على الله أن يكفيه ربه المؤونة.
والآية تفيد بمفهومها أن من توكل على غير الله خذل؛ لأن غير الله لا يكون حسبا كما تقدم، فمن توكل على غير الله تخلى الله عنه، وصار موكولا إلى هذا الشيء ولم يحصل له مقصوده، وابتعد عن الله بمقدار توكله على غير الله.
قوله في أثر ابن عباس ﵄: " قالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ .
وهذا في نص القرآن لما انصرف أبو سفيان من أحد أراد أن يرجع إلى النبي ﷺ وأصحابه ليقضي عليهم بزعمه، فلقي ركبا فقال لهم: إلى أين
стр. 3512
تذهبون؟ قالوا نذهب إلى المدينة. فقال: بلغوا محمدا وأصحابه أنا راجعون إليهم فقاضون عليهم. فجاء الركب إلى المدينة، فبلغوهم، فقال رسول الله ﷺ ومن معه: حسبنا الله ونعم الوكيل. وخرجوا في نحو سبعين راكبا، حتى بلغوا حمراء الأسد، ثم إن أبا سفيان تراجع عن رأيه وانصرف إلى مكة، وهذا من كفاية الله لرسوله وللمؤمنين، حيث اعتمدوا عليه تعالى.
قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ أي: الركب.
قوله: إن الناس. أي: أبا سفيان ومن معه، وكلمة الناس هنا يمثل بها الأصوليون للعام الذي أريد به الخصوص.
قوله: حسبنا. أي: كافينا، وهي مبتدأ ولفظ الجلالة خبره.
قوله: نعم الوكيل. نعم: فعل ماض، الوكيل: فاعل، والمخصوص محذوف تقديره: هو، أي: الله، والوكيل: المعتمد عليه سبحانه، والله - سبحانه - يطلق عليه اسم وكيل، وهو أيضا موكل، والوكيل في مثل قوله تعالى: نعم الوكيل، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] ، وأما الموكل، ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] .
وليس المراد بالتوكيل هنا إنابة الغير فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه، فليس توكيله سبحانه من حاجة له، بل المراد بالتوكيل الاستخلاف في الأرض لينظر كيف يعملون.
وقول ابن عباس ﵄: «إن إبراهيم قالها حين ألقي في النار» قول لا مجال للرأي فيه، فيكون له حكم الرفع.
وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل، فيحتمل أنه أخذه منهم، ولكن
стр. 3513
جزمه بهذا، وقرنه لما قاله الرسول ﷺ مما يبعد أن يكون أخذه من بني إسرائيل.
الشاهد من الآية: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حيث جعلوا حسبهم الله وحده.
(تنبيه) :
قولنا: " وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل " قول مشهور عند علماء المصطلح، لكن فيه نظر، فإن ابن عباس ﵄ ممن ينكر الأخذ عن بني إسرائيل، ففي " صحيح البخاري " (٥\٢٩١ - فتح) أنه قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب؟ ! فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ! ولا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم» .
стр. 3514
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
الثالثة: تفسير آية الأنفال.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها.
الخامسة: تفسير آية الطلاق.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض. ووجهه أن الله علق الإيمان بالتوكل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وقد سبق تفسيرها.
الثانية: أنه من شروط الإيمان. تؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وسبق تفسيرها.
الثالثة: تفسير آية الأنفال. وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية، والمراد بالإيمان هنا الإيمان الكامل، وإلا فالإنسان يكون مؤمنا وإن لم يتصف بهذه الصفات، لكن معه مطلق الإيمان، وقد سبق تفسير ذلك.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها، أي: آخر الأنفال. وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو الراجح على ما سبق.
الخامسة: تفسير آية الطلاق. وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، وقد سبق تفسيرها.
стр. 3515
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم ﵊ ومحمد ﷺ في الشدائد.
ــ
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ في الشدائد. يعني قول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ .
وفي الباب مسائل غير ما ذكره المؤلف، منها:
زيادة الإيمان، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ .
ومنها: أنه عند الشدائد ينبغي للإنسان أن يعتمد على الله مع فعل الأسباب؛ لأن الرسول ﷺ وأصحابه قالوا ذلك عندما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، ولكنهم فوضوا الأمر إلى الله، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ومنها: أن اتباعه النبي ﷺ مع الإيمان سبب لكفاية الله للعبد.
стр. 3516
باب قول الله تعالى:
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [ الأعراف: ٩٩] .
ــ
هذا الباب اشتمل على موضوعين:
الأول: الأمن من مكر الله.
والثاني: القنوط من رحمة الله، وكلاهما طرفا نقيض.
واستدل المؤلف للأول بقوله تعالى: أفأمنوا.
الضمير يعود على أهل القرى؛ لأن ما قبلها قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨، ٩٩] .
فقوله: ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ يدل على كمال الأمن لأنهم في بلادهم، وأن الخائف لا ينام، وقوله: ﴿ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ يدل أيضا على كمال الأمن والرخاء وعدم الضيق؛ لأنه لو كان عندهم ضيق في العيش لذهبوا يطلبون الرزق والعيش، وما صاروا في الضحى - في رابعة النهار - يلعبون.
والاستفهامات هنا كلها للإنكار والتعجب من حال هؤلاء، فهم نائمون وفي رغد، ومقيمون على معاصي الله وعلى اللهو، ذاكرون لترفهم، غافلون عن ذكر خالقهم، فهم في الليل نوم، وفي النهار لعب، فبين الله أن هذا من مكره بهم، ولهذا قال: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ، ثم ختم الآية بقوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، فالذي يمن الله عليه بالنعم والرغد
стр. 3517
والترف وهو مقيم على معصيته يظن أنه رابح وهو في الحقيقة خاسر.
فإذا أنعم الله عليك من كل ناحية: أطعمك من جوع، وآمنك من خوف، وكساك من عري، فلا تظن أنك رابح وأنت مقيم على معصية الله، بل أنت خاسر؛ لأن هذا من مكر الله بك.
قوله: ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . الاستثناء للحصر، وذلك لأن ما قبله مفرغ له، فالقوم فاعل، والخاسرون صفتهم.
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ دليل على أن لله مكرا، والمكر هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ومنه ما جاء في الحديث: «الحرب خدعة» .
فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم؟
قيل: إن المكر في محله محمود يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه، ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق، فلا يجوز أن تقول: إن الله ماكر، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحا، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ، ومثل قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] ، ولا تنفي عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام التي تكون مدحا يوصف بها، وفي المقام التي لا تكون مدحا لا يوصف بها.
وكذلك لا يسمى الله بها، فلا يقال: إن من أسماء الله الماكر.
стр. 3518
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] .
ــ
وأما الخيانة فلا يوصف الله بها مطلقا لأنها ذم بكل حال، إذ إنها مكر في موضع الائتمان، وهو مذموم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١] ، ولم يقل: فخانهم.
وأما الخداع فهو كالمكر يوصف الله به حيث يكون مدحا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ، والمكر من الصفات الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئة الله - سبحانه -.
ويستفاد من هذه الآية:
١ - الحذر من النعم التي يجلبها الله للعبد لئلا تكون استدراجا؛ لأن كل نعمة فلله عليك وظيفة شكرها، وهي القيام بطاعة المنعم، فإذا لم تقم بها مع توافر النعم، فاعلم أن هذا من مكر الله.
٢ - تحريم الأمن من مكر الله، وذلك لوجهين:
الأول: أن الجملة بصيغة الاستفهام الدال على الإنكار والتعجب.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
الموضوع الثاني مما اشتمل عليه هذا الباب القنوط من رحمة الله.
واستدل المؤلف له بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ .
من اسم استفهام؛ لأن الفعل بعدها مرفوع، ثم إنها لم يكن لها جواب، والقنوط: أشد اليأس؛ لأن الإنسان يقنط ويبعد الرجاء والأمل، بحيث
стр. 3519
يستبعد حصول مطلوبه أو كشف مكروبه.
قوله: ﴿مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ . هذه رحمة مضافة إلى الفاعل ومفعولها محذوف، والتقدير: (من رحمة ربه إياه) .
قوله: ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ . إلا أداة حصر؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ مراد به النفي، والضالون فاعل يقنط.
والمعنى لا يقنط من رحمة الله إلا الضالون، والضال: فاقد الهداية، التائه الذي لا يدري ما يجب لله سبحانه، مع أنه سبحانه قريب الغير، ولهذا جاء في الحديث: «عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، ينظر إليكم آزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب» . (١)
وأما معنى الآية: فإن إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بغلام عليم قال لهم: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَي قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٤- ٥٦] .
فالقنوط من رحمة الله لا يجوز؛ لأنه سوء ظن بالله ، وذلك من وجهين:
الأول: أنه طعن في قدرته سبحانه؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئا على قدرة الله.
стр. 3520
الثاني: أنه طعن في رحمته سبحانه؛ لأن من علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله - سبحانه -، ولهذا كان القانط من رحمة الله ضالا.
ولا ينبغي للإنسان إذا وقع في كربة أن يستبعد حصول مطلوبه أو كشف مكروبه، وكم من إنسان وقع في كربة وظن أن لا نجاة منها، فنجاه الله - سبحانه -: إما بعمل صالح سابق مثل ما وقع ليونس ﵇، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤] ، أو بعمل لاحق، وذلك كدعاء الرسول ﷺ يوم بدر وليلة الأحزاب وكذلك أصحاب الغار.
وتبين مما سبق أن المؤلف ﵀ أراد أن يجمع الإنسان في سيره إلى الله تعالى بين الخوف فلا يأمن مكر الله، وبين الرجاء فلا يقنط من رحمته، فالأمن من مكر الله ثلم في جانب الخوف، والقنوط من رحمته ثلم في جانب الرجاء.
стр. 3521
وعن ابن عباس، «أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: " الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» . (١)
ــ
قوله: في حديث ابن عباس ﵄: " أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر ". جمع كبيرة، والمراد بها: كبائر الذنوب، وهذا السؤال يدل على أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد دل على ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] ، والكبائر ليست على درجة واحدة، فبعضها أكبر من بعض.
واختلف العلماء: هل هي معدودة أو محدودة؟
فقال بعض أهل العلم: إنها معدودة، وصار يعددها ويتتبع النصوص الواردة في ذلك.
وقيل: إنها محدودة، وقد حدها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال: " كل ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت في الدنيا أو الآخرة، وسواء كانت بفوات محبوب أو بحصول مكروه "، وهذا واسع جدا يشمل ذنوبا كثيرة.
ووجه ما قاله: أن المعاصي قسمان:
стр. 3522
قسم نهي عنه فقط، ولم يذكر عليه وعيد؛ فعقوبة هذا تأتي بالمعنى العام للعقوبات، وهذه المعصية مكفرة بفعل الطاعات، كقوله ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» ، وكذلك ما ورد في العمرة إلى العمرة، والوضوء من تكفير الخطايا؛ فهذه من الصغائر.
وقسم رتب عليه عقوبة خاصة، كاللعن، أو الغضب، أو التبرؤ من فاعله، أو الحد في الدنيا، أو نفي الإيمان، وما أشبه ذلك؛ فهذه كبيرة تختلف في مراتبها.
والسائل في هذا الحديث إنما قصده معرفة الكبائر ليجتنبها، خلافا لحال كثير من الناس اليوم، حيث يسأل ليعلم فقط، ولذلك نقصت بركة علمهم.
قوله: " الشرك بالله ". ظاهر الإطلاق: أن المراد به الشرك الصغر والأكبر، وهو الظاهر؛ لأن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا "، وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، فدل على أن الشرك من الكبائر مطلقا.
والشرك بالله يتضمن الشرك بربوبيته أو بألوهيته، أو بأسمائه وصفاته.
قوله: " اليأس من روح الله ". اليأس: فقد الرجاء، والروح بفتح الراء
стр. 3523
وعن ابن مسعود، قال: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» . رواه عبد الرازق (١)
ــ
قريب من معنى الرحمة، وهو الفرج والتنفيس، واليأس من روح الله من كبائر الذنوب؛ لنتائجه السيئة.
قوله: " الأمن من مكر الله ". بأن يعصي الله مع استدراجه بالنعم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢: ١٨٣] .
وظاهر هذا الحديث: الحصر، وليس كذلك؛ لأن هناك كبائر غير هذه، ولكن الرسول ﷺ يجيب كل سائل بما يناسب حاله؛ فلعله رأى هذا السائل عنده شيء من الأمن من مكر الله، أو اليأس من روح الله، فأراد أن يبين له ذلك، وهذه مسألة ينبغي أن يفطن لها الإنسان فيما يأتي من النصوص الشرعية، مما ظاهره التعارض، فيحمل كل واحد منها على الحال المناسبة ليحصل التآلف بين النصوص الشرعية.
قوله في أثر ابن مسعود: " الإشراك بالله ": هذا أكبر الكبائر؛ لأنه انتهاك لأعظم الحقوق، وهو حق الله تعالى الذي أوجدك، وأعدك وأمدك؛ فلا أحد
стр. 3524
أكبر عليك نعمة من الله تعالى.
قوله: " الأمن من مكر الله ". سبق شرحه.
قوله: «القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» . المراد بالقنوط: أن يستبعد رحمة الله، ويستبعد حصول المطلوب، والمراد باليأس هنا: أن يستبعد الإنسان زوال المكروه، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يحصل تكرار في كلام ابن مسعود.
والخلاصة: أن السائر إلى الله يعتريه شيئان يعوقانه عن ربه، وهما: الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، فإذا أُصيب بالضراء، أو فات عليه ما يجب، تجده إن لم يتداركه ربه يستولي عليه القنوط، ويستبعد الفرج، ولا يسعى لأسبابه.
وأما الأمن من مكر الله، فتجد الإنسان مقيما على المعاصي مع توافر النعم عليه، ويرى أنه على حق فيستمر، فلا شك أن هذا استدراج.
стр. 3525
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الأعراف. الثانية: تفسير آية الحجر. الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله. الرابعة: شدة الوعيد في القنوط.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الأعراف. وهي قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقد سبق تفسيرها.
الثانية: تفسير آية الحجر. وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ، وقد سبق تفسيرها.
الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله. وذلك بأنه من أكبر الكبائر؛ كما في الآية والحديث، وتؤخذ من الآية الأولى، والحديثين.
الرابعة: شدة الوعيد في القنوط. تؤخذ من الآية الثانية والحديثين.
стр. 3526
باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
ــ
" الصبر " في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: " قتل صبرا "، أي: محبوسا مأسورا.
وفي الاصطلاح: حبس النفس على أشياء وعن أشياء، وهو ثلاثة أقسام:
الأول: الصبر على طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٣ - ٢٤] ، وهذا من الصبر على الأوامر؛ لأنه إنما نزل عليه القرآن ليبلغه، فيكون مأمورا بالصبر على الطاعة، وقال تعالى: ( ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] . وهذا صبر على طاعة الله.
الثاني: الصبر عن معصية الله، كصبر يوسف ﵇ عن إجابة امرأة العزيز حيث دعته إلى نفسها، في مكانة لها فيها العزة والقوة والسلطان عليه، ومع ذلك صبر، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] . فهذا صبر عن معصية الله.
الثالث: الصبر على أقدار الله، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤] ، فيدخل في هذه الآية حكم الله القدري، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ؛ لأن هذا صبر على تبليغ الرسالة، وعلى أذى قومه، ومنه قوله ﷺ -لرسول إحدى
стр. 3527
بناته: " «مرها؛ فلتصبر ولتحتسب» .
إذن الصبر ثلاثة أنواع، أعلاها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر على معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله.
وهذا الترتيب من حيث هو لا باعتبار من يتعلق به، وإلا فقد يكون الصبر على المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة، إذا فتن الإنسان مثلا بامرأة جميلة تدعوه إلى نفسها في مكان خال لا يطلع عليه إلا الله، وهو رجل شاب ذو شهوة؛ فالصبر عن هذه المعصية أشق ما يكون على النفوس، قد يصلي الإنسان مائة ركعة وتكون أهون عليه من هذا.
وقد يصاب الإنسان بمصيبة يكون الصبر عليها أشق من الصبر على الطاعة، فقد يموت له مثلا قريب، أو صديق، أو عزيز عليه جدا، فتجده يتحمل من الصبر على هذه المصيبة مشقة عظيمة.
وبهذا يندفع الإيراد الذي يورده بعض الناس ويقول: إن هذا الترتيب فيه نظر؛ إذ بعض المعاصي يكون الصبر عليها أشق من بعض الطاعات، وكذلك بعض الأقدار يكون الصبر عليها أشق، فنقول: نحن نذكر المراتب من حيث هي بقطع النظر عن الصابر.
وكان الصبر على الطاعة أعلى؛ لأنه يتضمن إلزاما وفعلا، فتلزم نفسك الصلاة فتصلي، والصوم فتصوم، والحج فتحج. . . ففيه إلزام، وفعل، وحركة فيها نوع من المشقة والتعب، ثم الصبر على المعصية؛ لأن فيه كفا فقط؛ أي:
стр. 3528
إلزاما للنفس بالترك، أما الصبر على الأقدار؛ فلأن سببه ليس باختيار العبد، فليس فعلا ولا تركا، وإنما هو من قدر الله المحض.
وخص المؤلف ﵀ في هذا الباب الصبر على أقدار الله؛ لأنه مما يتعلق بتوحيد الربوبية؛ لأن تدبير الخلق، والتقدير عليهم من مقتضيات ربوبية الله تعالى.
قوله: " على أقدار الله ". جمع قدر، وتطلق على المقدور، وعلى فعل المقدر وهو الله تعالى، أما بالنسبة لفعل المقدر، فيجب على الإنسان الرضا به والصبر، وبالنسبة للمقدور، فيجب عليه الصبر ويستحب له الرضا.
مثال ذلك: قدر الله على سيارة شخص أن تحترق، فكون الله قدر أن تحترق هذا قدر، يجب على الإنسان أن يرضى به؛ لأنه من تمام الرضا بالله ربا.
وأما بالنسبة للمقدور الذي هو احتراق السيارة، فالصبر عليه واجب، والرضا به مستحب، وليس بواجب على القول الراجح.
والمقدور قد يكون طاعات، وقد يكون معاصي، وقد يكون من أفعال الله المحضة، فالطاعات يجب الرضا بها، والمعاصي لا يجوز الرضا بها من حيث هي مقدور، أما من حيث كونها قدر الله، فيجب الرضا بتقدير الله بكل حال؛ ولهذا قال ابن القيم:
فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط ال ... مقضي حين يكون بالعصيان
فمن نظر بعين القضاء والقدر إلى رجل يعمل بمعصية، فعليه الرضا؛ لأن الله هو الذي قدر هذا، وله الحكمة في تقديره، وإذا نظر إلى فعله، فلا يجوز له أن يرضى به؛ لأنه معصية، وهذا هو الفرق بين القدر والمقدور.
стр. 3529
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] .
قال علقمة: " هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويسلم ".
ــ
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ . (من) : اسم شرط جازم، فعل الشرط (يؤمن) ، وجوابه (يهد) ، والمراد بالإيمان بالله هنا الإيمان بقدره.
قوله: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ . يرزقه الطمأنينة، وهذا يدل على أن الإيمان يتعلق بالقلب، فإذا اهتدى القلب اهتدت الجوارح؛ لقوله ﷺ : «إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» .
قوله: " قال علقمة ". وهو من أكابر التابعين.
قوله: " هو الرجل تصيبه المصيبة. . . " إلخ. وتفسير علقمة هذا من لازم الإيمان؛ لأن من آمن بالله علم أن التقدير من الله، فيرضى ويسلم، فإذا علم أن المصيبة من الله اطمأن القلب وارتاح، ولهذا كان من أكبر الراحة والطمأنينة الإيمان بالقضاء والقدر.
стр. 3530
وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ، قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت»
ــ
قوله: في حديث أبي هريرة " اثنتان ". مبتدأ، وسوغ الابتداء به التقسيم، أو أنه مفيد للخصوص.
قوله: " بهم كفر ": الباء. يحتمل أن تكون بمعنى " من "، أي: هما منهم كفر، ويحتمل أن تكون بمعنى " في "؛ أي: هما فيهم كفر.
قوله: " كفر ". أي هاتان الخصلتان كفر، ولا يلزم من وجود خصلتين من الكفر في المؤمن أن يكون كافرا، كما لا يلزم من وجود خصلتين في الكافر من خصال الإيمان، كالحياء، والشجاعة، والكرم، أن يكون مؤمنا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (بخلاف قول رسول الله ﷺ : «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة» . فإنه هنا أتى بأل الدالة على الحقيقة؛ فالمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة، بخلاف مجيء " كفر " نكرة؛ فلا يدل على الخروج عن الإسلام.
قوله: «الطعن في النسب» . أي: العيب فيه، أو نفيه، فهذا عمل من أعمال الكفر.
стр. 3531
قوله: «النياحة على الميت» . أي: أن يبكي الإنسان على الميت بكاء على صفة نوح الحمام؛ لأن هذا يدل على التضجر، وعدم الصبر، فهو مناف للصبر الواجب، وهذه الجملة هي الشاهد للباب. والناس حال المصيبة على مراتب أربع:
الأولى: التسخط، وهو إما أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه، ويغضب على قدر الله عليه، وقد يؤدي إلى الكفر، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] وقد يكون باللسان، كالدعاء بالويل والثبور، وما أشبه ذلك، وقد يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك.
الثانية: الصبر، وهو كما قال الشاعر:
الصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل
فيرى الإنسان أن هذا الشيء ثقيل عليه ويكرهه، لكنه يتحمله ويتصبر، وليس وقوعه وعدمه سواء عنده، بل يكره هذا، ولكن إيمانه يحميه من السخط.
الثالثة: الرضا، وهو أعلى من ذلك، وهو أن يكون الأمران عنده سواء بالنسبة لقضاء الله وقدره، وإن كان قد يحزن من المصيبة؛ لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر، أينما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو جبل، إن أصيب بنعمة، أو أُصيب بضدها، فالكل عنده سواء، لا لأن قلبه ميت، بل لتمام رضاه بربه يتقلب في تصرفات الرب ولكنها عنده سواء، إذ ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه، وهذا الفرق بين الرضا والصبر.
стр. 3532
ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» .
ــ
الرابعة: الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة، وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها، وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك، قال النبي ﷺ : «ما يصيب المؤمن من هم، ولا غم، ولا شيء إلا كفر له بها، حتى الشوكة يشاكها» .
كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك.
قوله في حديث ابن مسعود: " مرفوعا ". أي: إلى النبي ﷺ .
قوله: «من ضرب الخدود» . العموم يراد به الخصوص؛ أي: من أجل المصيبة.
قوله: «ومن شق الجيوب» . هو طوق القميص الذي يدخل منه الرأس، وذلك عند المصيبة؛ تسخطا، وعدم تحمل لما وقع عليه.
стр. 3533
وعن أنس، أن رسول الله قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له»
ــ
قوله: «ودعا بدعوى الجاهلية» . ودعوى مضاف والجاهلية مضاف إليه، وتنازع هنا أمران:
الأول: صيغة العموم " دعوى الجاهلية "؛ لأنه مفرد مضاف فيعم.
الثاني: القرينة؛ لأن ضرب الخدود، وشق الجيوب يفعلان عند المصيبة، فيكون دعا بدعوى الجاهلية عند المصيبة، مثل قولهم: واويلاه! واانقطاع ظهراه!
والأولى أن ترجح صيغة العموم، والقرينة لا تخصصه، فيكون المقصود بالدعوى كل دعوى منشؤها الجهل.
وذكر هذه الأصناف الثلاثة؛ لأنها غالبا ما تكون عند المصائب، وإلا فمثله هدم البيوت، وكسر الأواني، وتخريب الطعام، ونحوه مما يفعله بعض الناس عند المصيبة.
وهذه الثلاثة من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ تبرأ من فاعلها.
ولا يدخل في الحديث ضرب الخد في الحياة العادية؛ مثل: ضرب الأب لابنه، لكن يكره الضرب على الوجه؛ للنهي عنه، وكذلك شق الجيب لأمر غير المصيبة.
قوله في حديث أنس: " إذا أراد الله بعبده الخير ". الله يريد بعبده الخير والشر، ولكن الشر المراد لله تعالى ليس مرادا لذاته، بدليل قول النبي ﷺ :
стр. 3534
«العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة» . (١)
ــ
" والشر ليس إليك "، ومن أراد الشر لذاته كان إليه، ولكن الله يريد الشر لحكمة، وحينئذ يكون خيرا باعتبار ما يتضمنه من الحكمة.
قوله: " عجل له بالعقوبة في الدنيا ". العقوبة: مؤاخذة المجرم بذنبه، وسميت بذلك؛ لأنها تعقب الذنب، ولكنها لا تقال إلا في المؤاخذة على الشر.
وقوله: " عجل له العقوبة في الدنيا ". كان ذلك خيرا من تأخيرها للآخرة؛ لأنه يزول وينتهي، ولهذا قال النبي ﷺ للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» .
وهناك خير أولى من ذلك، وهو العفو عن الذنب، وهذا أعلى؛ لأن الله إذا لم يعاقبه في الدنيا ولا في الآخرة، فهذا هو الخير كله، ولكن الرسول ﷺ جعل تعجيل العقوبة خيرا باعتبار أن تأخر العقوبة إلى الآخرة أشد؛ كما قال تعالى ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] .
والعقوبة أنواع كثيرة:
منها: ما يتعلق بالدين، وهي أشدها؛ لأن العقوبات الحسية قد ينتبه لها الإنسان، أما هذه، فلا ينتبه لها إلا من وفقه الله، وذلك كما لو خفت المعصية
стр. 3535
في نظر العاصي؛ فهذه عقوبة دينية تجعله يستهين بها، وكذلك التهاون بترك الواجب، وعدم الغيرة على حرمات الله، وعدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي على المنكر، وكل ذلك من المصائب، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] .
ومنها: العقوبة بالنفس، وذلك كالأمراض العضوية والنفسية.
ومنها: العقوبة بالأهل، كفقدانهم، أو أمراض تصيبهم.
ومنها العقوبة بالمال، كنقصه أو تلفه وغير ذلك.
قوله: «وإذا أراد بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه» . " أمسك عنه "؛ أي: ترك عقوبته.
والإمساك: فعل من أفعال الله، وليس معناه تعطيل الله عن الفعل، بل هو لم يزل، ولا يزال فعالا لما يريد، لكنه يمسك عن الفعل في شيء ما لحكمة بالغة؛ ففعله حكمة، وإمساكه حكمة.
قوله: " حتى يوافى به يوم القيامة ". أي: يوافيه الله به؛ أي: يجازيه به يوم القيامة، وهو الذي يقوم فيه الناس من قبورهم لله رب العالمين.
وسمي بيوم القيامة لثلاثة أسباب:
١ - قيام الناس من قبورهم؛ لقوله تعالى: ( ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] .
٢ - قيام الأشهاد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] .
٣ - قيام العدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
والغرض من سياق المؤلف لهذا الحديث: تسلية الإنسان إذا أُصيب
стр. 3536
بالمصائب؛ لئلا يجزع، فإن ذلك قد يكون خيرا، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فيحمد الله أنه لم يؤخر عقوبته إلى الآخرة.
وعلى فرض أن أحدا لم يأت بخطيئة وأصابته مصيبة؛ فنقول له: إن هذا من باب امتحان الإنسان على الصبر، ورفع درجاته باحتساب الأجر، لكن لا يجوز للإنسان إذا أصيب بمصيبة، وهو يرى أنه لم يخطئ أن يقول: أنا لم أُخطئ؛ فهذه تزكية، فلو فرضنا أن أحدا لم يصب ذنبا وأصيب بمصيبة؛ فإن هذه المصيبة لا تلاقي ذنبا تكفره، لكنها تلاقي قلبا تمحصه، فيبتلي الله الإنسان بالمصائب؛ لينظر هل يصبر أم لا؟ ولهذا كان أخشى الناس لله وأتقاهم محمد ﷺ ، يوعك كما يوعك رجلان منا وذلك لينال أعلى درجات الصبر، فينال مرتبة الصابرين على أعلى وجوهها، «ولذلك شدد عليه ﷺ عند النزع، ومع هذه الشدة كان ثابت القلب، ودخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وهو يستاك، فأمده بصره (يعني: ينظر إليه) ، فعرفت عائشة ﵂ أنه يريد السواك، فقالت: آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم، فأخذت السواك، وقضمته، وألانته للرسول ﷺ ، فأعطته إياه، فاستن به، قالت عائشة: ما رأيته استن استنانا أحسن منه، ثم رفع يده، وقال: " في الرفيق الأعلى» .
فانظر إلى هذا الثبات واليقين، والصبر العظيم مع هذه الشدة العظيمة، كل هذا لأجل أن يصل الرسول ﷺ -أعلى درجات الصابرين، صبر لله، وصبر
стр. 3537
وقال النبي ﷺ : «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، وإنَّ اللهَ تَعَالَى إذَا أحَبَّ قَوماً ابتَلاهٌم، فَمَن رَضِيَ؛ فَلَهٌ الرِّضا، ومَن سَخِطَ فَلَهٌ السٌّخطٌ» . حَسَّنٌه التِّرمِذِي (١)
ــ
بالله، وصبر في الله حتى نال أعلى الدرجات.
فمن أصيب بمصيبة، فحدثته نفسه أن مصائبه أعظم من معائبه؛ فإنه يدل على ربه بعمله، ويمن عليه به، فليحذر هذا.
ومن ذلك يتضح لنا أمران:
١ - أن إصابة الإنسان بالمصائب تعتبر تكفيرا لسيئاته، وتعجيلا للعقوبة في الدنيا، وهذا خير من تأخيرها له في الآخرة.
٢ - قد تكون المصائب أكبر من المعائب؛ ليصل المرء بصبره أعلى درجات الصابرين، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
قوله: " وقال النبي ﷺ : «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء» . هذا الحديث رواه الترمذي، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ فصحابيُّه صحابي الحديث الذي قبله.
قوله: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء» . أي: يتقابل عظم الجزاء مع عظم البلاء، فكلما كان البلاء أشد، وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم؛ لأن الله عدل لا يجزي
стр. 3538
المحسن بأقل من إحسانه، فليس الجزاء على الشوكة يشاكها كالجزاء على الكسر إذا كسر، وهذا دليل على كمال عدل الله، وأنه لا يظلم أحدا، وفيه تسلية المصاب.
قوله: «وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم» . أي: اختبرهم بما يقدر عليهم من الأمور الكونية، كالأمراض، وفقدان الأهل، أو بما يكلفهم به من الأمور الشرعية، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان:٢٣-٢٤] فذكره الله بالنعمة وأمره بالصبر؛ لأن هذا الذي نزل عليه تكليف يكلف به.
كذلك من الابتلاء الصبر على محارم الله، كما في الحديث «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله» ؛ فهذا جزاؤه أن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
قوله: «فمن رضي؛ فله الرضا، ومن سخط، فله السخط» ." مَن ": شرطية، والجواب: " فله الرضا "، أي: فله الرضا من الله، وإذا رضي الله عن شخص أرضى الناس عنه جميعا، والمراد بالرضا: الرضا بقضاء الله من حيث إنه قضاء الله، وهذا واجب بدليل قوله: " ومن سخط " فقابل الرضا بالسخط، وهو عدم الصبر على ما يكون من المصائب القدرية الكونية. ولم يقل هنا " فعليه السخط " مع أن مقتضى السياق أن يقول فعليه، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] .
فقال بعض العلماء: إن اللام بمعنى على؛ كقوله تعالى:
стр. 3539
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] ، أي: عليهم اللعنة.
وقال آخرون: إن اللام على ما هي عليه، فتكون للاستحقاق، أي: صار عليه السخط باستحقاقه له، فتكون أبلغ من " على "؛ كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ ؛ أي حقت عليهم باستحقاقهم لها، وهذا أصح.
ويستفاد من الحديث:
إثبات المحبة، والسخط والرضا لله ، وهي من الصفات الفعلية لتعلقها بمشيئة الله تعالى؛ لأن (إذا) في قوله: " إذا أحب الله قوما " للمستقبل، فالحب يحدث، فهو من الصفات الفعلية.
والله تعالى يحب العبد عند وجود سبب المحبة، ويبغضه عند وجود سبب البغض، وعلى هذا، فقد يكون هذا الشخص في يوم من الأيام محبوبا إلى الله، وفي آخر مبغضا إلى الله؛ لأن الحكم يدور مع علته.
وأما الأعمال، فلم يزل الله يحب الخير والعدل والإحسان ونحوها، وأهل التأويل ينكرون هذه الصفات، فيؤولون المحبة والرضا بالثواب، أو إرادته، والسخط بالعقوبة أو إرادتها، قالوا: لأن إثبات هذه الصفات يقتضي النقص ومشابهة المخلوقين، والصواب ثبوتها لله على الوجه اللائق به كسائر الصفات التي يثبتها من يقول بالتأويل.
ويجب في كل صفة أثبتها الله لنفسه أمران:
١ - إثباتها على حقيقتها وظاهرها.
٢ - الحذر من التمثيل أو التكييف.
стр. 3540
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. الثالثة: الطعن في النسب. الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. السادسة: إرادة الله به الشر السابعة: علامة حب الله للعبد.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن. وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ، وقد فسرها علقمة كما سبق تفسير مناسبا للباب.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. المشار إليه بقوله: (هذا) هو الصبر على أقدار الله.
الثالثة: الطعن في النسب. وهو عيبه أو نفيه، وهو من الكفر، لكنه لا يخرج من الملة.
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية؛ لأن النبي ﷺ تبرأ منه.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. وهو أن يعجل له العقوبة في الدنيا.
السادسة: إرادة الله به الشر. أي علامة إرادة الله به الشر، وهو أن يؤخر له العقوبة في الآخرة.
السابعة: علامة حب الله للعبد، وهي الابتلاء.