← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

بالمصائب؛ لئلا يجزع، فإن ذلك قد يكون خيرا، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فيحمد الله أنه لم يؤخر عقوبته إلى الآخرة. وعلى فرض أن أحدا لم يأت بخطيئة وأصابته مصيبة؛ فنقول له: إن هذا من باب امتحان الإنسان على الصبر، ورفع درجاته باحتساب الأجر، لكن لا يجوز للإنسان إذا أصيب بمصيبة، وهو يرى أنه لم يخطئ أن يقول: أنا لم أُخطئ؛ فهذه تزكية، فلو فرضنا أن أحدا لم يصب ذنبا وأصيب بمصيبة؛ فإن هذه المصيبة لا تلاقي ذنبا تكفره، لكنها تلاقي قلبا تمحصه، فيبتلي الله الإنسان بالمصائب؛ لينظر هل يصبر أم لا؟ ولهذا كان أخشى الناس لله وأتقاهم محمد ﷺ ، يوعك كما يوعك رجلان منا وذلك لينال أعلى درجات الصبر، فينال مرتبة الصابرين على أعلى وجوهها، «ولذلك شدد عليه ﷺ عند النزع، ومع هذه الشدة كان ثابت القلب، ودخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وهو يستاك، فأمده بصره (يعني: ينظر إليه) ، فعرفت عائشة ﵂ أنه يريد السواك، فقالت: آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم، فأخذت السواك، وقضمته، وألانته للرسول ﷺ ، فأعطته إياه، فاستن به، قالت عائشة: ما رأيته استن استنانا أحسن منه، ثم رفع يده، وقال: " في الرفيق الأعلى» . فانظر إلى هذا الثبات واليقين، والصبر العظيم مع هذه الشدة العظيمة، كل هذا لأجل أن يصل الرسول ﷺ -أعلى درجات الصابرين، صبر لله، وصبر

стр. 3537

وقال النبي ﷺ : «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، وإنَّ اللهَ تَعَالَى إذَا أحَبَّ قَوماً ابتَلاهٌم، فَمَن رَضِيَ؛ فَلَهٌ الرِّضا، ومَن سَخِطَ فَلَهٌ السٌّخطٌ» . حَسَّنٌه التِّرمِذِي (١) ــ بالله، وصبر في الله حتى نال أعلى الدرجات. فمن أصيب بمصيبة، فحدثته نفسه أن مصائبه أعظم من معائبه؛ فإنه يدل على ربه بعمله، ويمن عليه به، فليحذر هذا. ومن ذلك يتضح لنا أمران: ١ - أن إصابة الإنسان بالمصائب تعتبر تكفيرا لسيئاته، وتعجيلا للعقوبة في الدنيا، وهذا خير من تأخيرها له في الآخرة. ٢ - قد تكون المصائب أكبر من المعائب؛ ليصل المرء بصبره أعلى درجات الصابرين، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. قوله: " وقال النبي ﷺ : «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء» . هذا الحديث رواه الترمذي، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ فصحابيُّه صحابي الحديث الذي قبله. قوله: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء» . أي: يتقابل عظم الجزاء مع عظم البلاء، فكلما كان البلاء أشد، وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم؛ لأن الله عدل لا يجزي

стр. 3538

المحسن بأقل من إحسانه، فليس الجزاء على الشوكة يشاكها كالجزاء على الكسر إذا كسر، وهذا دليل على كمال عدل الله، وأنه لا يظلم أحدا، وفيه تسلية المصاب. قوله: «وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم» . أي: اختبرهم بما يقدر عليهم من الأمور الكونية، كالأمراض، وفقدان الأهل، أو بما يكلفهم به من الأمور الشرعية، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان:٢٣-٢٤] فذكره الله بالنعمة وأمره بالصبر؛ لأن هذا الذي نزل عليه تكليف يكلف به. كذلك من الابتلاء الصبر على محارم الله، كما في الحديث «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله» ؛ فهذا جزاؤه أن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. قوله: «فمن رضي؛ فله الرضا، ومن سخط، فله السخط» ." مَن ": شرطية، والجواب: " فله الرضا "، أي: فله الرضا من الله، وإذا رضي الله عن شخص أرضى الناس عنه جميعا، والمراد بالرضا: الرضا بقضاء الله من حيث إنه قضاء الله، وهذا واجب بدليل قوله: " ومن سخط " فقابل الرضا بالسخط، وهو عدم الصبر على ما يكون من المصائب القدرية الكونية. ولم يقل هنا " فعليه السخط " مع أن مقتضى السياق أن يقول فعليه، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] . فقال بعض العلماء: إن اللام بمعنى على؛ كقوله تعالى:

стр. 3539

﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] ، أي: عليهم اللعنة. وقال آخرون: إن اللام على ما هي عليه، فتكون للاستحقاق، أي: صار عليه السخط باستحقاقه له، فتكون أبلغ من " على "؛ كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ ؛ أي حقت عليهم باستحقاقهم لها، وهذا أصح. ويستفاد من الحديث: إثبات المحبة، والسخط والرضا لله ، وهي من الصفات الفعلية لتعلقها بمشيئة الله تعالى؛ لأن (إذا) في قوله: " إذا أحب الله قوما " للمستقبل، فالحب يحدث، فهو من الصفات الفعلية. والله تعالى يحب العبد عند وجود سبب المحبة، ويبغضه عند وجود سبب البغض، وعلى هذا، فقد يكون هذا الشخص في يوم من الأيام محبوبا إلى الله، وفي آخر مبغضا إلى الله؛ لأن الحكم يدور مع علته. وأما الأعمال، فلم يزل الله يحب الخير والعدل والإحسان ونحوها، وأهل التأويل ينكرون هذه الصفات، فيؤولون المحبة والرضا بالثواب، أو إرادته، والسخط بالعقوبة أو إرادتها، قالوا: لأن إثبات هذه الصفات يقتضي النقص ومشابهة المخلوقين، والصواب ثبوتها لله على الوجه اللائق به كسائر الصفات التي يثبتها من يقول بالتأويل. ويجب في كل صفة أثبتها الله لنفسه أمران: ١ - إثباتها على حقيقتها وظاهرها. ٢ - الحذر من التمثيل أو التكييف.

стр. 3540

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية التغابن. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. الثالثة: الطعن في النسب. الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. السادسة: إرادة الله به الشر السابعة: علامة حب الله للعبد. ــ فيه مسائل: الأولى: تفسير آية التغابن. وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ، وقد فسرها علقمة كما سبق تفسير مناسبا للباب. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. المشار إليه بقوله: (هذا) هو الصبر على أقدار الله. الثالثة: الطعن في النسب. وهو عيبه أو نفيه، وهو من الكفر، لكنه لا يخرج من الملة. الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية؛ لأن النبي ﷺ تبرأ منه. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. وهو أن يعجل له العقوبة في الدنيا. السادسة: إرادة الله به الشر. أي علامة إرادة الله به الشر، وهو أن يؤخر له العقوبة في الآخرة. السابعة: علامة حب الله للعبد، وهي الابتلاء.

стр. 3541

الثامنة: تحريم السخط. التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء. ــ الثامنة: تحريم السخط. يعني: مما به العبد؛ لقوله ﷺ : «ومن سخط؛ فله السخط» ، وهذا وعيد. التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء. وهو رضا الله عن العبد؛ لقوله ﷺ : «من رضي؛ فله الرضا» .

стр. 3542

باب ما جاء في الرياء ــ المؤلف - رحمه الله تعالى - أطلق الترجمة، فلم يفصح بحكمه؛ لأجل أن يحكم الإنسان بنفسه على الرياء، على ما جاء فيه. تعريف الرياء: مصدر راءى يرائي؛ أي عمل عملا ليراه الناس، ويقال: مراءاة، كما يقال: جاهد جهادا ومجاهدة، ويدخل في ذلك من عمل العمل ليسمعه الناس، ويقال له: مسمع، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به» . والرياء خلق ذميم، وهو من صفات المنافقين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء - آية: ١٤٢] . والرياء يبحث في مقامين: المقام الأول: في حكمه. فنقول: الرياء من الشرك الأصغر؛ لأن الإنسان قصد بعبادته غير الله، وقد يصل إلى الأكبر، وقد مثل ابن القيم للشرك الأصغر، فقال: " مثل يسير الرياء "، وهو يدل على أن الرياء كثير قد يصل إلى الأكبر. المقام الثاني: في حكم العبادة إذا خالطها الرياء، وهو على ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل، كمن قام

стр. 3543

يصلي من أجل مراءاة الناس، ولم يقصد وجه الله، فهذا شرك والعبادة باطلة. الثاني: أن يكون مشاركا للعبادة في أثنائها، بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله، ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة. فإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها، فأولها صحيح بكل حال، وباطل آخرها. مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال قد أعدها للصدقة، فتصدق بخمسين مخلصا، وراءى في الخمسين الباقية، فالأولى حكمها صحيح، والثانية باطلة. أما إذا كانت العبادة ينبني آخرها على أولها، فهي على حالين: أ - أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه؛ فإنه لا يؤثر عليه شيئا؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم» . مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصا لله، وفي الركعة الثانية أحس بالرياء فصار يدافعه؛ فإن ذلك لا يضره، ولا يؤثر على صلاته شيئا. ب - أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذ تبطل جميع العبادة؛ لأن آخرها مبني على أولها ومرتبط به. مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصا لله، وفي الركعة الثانية طرأ عليه الرياء لإحساسه بشخص ينظر إليه، فاطمأن لذلك ونزع إليه، فتبطل صلاته كلها لارتباط بعضها ببعض.

стр. 3544

وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] . الآية. ــ الثالث: ما يطرأ بعد انتهاء العبادة، فإنه لا يؤثر عليها شيئا، اللهم إلا أن يكون فيه عدوان؛ كالمن والأذى بالصدقة، فإن هذا العدوان يكون إثمه مقابلا لأجر الصدقة فيبطلها، لقوله تعالى: ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة. وليس من الرياء أيضا أن يفرح الإنسان بفعل الطاعة في نفسه، بل ذلك دليل على إيمانه، وقال النبي ﷺ : «من سرته حسناته وساءته سيئاته، فذلك المؤمن» . (١) وقد سئل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» . قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . يأمر الله نبيه أن يقول للناس: إنما أنا بشر مثلكم، وهو قصر النبي - صلى اله عليه وسلم- على البشرية، وأنه ليس ربا ولا ملكا، وأكد هذه البشرية بقوله: (مثلكم) ، فذكر المثل من باب تحقيق البشرية.

стр. 3545

قوله: (يوحى إلي) . الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:١١] . وفي الشرع: إعلام الله بالشرع. والوحي: هو الفرق بيننا وبينه ﷺ ؛ فهو متميز بالوحي كغيره من الأنبياء والرسل. قوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . هذه الجملة في تأويل مصدر نائب فاعل (يوحى) ، وفيها حصر طريقه (إنما) ، فيكون معناها: ما إلهكم إلا إله واحد، وهو الله، فإذا ثبت ذلك؛ فإنه لا يليق بك أن تشرك معه غيره في العبادة التي هي خالص حقه، ولذلك قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ المراد بالرجاء: الطلب والأمل؛ أي: من كان يؤمل أن يلقى ربه، والمراد باللقيا هنا الملاقاة الخاصة؛ لأن اللقيا على نوعين: الأول: عامة لكل إنسان، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] ، ولذلك قال مفرِّعا على ذلك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧] ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ ... ) الآية [الانشقاق: ١٠] الثاني: الخاصة بالمؤمنين، وهو لقاء الرضا والنعيم، كما في هذه الآية، وتتضمن رؤيته ﵎، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم. فقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ . الفاء رابطة لجواب الشرط، والأمر

стр. 3546

للإرشاد؛ أي: من كان يريد أن يلقى الله على الوجه الذي يرضاه سبحانه؛ فليعمل عملا صالحا، والعمل الصالح: ما كان خالصا صوابا. وهذا وجه الشاهد من الآية. فالخالص: ما قصد به وجه الله، والدليل على ذلك قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» . والصواب: ما كان على شريعة الله، والدليل على ذلك قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد» . ولهذا قال العلماء: هذان الحديثان ميزان الأعمال؛ فالأول: ميزان الأعمال الباطنة. والثاني: ميزان الأعمال الظاهرة. قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾ . لا: ناهية، والمراد بالنهي الإرشاد. قوله: ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ . خص العبادة؛ لأنها خالص حق الله، ولذلك أتى بكلمة " رب " إشارة إلى العلة، فكما أن ربك خلقك، ولا يشاركه أحد في خلقك؛ فيجب أن تكون العبادة له وحده، ولذلك لم يقل: (لا يشرك بعبادة الله) ، فذكر الرب من باب التعليل، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ . وقوله: (أحدا) نكرة في سياق النهي، فتكون عامة لكل أحد. والشاهد من الآية: أن الرياء من الشرك، فيكون داخلا في النهي عنه.

стр. 3547

وعن أبي هريرة مرفوعا: قال: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه» . رواه مسلم. ــ وفي هذه الآية دليل على ملاقاة الله تعالى، وقد استدل بها بعض أهل العلم على ثبوت رؤية الله؛ لأن الملاقاة معناها المواجهة. وفيه دليل على أن الرسول ﷺ بشر لا يستحق أن يعبد؛ لأنه حصر حاله بالبشرية، كما حصر الألوهية بالله. قوله في حديث أبي هريرة: " قال الله تعالى ". هذا الحديث يرويه النبي ﷺ عن ربه، ويسمى هذا النوع بالحديث القدسي. قوله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» . قوله: " أغنى ". اسم تفضيل، وليست فعلا ماضيا، ولهذا أُضيفت إلى الشركاء. يعني: إذا كان بعض الشركاء يستغني عن شركته مع غيره، فالله أغنى الشركاء عن المشاركة. فالله لا يقبل عملا له فيه شرك أبدا، ولا يقبل إلا العمل الخالص له وحده، فكما أنه الخالق له وحده، فكيف تصرف شيئا من حقه إلى غيره؟ ! فهذا ليس عدلا، ولهذا قال الله عن لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ،

стр. 3548

فالله الذي خلقك، وأعدك إعدادا كاملا بكل مصالحك، وأمدك بما تحتاج إليه، ثم تذهب وتصرف شيئا من حقه إلي غيره؟ ! فلا شك أن هذا من أظلم الظلم. قوله: " عملا ". نكرة في سياق الشرط، فتعم أي عمل من صلاة، أو صيام، أو حج، أو جهاد، أو غيره. قوله: " تركته وشركه ". أي: لم أثبه على عمله الذي أشرك فيه. وقد يصل هذا الشرك إلى حد الكفر، فيترك الله جميع أعماله؛ لأن الشرك يحبط الأعمال إذا مات عليه. والمراد بشركه: عمله الذي أشرك فيه، وليس المراد شريكه؛ لأن الشريك الذي أشرك به مع الله قد لا يتركه، كمن أشرك نبيا أو وليا؛ فإن الله لا يترك ذلك النبي والولي. ويستفاد من هذا الحديث: ١ - بيان غنى الله تعالى؛ لقوله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» . ٢ - بيان عظم حق الله، وأنه لا يجوز لأحد أن يشرك أحدا مع الله في حقه. ٣ - بطلان العمل الذي صاحبه الرياء؛ لقوله: " تركته وشركه ". ٤ - تحريم الرياء؛ لأن ترك الإنسان وعمله، وعدم قبوله يدل على الغضب، وما أوجب الغضب، فهو محرم. ٥ - أن صفات الأفعال لا حصر لها؛ لأنها متعلقة بفعل الله، ولم يزل الله ولا يزال فعالا.

стр. 3549

وعن أبي سعيد مرفوعا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلي. قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يري من نظر رجل إليه» . رواه أحمد (١) ــ قوله في حديث أبي سعيد: " ألا ". أداة عَرض، والغرض منه تنبيه المخاطب، فهو أبلغ من عدم الإتيان بها. قوله: " بما هو ". ما: اسم موصول بمعنى الذي. قوله: «أخوف عليكم عندي» . أي عند الرسول ﷺ ؛ لأنه ﷺ من رحمته بالمؤمنين يخاف عليهم كل الفتن، وأعظم فتنة في الأرض هي فتنة المسيح الدجال، لكن خوف النبي ﷺ من فتنة هذا الشرك الخفي أشد من خوفه من فتنة المسيح الدجال، وإنما كان كذلك؛ لأن التخلص منه صعب جدا، ولذلك قال بعض السلف: " ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص "، وقال النبي ﷺ : «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» ، ولا يكفي مجرد اللفظ بها، بل لا بد من إخلاص وأعمال يتعبد بها الإنسان لله . قوله: " المسيح الدجال ". المسيح؛ أي: ممسوح العين اليمنى، فذكر النبي ﷺ عيبين في الدجال:

стр. 3550

أحدهما: حسي، وهو أن الدجال أعور العين اليمنى؛ كما قال النبي ﷺ : «إن الله لا يخفى عليكم، إنه ليس بأعور وإن الدجال أعور العين اليمنى» . والثاني: معنوي، وهو الدجال، فهو صيغة مبالغة، أو يقال بأنه نسبة إلى وصف الملازم له، وهو الدجل والكذب والتمويه، وهو رجل من بني آدم، ولكن الله بحكمته يخرجه ليفتن الناس به، وفتنته عظيمة؛ إذ ما في الدنيا منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أشد من فتنة الدجال. والمسيح الدجال ثبتت به الأحاديث، واشتهرت حتى كان من المعلوم بالضرورة؛ لأن النبي ﷺ أمر أمته أن يتعوذوا بالله منه في كل صلاة، وقد حاول بعض الناس إنكاره وقالوا: ما ورد من صفته متناقض ولا يمكن أن يصدق به، ولكن هؤلاء يقيسون الأحاديث بعقولهم وأهوائهم، وقدرة الله بقدرتهم، ويقولون: كيف يكون اليوم عن سنة والشمس لها نظام لا تتعداه؟ وهذا لا شك جهل منهم بالله؛ فالذي جعل هذا النظام هو الله، وهو القادر على أن يغيره متى شاء؛ فيوم القيامة تُكَوَّر الشمس، وتتكدر النجوم، وتكشط السماء، كل ذلك بكلمة " كن "، وردّ هذه الأحاديث بمثل هذه التعاليل دليل على ضعف الإيمان، وعدم تقدير الله حق قدره، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . فالذي نؤمن به أنه سَيَخرُج في آخر الزمان، ويحصل منه كل ما ثبت عن الرسول ﷺ . ونؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه قادر على أن يبعث على الناس

стр. 3551

من يفتنهم عن دينهم؛ ليتميز المؤمن من الكافر والخبيث من الطيب، مثل ما ابتلى الله بني إسرائيل بالحيتان يوم سبتهم شرّعا، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ومثل ما ابتلى الله المؤمنين بأن أرسل عليهم الصيد وهم حُرُم، تناله أيديهم ورماحهم؛ ليعلم الله من يخافه بالغيب، وقد يبتلي الله أفراد الناس بأشياء يمتحنهم بها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] . قوله: " الشرك الخفي ". الشرك قسمان: خفي، وجلي. فالجَلي: ما كان بالقول، مثل الحلف بغير الله، أو قول ما شاء الله وشئت، أو بالفعل مثل: مثل الانحناء لغير الله تعظيما. والخفي: ما كان في القلب، مثل: الرياء؛ لأنه لا يبين، إذ لا يعلم ما في القلوب إلا الله، ويسمى أيضا " شرك السرائر ". وهذا هو الذي بينه الله بقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ؛ لأن الحساب يوم القيامة على السرائر، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠] ، وفي الحديث الصحيح فيمن كان يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله: أنه «يلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه، فيدور عليها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيسألونه، فيخبرهم أنه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله» . قوله: «يقوم الرجل، فيصلي فيزين صلاته» . يتساوى في ذلك الرجل

стр. 3552

والمرأة، والتخصيص هنا يسمى مفهوم اللَّقب، أي أن الحكم يُعَلَّق بما هو أشرف، لقصد التخصيص، ولكن لضرب المثل. قوله: " فيزين صلاته ". أي: يحسنها بالطمأنينة، ورفع اليدين عند التكبير، ونحو ذلك. قوله: «لما يرى من نظر الرجل إليه» . " ما " موصولة، وحذف العائد؛ أي: للذي يراه من نظر رجل، وهذه هي العلة لتحسين الصلاة؛ فقد زين صلاته ليراه هذا الرجل، فيمدحه بلسانه، أو يعظمه بقلبه، وهذا شرك.

стр. 3553

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الكهف. الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء. الخامسة: خوف النبي ﷺ -على أصحابه من الرياء. ــ فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الكهف، وسبق الكلام عليها. الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. وذلك لقوله: " تركته وشركه "، وصار عظيما؛ لأنه ضاع على العامل خسارا، وفحوى الحديث تدل على غضب الله من ذلك. الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. يعني: الموجب للرد هو كمال غنى الله عن كل عمل فيه شرك، وهو غني عن كل عمل، لكن العمل الصالح يقبله ويثيب عليه. الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء. أي: من أسباب رد العمل إذا أشرك فيه العامل مع الله أحدا، أن الله خير الشركاء، فلا ينازع من جعل شريكا له فيه. الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء. وذلك لقوله ﷺ «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال» . وإذا كان يخاف ذلك على أصحابه، فالخوف على من بعدهم من ذلك من باب أولى.

стр. 3554

السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر الرجل إليه. ــ السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه. وهذا التفسير ينطبق تماما على الرياء؛ فيكون أخوف علينا عند رسوله ﷺ من المسيح الدجال. ولم يذكر المؤلف مسألة خوف النبي ﷺ على أمته من المسيح الدجال؛ لأن المقام في الرياء لا فيما يخافه النبي ﷺ على أمته.

стр. 3555

باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا ــ قوله: " من الشرك ". " من " للتبعيض؛ أي: بعض الشرك. قوله: " الدنيا ". مفعول بإرادة؛ لأن إرادة مصدر مضاف إلى فاعله، وإذا أردت أن تعرف المصدر إن كان مضافا إلى فاعله أو مفعوله، فحوله إلى فعل مضارع مقرون بأن، فإذا قلنا: باب من الشرك أن يريد الإنسان بعمله الدنيا، فالإنسان فاعل، وعلى هذا، فإرادة مصدر مضاف إلى فاعله، والدنيا مفعول به. وعنوان الباب له ثلاثة احتمالات: الأول: أن يكون مكررا مع ما قبله، وهذا بعيد أن يكتب المؤلف ترجمتين متتابعتين لمعنى واحد. الثاني: أن يكون الباب الذي قبله أخص من هذا الباب؛ لأنه خاص في الرياء، وهذا أعم، وهذا محتمل. الثالث: أن يكون هذا الباب نوعا مستقلا عن الباب الذي قبله، وهذا هو الظاهر؛ لأن الإنسان في الباب السابق، يعمل رياء، يريد أن يمدح في العبادة، فيقال: هو عابد، ولا يريد النفع المادي. وفي هذا الباب لا يريد أن يمدح بعبادته، ولا يريد المراءاة، بل يعبد الله مخلصا له، ولكنه يريد شيئا من الدنيا كالمال، والمرتبة، والصحة في نفسه، وأهله وولده وما أشبه ذلك، فهو يريد بعمله نفعا في الدنيا، غافلا عن ثواب الآخرة.

стр. 3556

أمثلة تبين كيفية إرادة الإنسان بعمله الدنيا: ١ - أن يريد المال؛ كمن أذن ليأخذ راتب المؤذن، أو حج ليأخذ المال. ٢ - أن يريد المرتبة؛ كمن تعلم في كلية ليأخذ الشهادة فترتفع مرتبته. ٣ - أن يريد دفع الأذى والأمراض والآفات عنه؛ كمن تعبد الله كي يجزيه الله بهذا في الدنيا بمحبة الخلق له ودفع السوء عنه، وما أشبه ذلك. ٤ - أن يتعبد لله يريد صرف وجوه الناس إليه بالمحبة والتقدير. وهناك أمثلة كثيرة. تنبيه: فإن قيل: هل يدخل من يتعلمون في الكليات، أو غيرها يريدون شهادة، أو مرتبة بتعلمهم؟ فالجواب: أنهم يدخلون في ذلك إذا لم يريدوا غرضا شرعيا، فنقول لهم: أولا: لا تقصدوا بذلك المرتبة الدنيوية، بل اتخذوا هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة، وبذلك تكون النية سليمة. ثانيا: أن من أراد العلم لذاته قد لا يجده إلا في الكليات، فيدخل الكلية، أو نحوها لهذا الغرض، وأما بالنسبة للمرتبة، فإنها لا تهمه. ثالثا: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين؛ - حسنى الدنيا وحسنى الآخرة -، فلا شيء عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣ - ٢] ، فرغبه في التقوى بذكر المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا يحتسب.

стр. 3557

فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال إنه مخلص مع أنه أراد المال مثلا؟ أجيب: إنه أخلص العبادة، ولم يرد بها الخلق إطلاقا، فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم، بل قصد أمرا ماديا، فإخلاصه ليس كامل؛ لأن فيه شركا، ولكن ليس كشرك الرياء يريد أن يمدح بالتقرب إلى الله، وهذا لم يرد مدح الناس بذلك، بل أراد شيئا دنيئا غيره. ولا مانع أن يدعو الإنسان في صلاته ويطلب أن يرزقه الله المال، ولكن لا يصلي من أجل هذا الشيء، فهذه مرتبة دنيئة. أما طلب الخير في الدنيا بأسبابه الدنيوية؛ كالبيع، والشراء، والزراعة، فهذا لا شيء فيه، والأصل أن لا نجعل في العبادات نصيبا من الدنيا، وقد سبق البحث في حكم العبادة إذا خالطها الرياء في باب الرياء. ملاحظة: بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية. فمثلا يقولون: في الصلاة رياضة وإفادة الأعصاب، وفي الصيام فائدة إزالة الرطوبة وترتيب الوجبات، والمفروض ألا نجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن الله لم يذكر ذلك في كتابه، بل ذكر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن الصوم أنه سبب للتقوى؛ فالفوائد الدينية في العبادات هي الأصل والدنيوية ثانوية، لكن عندما نتكلم عند عامة الناس، فإننا نخاطبهم بالنواحي الدينية، وعندما نتكلم عند من لا يقتنع إلا بشيء مادي؛ فإننا نخاطبه بالنواحي الدينية والدنيوية، ولكل مقام مقال.

стр. 3558

وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥] الآية. ــ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: البقاء في الدنيا. قوله: (وزينتها) . أي: المال، والبنين، والنساء، والحرث، والأنعام، والخيل المسومة، كما قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] . قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ فعل مضارع معتل الآخر، مجزوم بحذف حرف العلة - الياء -؛ لأنه جواب الشرط. والمعني: أنهم يعطون ما يريدون في الدنيا، ومن ذلك الكفار لا يسعون إلا للدنيا وزينتها، فعجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] . ولهذا «لما بكى عمر حين رأى النبي ﷺ قد أثر في جنبه الفراش، فقال: " ما يبكيك؟ ". قال: يا رسول الله! كسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من نعيم وأنت على هذا الحال. فقال رسول الله ﷺ : " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم» ، وفي الحقيقة هي ضرر عليهم؛ لأنهم إذا انتقلوا من دار النعيم إلى

стр. 3559

الجحيم، صار عليهم أشد وأعظم في فقد ما متعوا به في الدنيا. قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ . البخس: النقص؛ أي: لا ينقصون مما يجازون فيه؛ لأن الله عدل لا يظلم، فيعطون ما أرادوه. قوله: (أولئك) . المشار إليه الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها. قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ . فيه حصر، وطريقة النفي والإثبات، وهذا يعني أنهم لن يدخلوا الجنة؛ لأن الذي ليس له إلا النار محروم من الجنة والعياذ بالله. قوله: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ . الحبوط: الزوال؛ أي: زال عنهم ما صنعوا في الدنيا. قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . (باطل) : خبر مقدم لأجل مراعاة الفواصل في الآيات والمبتدأ " ما " في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، فأثبت الله أنه ليس لهؤلاء إلا النار، وأن ما صنعوا في الدنيا قد حبط، وأن أعمالهم باطلة. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ مخصوصة بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] . فإن قيل: لماذا لا نجعل آية هود حاكمة على آية الإسراء، ويكون الله توعد من يريد العاجلة في الدنيا أن يجعل له ما يشاء لمن يريد؟ ثم وعد أن يعطيه ما يشاء؟ أجيب: إن هذا المعنى لا يستقيم لأمرين: أولا: أن القاعدة الشرعية في النصوص أن الأخص مقدم على الأعم، وآية هود عامة؛ لأن كل من أراد الحياة الدنيا وزينتها وفي إليه العمل، وأعطي ما

стр. 3560

أراد أن يعطى، أما آية الإسراء، فهي خاصة: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] ، ولا يمكن أن يحكم بالأعم على الأخص. الثاني: أن الواقع يشهد على ما تدل عليه آية الإسراء؛ لأن في فقراء الكفار من هو أفقر من فقراء المسلمين؛ فيكون عموم آية هود مخصوصا بآية الإسراء، فالأمر موكول إلى مشيئة الله وفيمن يريده. واختلف فيمن نزلت فيه آية هود: ١ - قيل: نزلت في الكفار؛ لأن الكافر لا يريد إلا الحياة الدنيا، ويدل لهذا سياقها والجزاء المرتب على هذا، وعليه يكون وجه مناسبتها للترجمة أنه إذا كان عمل الكافرين يراد به الدنيا، فكل من شاركهم في شيء من ذلك؛ ففيه شيء من شر كهم وكفرهم. ٢ - وقيل: نزلت في المرائين؛ لأنهم لا يعملون إلا للدنيا، فلا ينفعهم يوم القيامة. ٣ - وقيل: نزلت فيمن يريد مالا بعمله الصالح. والسياق يدل للقول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] . تنبيه: اقتصر المؤلف ﵀ على الإشارة إلى تكميل الآية الأولى، وزدنا الآية التالية سهوا وعسى أن يكون خيرا.

стр. 3561

وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: «تعس عبد الدينار؛ تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة؛ إن أعطي رضي، وإن لم يعط؛ سخط، تعس وانتكس؛ وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن إستاذن لم يؤذن له، وإن شفع، لم يشفع» . ــ قوله: " وفي الصحيح عن أبي هريرة ". سبق الكلام على قول المؤلف: " وفي الصحيح " في باب تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله. قوله " تعس ". بفتح العين، أو كسرها؛ أي خاب وهلك. قوله: " عبد الدينار ". الدينار: هو النقد من الذهب، والدينار الإسلامي زنته مثقال، وسماه عبد الدينار؛ لأنه تعلق به تعلق العبد بالرب، فكان أكبر همه، وقدمه على طاعة ربه، ويقال في عبد الدرهم ما قيل في عبد الدينار، والدرهم هو النقد من الفضة، وزنة الدرهم الإسلامي سبعة أعشار المثقال؛ فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أراد المؤلف لهذا الحديث أن يتبين أن من الناس من يعبد الدنيا؛ أي: يتذلل لها ويخضع لها، وتكون مناه وغايته، فيغضب إذا فقدت ويرضى إذا وجدت، ولهذا سمى النبي ﷺ من هذا شأنه عبدا لها، وهذا من يعنى بجمع

стр. 3562

المال من الذهب والفضة، فيكون مريدا بعمله الدنيا. قوله: «تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» . وهذا من يعني بمظهره، وأثاثه؛ لأن الخميصة كساء جميل، والخميلة فراش وثير، ليس له هم إلا هذا الأمر، فإذا كان عابدا لهذه الأمور؛ لأنه صرف لها جهوده وهمته؛ فكيف بمن أراد بالعمل الصالح شيئا من الدنيا، فجعل الدين وسيلة للدنيا؟ ! فهذا أعظم. قوله: «إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط» . يحتمل أن يكون المعطي هو الله، فيكون الإعطاء قدريا؛ أي: إن قدر الله له الرزق والعطاء رضي وانشرح صدره، وإن منع وحرم المال سخط بقلبه وقوله، كأن يقول: لماذا كنت فقيرا وهذا غنيا؟ وما أشبه ذلك؛ فيكون ساخطا على قضاء الله وقدره؛ لأن الله منعه. والله يعطي ويمنع لحكمة، ويعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب. والواجب على المؤمن أن يرضى بقضاء الله وقدره؛ إن أعطي شكر، وأن منع صبر. ويحتمل أن يراد بالإعطاء هنا الإعطاء الشرعي؛ أي: إن أعطي من مال يستحقه من الأموال الشرعية رضي، وإن لم يعط سخط، وكلا المعنيين حق، وهما يدلان على أن هذا الرجل لا يرضى إلا للمال، ولا يسخط إلا له، ولهذا سماه الرسول ﷺ عبدا له. قوله: " تعس وانتكس ". تعس؛ أي: خاب وهلك، وانتكس، أي: انتكست عليه الأمور بحيث لا تتيسر له، فكلما أراد شيئا انقلبت عليه الأمور خلاف ما يريد، ولهذا قال: " وإذا شيك فلا انتقش ". أي إذا أصابته شوكة؛ فلا يستطيع أن يزيل ما

стр. 3563

يؤذيه عن نفسه. وهذه الجمل الثلاث يحتمل خبرا منه ﷺ عن حال هذا الرجل، وأنه في تعاسة وانتكاس، وعدم خلاص من الأذى، ويحتمل أن يكون من باب الدعاء على من هذه حاله؛ لأنه لا يهتم إلا للدنيا، فدعا عليه أن يهلك، وأن لا يصيب من الدنيا شيئا، وأن لا يتمكن من إزالة ما يؤذيه، وقد يصل إلى الشرك عندما يصده ذلك عن طاعة الله حتى أصبح لا يرضى إلا للمال، ولا يسخط إلا له. قوله: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله» . هذا عكس الأول؛ فهو لا يهتم للدنيا، وإنما يهتم للآخرة، فهو في استعداد دائم للجهاد في سبيل الله. و" طوبى ". فُعلى من الطيب، وهي اسم تفضيل، فأطيب للمذكر، وطوبى للمؤنث، والمعني: أطيب حال تكون لهذا الرجل، وقيل: إن طوبى شجرة في الجنة، والأول أعم؛ كما قالوا في ويل: كلمة وعيد، وقيل: واد في جهنم، والأول أعم. وقوله: " آخذ بعنان فرسه ". أي: ممسك بمقود فرسه الذي يقاتل عليه. قوله: " في سبيل الله ". ضابطه أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا للحمية، أو الوطنية، أو ما أشبه ذلك، لكن إن قاتل وطنية، وقصد حماية وطنه لكونه بلدا إسلاميا يجب الذود عنه؛ فهو في سبيل الله، وكذلك من قاتل دفاعا عن نفسه، أو ماله، أو أهله، فإن النبي ﷺ قال: «من قُتل دون ذلك، فهو شهيد» ، فأما من قاتل للوطنية المحضة، فليس في سبيل الله؛ لأن هذا قتال عصبية يستوي فيه المؤمن والكافر، فإن الكافر يقاتل من أجل وطنه. قوله: «أشعث رأسه، مغبرة قدماه» . أي: رأسه أشعث من الغبار في سبيل

стр. 3564

الله، فهو لا يهتم بحاله ولا بدنه ما دام هذا الأمر ناتجا عن طاعة الله ، وقدماه مغبرة في السير في سبيل الله، وهذا دليل على أن أهم شيء عنده هو الجهاد في سبيل الله، أما أن يكون شعره، أو ثوبه، أو فراشه نظيفا، فليس له هم فيه. قوله: «إن كان في الحراسة؛ فهو في الحراسة، وإن كان في الساقة؛ فهو في الساقة» . الحراسة والساقة ليست من مقدم الجيش، فالحراسة: أن يحرس الإنسان الجيش، والساقة: أن يكون في مؤخرته، وللجملتين معنيان: أحدهما: أنه لا يبالي أين وضع، إن قيل له: احرس حرس، وإن قيل له: كن في الساقة كان فيها، فلا يطلب مرتبة أعلى من هذا المحل، كمقدم الجيش مثلا. الثاني: إن كان في الحراسة أدى حقها، وكذا إن كان في الساقة، والحديث الصالح لمعنيين، يحمل عليهما جميعا إذا لم يكن بينهما تعارض، ولا تعارض هنا. قوله: «إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع» . أي: هو عند الناس ليس له جاه ولا شرف، حتى إن استأذن لم يؤذن له، وهكذا عند أهل السلطة ليس له مرتبة؛ فإن شفع لم يشفع، ولكنه وجيه عند الله، وله المنزلة العالية؛ لأنه يقاتل في سبيله. والشفاعة: هي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة. والاستئذان: طلب الإذن بالشيء. والحديث قسم الناس إلى قسمين: الأول: ليس له هم إلا الدنيا؛ أما لتحصيل المال، أو لتجميل الحال؛ فقد

стр. 3565

استعبدت قلبه حتى أشغلته عن ذكر الله وعبادته. الثاني: أكبر همه الآخرة؛ فهو يسعى لها في أعلى ما يكون مشقة وهو الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك أدى ما يجب عليه من جميع الوجوه. ويستفاد من الحديث: ١ - أن الناس قسمان كما سبق. ٢ - أن الذي ليس له هم إلا الدنيا قد تنقلب عليه الأمور، ولا يستطيع الخلاص من أدنى أذية وهي الشوكة، بخلاف الحازم الذي لا تهمه الدنيا، بل أراد الآخرة ولم ينس نصيبه من الدنيا، وقنع بما قدره الله له. ٣ - أنه ينبغي لمن جاهد في سبيل الله ألا تكون همه المراتب، بل يكون همه القيام بما يجب عليه، إما في الحراسة، أو الساقة، أو القلب، أو الجنب، حسب المصلحة. ٤ - أن دنو مرتبة الإنسان عند الناس لا يستلزم منه دنو مرتبته عند الله ، فهذا الرجل الذي إن شفع لم يشفع، وإن استأذن لم يؤذن له قال فيه الرسول ﷺ : " طوبى له "، ولم يقل: إن سأل لم يعط، بل لا تهمه الدنيا حتى يسأل عنها، لمن يهمه الخير فيشفع للناس، ويستأذن للدخول على ذوي السلطة للمصالح العامة.

стр. 3566

فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود. الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة. الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط. الخامسة: قوله " تعس وانتكس ". ــ فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. وهذا من الشرك؛ لأنه جعل عمل الآخرة وسيلة لعمل الدنيا، فيطغى قلبه حب الدنيا حتى يقدمها على الآخرة، والحزم والإخلاص أن يجعل عمل الدنيا للآخرة. الثانية: تفسير آية هود. وقد سبق ذلك. الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة. وهذه العبودية لا تدخل في الشرك ما لم يصل بها إلى حد الشرك، ولكنها نوع آخر يخل بالإخلاص؛ لأنه جعل في قلبه محبة زاحمت محبة الله ومحبة أعمال الآخرة. الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط. هذا تفسير لقوله ﷺ : «عبد الدينار، عبد الدرهم، عبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط» ، وهذه علامة عبوديته لهذه الأشياء أن يكون رضاه وسخطه تابعا لهذه الأشياء. الخامسة: قوله: " تعس وانتكس ".

стр. 3567

السادسة: قوله: " وإذا شيك فلا انتقش ". السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. ــ السادسة: قوله: " إذا شيك فلا انتقش " يحتمل أن تكون الجمل الثلاث خبرا، أو دعاء، وسبق شرح ذلك. السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. فقوله في الحديث: «" طوبى لعبد....» يدل على الثناء عليه، وأنه هو الذي يستحق أن يمدح لا أصحاب الدراهم والدنانير، وأصحاب الفرش والمراتب.

стр. 3568

باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا ــ قوله: " من أطاع العلماء ". " من " يحتمل أن تكون شرطية؛ بدليل قوله: " فقد اتخذهم "؛ لأنه جواب الشرط، ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: " باب الذي أطاع العلماء ". قوله: " فقد اتخذهم ". خبر المبتدأ، وقرنت بالفاء؛ لأن الاسم الموصول كالشرط في العموم، وعلى الأول تقرأ: " باب " بالتنوين، وعلى الثاني بدون تنوين، والأول أحسن. والمراد بالعلماء: العلماء بشرع الله، والأمراء: أولو الأمر المنفذون له، وهذان الصنفان هم المذكوران في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، فجعل الله طاعته مستقلة، وطاعة رسوله مستقلة، وطاعة أولي الأمر تابعة، ولهذا لم يكرر الفعل (أطيعوا) ؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأولو الأمر: هم أولو الشأن، وهم العلماء؛ لأنه يستند إليهم في أمر الشرع والعلم به، والأمراء؛ لأنه يستند إليهم في تنفيذ الشرع وإمضائه، وإذا استقام العلماء والأمراء استقامت الأمور، وبفسادهم تفسد الأمور؛ لأن العلماء أهل الإرشاد والدلالة، والأمراء أهل الإلزام والتنفيذ. قوله: " في تحريم ما أحل الله ". أي: في جعله حراما؛ أي: عقيدة أو عملا. " أو تحليل ما حرم الله ". أي: في جعله حلالا عقيدة أو عملا؛ فتحريم ما

стр. 3569

وقال ابن عباس: " «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء،» ــ أحل الله لا ينقص درجة في الإثم عن تحليل ما حرم الله، وكثير من ذوي الغيرة من الناس تجدهم يميلون إلى تحريم ما أحل الله أكثر من تحليل الحرام، بعكس المتهاونين، وكلاهما خطأ، ومع ذلك، فإن تحليل الحرام فيما الأصل فيه الحل أهون من تحريم الحلال؛ لأن تحليل الحرام إذا لم يتبين تحريمه فهو مبني على الأصل، وهو الحل، ورحمة الله - سبحانه - سبقت غضبه، فلا يمكن أن نحرم إلا ما تبين تحريمه؛ ولأنه أضيق وأشد، والأصل أن تبقى الأمور على الحل والسعة حتى يتبين التحريم. أما في العبادات فيشدد؛ لأن الأصل المنع والتحريم حتى يبينه الشرع كما قيل: والأصل في الأشياء حل ... وامنع عبادة إلا بإذن الشارع قوله: " أربابا ". جمع رب، وهو المتصرف المالك. والتصرف نوعان: تصرف قدري، وتصرف شرعي. فمن أطاع العلماء في مخالفة أمر الله ورسوله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله باعتبار التصرف الشرعي؛ لأنه اعتبرهم مشرعين، واعتبر تشريعهم شرعا يعمل به، وبالعكس الأمراء. قول ابن عباس: " حجارة من السماء ". أي: من فوق تنزل عليكم عقوبة لكم، ونزول الحجارة من السماء ليس بالأمر المستحيل، بل هو ممكن، قال تعالى في أصحاب الفيل: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٣ - ٤] ،

стр. 3570

«أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!» . ــ وقال تعالى في قوم لوط: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] . والحاصب: الحجارة تحصبهم من السماء. قوله: " أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ! ". أبو بكر وعمر أفضل هذه الأمة، وأقربها إلى الصواب، قال النبي - صلي الله عليه وسلم -: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» (١) . رواه مسلم، وروي عنه ﷺ ، أنه قال: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» . (٢) وقال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» . (٣) ولم يعرف عن أبي بكر أنه خالف نصا في رأيه، فإذا كان قول أبي بكر وعمر إذا عارض الإنسان بقولهما قول الرسول ﷺ ، فإنه يوشك أن تنزل عليه حجارة من السماء؛ فما بالك بمن يعارض قوله ﷺ بمن هو دون أبي بكر وعمر؟ ! والفرق بين ذلك كما بين السماء والأرض؛ فيكون هذا أقرب للعقوبة.

стр. 3571

وقال أحمد بن حنبل: " عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ". ــ وفي الأثر التحذير عن التقليد الأعمى والتعصب المذهبي الذي ليس مبنيا على أساس سليم. وبعض الناس يرتكب خطأ فاحشا إذا قيل له: قال رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، قال: لكن في الكتاب الفلاني كذا وكذا؛ فعليه أن يتقي الله الذي قال في كتابه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] ، ولم يقل ماذا أجبتم فلانا وفلانا، أما صاحب الكتاب، فإنه إن علم أنه يحب الخير، ويريد الحق، فإنه يدعى له بالمغفرة والرحمة إذا أخطأ، ولا يقال: إنه معصوم، يعارض بقوله قول الرسول ﷺ . قول أحمد ﵀: " عجبت " العجب نوعان: الأول: عجب استحسان؛ كما في حديث عائشة ﵂: «كان الرسول ﷺ يعجبه التيمن في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله» .

стр. 3572

الثاني: عجب إنكار؛ كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] ، والعجب في كلام الإمام أحمد هنا عجب إنكار. قوله: " الإسناد ". المراد به هنا رجال السند لا نسبة الحديث إلى راويه؛ أي: عرفوا صحة الحديث بمعرفة رجاله. قوله: " يذهبون إلى رأي سفيان ". أي: سفيان الثوري؛ لأنه صاحب المذهب المشهور، وله أتباع لكنهم انقرضوا، فهم يذهبون إلى رأي سفيان، وهو من الفقهاء ويتركون ما جاء به الحديث! قوله: " والله يقول: (فليحذر) ". الفاء عاطفة، واللام للأمر؛ ولهذا سكنت، وجزم الفعل بها، لكن حرك بالكسر، لالتقاء الساكن. قوله: (عن أمره) . الضمير يعود للرسول ﷺ ؛ بدليل أول الآية قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] . فإن قيل: لماذا عدي الفعل بـ: (عن) مع أن (يخالف) يتعدى بنفسه؟ . أجيب: أن الفعل ضمن معنى الإعراض، أي: يعرضون عن أمره زهدا فيه، وعدم مبالاة به. و (أمره) : واحد الأوامر، وليس واحد الأمور؛ لأن الأمر هو الذي يخالف فيه، وهو مفرد مضاف، فيعم جميع الأوامر. (فتنة) . الفتنة: فسرها الإمام أحمد بالشرك، وعلى هذا يكون الوعد بأحد أمرين: إما الشرك، وإما العذاب الأليم.

стр. 3573

وعن عدي بن حاتم: أنه «سمع النبي - صلي الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " فقلت: بلى، قال: " فتلك عبادتهم» . (١) رواه أحمد والترمذي وحسنه ــ قوله في حديث عدي بن حاتم: (اتخذوا) . الضمير يعود للنصارى؛ لأن اليهود لم يتخذوا المسيح ابن مريم إلها، بل ادعوا أنه ابن زانية، وحاولوا قتله، وادعوا أنهم قتلوه، ويحتمل أن يعود الضمير لليهود والنصارى جميعا، ويختص النصارى باتخاذ المسيح ابن مريم، وهذا هو المتبادر من السياق مع الآية التي قبلها. قوله: ( ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ . الأحبار: جمع حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها، وهو العالم الواسع العلم، والرهبان: جمع راهب، وهو العابد الزاهد. قوله: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . أي: مشاركين لله في التشريع؛ لأنهم يحلون ما حرم الله، فيحله هؤلاء الأتباع، ويحرمون ما أحل الله فيحرمه الأتباع. قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ . أي: اتخذوه إلها مع الله، بدليل قوله

стр. 3574

تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ، والعبادة: التذلل والخضوع، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي. قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ . هو الله ، وإله؛ أي: مألوه معبود مطاع، وليس بمعنى آله؛ أي: قادر على الاختراع، فإن هذا المعنى فاسد، ذهب إليه المتكلمون أو عامتهم، فيكون معنى (لا إله إلا الله) على هذا القول: لا رب إلا الله، وهذا ليس بالتوحيد المطلوب بهذه الكلمة؛ إذ لو كان كذلك لكان المشركون الذين قاتلهم رسول الله ﷺ موحدين؛ لأنهم يقولون: لا رب إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] . وهذه إحدى القراءتين، وهي سبعيه. قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . " سبحان ": اسم مصدر، وهي معمول، أو مفعول لفعل محذوف وجوبا تقديره يسبح سبحانا، أي: تسبيحا؛ لأن اسم المصدر بمعنى المصدر، فسبحان: مفعول مطلق عاملها محذوف وجوبا، وهي ملازمة للإضافة: إما إلى مضمر، كما في الآية: (سبحانه) ، أو إلى مظهر، كما في ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ . والتسبيح: التنزيه؛ أي: تنزيه الله عن كل نقص، ولا يحتاج أن نقول: ومماثلة المخلوقين؛ لأن المماثلة نقص، ولكن إذا قلناها، فذلك من باب زيادة الإيضاح حتى لا يظن أن تمثيل الخالق بالمخلوق في الكمال من باب الكمال، فيكون المعنى: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به من نقص، أو مماثلة المخلوقين. وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: مما سواه من المسيح ابن مريم، والأحبار والرهبان، فهو متنزه عن كل شرك وعن كل مشرك به. قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . هذا من البلاغة في القرآن؛ لأنها جاءت محتملة

стр. 3575

أن تكون " ما " مصدرية، فيكون المعنى عن شركهم، أو موصولة، ويكون المعنى: سبحان الله عن الذين يشركون به، وهي صالحة للأمرين؛ فتكون شاملة لهما؛ لأن الصحيح جواز استعمال المشترك في معنييه إذا لم يكن بينهما تعارض، فيكون التنزيه عن الشرك وعن المشرك به. قوله: " إنا لسنا نعبدهم ". أي: لا نعبد الأحبار والرهبان، ولا نسجد لهم، ولا نركع، ولا نذبح، ولا ننذر لهم، وهذا صحيح بالنسبة للأحبار والرهبان، بدليل قوله: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ !» . فإن هذا الوصف لا ينطبق على عيسى أبدا؛ لأنه رسول الله، فما أحله فقد أحله الله، وما حرمه فقد حرمه الله، وقد حاول بعض الناس أن يعل الحديث لهذا المعنى مع ضعف سنده، والحديث حسنه الترمذي، والألباني، وآخرون، وضعفه آخرون. ويجاب على التعليل المذكور بأن قول عدي: «لسنا نعبدهم» . يعود على الأحبار والرهبان، أما عيسى ابن مريم، فالمعروف أنهم يعبدونه. وبدأ بتحريم الحلال؛ لأنه أعظم من تحليل الحرام، وكلاهما محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] . قوله: " فتلك عبادتهم ". ووجه كونها عبادة: أن من معنى العبادة الطاعة، وطاعة غير الله عبادة للمطاع، ولكن بشرط أن تكون في غير طاعة الله، أما إذا كانت في طاعة الله فهي عبادة لله؛ لأنك أطعت غير الله في طاعة الله، كما لو أمرك أبوك بالصلاة فصليت، فلا تكون قد أباك أبوك بطاعتك له، ولكن عبدت الله؛ لأنك أطعت غير الله في طاعة الله؛ ولأن أمر غير الله بطاعة الله
следующие страницы →