باب لا يقال: السلام على الله
ــ
هذه الترجمة أتى بها المؤلف بصيغة النفي، وهو محتمل للكراهة والتحريم، لكن استدلاله بالحديث يقتضي أنه للتحريم وهو كذلك.
والسلام له عدة معان:
١ - التحية؛ كما قال: سلم على فلان، أي: حياه بالسلام.
٢ - السلامة من النقص والآفات، كقولنا: " السلام عليك أيها النبي ﷺ ورحمة الله وبركاته ".
٣ - السلام: اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
قوله: «لا يقال السلام على الله» أي: لا تقل: السلام عليكم يا رب؛ لما يلي:
أ - أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك، إذ لا يدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلا أن يتصف به، والله - سبحانه - منزه عن صفات النقص.
ب - إذا دعوت الله أن يسلم نفسه، فقد خالفت الحقيقة؛ لأن الله يدعى ولا يدعى له، فهو غني عنا، لكن يثنى عليه بصفات الكمال مثل غفور، سميع، عليم....
ومناسبة الباب لتوحيد الصفات ظاهرة؛ لأن صفاته عليا كاملة كما أن أسمائه حسنى والدليل على أن صفاته عليا قوله تعالى
стр. 3747
ــ
﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] .
والمثل الأعلى الوصف الأكمل، فإذا قلنا: السلام على الله أوهم ذلك أن الله - سبحانه - قد يلحقه النقص، وهذا ينافي كمال صفاته.
ومناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله المتضمنة لصفاته، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها، إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها، فإنك لو قلت: زيد فاضل أثبت له الفضل، وجاز أن يلحقه نقص، وإذا قلت: زيد فاضل ولم يسلك شيئا من طرق السفول، فالآن أثبت له الفضل المطلق في هذه الصفة والرب يتصف بصفات الكمال، ولكنه إذا ذكر ما يضاد تلك الصفة صار ذلك أكمل، ولهذا أعقب المؤلف ﵀ الباب السابق بهذا الباب إشارة إلى أن الأسماء الحسنى والصفات العلى لا يلحقها نقص والسلام اسم ثبوتي سلبي، فسلبي: أي أنه يراد به نفي كل نقص أو عيب يتصوره الذهن أو يتخيله العقل، فلا يلحقه نقص في ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه.
وثبوتي: أي يراد به ثبوت هذا الاسم له، والصفة التي تضمنها وهي السلامة.
стр. 3748
في الصحيح «عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان فقال النبي ﷺ : " لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام»
ــ
قوله: " في الصحيح " هذا أعم من أن يكون ثابتا في " الصحيحين "، أو أحدهما، أو غيرهما، وانظر: (ص ١٤٦) باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا الحديث المذكور في " الصحيحين ".
قوله: «كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة» الغالب أن المعية مع النبي ﷺ في الصلاة لا تكون إلا في الفرائض، لأنها هي التي يشرع لها صلاة الجماعة، ومشروعية صلاة الجماعة في غير الفرائض قليلة، كالاستسقاء.
قوله: «قلنا السلام على الله من عباده» أي: يطلبون السلامة لله من الآفات، يسألون الله أن يسلم نفسه من الآفات، أو أن اسم السلام على الله من عباده؛ لأن قول الإنسان السلام عليكم خبر بمعنى الدعاء، وله معنيان:
١ - اسم السلام عليك، أي: عليك بركاته باسمه.
٢ - السلامة من الله عليك، فهو سلام بمعنى تسليم، ككلام بمعنى تكليم.
قوله: «السلام على فلان وفلان» أي: جبريل وميكائيل، وكلمة فلان
стр. 3749
ــ
يكنى بها عن الشخص، وهي مصروفة، لأنها ليست علما ولا صفة، كصفوان في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
وقد جاء في لفظ آخر: «السلام على جبريل وميكال» كانوا يقولون هكذا في السلام فقال النبي ﷺ «لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام» .
وهذا نهي تحريم، والسلام لا يحتاج إلى سلام، هو نفسه سلام سالم من كل نقص ومن كل عيب.
وفيه دليل على جواز السلام على الملائكة؛ لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولأنه ﵊ لما أخبر عائشة أن جبريل يسلم عليها قالت: " ﵇ ".
стр. 3750
فيه مسائل:
الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.
ــ
فيه مسائل:
الأول تفسير السلام فبالنسبة لكونه اسما من أسماء الله معناه السالم من كل نقص وعيب، وبالنسبة لكونه تحية له معنيان:
الأول: تقدير مضاف، أي، اسم السلام عليكم، أي: اسم الله الذي هو السلام عليكم.
الثاني: أن السلام بمعنى التسليم اسم مصدر كالكلام بمعنى التكليم، أي: تخبر خبرا يراد به الدعاء، أي: أسأل الله أن يسلمك تسليما.
الثانية: أنه تحية وسبق ذلك.
الثالثة: أنها لا تصلح لله وإذا كانت لا تصلح له كانت حراما.
الرابعة: العلة في ذلك وهي أن الله هو السلام، وقد سبق بيانها.
الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله وتؤخذ من تكملة الحديث: «فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله» ... . "، وفيه حسن تعليم الرسول ﷺ من وجهين:
الأول: أنه حينما نهاهم علل النهي.
وفي ذلك فوائد:
١ - طمأنينة الإنسان إلى الحكم إذا قرن بالعلة.
٢ - بيان سمو الشريعة الإسلامية وأن أوامرها ونواهيها مقرونة
стр. 3751
ــ
بالحكمة؛ لأن العلة حكمة.
٣ - القياس على ما شارك الحكم المعلل بتلك العلة.
الثاني: أنه حين نهاهم عن ذلك بين لهم ما يباح لهم، فيؤخذ منه أن المتكلم إذا ذكر ما ينهى عنه فليذكر ما يقوم مقامه مما هو مباح، ولهذا شواهد كثيرة من القرآن والسنة سبق شيء منها.
ويستفاد من الحديث: أنه لا يجوز الإقرار على المحرم، لقوله: «لا تقولوا: السلام على الله» ، وهذا واجب على كل مسلم، ويجب على العلماء بيان الأمور الشرعية لئلا يستمر الناس فيما لا يجوز ويرون أنه جائز، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
стр. 3752
باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت
ــ
قوله: " باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت ".
عقد المؤلف هذا الباب لما تضمنه هذا الحديث من كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله، وذلك من صفات الكمال.
قوله: " اللهم " معناه: يا الله، لكن لكثرة الاستعمال حذفت يا النداء وعوض عنها الميم، وجعل العوض في الآخر تيمنا بالابتداء بذكر الله.
قوله: " اغفر لي " المغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، لأنها مشتقة من المغفرة، وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا بشيء ساتر واق، ويدل له قول الله للعبد المؤمن حينما يخلو به ويقرره بذنوبه يوم القيامة: " قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ".
قوله: " إن شئت " ٠ أي: إن شئت أن تغفر لي فاغفر، وإن شئت فلا تغفر.
стр. 3753
في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له» .
ــ
قوله: " في الصحيح " سبق الكلام على مثل هذه العبارة في كلام المؤلف، والمراد هنا الحديث الصحيح؛ لأن الحديث في " الصحيحين " كليهما قوله ﷺ : " لا يقل أحدكم " لا ": ناهية بدليل جزم الفعل بعدها.
قوله: " اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني " ففي الجملة الأولى " اغفر لي " النجاة من المكروه، وفي الثانية: " ارحمني " الوصول إلى المطلوب، فيكون هذا الدعاء شاملا لكل ما فيه حصول المطلوب وزوال المكروه.
قوله: «ليعزم المسألة» اللازم لام الأمر، ومعنى عزم المسألة: أن لا يكون في تردد بل يعزم بدون تردد ولا تعليق و" المسألة ": السؤال، أي: ليعزم في سؤاله فلا يكون مترددا بقوله: إن شئت.
قوله: «فإن الله لا مكره له» تعليل للنهي عن قول: «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت» ، أي: لا أحد يكرهه على ما يريد فيمنعه منه، أو ما لا يريد فيلزمه بفعله؛ لأن الأمر كله لله وحده.
والتحذير في التعليق من وجوه ثلاثة:
стр. 3754
ولمسلم: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه»
ــ
الأول: أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فكأن الداعي بهذه الكيفية يقول: أنا لا أكرهك، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفر.
الثاني: أن أقول القائل: " إن شئت " كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيما عنده، ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس - والمثال للصورة بالصورة لا للحقيقة بالحقيقة - أعطني مليون ريال إن شئت، فإنك إذا قلت له ذلك، ربما يكون الشيء عظيما يتثاقله، فقولك: إن شئت، لأجل أن تهون عليه المسألة، فالله لا يحتاج أن تقول له: إن شئت؛ لأنه لا يتعاظمه شيء أعطاه، ولهذا قال ﵊: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» .
قوله: «وليعظم الرغبة» ، أي: ليسأل ما شاء من قليل وكثير ولا يقل: هذا كثير لا أسأل الله إياه، ولهذا قال: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» ، أي: لا يكون الشيء عظيما عنده حتى يمنعه ويبخل به كل شيء يعطيه، فإنه ليس عظيما عنده، فالله يبعث الخلق بكلمة واحدة، وهذا أمر عظيم، لكنه يسير عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] وليس بعظيم، فكل ما يعطيه الله لأحد من خلقه فليس بعظيم يتعاظمه، أي: لا يكون الشيء عظيما
стр. 3755
عنده حتى لا يعطيه، بل كل شيء عنده هين.
الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، كأنه يقول: إن شئت فأفعل، وإن شئت فلا تفعل فأنا لا يهمني، ولهذا قال: «وليعظم الرغبة» أي يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك؛ لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر تعليقه بأنه مستغن عنه، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أنه مفتقر إليه غاية الافتقار، وأن الله قادر على أن يعطيه ما سأل، وأن الله ليس يعظم عليه شيء، بل هو هين عليه، إذًا من آداب الدعاء أن لا يدعو بهذه الصيغة، بل يجزم فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفقني، وما أشبه ذلك، وهل يجزم بالإجابة؟
الجواب: إذا كان الأمر عائدا إلى قدرة الله فهذا يجب أن تجزم بأن الله قادر على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: من الآية٦٠] .
أما من حيث دعائك أنت باعتبار ما عندك من الموانع، أو عدم توافر الأسباب فإنك قد تتردد في الإجابة، ومع ذلك ينبغي أن تحسن الظن بالله؛ لأن الله قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فالذي وفقك لدعائه أولا سيمُنُّ عليك بالإجابة آخرا، لا سيما إذا أتى الإنسان بأسباب الإجابة وتجنب الموانع، ومن الموانع الاعتداء في الدعاء، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم.
ومنها أن يدعو بما لا يمكن شرعا وقدرا.
فشرعا كأن يقول: اللهم اجعلني نبيا.
وقدرًا بأن يدعو الله تعالى بأن يجمع بين النقيضين، وهذا أمر لا يمكن، فالاعتداء بالدعاء مانع من إجابته، وهو محرم لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] وهو أشبه ما يكون
стр. 3756
بالاستهزاء بالله سبحانه.
مناسبة الباب للتوحيد: من وجهين:
١. من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى لأن تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل أن لا يسأل عما يفعل، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
وكذلك فيه من ناحية الربوبية من جهة أخرى وهو أن الله يتعاظم الأشياء التي يعطيها، فكان فيه قدح في جودة وكرمه.
٢ - من ناحية العبد، فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات.
فإن قلت: ما الجواب عما ورد في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم! إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» ، وكذا ما ورد في الحديث المشهور: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي» .
فالجواب: أنني لم أعلق هذا بالمشيئة، ما قلت: فاقدره لي إن شئت،
стр. 3757
لكن لا أعلم أن هذا الخير لي أو شر والله يعلم، فأقول إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير فاقدره لي، فالتعليق عندي مجهول لا أعلم هل هو خير لي أو لا؟ وكذا بالنسبة للحديث الآخر؛ لأن الإنسان لا يعلم هل طول حياته خير أو شر؟ ولهذا كره أهل العلم أن تقول للشخص: أطال الله بقاءك؛ لأن طول البقاء لا يعلم، فقد يكون خيرا، وقد يكون شرا، ولكن يقال: أطال الله بقاءك على طاعته وما أشبه ذلك حتى يكون الدعاء خيرا بكل حال، وعلى هذا، فلا يكون في حديث الباب معارضة لحديث الاستخارة ولا حديث: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي» ؛ لأن الدعاء مجزوم به وليس معلقا بالمشيئة، والنهي إنما هو عما كان معلقا بالمشيئة.
لكن لو قال: اللهم اغفر إن أردت وليس إن شئت، فالحكم واحد لأن الإرادة هنا كونية، فهي بمعنى المشيئة، فالخلاف باللفظ لا يعتبر مؤثرا بالحكم.
стр. 3758
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة» . الرابعة: إعظام الرغبة.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. والمراد بالاستثناء هنا الشرط، فإن الشرط يسمى استثناء بدليل قوله ﷺ لضباعة بنت الزبير «حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت» (١) ، ووجهه أنك إذا قلت: أكرم زيدا إن أكرمك، فهو كقولك: أكرم زيدا إلا ألا يكرمك، فهو بمعنى الاستنثناء في الحقيقة.
الثانية: بيان العلة في ذلك. وقد سبق أنها ثلاث علل:
١- أنها تشعر بأن الله له مكره، والأمر ليس كذلك.
٢- أنها تشعر بأن هذا أمر عظيم على الله قد يثقل عليه ويعجز عنه، والأمر ليس كذلك.
٣- أنها تشعر باستغناء الإنسان عن الله، وهذا غير لائق وليس من الأدب.
الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة» . تفيد أنك إذا سألت فاعزم ولا تردد.
الرابعة: إعظام الرغبة. لقوله ﷺ : «وليعظم الرغبة» ، أي: ليسأل. ما
стр. 3759
الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
ــ
بدا له فلا شيء عزيز أو ممتنع على الله.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر. يستفاد من قوله: «فإن الله لا يتعاظمه شيء، أو لا مكره له» وقوله: «وليعظم الرغبة» ، وفي هذا حسن تعليم الرسول ﷺ إذا ذكر شيئا قرنه بعلته.
وفي ذكر علة الحكم فوائد:
الأولى: بيان سمو هذه الشريعة، وأنه ما من شيء تحكم به إلا وله علة وحكمه.
الثانية: زيادة طمأنينة الإنسان؛ لأنه إذا فهم العلة مع الحكم اطمأن، ولهذا لما «سئل ﷺ عن بيع الرطب بالتمر لم يقل حلال أو حرام، بل قال: " أينقص إذا جف؟ " قالوا: نعم. فنهى عنه» . (١)
«" والرجل الذي قال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود - لم يقل ﷺ الولد لك - بل قال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ الأورق: الأشهب الذي بين البياض والسواد؟ قال: نعم.
»
стр. 3760
ــ
«قال: من أين؟ قال: لعله نزعة عرق» ، قال لعل ابنك نزعة عرق، فاطمأن، وعرف الحكم، وأن هذا هو الواقع، فقرنُ الحكم بالعلة يُوجب الطمأنينة ومحبة الشريعة والرغبة فيها.
الثالثة: القياس إذا كانت المسألة في حكم من الأحكام، فليحق بها ما شاركها في العلة.
стр. 3761
باب لا يقول: عبدي وأمتي
في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي. ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي. وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي»
ــ
هذه الترجمة تحتمل كراهة هذا القول وتحريمه، وقد اختلف العلماء في ذلك وسيأتي التفصيل فيه.
قوله: " في الصحيح ". سبق التنبيه على مثل هذه العبارة في كلام المؤلف، وهذا الحديث في " الصحيحين "، أي: في الحديث الصحيح، ولعله أراد " صحيح البخاري "؛ لأن هذا لفظه، أما لفظ مسلم، فيختلف.
قوله ﷺ : " لا يقل ". الجملة نهي.
" عبدي "، أي: للغلام.
و" أمتي "، أي: للجارية.
والحكم في ذلك ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يضيفه إلى غيره، مثل أن يقول: عبد فلان أو أمة فلان، فهذا
стр. 3762
جائز، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقال النبي ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» .
الثاني: أن يضيفه إلى نفسه، وله صورتان:
الأولى: أن يكون بصيغة الخبر، مثل: أطعمت عبدي، كسوت عبدي، أعتقت عبدي، فإن قاله في غيبة العبد أو الأمة، فلا بأس به، وإن قاله في حضرة العبد أو الأمة، فإن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو السيد منع، وإلا، فلا لأن قائل ذلك لا يقصد العبودية التي هي الذل، وإنما يقصد أنه مملوك.
الثانية: أن يكون بصيغة النداء فيقول السيد: يا عبدي! هات كذا، فهذا منهي عنه، وقد اختلف العلماء في النهي: هل هو للكراهة أو التحريم؟ والراجح التفصيل في ذلك، وأقل أحواله الكراهة.
قوله ﷺ : «لا يقل أحدكم: أطعم ربك» .... إلخ ". أي: لا يقل أحدكم لعبد غيره، ويحتمل أن يشمل قول السيد لعبده حيث يضع الظاهر موضع المضمر تعاظما.
واعلم أن إضافة الرب إلى غير الله تعالى تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب، مثل: أطعم ربك، وضئ ربك، فيكره ذلك للنهي عنه؛ لأن فيه محذورين:
من جهة الصيغة؛ لأنه يوهم معنى فاسدا بالنسبة لكلمة رب؛ لأن الرب من أسمائه سبحانه، وهو يطعم ولا يُطعم، وإن كان بلا شك أن
стр. 3763
الرب هنا غير رب العالمين الذي يطعم ولا يطعم، ولكن من باب الأدب في اللفظ.
من جهة المعنى أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل؛ لأنه إذا كان السيد ربا كان العبد أو الأمة مربوبا.
القسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب، لا بأس به، كقوله ﷺ في حديث أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربها» ، وأما لفظ " ربتها "، فلا إشكال فيه لوجود تاء التأنيث فلا اشتراك مع الله في اللفظ؛ لأن الله لا يقال له إلا رب، وفي حديث الضالة - وهو متفق عليه - «حتى يجدها ربها» وقال بعض أهل العلم - وهو متفق عليه: إن حديث الضالة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل، فليست كالإنسان، والصحيح عدم الفارق؛ لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ ، وقال في الناس: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس جميعهم: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] ، وعلى هذا، فيجوز أن تقول: أطعم الرقيق ربه، ونحوه....
القسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي، فهل يجوز هذا؟
قد يقول قائل: إن هذا جائز؛ لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تعالى
стр. 3764
عن صاحب يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٣٢] ، أي: سيدي، ولأن المحذور من قول " رَبِّي هو إذلال العبد، وهذا منتف؛ لأنه هو بنفسه يقول: هذا ربي.
القسم الرابع: أن يضاف الاسم إلى الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام، فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع، كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك.
قوله: " وليقل: سيدي ومولاي ". المتوقع أن يقول: وليقل سيدك ومولاك؛ لأن مقتضى الحال أن يرشد إلى ما يكون بدلا عن اللفظ المنهي عنه بما يطابقه، وهنا ورد النهي بلفظ الخطاب، والإرشاد بلفظ التكلم، وليقل: " سيدي ومولاي "، ففهم المؤلف ﵀ كما سيأتي في المسائل - أن فيه لإشارة إلى أنه إذا كان الغير قد نُهي أن يقول للعبد: أطعم ربك، فالعبد من باب أولى أن ينهى عن قول: أطعمت ربي، وضأت ربي، بل يقول: سيدي ومولاي.
وأما إذا قلنا بأن أطعم ربك خاص بمن يخاطب العبد لما فيه من إذلال العبد بخلاف ما إذا قال هو بنفسه: أطعمت ربي، فإنه ينتفي الإذلال، فإنه يقال: إن الرسول ﷺ لما وجه الخطاب إلى العبد نفسه، فقال: " وليقل: سيدي ومولاي "، أي بدلا عن قوله: أطعمت ربي، وضأت ربي.
وقوله: " سيدي " السيادة في الأصل علو المنزلة، لأنها من السؤدد والشرف والجاه وما أشبه ذلك.
والسيد يطلق على معاني، منها: المالك، والزوج، والشريف المطاع.
وسيدي هنا مضافة إلى ياء المتكلم وليست على وجه الإطلاق.
стр. 3765
فالسيد على وجه الإطلاق لا يقال إلا لله قال ﷺ : «السيد الله» . (١)
وأما السيد مضافة، فإنها تكون لغير الله، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [سورة يوسف: ٢٥] وقال ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» ، والفقهاء يقولون: إذا قال السيد لعبده، أي: سيد العبد لعبده.
· تنبيه:
اشتهر بعض الناس إطلاق السيدة على المرأة، فيقولون مثلا: هذا خاص بالرجال، وهذا خاص بالسيدات، وهذا قلب للحقائق؛ لأن السادة هم الرجال، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٦٢] ، وقال ﷺ : «إن النساء عوان عندكم» (٢) . أي: بمنزلة الأسير، وقال في الرجل: «راع في أهله ومسؤول عن رعيته» ، فالصواب أن يقال للواحدة امرأة وللجماعة منهن نساء.
قوله: " ومولاي ". أي: وليقل مولاي، والولاية تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ولاية مطلقة، وهذه لله لا تصلح لغيره،
стр. 3766
كالسيادة المطلقة.
وولاية الله نوعان:
النوع الأول: عامة، وهي الشاملة لكل أحد، قال تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٦٢] ، فجعل له ولاية على هؤلاء المفترين، وهذه ولاية عامة.
النوع الثاني: خاصة بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] ، وهذه ولاية خاصة، ومقتض السياق أن يقال: وليس مولى الكافرين، لكن قال: ﴿لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ، أي: لا هو مولى للكافرين ولا أولياؤهم الذين يتخذونهم آلهة من دون الله موالي لهم لأنهم يوم القيامة يتبرؤون منهم.
القسم الثاني: ولاية مقيدة مضافة، فهذه تكون لغير الله، ولها في اللغة معان كثيرة، منها: الناصر، والمتولي للأمور، والسيد، والعتيق.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] ، وقال ﷺ فيما يرو عنه: «من كنت مولاه، فعلي مولاه» (١) ، وقال ﷺ : «إنما الولاء لمن اعتق» . ويقال للسلطان ولي الأمر، والعتيق مولى فلان لمن أعتقه، وعليه يعرف أنه لا وجه لاستنكار بعض الناس لمن خاطب ملكا بقوله: مولاي؛ لأن المراد
стр. 3767
بمولاي أي متولي أمري، ولا شك أن رئيس الدولة يتولى أمورها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
قوله ﷺ : " «ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي» ، هذا خطاب للسيد أن لا يقول: عبدي وأمتي لمملوكه ومملوكته؛ لأننا جميعا عباد الله، ونساؤنا إماء لله، قال النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» .
فالسيد منهي أن يقول ذلك؛ لأنه إذا قال: عبدي وأمتي، فقد تشبه بالله ولو من حيث ظاهر اللفظ؛ لأن الله يخاطب عباده بقوله: عبدي، كما في الحديث: «عبدي استطعمتك فلم تطعمني» . " وما أشبه ذلك.
وإن كان السيد يريد بقوله: " عبدي "، أي: مملوكي، فالنهي من باب التنزه عن اللفظ الذي يوهم الإشراك، وقد سبق بيان حكم ذلك.
وقوله: " وأمتي ". الأمة: الأنثى من المملوكات، وتسمى الجارية.
والعلة من النهي: أن فيه إشعارا بالعبودية، وكل هذا من باب حماية التوحيد والبعد عن التشريك حتى في اللفظ، ولهذا ذهب بعض أهل العلم ومنهم شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ إلى أن النهي في الحديث ليس على سبيل التحريم، وأنه على سبيل الأدب والأفضل والأكمل، وقد سبق بيان
стр. 3768
ــ
حكم ذلك مفصلا.
قوله: " «وليقل فتاي وفتاتي» . مثله جاريتي وغلامي، فلا بأس به.
وفي هذا الحديث من الفوائد:
١ - حسن تعليم الرسول ﷺ حيث إنه إذا نهى عن شيء فتح للناس ما يباح لهم فقال: «لا يقل: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي» ، وهذه كما هي طريقة النبي ﷺ فهي طريقة القرآن - أيضا - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، وهكذا ينبغي لأهل العلم وأهل الدعوة إذا سدوا على الناس بابا محرما أن يفتحوا لهم الباب المباح؛ حتى لا يضيقوا على الناس ويسدوا الطرق أمامهم؛ لأن في ذلك فائدتين عظيمتين:
الأولى: تسهيل ترك المحرم على هؤلاء، لأنهم إذا عرفوا أن هناك بدلا عنه هان عليهم تركه.
الثانية: بيان أن الدين الإسلامي فيه سعة، وأن كل ما يحتاج إليه الناس، فإن الدين الإسلامي يسعه، فلا يحكم على الناس أن لا يتكلموا بشيء أو لا يفعلوا شيئا إلا وفتح لهم ما يغني عنه، وهذا من كمال الشريعة الإسلامية.
٢ - أن الأمر يأتي للإباحة، لقوله: «وليقل: سيدي ومولاي» ، وقد قال العلماء: إن الأمر إذا أتى في مقابلة شيء ممنوع صار للإباحة، وهنا جاء الأمر في مقابلة شيء ممنوع، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] .
стр. 3769
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي. الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي.
الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي.
الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي. تؤخذ من قوله: «ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي» ، وقد سبق بيان ذلك.
الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. تؤخذ من الحديث، وقد سبق بيان ذلك.
الثالثة: تعليم الأول (وهو السيد) قول: فتاي وفتاتي وغلامي.
الرابعة: تعليم الثاني (وهو العبد) قول: سيدي ومولاي.
الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ. وقد سبق ذلك.
وفي الباب مسائل أخرى لكن هذه المسائل هي المقصود.
стр. 3770
باب لا يرد من سأل بالله
ــ
قوله: " باب لا يرد ". " لا " نافية بدليل رفع المضارع بعدها، والنفي يحتمل أن يكون للكراهة، وأن يكون للتحريم.
وقوله: " من سأل بالله ". أي: من سأل غيره بالله، والسؤال بالله ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: السؤال بالله بالصيغة، مثل أن يقول: أسألك بالله كما تقدم في حديث الثلاثة حيث قال الملك: «أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن واللون الحسن بعيرا» .
الثاني: السؤال بشرع الله أي: يسأل سؤالا يبيحه الشرع، كسؤال الفقير من الصدقة، والسؤال عن مسألة من العلم، وما شابه ذلك.
وحكم من رد من سأل بالله الكراهة أو التحريم حسب حال المسؤول والسائل، وهنا عدة مسائل:
المسألة الأولى هل يجوز للإنسان أن يسأل بالله أم لا؟
وهذه المسألة لو يتطرق إليه المؤلف ﵀ فنقول أولا: السؤال من حيث هو مكروه ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدا شيئا إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي ﷺ أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا، حتى إن عصا أحدهم ليسقط منه وهو على راحلته، فلا يقول لأحد: ناولنيه بل
стр. 3771
ــ
ينزل ويأخذه.
والمعنى يقتضيه؛ لأنك إذا أعززت نفسك ولم تذلها لسؤال الناس بقيت محترما عند الناس، وصار لك منعة من أن تذل وجهك لأحد؛ لأن من أذل وجهه لأحد، فإنه ربما يحتاجه ذلك الأحد لأمر يكره أن يعطيه إياه، ولكنه سأله اضطر إلى أن يجيبه، ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ازهد فيما عند الناس يحبك الناس» (١) ، فالسؤال أصلا مكروه أو محرم إلا لحاجة أو ضرورة.
فسؤال المال محرم، فلا يجوز أن يسأل من أحد مالا إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وقال الفقهاء ﵏ في باب الزكاة: " إن من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله "، ولكن فيما قالوه نظر، فإن الرسول ﷺ حذر من السؤال، وقال: «إن الإنسان لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم» ، وهذا يدل على التحريم إلا للضرورة.
وأما سؤال المعونة بالجاه أو المعونة بالبدن، فهذه مكروهة، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
وأما إجابة السائل، فهو موضوع بابنا هذا، ولا يخلو السائل من أحد الأمرين:
الأول: أن يسأل سؤالا مجردا، كأن يقول مثلا: يا فلان! أعطني كذا وكذا، فإن كان مما أباحه الشارع له فإنك تعطيه، كالفقير يسأل شيئا من الزكاة.
الثاني: أن يسأل بالله، فهذا تجيبه وإن لم يكن مستحقا؛ لأنه سأل
стр. 3772
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل بالله فأعطوه؛ ومن استعاذ بالله؛ فأعيذوه، ومن دعاكم؛ فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا؛ فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» . رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح
ــ
بعظيم، فإجابته من تعظيم هذا العظيم، لكن لو سأل إثما أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، فإنه لا يجاب.
مثال الأول: أن يسألك بالله نقودا ليشتري بها محرما كالخمر.
ومثال الثاني: أن يسألك بالله أن تخبره عما في سرك وما تفعله مع أهلك؛ فهذا لا يجاب لأن في الأول إعانة على الإثم، وإجابته في الثاني ضرر على المسؤول.
قوله ﷺ : " من سأل بالله " " مَن ": شرطية للعموم.
قوله: " فأعطوه " الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا على المسؤول؛ لأن في إعطائه إجابة لحاجته وتعظيما لله الذي سأل به.
ولا يشترط أن يكون سؤاله بلفظ الجلالة بل بكل اسم يختص بالله، كما قال الملك الذي جاء إلى الأبرص والقرع والأعمى: «أسألك بالذي أعطاك كذا وكذا» .
стр. 3773
قوله: «ومن استعاذ بالله فأعيذوه» . أي قال: أعوذ بالله منك، فإنه يجب عليك أن تعيذه؛ لأنه استعاذ بعظيم، ولهذا «لما قالت ابنة الجَون للرسول ﷺ : أعوذ بالله منك، قال لها: " لقد عذت بعظيم - أو معاذ، الحقي بأهلك» .
لكن يستثنى من ذلك لو استعاذ من أمر واجب عليه، فلا تعذه، مثل أن تلزمه بصلاة الجماعة، فقال أعوذ بالله منك.
وكذلك لو ألزمته بالإقلاع عن أمر محرم، فاستعاذ بالله منك، فلا تعذه لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، ولأن الله لا يعيذ عاصيا، بل العاصي يستحق العقوبة لا الانتصار له وإعادته.
وكذلك من استعاذ بملجأ صحيح يقتضي الشرع أن يعيذه - وإن لم يقل أستعيذ بالله، فإنه يجب عليك أن تعيذه كما قال أهل العلم: لو جنى أحد جناية ثم لجأ إلى الحرم، فإنه لا يقام عليه الحد ولا القصاص في الحرم، ولكنه يضيق عليه، فلا يبايع، ولا يشترى منه، ولا يؤجر حتى يخرج.
قوله: «ومن دعاكم فأجيبوه» . " من ": شرطية للعموم، والظاهر أن المراد بالدعوة هنا للإكرام، وليس المقصود بالدعوة هنا النداء.
وظاهر الحديث وجوب إجابة الدعوة في كل دعوة، وهو مذهب الظاهرية.
وجمهور أهل العلم: أنها مستحبة إلا دعوة العرس، فإنها واجبة لقوله ﷺ فيها: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، ومن»
стр. 3774
«لم يجب، فقد عصى الله ورسوله» . وسواء قيل بالوجوب أو الاستحباب، فإنه يشترط لذلك شروط:
١. أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن.
٢. ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر، فإن أمكنة إزالته، وجب عليه الحضور لسببين:
- إجابة الدعوة.
- وتغيير المنكر.
وإن كان لا يمكن إزالته حرم عليه الحضور؛ لأن حضوره يستلزم إثمه، وما استلزم الإثم، فهو إثم.
٣. أن يكون الداعي مسلما، وإلا لم تجب الإجابة، لقوله ﷺ : «حق المسلم على المسلم خمس» . " وذكر منها: «إذا دعاك فأجبه» . قالوا: وهذا مقيد للعموم الوارد.
٤. أن لا يكون كسبه حرام؛ لأن إجابته تستلزم أن تأكل طعاما حراما، وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم.
وقال آخرون: ما كان محرما لكسبه، فإنما إثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرما لعينه، كالخمر
стр. 3775
والمغصوب ونحوهما، وهذا القول وجيه قوي، بدليل أن الرسول ﷺ اشترى من يهودي طعاما لأهله، وأكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية بخيبر، وأجاب دعوة اليهودي (١) ، ومن المعلوم أن اليهود معظمهم يأخذون الربا ويأكلون السحت، وربما يقوي هذا القول قوله ﷺ في اللحم الذي تصدق به على بريرة: " هو لها صدقة ولنا منها هدية ".
وعلى القول الأول، فإن الكراهة تقوى وتضعف حسب كثرة المال الحرام وقلته، فكلما كان الحرام أكثر كانت الكراهة أشد، وكلما قل كانت الكراهة أقل.
٥. أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب أو ما هو أوجب منها، فإن تضمنت ذلك حرمت الإجابة.
٦. أن لا تتضمن ضررا على المجيب، مثل أن تحتاج إجابة الدعوة إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم.
مسألة: هل إجابة الدعوة حق على لله أو للآدمي؟
الجواب: حق للآدمي، ولهذا طلبت من الداعي أن يقيلك فقبل، فلا إثم عليك، لكنها واجبة بأمر الله ، ولهذا ينبغي أن تلاحظ أن إجابتك طاعة لله وقيام بحق أخيك، لكن لصاحبها أن يسقطها كما أن له أن لا
стр. 3776
يدعوك أيضا، ولكن إذا أقالك حياء منه وخجلا من غير اقتناع، فإنه لا ينبغي أن تدع الإجابة.
مسألة: هل بطاقات الدعوة التي توزع كالدعوة بالمشافهة؟
الجواب: البطاقات ترسل إلى الناس ولا يُدرى لمن ذهبت إليه، فيمكن أن نقول: إنها تشبه دعوة الجاهلية فلا تجب الإجابة، أما إذا علم أو غلب على الظن أن الذي أرسلت إليه مقصود بعينه، فإنه لها حكم الدعوة بالمشافهة.
قوله: «" من صنع إليكم معروفا، فكافئوه» . المعروف: الإحسان، فمن أحسن إليك بهدية أو غيرها، فكافئه، فإذا أحسن إليك بإنجاز معاملة وكان عملا زائدا عن الواجب عليه، فكافئه، وهذا، كالملك أو الرئيس. مثلا إذا أعطاك هدية، فمثل هذا يُدعى له، لأنك لو كافأته لرأى أن في ذلك غضا من حقه فتكون مسيئا له، والنبي ﷺ أن تكافئه إحسانه.
وللمكافأة فائدتان:
١. تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.
٢. أن الإنسان يكسر بها الذل الذي حصل له يصنع المعروف إليه؛ لأن من صنع إليك معروفا فلا بد أن يكون في نفسك رقة له، فإذا رددت إليه معروفه زال عنك ذلك؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «اليد العليا خير من اليد السفلى» ، واليد العليا هي يد المعطي، وهذه فائدة عظيمة لمن صنع له
стр. 3777
ــ
معروفا، لئلا يرى لأحد عليه منة إلا الله ، لكن بعض الناس يكون كريما جدا، فإذا كافأته بدل هديته أكثر مما أعطيته، فهذا لا يريد مكافأة، ولكن يُدعى له، لقوله ﷺ : «فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له» وكذلك الفقير إذا لم يجد مكافأة الغني فإنه يدعو له.
ويكون الدعاء بعد الإهداء مباشرة؛ لأنه من باب المسارعة إلى أمر الرسول ﷺ ، ولأنه به سرور صانع المعروف.
قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه» . " تروا "، بفتح التاء بمعنى تعلموا، وتجوز بالضم بمعنى تظنوا، أي: حتى تعلموا أو يغلب على ظنكم أنكم قد كافأتموه، ثم أمسكوا.
стр. 3778
فيه مسائل:
الأولى: إعاذة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله.
الثالثة: إجابة الدعوة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه» .
ــ
فيه مسائل:
الأولى إعاذة من استعاذ بالله. وسبق أن من استعاذ بالله وجبت إعاذته، إلا أن يستعيذ عن شيء واجب فعلا أو تركا، فإنه لا يعاذ.
الثانية: إعطاء من سأل بالله. وسبق التفصيل فيه.
الثالثة: إجابة الدعوة. وسبق كذلك التفصيل فيها.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة. أي: على صنيعةِ من صنع إليك معروفا، وسبق تفصيل ذلك.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه. وسبق أنه مكافأة في ذلك، وفيما إذا كان الصانع لا يُكافأ مثله عادة.
السادسة: قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه» . أي: أنه لا يقصر في الدعاء، بل يدعو له حتى يعلم أو يغلب على ظنه أنه قد كافأه.
وفيه مسائل أخرى لكن ما ذكره المؤلف هو المقصود.
стр. 3779
باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
عن جابر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» (١) . رواه أبو داود
ــ
مناسبة هذا الباب للتوحيد: أن فيه تعظيم وجه الله ، بحيث لا يسأل به إلا الجنة.
قوله: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» . اختلف في المراد بذلك على قولين:
القول الأول: أن المراد: لا تسألوا أحدا من المخلوقين بوجه الله، فإذا أردت أن تسأل أحدا من المخلوقين، فلا تسأله بوجه الله؛ لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة، فإذا لا يسألون بوجه الله مطلقا، ويظهر أن المؤلف يرى هذا الرأي في شرح الحديث، ولذلك ذكره بعد " باب لا يرد من سأل بالله ".
القول الثاني: أنك إذا سألت الله، فإن سألت الجنة وما يستلزم دخولها، فلا حرج أن تسأل بوجه الله، وإن سألت شيئا من أمور الدنيا، فلا تسأله بوجه الله؛ لأن وجه الله أعظم من أن يسأل به لشيء من أمور الدنيا.
فأمور الآخرة تسأل بوجه الله، كقولك مثلا: أسألك بوجهك أن تنجيني
стр. 3780
من النار، والنبي ﷺ استعاذ بوجه الله لما نزل قوله تعالى: " ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ، قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ، قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: هذه أهون أو أيسر ".
ولو قيل: إنه يشمل المعنيين جميعا، لكان له وجه.
وقوله: " بوجه الله ". فيه إثبات الوجه لله ، وهو ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف، فالقرآن في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢] والآيات كثيرة.
والسنة كما في الحديث السابق: " أعوذ بوجهك ".
واختلف في هذا الوجه الذي أضافه الله إلى نفسه: هل هو وجه حقيقي، أو أنه وجه يعبر به عن الشيء الذي يراد به وجهه وليس هو الوجه الحقيقي، أو أنه يعبر به عن الجهة، أو أنه يعبر به عن الثواب؟
فيه خلاف، لكن هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا: إنه وجه حقيقي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، ولما أراد الله غير ذاته، قال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ف" ذي " صفة لرب وليست صفة لاسم، و" ذو "
стр. 3781
صفة لوجه وليست صفة لرب، فإذا كان الوجه موصوفا بالجلال والإكرام، فلا يمكن أن يراد به الثواب أو الجهة أو الذات وحدها؛ لأن الوجه غير الذات.
وقال أهل التعطيل: أن الوجه عبارة عن الذات أو الجهة أو الثواب، قالوا: ولو أثبتنا لله وجها للزم أن يكون جسما، والأجسام متماثلة، ويلزم من ذلك لإثبات المثل لله ، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وإثبات المثل تكذيب للقرآن، وأنتم يا أهل السنة تقولون: إن من اعتقد أن لله مثيلا فيما يختص به فهو كافر، فنقول لهم:
أولا: ما تعنون بالجسم الذي فررتم منه، أتعنون به المُركَّب من عظام وأعصاب ولحم ودم بحيث يفتقر كل جزء منه إلى الآخر؟ إن أردتم ذلك، فنحن نوافقكم أن الله ليس على هذا الوجه ولا يمكن أن يكون كذلك، وإن أردتم بالجسم الذات الحقيقية المتصفة بصفات الكمال، فلا محذور في ذلك، والله تعالى وصف نفسه بأنه أحد صمد، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] ، قال ابن عباس ﵄: الصمد: الذي لا جوف له. (١)
ثانيا: قولكم: إن الأجسام متماثلة قضية من أكذب القضايا، فهل جسم الدب مثل جسم النملة؟ فبينهما تباين عظيم في الحجم والرقة واللين وغير ذلك.
فإذا بطلت هذه الحجة بطلت النتيجة وهي استلزام مماثلة الله لخلقه.
ونحن نشاهد البشر لا يتفقون في الوجوه، فلا تجد اثنين متماثلين من كل وجه ولو كانا توءمين، بل قالوا: إن عروق الرجل واليد غير متماثلة من شخص إلى آخر.
стр. 3782
ويلاحظ أن التعبير بنفي المماثلة أولى من التعبير بنفي المشابهة؛ لأنه اللفظ الذي جاء به القرآن، ولأنه ما من شيئين موجودين إلا ويتشابهان من وجه ويفترقان من وجه آخر، فنفي مطلق المشابهة لا يصح، وقد تقدم.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن لله خلق آدم على صورته» ، ووجه الله لا يماثل أوجه المخلوقين، فيجاب عنه:
بأنه لا يراد به صورة تماثل صورة الرب بإجماع المسلمين والعقلاء؛ لأن الله وسع كرسيه السماوات والأرض، والسماوات والأرضون كلها بالنسبة للكرسي - موضع القدمين - كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فما ظنك برب العالمين؟ فلا أحد يحيط به وصفا ولا تخيلا، من هذا وصفه لا يمكن أن يكون على صورة آدم ستون ذراعا، وإنما يراد به أحد معنيين:
الأول: أن الله خلق آدم على صورة اختارها وجعلها أحسن صورة في الوجه، وعلى هذا، فلا ينبغي أن يقبح أو يضرب لأنه لما أضافه إلى نفسه اقتضى من الإكرام ما لا ينبغي معه أن يقبح أو أن يضرب.
الثاني: أن الله خلق آدم على صورة الله ولا يلزم من ذلك المماثلة بدليل قوله ﷺ : «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أضوأ كوكب في السماء» ، ولا يلزم أن يكون على
стр. 3783
ــ
صورة نفس القمر؛ لأن القمر أكبر من أهل الجنة، وأهل الجنة يدخلونها طول أحدهم ستون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع كما في بعض الأحاديث.
وقال بعض أهل العلم: على صورته، أي: صورة آدم، أي: أن الله خلق آدم أول مرة على هذه الصورة، وليس كبنيه يتدرج في الإنشاء نطفة ثم علقة ثم مضغة.
لكن الإمام أحمد ﵀ أنكر هذا التأويل، وقال: هذا تأويل الجهمية، ولأنه يفقد الحديث معناه، وأيضا يعارضه اللفظ الآخر المفسر للضمير وهو بلفظ: «على صورة الرحمن» .
стр. 3784
فيه مسائل:
• الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه.
ــ
فيه مسائل:
· الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
تؤخذ من حديث الباب، وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، لكن على تقدير صحته، فإن من الأدب أن لا تسأل بوجه الله إلا ما كان من أمر الآخرة: الفوز بالجنة، أو النجاة من النار.
· الثانية: إثبات صفة الوجه. وقد سبق الكلام عليه.
стр. 3785
باب ما جاء في ال (لو)
ــ
قوله: في " اللو ".
دخلت " أل " على " لو " وهي لا تدخل إلا على الأسماء، قال ابن مالك:
بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل
لأن المقصود بها اللفظ، أي: باب ما جاء في هذا اللفظ.
والمؤلف ﵀ جعل الترجمة مفتوحة ولم يجزم بشيء؛ لأن " لو " تستعمل على عدة أوجه:
الوجه الأول: أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرم، قال تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٨] في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أُبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول ﷺ ، وقالوا: لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم يصل إلى الكفر.
الثاني: أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرم أيضا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا، فهم يعترضون على قدر الله.
الثالث: أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضا؛ لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه؛ لأن الندم يكسب النفس حزنا وانقباضا، والله يريد من أن نكون في انشراح وانبساط، قال ﷺ : «احرص على ما ينفعك»