← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

صفة لوجه وليست صفة لرب، فإذا كان الوجه موصوفا بالجلال والإكرام، فلا يمكن أن يراد به الثواب أو الجهة أو الذات وحدها؛ لأن الوجه غير الذات. وقال أهل التعطيل: أن الوجه عبارة عن الذات أو الجهة أو الثواب، قالوا: ولو أثبتنا لله وجها للزم أن يكون جسما، والأجسام متماثلة، ويلزم من ذلك لإثبات المثل لله ، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وإثبات المثل تكذيب للقرآن، وأنتم يا أهل السنة تقولون: إن من اعتقد أن لله مثيلا فيما يختص به فهو كافر، فنقول لهم: أولا: ما تعنون بالجسم الذي فررتم منه، أتعنون به المُركَّب من عظام وأعصاب ولحم ودم بحيث يفتقر كل جزء منه إلى الآخر؟ إن أردتم ذلك، فنحن نوافقكم أن الله ليس على هذا الوجه ولا يمكن أن يكون كذلك، وإن أردتم بالجسم الذات الحقيقية المتصفة بصفات الكمال، فلا محذور في ذلك، والله تعالى وصف نفسه بأنه أحد صمد، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] ، قال ابن عباس ﵄: الصمد: الذي لا جوف له. (١) ثانيا: قولكم: إن الأجسام متماثلة قضية من أكذب القضايا، فهل جسم الدب مثل جسم النملة؟ فبينهما تباين عظيم في الحجم والرقة واللين وغير ذلك. فإذا بطلت هذه الحجة بطلت النتيجة وهي استلزام مماثلة الله لخلقه. ونحن نشاهد البشر لا يتفقون في الوجوه، فلا تجد اثنين متماثلين من كل وجه ولو كانا توءمين، بل قالوا: إن عروق الرجل واليد غير متماثلة من شخص إلى آخر.

стр. 3782

ويلاحظ أن التعبير بنفي المماثلة أولى من التعبير بنفي المشابهة؛ لأنه اللفظ الذي جاء به القرآن، ولأنه ما من شيئين موجودين إلا ويتشابهان من وجه ويفترقان من وجه آخر، فنفي مطلق المشابهة لا يصح، وقد تقدم. وأما حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن لله خلق آدم على صورته» ، ووجه الله لا يماثل أوجه المخلوقين، فيجاب عنه: بأنه لا يراد به صورة تماثل صورة الرب بإجماع المسلمين والعقلاء؛ لأن الله وسع كرسيه السماوات والأرض، والسماوات والأرضون كلها بالنسبة للكرسي - موضع القدمين - كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فما ظنك برب العالمين؟ فلا أحد يحيط به وصفا ولا تخيلا، من هذا وصفه لا يمكن أن يكون على صورة آدم ستون ذراعا، وإنما يراد به أحد معنيين: الأول: أن الله خلق آدم على صورة اختارها وجعلها أحسن صورة في الوجه، وعلى هذا، فلا ينبغي أن يقبح أو يضرب لأنه لما أضافه إلى نفسه اقتضى من الإكرام ما لا ينبغي معه أن يقبح أو أن يضرب. الثاني: أن الله خلق آدم على صورة الله ولا يلزم من ذلك المماثلة بدليل قوله ﷺ : «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أضوأ كوكب في السماء» ، ولا يلزم أن يكون على

стр. 3783

ــ صورة نفس القمر؛ لأن القمر أكبر من أهل الجنة، وأهل الجنة يدخلونها طول أحدهم ستون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع كما في بعض الأحاديث. وقال بعض أهل العلم: على صورته، أي: صورة آدم، أي: أن الله خلق آدم أول مرة على هذه الصورة، وليس كبنيه يتدرج في الإنشاء نطفة ثم علقة ثم مضغة. لكن الإمام أحمد ﵀ أنكر هذا التأويل، وقال: هذا تأويل الجهمية، ولأنه يفقد الحديث معناه، وأيضا يعارضه اللفظ الآخر المفسر للضمير وهو بلفظ: «على صورة الرحمن» .

стр. 3784

فيه مسائل: • الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه. ــ فيه مسائل: · الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. تؤخذ من حديث الباب، وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، لكن على تقدير صحته، فإن من الأدب أن لا تسأل بوجه الله إلا ما كان من أمر الآخرة: الفوز بالجنة، أو النجاة من النار. · الثانية: إثبات صفة الوجه. وقد سبق الكلام عليه.

стр. 3785

باب ما جاء في ال (لو) ــ قوله: في " اللو ". دخلت " أل " على " لو " وهي لا تدخل إلا على الأسماء، قال ابن مالك: بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل لأن المقصود بها اللفظ، أي: باب ما جاء في هذا اللفظ. والمؤلف ﵀ جعل الترجمة مفتوحة ولم يجزم بشيء؛ لأن " لو " تستعمل على عدة أوجه: الوجه الأول: أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرم، قال تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٨] في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أُبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول ﷺ ، وقالوا: لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم يصل إلى الكفر. الثاني: أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرم أيضا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا، فهم يعترضون على قدر الله. الثالث: أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضا؛ لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه؛ لأن الندم يكسب النفس حزنا وانقباضا، والله يريد من أن نكون في انشراح وانبساط، قال ﷺ : «احرص على ما ينفعك»

стр. 3786

ــ «واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» . مثال ذلك: رجل حرص أن يشتري شيئا يظن أن فيه ربحا فخسر، فقال: لو أني ما اشتريته ما حصل لي من خسارة، فهذا ندم وتحسر، ويقع كثيرا، وقد نُهي عنه. الرابع: أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية، كقول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] وهذا باطل. الخامس: أن تستعمل في التمني، وحكمه حسب المتمنى: إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، وفي الحديث عن النبي ﷺ في قصة النفر الأربعة قال أحدهم: «لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان» فهذا تمنى خيرا، وقال الثاني: «لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان» ، فهذا تمنى شرا. فقال النبي ﷺ في الأول: «فهو بنيته، فأجرهما سواء» ، وقال في الثاني: «فهو بنيته، فوزرهما سواء» . (١) السادس: أن تستعمل في الخبر المحض. وهذا جائز، مثل: لو حضرت الدرس لاستفدت، ومنه قوله ﷺ : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم» ، فأخبر النبي ﷺ أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ما ساق الهدي ولأحل،

стр. 3787

وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] . ــ وهذا ظاهر لي: وبعضهم قال: إنه من باب التمني، كأنه قال: ليتني استقبلت من أمري ما استدبرت حتى لا أسوق الهدي. لكن الظاهر: أنه لما رأى من أصحابه، والنبي ﷺ لا يتمنى شيئا قدر الله خلافه. وقد ذكر المؤلف في هذا البيت آيتين: الآية الأولى قوله تعالى: يَقُولُونَ. الضمير للمنافقين. قوله: مَا قُتِلْنَا. أي: ما قتل بعضنا، لأنهم لم يقتلوا كلهم، ولأن المقتول لا يقول. قوله: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ﴾ . " لو ": شرطية، وفعل الشرط: " كان "، وجوابه: مَا قُتِلْنَا ولم يقترن الجواب باللام؛ لأن الأفصح إذا كان الجواب منفيا عدم الاقتران، فقولك: لو جاء زيد ما جاء عمرو أفصح من قولك: لو جاء زيد لما جاء عمرو، وقد ورد قليلا اقترانها مع النفي، كقول الشاعر: لو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي قوله: هَاهُنَا. أي: في أُحد. قوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ . هذا رد عليهم، فلا يمكن أن يتخلفوا عما أراد الله بهم.

стр. 3788

وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] . ــ وقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . هذا من الاعتراض على الشرع، لأنهم عتبوا على الرسول ﷺ حين خرج بدون موافقتهم، ويمكن أن يكون اعتراضا على القدر أيضا، أي: لو كان لنا من حسن التدبير والرأي شيء ما خرجنا فنقتل. قوله: وَقَعَدُوا. الواو إما أن تكون عاطفة والجملة معطوفة على قَالُوا، ويكون وصف هؤلاء بأمرين: - بالاعتراض على القدر بقولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ . - وبالجبن عن تنفيذ الشرع " الجهاد " بقولهم: وَقَعَدُوا، أو تكون الواو للحال والجملة حالية على تقدير " قد "، أي: والحال أنهم قد قعدوا، ففيه توبيخ لهم حيث قالوا مع قعودهم، ولو كان فيهم خير لخرجوا مع الناس، لكن فيهم الاعتراض على المؤمنين وعلى قضاء الله وقدره. قوله: " لإخوانهم ". قيل: في النسب لا في الدين، وقيل في الدين ظاهرا؛ لأن المنافقين يتظاهرون بالإسلام، ولو قيل لهم: إنه شامل للأمرين، لكان صحيحا. قوله: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ . هذا غير صحيح، ولهذا رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، وإن كنتم قاعدين، فلا تستطيعون أيضا أن تدرءوا عن أنفسكم الموت. فهذه الآية والتي قبلها تدل على أن الإنسان محكوم بقدر الله كما أنه يجب أن يكون محكوما بشرع الله.

стр. 3789

وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا، لكان كذا وكذا، لكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» ــ · مناسبة الباب للتوحيد: أن من جملة أقسم (لو) الاعتراض على القدر، ومن اعترض على القدر، فإنه لم يرضَ بالله ربا، ومن لم يرضَ بالله ربا، ومن لم يرض بالله ربا، فإنه لم يحقق توحيد الربوبية. والواجب أن ترضى بالله ربًا، ولا يمكن أن تستريح إلا إذا رضيت بالله ربًا تمام الرضا، وكأن لك أجنحة تميل بها حيث مال القدر، ولهذا قال ﷺ : «عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خير له» ، ومهما كان، فالأمر سيكون على ما كان، فلو خرجت مثلا في سفر ثم أصبت في حادث، فلا تقل: لو أني ما خرجت في السفر ما أصبت؛ لأن هذا مقدر لا بد منه. قوله: " وفي الصحيح " أي: " صحيح مسلم "، وانظر ما سبق في: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله (١٤٦) .

стр. 3790

والمؤلف ﵀ حذف منه جملة، وأتى بما هو مناسب للباب، والمحذوف قوله: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» . قوله: " القوي ". أي: في إيمانه وما يقتضيه إيمانه، ففي إيمانه، يعني: ما يحل في قلبه من اليقين الصادق الذي لا يعتريه شك، وفيما يقتضيه، يعني: العمل الصالح من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحزم في العبادات وما أشبه ذلك. وهل يدخل في ذلك قوة البدن؟ الجواب: لا يدخل في ذلك قوة البدن إلا إذا كان في قوة بدنه ما يزيد إيمانه أو يزيد ما يقتضيه؛ لأن " القوي " وصف عائد على موصوف وهو المؤمن، فالمراد: القوي في إيمانه أو ما يقتضيه، ولا شك أن قوة البدن نعمة، إن استعملت في الخير فخير، وإن استعملت في الشر فشر. قوله: " خير وأحب إلى الله ". خير في تأثيره وآثاره فهو ينفع ويقتدى به وأحب إلى الله باعتبار الثواب. قوله: " ومن المؤمن الضعيف ". وذلك في الإيمان أو فيما يقتضيه لا في قوة البدن. قوله: " وفي كل خير ". أي: في كل من القوي والضعيف خير، وهذا النوع من التذييل يسمى عند البلاغيين بالاحتراس حتى لا يظن أنه لا خير في الضعيف. فإن قيل: إن الخيرية معلومة في قوله: " خير وأحب "؛ لأن الأصل في اسم التفضيل اتفاق المفضل والمفضل عليه في أصل الوصف؟ فالجواب: أنه قد يخرج عن الأصل، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] مع أن أهل النار لا خير في مستقرهم.

стр. 3791

كذلك الإنسان إذا سمع هذه الجملة: " خير وأحب " صار في نفسه انتقاص للمؤمن المفضل عليه، فإذا قيل: " وفي كل خير " رفع من شانه، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] . قوله: «احرص على ما ينفعك» . الحرص: بذلُك الجهد لنيل ما ينفع من أمر الدين أو الدنيا. وأفعال العباد بحسب السَّبر والتقسيم لا تخلو من أربع حالات: ١. نافعة، وهذه مأمور بها. ٢. ضارة وهذه محذر منها. ٣. فيها نفع وضرر. ٤. لا نفع فيها ولا ضرر، وهذه لا يتعلق بها أمر ولا نهي، لكن الغالب أن لا تقع إلا وسيلة إلى ما فيه أمر أو نهي، فتأخذ حكم الغاية؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. فالأمر لا يخلو من نفع أو ضرر، إما لذاته أو لغيره، فحديثنا العام قد لا يكون فيه نفع ولا ضرر، لكن قد يتكلم الإنسان ويتحدث لأجل إدخال السرور على غيره فيكون نفعا، ولا يمكن أن تجد شيئا من الأمور والحوادث ليس فيه نفع ولا ضرر، إما ذاتي، أو عارض إنما ذكرناه لأجل تمام السبر والتقسيم. والعاقل يشح بوقته أن يصرفه فيما لا نفع فيه ولا ضرر، قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خير أو ليصمت» .

стр. 3792

واتصال هذه الجملة بما قبلها ظاهر جدا؛ لأن من القوة الحرص على ما ينفع. و" ما ": اسم موصول بفعل " ينفع "، والاسم الموصول يحول بصلته إلى اسم فاعل، كأنه قال: احرص على النافع، وإنما قلت ذلك لأجل أن أقول: إن النبي ﷺ أمرنا بالحرص على النافع، ومعناه أن نقدم الأنفع على النافع؛ لأن الأنفع مشتمل على أصل النفع وعلى الزيادة، وهذه الزيادة لا بد أن نحرص عليها؛ لأن الحكم إذا علق بوصف كان تأكد ذلك الحكم بحسب ما يشتمل عليه تأكد ذلك الوصف، فإذا قلت: أنا أكره الفاسقين كان كل من كان أشد في الفسق إليك أكره، فنقدم الأنفع على النافع لوجهين: ١. أنه مشتمل على النفع وزيادة. ٢. أن الحكم إذا علق بوصف كان تأكد ذلك الحكم بحسب تأكد ذلك الوصف وقوته. يؤخذ من الحديث وجود الابتعاد عن الضار؛ لأن الابتعاد عنه انتفاع وسلامة لقوله: " «احرص على ما ينفعك» . قوله: " واستعن بالله ". الواو تقتضي الجمع فتكون الاستعانة مقرونة بالحرص، والحرص سابق على الفعل، فلابد أن تكون الاستعانة مقارنة للفعل من أوله. والاستعانة: طلب العون بلسان المقال، كقولك: " اللهم أعني، أو: لا حول ولا قوة إلا بالله " عند شروعك بالفعل. أو بلسان الحال، وهي أن تشعر بقلبك أنك محتاج إلى ربك أن يعينك على هذا الفعل، وأنه إن وكلك إلى نفسك وكلك إلى ضعف وعجز وعورة.

стр. 3793

أو طلب العون بهما جميعا، والغالب أن من استعان بلسان المقال، فقد استعان بلسان الحال. لو احتاج الإنسان إلى الاستعانة بالمخلوق كحمل صندوق مثلا، فهذا جائز، ولكن لا تشعر نفسك أنها كاستعانتك بالخالق، وإنما عليك أن تشعر أنها كمعونة بعض أعضائك لبعض، كما لو عجزت عن حمل شيء بيد واحدة، فإنك تستعين على حمله باليد الأخرى وعلى هذا، فالاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة ببعض أعضائك، فلا تنافي قوله ﷺ : " استعن بالله ". قوله: " ولا تعجزن ". فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و" لا " ناهية، والمعنى لا تفعل فعل العاجز من التكاسل وعدم الحزم والعزيمة، وليس المعنى لا يصيبك عجز؛ لأن العجز عن الشيء غير التعاجز، فالعجز بغير اختيار الإنسان، ولا طاقة له به، فلا يتوجه عليه نهي، ولهذا قال النبي ﷺ : «صَلِّ قائما، فإن لم تستطع، فقاعدا، فإن لم تستطع، فعلى جنب» . فإذا اجتمع الحرص وعدم التكاسل، اجتمع في هذا صدق النية بالحرص والعزيمة بعدم التكاسل. لأن بعض الناس يحرص على ما ينفعه ويشرع فيه، ثم يتعاجز ويتكاسل ويدعه، وهذا خلاف ما أمر به الرسول ﷺ ، فما دمت عرفت أن هذا نافع، فلا تدعه، لأنك إذا عجَّزت نفسك خسرت العمل الذي عملت ثم عوَّدت نفسك التكاسل والتدني من حال النشاط والقوة إلى حال العجز والكسل، وكم من إنسان بدأ العمل - لا سيما النافع - ثم أتاه الشيطان فثبطه؟

стр. 3794

لكن إذا ظهر في أثناء العمل أنه ضار، فيجب الرجوع عنه؛ لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وذكر في ترجمة الكسائي أنه بدأ في طلب علم النحو ثم صعب عليه، فوجد نملة تحمل طعاما تريد أن تصعد به حائطا، كلما صعدت قليلا سقطت، وهكذا حتى صعدت، فأخذت درسا من ذلك، فكابد حتى صار إماما في النحو. قوله: «إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا» . هذه هي المرتبة الرابعة مما ذكر في هذا الحديث العظيم إذا حصل خلاف المقصود. فالمرتبة الأولى: الحرص على ما ينفع. والمرتبة الثانية: الاستعانة بالله. والمرتبة الثالثة: المضي في الأمر والاستمرار فيه وعدم التعاجز. وهذه المراتب إليك. المرتبة الرابعة: إذا حصل خلاف المقصود، فهذه ليست إليك، وإنما هي بقدر الله، ولهذا قال: " وإن أصابك. "، ففوض الأمر لله. قوله: " وإن أصابك شيء ". أي: مما لا تحبه ولا تريده ومما يعوقك عن الوصول إلى مرامك فيما شرعت فيه من نفع. فمن خالفه القدر ولم يأت على مطلوبه لا يخلو من حالين: الأول: أن يقول: لو لم أفعل ما حصل كذا. الثاني: أن يقول: لو فعلت كذا لأمر لم يفعله لكان كذا. مثال الأول قول القائل: لو لم أسافر ما فاتني الربح. ومثال الثاني أن يقول: لو سافرت لربحت. وذكر النبي ﷺ الثاني دون الأول؛ لأن الإنسان عامل فاعل، فهو

стр. 3795

يقول: لو أني فعلت الفعل الفلاني دون هذا الفعل لحصلت مطلوبي، بخلاف الإنسان الذي لم يفعل وكان موقفه سلبيا من الأعمال. قوله: " كذا ". كناية عن مبهم، وهي مفعول لفعلت. قوله: " لكان كذا " فاعل كان، والجملة جواب لو. قوله: " قدر الله ". خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا قدر الله. وقدر بمعنى مقدور؛ لأن الله يطلق على التقدير الذي هو فعل الله، ويطلق على المقدور الذي وقع بتقدير الله، وهو المراد هنا؛ لأن القائل يتحدث عن شيء وقع عليه، فقدر الله أي مقدوره، ولا مقدر إلا بتقدير؛ لأن المفعول نتيجة الفعل. والمعنى إن هذا الذي وقع قدر الله وليس إلى أما الذي إلى فقد بذلت ما أراه نافعا كما أمرت، وهذا فيه التسليم التام لقضاء الله وان الإنسان إذا فعل ما أمر به على الوجه الشرعي، فإنه لا يلام على شيء، ويفوض الأمر إلى الله. قوله: " وما شاء الله فعل ". جملة مصدرة بـ " ما " الشرطية، " وشاء ": فعل الشرط، وجوابه: " فَعَل "، أي: ما شاء الله أن يفعله فعله؛ لأن الله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] ، وقد سبق ذكر قاعدة، وهي أن كل فعل لله معلق بالمشيئة، فإنه مقرون بالحكمة، وليس شيء من فعله معلقا بالمشيئة المجردة؛ لأن الله لا يشرع ولا يفعل إلا الحكمة، وبهذا التقرير نفهم أن المشيئة يلزم منها وقوع المشاء، ولهذا كان المسلمون يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأما الإرادة ووقوع المراد ففيه تفصيل:

стр. 3796

فالإرادة الشرعية لا يلزم منها وقوع المراد، وهي التي بمعنى المحبة، قال تعالى ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] بمعنى يحب، ولو كانت بمعنى يشاء لتاب الله علي جميع الناس. والإرادة الكونية يلزم منها وقوع المراد، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] . قوله: «فإن لو تفتح عمل الشيطان» . " لو ": اسم إن قصد لفظها، أي؛ فإن هذا اللفظ يفتح عمل الشيطان. وعمله: ما يلقيه في قلب الإنسان من الحسرة والندم والحزن، فإن الشيطان يحب ذلك، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] ، حتى في المنام يريه أحلاما مخيفة ليعكر عليه صفوه ويشوش فكره، فحينئذ لا يتفرغ للعبادة على ما ينبغي، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الصلاة حال تشوش الفكر؛ فقال ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» ، إذا رضي الإنسان بالله ربا، وقال: هذا قضاء الله وقدره، وأنه لا بد أن يقع، اطمأنت نفسه وانشرح صدره. ويستفاد من الحديث: ١. إثبات محبة الله ، لقوله: " خير وأحب ". ٢. اختلاف الناس في قوة الإيمان وضعفه، لقوله: «" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» . ٣. زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن القوة زيادة والضعف نقص، وهذا هو

стр. 3797

القول الصحيح الذي عليه عامة أهل السنة. وقال بعض أهل السنة: يزيد ولا ينقص؛ لأن النقص لم يرد في القرآن، قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] . والراجح القول الأول؛ لأنه من لازم ثبوت الزيادة ثبوت النقص عن الزائد، وعلى هذا يكون القرآن دالا على ثبوت نقص الإيمان بطريق اللزوم، كما أن السنة جاءت به صريحة في قوله ﷺ : «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» ، يعني: النساء. والإيمان يزيد بالكمية والكيفية، فزيادة الأعمال الظاهرة زيادة كمية، وزيادة الأعمال الباطنة كاليقين زيادة كيفية، ولهذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . والإنسان إذا أخبره ثقة بخبر، ثم جاء آخر فأخبره نفس الخبر، زاد يقينه، ولهذا قال أهل العلم: إن المتواتر يفيد العلم اليقيني، وهذا دليل على تفاوت القلوب بالتصديق، وأما الأعمال، فظاهر، فمن صلى أربع ركعات أزيد ممن صلى ركعتين. ٤ - أن المؤمن وإن ضعف إيمانه فيه خير؛ لقوله: " وفي كل خير ". ٥ - أن الشريعة جاءت بتكميل المصالح وتحقيقها، لقوله: «احرص على ما ينفعك» ، فإذا امتثل المؤمن أمر الرسول ﷺ فهو عبادة وإن كان ذلك النافع أمرا دنيويا.

стр. 3798

٦ - أنه لا ينبغي للعاقل أن يمضي جهده فيما لا ينفع، لقوله: «احرص على ما ينفعك» . ٧ - أنه ينبغي للإنسان الصبر والمصابرة، لقوله: " ولا تعجزن ". ٨ - أن ما لا قدرة للإنسان فيه فله أن يحتج عليه بالقدر، لقوله: «ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل» ، وأما الذي يمكنك، فليس لك أن تحتج بالقدر. وأما محاجة آدم وموسى حيث لام موسى آدم عليهما الصلاة والسلام؛ وقال له: «لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال: أتلومني على شيء قد كتبه الله عليّ» فهذا احتجاج بالقدر. فالقدرية الذين ينكرون القدر يكذبون هذا الحديث؛ لأن من عادة أهل البدع أن ما خالف بدعتهم إن أمكن تكذيبه كذبوه، وإلا حرفوه، ولكن هذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذا من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، فموسى لم يحتج على آدم بالمعصية التي هي سبب الخروج، بل احتج بالخروج نفسه. معناه أن فعلك صار سببا لخروجنا، وإلا فإن موسى ﵊ أبعد من أن يلوم أباه على ذنب تاب منه واجتباه ربه وهداه، وهذا ينطبق على الحديث. وذهب ابن القيم ﵀ إلى وجه آخر في تخريج هذا الحديث، وهو أن آدم احتج بالقدر بعد أن مضى وتاب من فعله، وليس كحال الذين يحتجون

стр. 3799

ــ على أن يبقوا في المعصية ويستمروا عليها، فالمشركون لما قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] كذبهم الله، لأنهم لا يحتجون على شيء مضى ويقولون: تبنا إلى الله، ولكن يحتجون على شيء مضى ويقولون: تبنا إلى الله، ولكن يحتجون على البقاء في الشرك. ٩ - أن للشيطان تأثيرا على بني آدم، لقوله: «فإن لو تفتح عمل الشيطان» ، وهذا لا شك فيه، ولهذا قال النبي ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» . فقال بعض أهل العلم: إن هذا يعني الوساوس التي يلقيها في القلب فتجري في العروق. وظاهر الحديث: أن الشيطان نفسه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا ليس ببعيد على قدرة الله ، كما أن الروح تجري مجرى الدم، وهي جسم، إذا قبضت تكفن وتحنط وتصعد بها الملائكة إلى السماء. ومن نعمة الله أن للشيطان ما يضاده، وهي لمة الملك، فإن الشيطان في قلب ابن آدم لمة وللملك لمة، ومن وفق غلبت عنده لمة الملك لمة الشيطان، فهما دائما يتصارعان نفس مطمئنة ونفس أمارة بالسوء، وأما النفس اللوامة فهي وصف للنفسين جميعا. ١٠ - حسن تعليم النبي ﷺ حين قرن النهي عن قول " لو " ببيان علته، لتتبين حكمة الشريعة، ويزداد المؤمن إيمانا وامتثالا.

стр. 3800

فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران. الثانية: النهي الصريح عن قول " لو " إذا أصابك شيء. الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. ــ فيه مسائل: الأولى تفسير الآيتين في آل عمران. وهما: الأولى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ . الثانية: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ، أي: ما أُخرجنا وما قتلنا، ولكن الله تعالى أبطل ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ، والآية الأخرى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ، فأبطل الله دعواهم هذه بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: إن كنتم صادقين في البقاء وأن عدم الخروج مانع من القتل، فادرءوا عن أنفسكم الموت، فإنهم لن يسلموا من الموت، بل لابد أن يموتوا، ولكن لو أطاعوهم وتركوا الجهاد، لكانوا على ضلال مبين. الثانية: النهي الصريح عن قول " لو " إذا أصابك شيء. لقول الرسول ﷺ : «فإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا» . الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. فالنهي عن قول " لو " علتها أنها تفتح عمل الشيطان وهو الوسوسة، فيتحسر الإنسان بذلك ويندم ويحزن.

стр. 3801

الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العجز. ــ الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. ويعني قوله: «ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل» . الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. لقوله ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» . السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العجز. لقوله: " ولا تعجزن "، فإن قال قائل: العجز ليس باختيار الإنسان، قد يصاب بمرض فيعجز، فكيف نهى النبي ﷺ عن أمر لا قدرة للإنسان عليه؟ أجيب: بأن المقصود بالعجز هنا التهاون والكسل عن فعل الشيء؛ لأنه هو الذي في مقدور الإنسان.

стр. 3802

باب النهي عن سب الريح ــ المؤلف ﵀ أطلق النهي ولم يفصح: هل المراد به التحريم أو الكراهة، وسيتبين - إن شاء الله - من الحديث. قوله: " الريح ". الهواء الذي يصرفه الله ، وجمعه رياح. وأصولها أربعة: الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، وما بينهما يسمى النكباء، لأنها ناكبة عن الاستقامة في الشمال، أو الجنوب، أو الشرق، أو الغرب. وتصريفها من آيات الله فأحيانا تكون شديدة تقلع الأشجار وتهدم البيوت وتدفن الزروع ويحصل معها فيضانات عظيمة، وأحيانا تكون هادئة، وأحيانا تكون باردة، وأحيانا حارة، وأحيانا عالية، وأحيانا نازلة، كل هذا بقضاء الله وقدره، ولو أن الخلق اجتمعوا كلهم على أن يصرفوا الريح عن جهتها التي جعلها الله عليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولو اجتمعت جميع المكائن العالمية النفاثة لتوجد هذه الريح الشديدة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولكن الله بقدرته يصرفها كيف يشاء وعلى ما يريد، فهل يحق للمسلم أن يسب هذه الريح؟ الجواب: لا؛ لأن هذه الريح مسخرة مدبرة، وكما أن الشمس أحيانا تضر بإحراقها بعض الأشجار، ومع ذلك لا يجوز لأحد أن يسبها، فكذلك الريح، ولهذا قال: «لا تسبوا الريح» .

стр. 3803

عن أُبي بن كعب ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الريح؛ فإذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» . صححه الترمذي ــ قوله: «لا تسبوا الريح» . " لا ": ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والريح مفعول به. والسب: الشتم، والعيب، والقدح، واللعن، وما أشبه ذلك، وإنما نهى عن سبها؛ لأن سب المخلوق سب لخالقه، فلو وجدت قصرا مبنيا وفيه عيب، فسببته، فهذا السب ينصب على من بناه، وكذلك سب الريح، لأنها مدبرة مسخرة على ما تقتضيه حكمة الله . ولكن إذا كانت الريح مزعجة، فقد أرشد النبي ﷺ إلى ما يقال حينئذ في قوله: «ولكن قولوا: اللهم إنا نسألك» . إلخ) . قوله: (وخير منها) . أي: ما تحمله، لأنها قد تحمل خيرا، كتلقيح

стр. 3804

ــ الثمار، وقد تحمل رائحة طيبة الشم، وقد تحمل شرا، كإزالة لقاح الثمار، وأمراض تضر بالإنسان والبهائم. قوله: " وخير ما أمرت به ". مثل إثارة السحاب وسوقه إلى حيث شاء الله. قوله: " ونعوذ بك ". أي: نعتصم ونلجأ. قوله: " ومن شر هذه الريح " أي: شرها بنفسها كقلع الأشجار، ودفن الزروع وهدم البيوت. قوله: " ومن شر ما فيها ". أي: ما تحمله من الأشياء الضارة، كالأنتان، والقاذورات، والأوبئة وغيرها. قوله: (وشر ما أُمرتْ به) . كالهلاك والتدمير، وقال تعالى في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] وتيبس الأرض من الأمطار، ودفن الزروع، وطمس الآثار والطرق، فقد تؤمر بشر لحكمة بالغة نعجز عن إدراكها. وقوله: " ما أمرت به ". هذا الأمر حقيقي، أي: يأمرها الله أن تهب ويأمرها أن تتوقف، وكل شيء من المخلوقات فيه إدراك بالنسبة إلى أمر الله، قال تعالى للأرض والسماء: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ، وقال للقلم: «اكتب. قال: ربي وماذا أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة» .

стр. 3805

فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر. ــ فيه مسائل: الأول النهي عن سب الريح. وهذا النهي للتحريم؛ لأن سبها سب لمن خلقها وأرسلها. الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. أي: منها، وهو أن يقول: «اللهم إني أسألك من خيرها» ... " الحديث، مع فعل السباب الحسية أيضا، كالاتقاء من شرها بالجدران أو الجبال ونحوها. الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. لقوله: " ما أمرت به ". الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر. لقوله: «خير ما أُمرت به، وشر ما أُمرت به» . والحاصل: أنه يجب على الإنسان أن لا يعترض على قضاء الله وقدره، وأن لا يسبه، وأن يكون مستسلما لأمره الكوني كما يجب أن يكون مستسلما لأمره الشرعي؛ لأن هذه المخلوقات لا تملك أن تفعل شيئا إلا بأمر الله .

стр. 3806

باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: من الآية١٥٤] . ــ ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين: الأول قوله تعالى ﴿يَظُنُّونَ﴾ . الضمير يعود على المنافقين، والأصل في الظن: أن الاحتمال الراجح، وقد يطلق على اليقين، كما في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] ، أي: يتيقنون، وضد الراجح المرجوح، ويسم وهما. قوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ . عطف بيان لقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ، و ﴿الْجَاهِلِيَّةِ﴾ : الحال الجاهلية، والمعنى يظنون بالله ظن الملة الجاهلية التي لا يعرف الظان فيها قدر وعظمته، فهو ظن باطل مبني على الجهل. والظن بالله على نوعين: الأول: أن يظن خيرا. الثاني: أن يظن بالله شرا. والأول له متعلقان: ١. متعلق بالنسبة لما يفعله في هذا الكون، فهذا يجب عليك أن تحسن الظن بالله - عز. وجل - فيما يفعله في هذا الكون، وأن تعتقد أن ما فعله إنما هو الحكمة بالغة قد تصل العقول إليها وقد لا تصل،

стр. 3807

وبهذا يتبين عظمة الله وحكمته في تقديره، فلا يظن أن الله إذا فعل شيئا في الكون فعله لإرادة سيئة، حتى الحوادث والنكبات لم يحدثها الله إرادة السوء المتعلق بفعله، أما المتعلق بغيره بأن يحدث ما يريد به أن يسوء هذا الغير، فهذا واقع، كما قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧] . ٢. متعلق بالنسبة لما يفعله بك، فهذا يجب أن تظن بالله أحسن الظن، لكن بشرط أن يوجد. لديك السبب الذي يوجب الظن الحسن، وهو أن تعبد الله على مقتضى شريعته مع الإخلاص، فإذا فعلت ذلك، فعليك أن تظن أن الله يقبل منك ولا تسئ الظن بالله بأن تعتقد أنه لن يقبل منك، وكذلك إذا تاب الإنسان من الذنب، فيحسن الظن بالله أنه يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لا يقبل منه. وأما إن كان الإنسان مفرطا في الواجبات فاعلا للمحرمات، وظن بالله ظنا حسنا، فهذا هو ظن المتهاون المتهالك في الأماني الباطلة، بل هو من سوء الظن بالله، إذ أن حكمة الله تأبى مثل ذلك. النوع الثاني: وهو أن يظن بالله سوء، مثل أن يظن في فعله سفها أو ظلما أو نحو ذلك، فإنه من أعظم المحرمات وأقبح الذنوب، كما ظن هؤلاء المنافقون وغيرهم ممن يظن بالله غير الحق. قوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . مرادهم بذلك أمران: الأول: رفع اللوم عن أنفسهم. الثاني: الاعتراض على القدر. وقوله: " لنا ": خبر مقدم.

стр. 3808

وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ : مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. قوله: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ أي: فإذا كان كذلك، فلا وجه لاحتجاجكم على قضاء الله وقدره، فالله يفعل ما يشاء من النصر والخذلان. وقوله: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ﴾ واحد الأمور لا واحد الأوامر، أي: الشأن كل الشأن الذي يتعلق بأفعال الله وأفعال المخلوقين كله لله - سبحانه، فهو الذي يقدر الذل والعز والخير والشر، لكن الشر في مفعولاته لا في فعله. قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي: ما لا يظهرون لك، فمن شأن المنافقين عدم الصراحة والصدق، فيخفي في نفسه ما لا يبديه لغيره؛ لأنه يرى من جبنه وخوفه أنه لو أخبر بالحق لكان فيه هلاكه، فهو يخفي الكفر والفسوق والعصيان. قوله: ﴿مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أي: في أُحد، والمراد بمن " قتل ": من استشهد من المسلمين في أُحد؛ لأن عبد الله بن أُبَيَّ رجع بنحو ثلث الجيش في غزوة أحد، وقال: إن محمدا يعصيني ويطيع الصغار والشبان. قوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ . هذا رد لقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. وهذا الاحتجاج لا حقيقة له؛ لأنه إذا كتب القتل على أحد، لم ينفعه تحصنه في بيته، بل لابد أن يخرج إلى مكان موته، والكتابة قسمان: ١. كتابة شرعية، وهذا لا يلزم منها وقوع المكتوب، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] .

стр. 3809

ــ ٢. كتابة كونية، وهذه يلزم منها وقوع المكتوب كما في هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ، وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي يختبر ما في صدوركم من الإيمان بقضاء الله وقدره، والإيمان بحكمته فيختبر ما في قلب العبد بما يُقدِّره عليه من الأمور المكروهة؛ حتى يبين من استسلم لقضاء الله وقدره وحكمته ممن لم يكن كذلك. قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . أي: إذا حصل الابتلاء فقوبل بالصبر، صار في ذلك تمحيص لما في القلب، أي: تطهير له وإزالة لما يكون قد علق به من بعض الأمور التي لا تنبغي. وقد حصل الابتلاء والتمحيص في غزوة أُحد بدليل أن الصحابة لما ندبهم الرسول (١) ﷺ حين قيل له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٢] خرجوا إلى حمراء الأسد ولم يجدوا غزوا فرجعوا، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] . قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ . جملة خبرية فيها إثبات أن الله عليم بذات الصدور، والمراد بها القلوب، كما قال تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ١٤٦] ، فالله لا يخفى عليه شيء

стр. 3810

وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (الفتح: ٦) . ــ فيعلم ما في قلب العبد وما ليس في قلبه متى يكون. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ . المراد بهم: المنافقون والمشركون، قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ (الفتح:٦) أي: ظن العيب، وهو كقوله فيما سبق: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (آل عمران:١٥٤) . ومنه ما نقله المؤلف عن ابن القيم رحمهما الله: أنهم يظنون أن أمر الرسول ﷺ سيضمحل، وأنه لا يمكن أن يعود، وما أشبه ذلك. قوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ . أي: أن السوء محيط بهم جميعا من كل جانب كما تحيط الدائرة بما في جوفها، وكذلك تدور عليهم دوائر السوء، فهم وإن ظنوا أنه تعالى تخلى عن رسوله وأن أمره سيضمحل، فإن الواقع خلاف ظنهم، ودائرة السوء راجعة عليهم. قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الغضب من صفات الله الفعلية التي تتعلق بمشيئته ويترتب عليها الانتقام، وأهل التعطيل قالوا: إن الله لا يغضب حقيقة: فمنهم من قال: المراد بغضبه الانتقام. ومنهم من قال: المراد إرادة الانتقام. قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ولهذا قال النبي ﷺ : «إنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم» . (١)

стр. 3811

قال ابن القيم في الآية الأولى: (فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفُسِّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته. ــ فيجاب عن ذلك: بأن هذا هو غضب الإنسان، ولا يلزم من التوافق في اللفظ التوافق في المثلية والكيفية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ويدل على أن الغضب ليس هو الانتقام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (الزخرف: ٥٥) فـ ﴿آسَفُونَا﴾ بمعنى أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ، فجعل الانتقام مرتبا على الغضب، فدل على أنه غيره. قوله: ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾ . اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله. قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ أي هيأها لهم وجعلها سكنا لهم ومستقرا. قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . أي: مرجعا يصار إليه. ومصيرا: تمييز، والفاعل مستتر، أي: ساءت النار مصيرا يصيرون إليه. قوله: (قال ابن القيم) . هو محمد ابن قيم الجوزية، أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الكبار الملازمين له رحمهما الله، وقد ذكره في (زاد المعاد) عقيب غزوة أحد تحت بحث الحكم والغايات المحمودة التي كانت فيها. قوله: (في الآية الأولى) . يعني قوله ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ، فسر بأن الله لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، أي: يزول، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، يؤخذ هذا التفسير من قولهم:

стр. 3812

فَفُسِّرَ بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يُتم أمر رسوله ﷺ وأن يُظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السَّوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح. ــ ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ﷺ وأن يظهره الله على الدين كله. ففسر بما يكون طعنا في الربوبية وطعنا في الأسماء والصفات، فالطعن في القدر طعن في ربوبية الله ؛ لأن من تمام ربوبيته أن نؤمن بأن كل ما جرى في الكون فإنه بقضاء الله وقدره، والطعن في الأسماء والصفات تضمنه الطعن في أفعاله وحكمته، حيث ظننا أن الله تعالى لا ينصر رسوله وسوف يضمحل أمره؛ لأنه إذا ظن الإنسان هذا الظن بالله، فمعنى ذلك أن إرسال الرسول ﷺ عبث وسفه، فما الفائدة من أن يرسل رسول ويؤمر بالقتال وإتلاف الأموال والأنفس، ثم تكون النتيجة أن يضمحل أمره وينسى؟ فهذا بعيد. ولا سيما رسول الله ﷺ الذي هو خاتم النبيين، فإن الله تعالى قد أذن بأن شريعته سوف تبقى إلى يوم القيامة. قال ابن القيم ﵀: (وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح) . وخلاصة ما ذكر ابن القيم في تفسير ظن السوء ثلاثة أمور: الأول: أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها

стр. 3813

وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق. فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قَدَرُهُ لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. ــ الحق، فهذا هو ظن المشركين والمنافقين في سورة الفتح، قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ (الفتح:١٢) . الثاني: أن ينكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره؛ لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته. الثالث: أن ينكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليه الحمد؛ لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبا وسفها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئا أو يشرعه إلا لحكمة، قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافا كبيرا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله . ورأي الجهمية والجبرية أن الله يقدر الأشياء لمجرد المشيئة لا لحكمة، قالوا: لأنه لا يُسأل عما يفعل، وهذا من أعظم سوء الظن بالله؛ لأن المخلوق إذا تصرف لغير حكمة سمي سفيها، فما بالك بالخالق الحكيم؟ . قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (ص: ٢٧) ؛

стр. 3814

وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده. ــ فالظن بأنها خلقت باطلا لا لحكمة عظيمة ظن الذين كفروا، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الدخان:٣٨- ٣٩) الذي هو ضد الباطل، وهؤلاء قالوا: إن الله تعالى خلقهما باطلا لغير حكمة، قال الله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، أي: الذين يظنون أن الله خلقهما باطلا وعبثا وسفها ولعبا. والمعتزلة على العكس من ذلك، يقولون: لا يقدر إلا لحكمة، ويفرضون على الله ما يشاؤون، وقد ذكر صاحب (مختصر التحرير) الفتوحي ﵀: أن في المسالة قولين في المذهب. ولكن الصواب بلا ريب أنه لا يفعل شيئا ولا يقدره على عبده ولا يشرع شيئا إلا لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد والشكر. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (ص:٢٧) (ويل) : مبتدأ، وساغ الابتداء بالنكرة: للتعظيم، وخبر المبتدأ: (للذين كفروا) ، والجار والمجرور (من النار) بيان لويل، وفي هذا دليل على أن كلمة (ويل) كلمة وعيد وليست كما قيل: واد في جهنم، ولهذا نقول: ويل لك من البرد، ويل لك من فلان، ويقول المتوجع: ويلاه، وإن كان قد يوجد واد في جهنم اسمه ويل، لكن ويل في مثل هذه الآية كلمة وعيد.

стр. 3815

قوله: (وأكثر الناس) . أي: من بني آدم لا من المؤمنين يظنون بالله ظن السوء، أي: العيب فيما يختص بهم، كما إذا دعوا الله على الوجه المشروع يظنون أن الله لا يجيبهم، أو إذا تعبدوا الله بمقتضى شريعته يظنون أن الله لا يقبل منهم، وهذا ظن السوء فيما يختص بهم. قوله: (فيما يفعله بغيرهم) . كما إذا رأوا أن الكفار انتصروا على المسلمين بمعركة من المعارك ظنوا أن الله يديل هؤلاء الكفار على المسلمين دائما، فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بالله مع وجود الأسباب التي تقتضي ذلك. قوله: (ولا يسلم من ذلك) . أي: من الظن السوء. قوله: (إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده) . صَدَقَ ﵀، لا يسلم من ظن السوء إلا من عرف الله وما له من الحِكَم والأسرار فيما يقدره ويشرعه، وكذلك عرف أسماءه وصفاته معرفة حقة لا معرفة تحريف وتأويل. ولهذا حجب المحرفون والمؤولون عن معرفة أسماء الله وصفاته، فتجد قلوبهم مظلمة غالبا، تحاول أن تورد الإشكالات والتشكيك والجدل، أما من أبقى أسماء الله وصفاته على ما دلت عليه وسلك في ذلك مذهب السلف، فإن قلبه لا يرد عليه مثل هذه الاعتراضات التي ترد على قلوب أولئك المحرفين؛ لأن المحرفين إنما أتوا من جهة ظنهم بالله ظن السوء، حيث ظنوا أن الكتاب والسنة دل ظاهرهما على التمثيل والتشبيه، فأخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه وينكرون ما أثبت الله لنفسه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل. أما كون كل معطل ممثلا، فلأنه إنما عطل لكونه ظن أن دلالة الكتاب

стр. 3816

فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء. ــ والسنة تقتضي التمثيل، فلما ظن هذا الظن السيئ بنصوص الكتاب والسنة أخذ يحرفها ويصرفها عن ظاهرها، فمثل أولا، وعطل ثانيا، ثم إنه إذا عطل صفات الله تعالى خوفا من تشبيهه بالموجود، فقد شبهه بالمعدوم، وأما كون كل ممثل معطلا، فلأن الممثل عطل الله تعالى من كماله الواجب حيث مثله بالمخلوق الناقص، وعطل كل نص يدل على نفي مماثلة الخالق للمخلوق. وعلى هذا، فالذي عرف أسماء الله وصفاته معرفة على ما جرى عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، وعرف موجب حكمة الله، أي: مقتضى حكمة الله، لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء. وقوله: (مُوجَب) . موجب، بالفتح: هو المسبَّب الناتج عن السبب بمعنى المقتضي، وبالكسر: السبب الذي يقتضي الشيء بمعنى المقتضى، والمراد هنا الأول. فالذي يعرف موجب حكمة الله وما تقتضيه الحكمة، فإنه لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء أبدا، ولاحِظْ الحكمة التي حصلت للمسلمين في هزيمتهم في حنين وفي هزيمتهم في أُحد، فإن في ذلك حِكَما عظيمة ذكرها الله في سورة آل عمران والتوبة، فهذه الحِكَم إذا عرفها الإنسان لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء، وأنه أراد أن يخذل رسوله وحزبه، بل كل ما يجريه الله في الكون، كمنع الإنبات والفقر، فهو لحكمة بالغة قد لا نعلمها، ولا يمكن أن يظن أن الله بخل على عباده؛ لأنه أكرم الأكرمين، وعلى هذا فقس. قوله: (اللبيب) . على وزن فعيل، ومعناه: ذو اللب، وهو العقل.

стр. 3817

ولو فتشت من فتشت، لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك، هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا ــ قوله: (بهذا) . المشار إليه هو الظن بالله ، ليعتني بهذا حتى يظن بالله ظن الحق، لا ظن السوء والجاهلية. قوله: (وليتب إلى الله) . أي: يرجع إليه؛ لأن التوبة الرجوع من المعصية إلى الطاعة. قوله: (وليستغفره) . أي يطلب منه المغفرة، واللام في قوله: (فليتب) وقوله: (وليستغفره) للأمر. قوله: (تعنتا على القدر وملامة له) . أي: إذا قدر الله شيئا لا يلائمه تجده يقول: ينبغي أن ننتصر، ينبغي أن يأتي المطر، ينبغي أن لا نصاب بالجوائح، وأن يوسع لنا في هذا الرزق وهكذا. قوله: (فمستقل ومستكثر) . (مستقل) : مبتدأ، وخبره محذوف. و (مستكثر) : مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فمن الناس مستقل ومنهم مستكثر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود: ١٠٥) فـ (سعيد) مبتدأ خبره محذوف تقديره: ومنهم سعيد. ولا يقال بأن (سعيد) معطوف على شقي؛ لكونه يلزم أن يكون الوصفان لموصوف واحد. قوله: (وفتش نفسك: هل أنت سالم) . وهذا ينبغي أن يكون في جميع

стр. 3818

المسائل مما أوجبه الله، فتش عن نفسك: هل أنت سالم من التقصير فيه؟ ومما حرمه الله عليك: هل أنت سالم من الوقوع فيه؟ . قوله: (فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة) . (تنج) الأول فعل الشرط مجزوم بحذف الواو، (تنج) الثانية جوابه مجزوم بحذف الواو. وقوله: (من ذي عظيمة) . أي: من ذي بلية عظيمة. قوله: (وإلا، فإني لا إخالك ناجيا) . التقدير، أي: وإلا تنج من هذه البلية، فإني لا إخالك ناجيا. ومعنى إخالك: أظنك، وهي تنصب مفعولين: الأول هنا الكاف، والثاني ناجيا.

стр. 3819

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه. ــ فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. وهي قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ .. وقد سبق، والضمير فيها للمنافقين. الثانية: تفسير آية الفتح. . وهي قوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ... ، وقد سبق، والضمير فيها للمنافقين. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر. أي: ظن السوء، والذي أخبر بذلك ابن القيم ﵀، وضابط هذه الأنواع أن يظن بالله ما لا يليق به. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه. أي لا يسلم من ظن السوء بالله إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده وعرف نفسه ففتش عنها، والحقيقة أن الإنسان هو محل النقص والسوء، وأما الرب، فهو محل الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل .

стр. 3820

ــ مناسبة الباب للتوحيد: إن ظن السوء ينافي كمال التوحيد، وينافي الإيمان بالأسماء والصفات؛ لأن الله قال في الأسماء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨) فإذا ظن بالله ظن السوء، لم تكن الأسماء حسنى، وقال في الصفات: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (النحل:٦٠) ، وإذا ظن بالله ظن السوء، لم يكن له المثل الأعلى.
следующие страницы →