← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

وفي المسند والسنن «عن ابن الديلمي؛ قال: " أتيت أُبيّ بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر؛ فحدثني بشيء، لعل الله أن يُذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا؛ ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ » حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه ــ النار من كان من المؤمنين حتى صاروا حُمَما، يعني: فحما أسود، وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (الحج:٢٢) ، وفي قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (النساء: ٥٦) . قوله: (في نفسي شيء من القدر) . لم يفصح عن هذا الشي، لكن لعله لما حدثت بدعة القدر، وهي أول البدع حدوثا صار الناس يتشككون فيها ويتكلمون فيها. وإلا، فإن الناس قبل حدوث هذه البدعة كانوا على الحق، ولا سيما رسول الله ﷺ خرج على أصحابه ذات يوم وهم يتكلمون في القدر،؟

стр. 3852

فغضب النبي ﵊ من ذلك، وأمرهم بأن لا يتنازعوا وأن لا يختلفوا، فكف الناس عن هذا، (١) حتى قامت بدعة القدرية وحصل ما حصل من الشُّبه، فلهذا يقول ابن الديلمي: (في نفسي شيء من القدر ... ) . قوله: «فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي» . أي: يذهب هذا الشيء، وهكذا يجب على الإنسان إذا أصيب بمرض أن يذهب إلى أطباء ذلك المرض، وأطباء مرض القلوب هم العلماء، ولا سيما مثل الصحابة ﵃، كأُبيّ بن كعب، فلكل داء طبيب. قوله: «لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر» . هذا يدل على أن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر؛ لأن الذي لا تقبل منهم النفقات هم الكفار، وسبق نحوه عن ابن عمر ﵄. قوله: «حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك» . قد سبق الكلام على هذه الجملة. قوله: (ولو مِت) . (مُت) بالضم، لأنها من مات يموت، وفيه لغة أخرى بالكسر (مِت) ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٨) في إحدى القراءتين، وهي على هذه القراءة من مات يَميت بالياء. قوله: (على غير هذا، لكنت من أهل النار) . جزم أُبَيّ بن كعب ﵁ بأنه إذا مات على غير هذا كان من أهل النار؛ لأن من أنكر القدر فهو كافر، والكافر يكون من أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها. وهل هذا الدواء يفيد؟

стр. 3853

الجواب: نعم يفيد، وكل مؤمن بالله إذا علم أن منتهى من لم يؤمن بالقدر هو هذا، فلا بد أن يرتدع، ولا بد أن يؤمن بالقدر على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقوله: «فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك» . المشار إليه الإيمان بالقدر، وأن يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهؤلاء هم العلماء الأجلاء كلهم من أهل القرآن. فأُبَيّ بن كعب من أهل القرآن ومن كتبة القرآن، حتى «أن الرسول ﷺ دعاه ذات يوم وقرأ عليه سورة: (لم يكن ... ) البينة، وقال: (إن الله أمرني أن أقرأها عليك) ، فقال: يا رسول الله! سماني الله لك. قال: (نعم) . فبكى ﵁ بكاء فرح أن الله سماه باسمه لنبيه، وأمر نبيه أن يقرأ عليه هذه السورة» . وأما عبد الله بن مسعود، فقد قال النبي ﷺ : «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» . (١) وأما زيد بن ثابت، فهو أحد كتاب القرآن في عهد أبي بكر ﵁.

стр. 3854

وحذيفة بن اليمان صاحب السر الذي أسر إليه النبي ﷺ بأسماء المنافقين. والحاصل أن هذا الباب يدل على وجوب الإيمان بالقدر والقدر بمراتبه الأربع. مسألة: الإيمان بالقدر هل هو متعلق بتوحيد الربوبية، أو بالألوهية، أو بالأسماء والصفات؟ الجواب: تعلقه بالربوبية أكثر من تعلقه بالألوهية والأسماء والصفات، ثم تعلقه بالأسماء والصفات أكثر من تعلقه بالألوهية، وتعلقه بالألوهية أيضا ظاهر؛ لأن الألوهية بالنسبة لله يسمى توحيد الألوهية، وبالنسبة للعبد يسمى توحيد العبادة، والعبادة فعل العبد، فلها تعلق بالقدر، فالإيمان بالقدر له مساس بأقسام التوحيد الثلاثة. مسالة: هل اختلف الناس في القدر؟ الجواب: نعم، اختلفوا فيه على ثلاث فرق، وقد سبق.

стр. 3855

فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. ــ فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. دليله قوله: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . الثانية: بيان كيفية الإيمان. أي: بالقدر، وهو أن تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ولم يتكلم المؤلف عن مراتب القدر؛ لأنه لم يذكرها، ونحن ذكرناها وأنها أربع مراتب جمعت اختصارا في بيت واحد، وهو قوله: علم كتابة مولانا مشيئته ... وخلقه وهو إيجاد وتكوين والإيمان بهذه المراتب داخل في كيفية الإيمان بالقدر. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. تؤخذ من قول ابن عمر: «لو كان لأحدهم مثل أُحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر» ، ويتفرع منه ما ذكرناه سابقا بأنه يدل على أن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر؛ لأن الكافر هو الذي لا يقبل منه العمل. الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. أي: بالقدر، وهو كذلك؛ لقول عبادة بن الصامت لابنه: يا بني! إنك لن تجد طعم

стр. 3856

الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة. ــ الإيمان ... الخ وقد سبق أن الإيمان بالقدر يوجب طمأنينة الإنسان بما قضاه الله ويستريح؛ لأنه علم أن هذا أمر لا بد أن يقع على حسب المقدور، لا يتخلف أبدا، «ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا؛ لأن لو تفتح عمل الشيطان» ، ولا ترفع شيئا وقع مهما قلت. الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. ظاهر كلام المؤلف: الميل إلى أن القلم أول مخلوقات الله، ولكن الصحيح خلافه، وأن القلم ليس أول مخلوقات الله؛ لأنه ثبت في (صحيح البخاري) : «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر مقادير كل شي» ، وهذا واضح في الترتيب، ولهذا كان الصواب بلا شك أن خلق القلم بعد خلق العرش، وسبق لنا تخريج الروايتين، وأنه على الرواية التي ظاهرها أن القلم أول ما خلق بالنسبة لما يتعلق بهذا العالم المشاهد، فهو قبل السماوات والأرض، فتكون أوليته نسبية. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة. لقوله في الحديث: «فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» .

стр. 3857

السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط. ــ وفيه أيضا من الفوائد: توجيه خطاب الله إلى الجماد، وأنه يعقل أمر الله؛ لأن الله وجه الخطاب إلى القلم ففهم واستجاب، لكنه سأل في الأول وقال: (ماذا أكتب؟) . السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به. لقوله: «من مات على غير هذا، فليس مني» ، وهذه البراءة مطلقة؛ لأن مَنْ لم يؤمن بالقدر فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. لأن ابن الديلمي: يقول: (فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، بعد أن أتى أُبيّ بن كعب، فدل هذا على أن من عادة السلف السؤال عما يشتبه عليهم. وفيه أيضا مسالة ثانية، وهي جواز سؤال أكثر من عالم للتثبت؛ لأن ابن الديلمي سأل عدة علماء، أما سؤال أكثر من عالم لتتبع الرخص؛ فهذا لا يجوز كما نص على ذلك أهل العلم، وهذا من شأن اليهود، فاليهود لما كان في التوراة أن الزاني يُرجم إذا كان محصنا وكثر الزنى في أشرافهم، غيروا هذا الحد، ولما قدم النبي ﷺ المدينة، وزنى منهم رجل بامرأة قالوا: اذهبوا إلى هذا الرجل لعلكم تجدون عنده شيئا آخر، لأجل أن يتتبعوا الرخص. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط. لقول ابن الديلمي: (كلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ ،

стр. 3858

وهذا مزيل للشبهة، فإذا نسب الأمر إلى الله ورسوله، زالت الشبهة تماما، لكن تزول عن المؤمن، أما غير المؤمن، فلا تنفعه، فالله يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: ١٠١) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (يونس:٩٦-٩٧) لكن المؤمن هو الذي تزول شبهته بما جاء عن الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦) ، ولهذا لما قالت عائشة للمرأة: «كان يصيبنا ذلك - تعني الحيض -، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» لم تذهب تعلل، ولكن لا حرج على الإنسان أن يذكر الحكم بعلته لمن لم يؤمن لعله يؤمن، ولهذا يذكر الله إحياء الموتى ويذكر الأدلة العقلية والحسية على ذلك؛ فقال في أدلة العقل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم: ٢٧) فهذه دلالة عقلية، فالعقل يؤمن إيمانا كاملا بأن من قدر على الابتداء فهو قادر على الإعادة من باب أولى. وذكر أدلة حسية منها قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ (فصلت:٣٩) . فإذا لا مانع أن تأتي بالأدلة العقلية أو الحسية من أجل أن تقنع الخصم وتُطَمْئِن الموافق. وفيه دليل رابع، وهو دليل الفطرة، فلا مانع أيضا أن تأتي به للاستدلال

стр. 3859

على ما تقول من الحق لتُلزم الخصم به وتطمئن الموافق، وما زال العلماء يسلكون هذا المسلك، وقد مر علينا قصة أبي المعالي الجويني مع الهمداني، حيث إن أبا المعالي الجويني - غفر الله لنا وله - كان يقرر نفي استواء الله على عرشه، فقال الهمداني: _ دعنا من ذكر العرش، فما تقول في هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: ما قال عارف قط: يا الله! إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو) . فصرخ أبو المعالي ولطم على رأسه، وقال: حيرني الهمداني. فإذا الأدلة سمعية وعقلية وفطرية وحسية. وأشدها إقناعا للمؤمن هو الدليل السمعي؛ لأنه يقف عنده ويعلم أن كل ما خالف دلالة السمع فهو باطل، وإن ظنه صاحبه حقا.

стр. 3860

باب ما جاء في المصورين وعن أبي هريرة ﵁، قال: «قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» أخرجاه. ــ قوله: (باب ما جاء في المصورين) . يعني: من الوعيد الشديد. ومناسبة هذا الباب للتوحيد: أن في التصوير خلقا وإبداعا يكون به المصور مشاركا لله في ذلك الخلق والإبداع. قوله في الحديث: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» . ينتهي سند هذا الحديث إلى الله ويسمى حديثا قدسيا، وسبق الكلام عليه في باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب (ص ٦٩) . قوله (ومن أظلم) . (من) : اسم استفهام والمراد به النفي، أي لا أحد أظلم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام كان أبلغ من النفي المحض؛ لأنه يكون مشربا معنى التحدي والتعجيز. فإن قيل: كيف يجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١١٤) ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾

стр. 3861

(الأنعام:٢١) وغير ذلك من النصوص؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن المعنى أنها مشتركة في الأظلمية، أي أنها في مستوى واحد في كونها في قمة الظلم. الثاني: أن الأظلمية نسبية، أي لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل لا في كل شي، فيقال مثلا: من أظلم في مشابهة أحد في صنعه ممن ذهب يخلق كخلق الله، ومن أظلم في منع حق ممن منع مساجد الله، ومن أظلم في افتراء الكذب ممن افترى على الله كذبا. قوله: (يخلق) . حال من فاعل ذهب، أي: ممن ذهب خالقا. والخلق في اللغة: التقدير، قال الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض الناس يخلق ثم لا يفري تفري، أي: تفعل، ما خلقت، أي: ما قدرت. ويطلق الخلق على الفعل بعد التقدير، وهذا هو الغالب، والخلق بالنسبة للإنسان يكون بعد تأمل ونظر وتقدير، أما بالنسبة للخالق، فإنه لا يحتاج إلى تأمل ونظر لكمال علمه، فالخلق بالنسبة للمصور يكون بمعنى الصنع بعد النظر والتأمل. قوله: (يخلق كخلقي) . فيه جواز إطلاق الخلق على غير الله، وقد سبق الكلام على هذا والجواب عنه في أول الكتاب. قوله: (فليخلقوا ذرة) . اللام للأمر، والمراد به التحدي والتعجيز، وهذا من باب التحدي في الأمور الكونية، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (الطور:٣٤) من باب التحدي في الأمور الشرعية.

стр. 3862

والذرة: واحدة الذر، وهي النمل الصغار، وأما من قال: بأن الذرة هي ما تتكون منها القنبلة الذرية فقد أخطأ؛ لأن النبي ﷺ يخاطب الصحابة بلغة العرب وهم لا يعرفون القنبلة الذرية، وذكر الله الذرة لأن فيها روحا، وهي من أصغر الحيوانات. قوله: (أو ليخلقوا حبة) . (أو) للتنويع، أي: انتقل من التحدي بخلق الحيوان ذي الروح إلى خلق الحبة التي هي أصل الزرع من الشعير وغيره وليس لها روح. قوله: (أو ليخلقوا شعيرة) . يحتمل أن المراد شجرة الشعير، فيكون في الأول ذكر التحدي بأصل الزرع وهي الحبة، ويحتمل أن المراد الحبة من الشعير ويكون هذا من باب ذكر الخاص بعد العام؛ لأن حبة الشعير أخص من الحب. أو تكون (أو) شكا من الراوي. فالله تحدى الخلق إلى يوم القيامة أن يخلقوا ذرة أو يخلقوا حبة شعير. فإن قيل: يوجد رز أمريكي مصنوع. أجيب: إن هذا المصنوع لا ينبت كالطبيعي، ولعل هذا السر في قوله: (أو ليخلقوا حبة) ، ثم قال: (أو ليخلقوا شعيرة) ؛ لأن الحبة إذا غرست في الأرض فلقها الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (الأنعام: ٩٥) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ . أي: اجتمعوا لخلقه متعاونين عليه وقد هيؤوا كل ما عندهم، ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: ٧٣) قال العلماء: لو أن الذباب وقع على هذه الأصنام فامتص شيئا من طيبها ما استطاعوا أن يستنقذوه منه، فيكون الذباب غالبا لها، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾

стр. 3863

أي: العابد والمعبود، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ ، أي: الذباب. ويستفاد من هذا الحديث، وهو ما ساقه المؤلف من أجله: تحريم التصوير؛ لأن المصور ذهب يخلق كخلق الله ليكون مضاهيا لله في صنعه، والتصوير له أحوال: الحال الأولى: أن يصور الإنسان ما له ظل كما يقولون، أي: ما له جسم على هيكل إنسان أو بعير أو أسد أو ما أشبهها، فهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه، فإن قلت: إذا صور الإنسان لا مضاهاة لخلق الله، ولكن صور عبثا، يعني: صنع من الطين أو من الخشب أو من الأحجار شيئا على صورة حيوان وليس قصده أن يضاهي خلق الله، بل قصده العبث أو وضعه لصبي ليهدئه به، فهل يدخل في هذا الحديث؟ فالجواب: نعم، يدخل في هذا الحديث؛ لأنه خلق كخلق الله، ولأن المضاهاة لا يشترط فيه القصد، وهذا هو سر المسألة، فمتى حصلت المضاهاة ثبت حكمها، ولهذا لو أن إنسانا لبس لبسا يختص بالكفار ثم قال: أنا لا أقصد التشبه بهم، نقول: التشبه منك حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك لو أن أحدا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال: ما أردت التشبه، قلنا له: قد حصل التشبه، سواء أردته أم لم ترده. الحال الثاني: أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط، فهذا محرم لعموم الحديث، ويدل عليه حديث النٌّمرقُة حين أقبل النبي ﷺ إلى بيته، فلما أراد أن يدخل رأى نمرقة فيها تصاوير، فوقف وتأثر، وعرفت الكراهة في وجهه، فقالت عائشة ﵂: «ما أذنبت يا رسول الله؟ فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما»

стр. 3864

«خلقتم» فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم، وقوله في (صحيح البخاري) : « (إلا رقما في ثوب» ، إن صحت الرواية هذه، فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها. الحال الثالثة: أن تلتقط الصور التقاطا بأشعة معينة بدون تعديل أو تحسين من الملتقط، فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين: فالقول الأول: أنه تصوير، وإذا كان كذلك، فإن حركة هذا الفاعل للآلة يعد تصويرا؛ إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة، ونحن متفقون على أن هذه صورة، فحركته تعتبر تصوير، فيكون داخلا في العموم. القول الثاني: أنها ليست بتصوير؛ لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من صنع الله. ويوضح ذلك لو أدخلت كتابا في آلة التصوير، ثم خرج من هذه الآلة، فإن رسم الحروف من الكاتب الأول لا من المحرك، بدليل انه قد يشغلها شخص أمي لا يعرف الكتابة إطلاقا أو أعمى في ظلمة، وهذا القول أقرب؛ لأن المصور بهذه الطريقة لا يعتبر مبدعا ولا مخططا، ولكن يبقي النظر: هل يحل هذا الفعل أو لا؟ والجواب: إذا كان لغرض محرم صار حراما، وإذا كان لغرض مباح صار

стр. 3865

مباحا لأن الوسائل له أحكام المقاصد، وعلى هذا، فلو أن شخصا صور إنسانا لما يسمونه بالذكرى، سواء كانت هذه الذكرى للتمتع بالنظر إليه أو التلذذ به أو من أجل الحنان والشوق إليه؛ فإن ذلك محرم ولا يجوز لما فيه من اقتناء الصور؛ لأنه لا شك أن هذه صورة ولا أحد ينكر ذلك. وإذا كان لغرض مباح كما يوجد في التابعية والرخصة والجواز وما أشبهه، فهذا يكون مباحا، فإذا ذهب الإنسان الذي يحتاج إلى رخصة إلي هذا المصور الذي تخرج منه الصورة فورية بدون عمل لا تحميض ولا غيره، وقال: صورني فصوره، فإن هذا المصور لا نقول: إنه داخل في الحديث، أي حديث الوعيد على التصوير، أما إذا قال: صورني لغرض آخر غير مباح، صار من باب الإعانة على الإثم والعدوان. الحال الرابعة: أن يكون التصوير لما لا روح فيه، وهذا على نوعين: النوع الأول: أن يكون مما يصنعه الآدمي، فهذا لا بأس به بالاتفاق؛ لأنه إذا جاز الأصل جازت الصورة، مثل أن يصور الإنسان سيارته، فهذا يجوز؛ لأن صنع الأصل جائز، فالصورة التي هي فرع من باب أولى. النوع الثاني: ما لا يصنعه الآدمي، وإنما يخلقه الله؛ فهذا نوعان: نوع نام، ونوع غير نام، فغير النامي، كالجبال، والأودية، والبحار، والأنهار، فهذه لا بأس بتصويرها بالاتفاق، أما النوع الذي ينمو، فاختلف في ذلك أهل العلم، فجمهور أهل العلم على جواز تصويره لما سيأتي في الأحاديث. وذهب بعض أهل العلم من السلف والخلف إلى منع تصويره، واستدل بأن هذا من خلق الله ، والحديث عام: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» ؛ ولأن الله تحدى هؤلاء بأن يخلقوا حبة أو

стр. 3866

يخلقوا شعيرة، والحبة أو الشعيرة ليس فيه روح، لكن لا شك أنها نامية، وعلى هذا، فيكون تصويرها حراما، وقد ذهب إلى هذا مجاهد رحمة الله - أعلم التابعين بالتفسير -، وقال: (إنه يحرم على الإنسان أن يصور الأشجار، لكن جمهور أهل العلم على الجواز، وهذا الحديث هل يؤيد رأي الجمهور أو يؤيد رأي مجاهد ومن قال بقوله؟ الجواب: يؤيد رأي مجاهد ومن قال بقوله أمران: أولا: العموم في قوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» . ثانيا: قوله: «أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» ، وهذه ليست ذات روح، فظاهر الحديث هذا مع مجاهد ومن يرى رأيه، ولكن الجمهور أجابوا عنه بالأحاديث التالية، وهي أن قوله: «أحيوا ما خلقتم» ، وقوله: «كلف أن ينفخ بها الروح» يدل على أن المراد تصوير ما فيه روح، وأما قوله: «أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» ، فذكر على سبيل التحدي، أي: أن أولئك المصورين عاجزون حتى عن خلق ما لا روح فيه.

стр. 3867

ولهما عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «أشدُّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» . ــ قوله (أشد) . كلمة أشد اسم تفضيل بمعنى أعظم وأقوى. قوله: (الناس) للعموم، والمراد الذين يعذبون. وقوله: (عذابا) . تمييز مبين للمراد بالأشد؛ لأن التمييز كما قال ابن مالك: اسم بمعنى من مبين نكرة ... يُنْصَب تمييزا بما قد فسره والعذاب يطلق على العقاب ويطلق على ما يؤلم ويؤذي وإن لم يكن عقابا، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر:٤٦) أي: العقوبة والنكال؛ لأنه يدخل النار والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (هود: ٩٨) ومن الثاني قول النبي ﵊: ( «السفر قطعة من العذاب» ، وقوله « (الميت يعذب بالنياحة عليه) » . قوله: (يوم القيامة) . هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسبق وجه تسميته بذلك.

стр. 3868

وقوله: (أشد) مبتدأ، و (الذين يضاهئون) خبره، ومعنى يضاهئون، أي: يشابهون. (بخلق الله) ، أي: بمخلوقات الله . والذين يضاهئون بخلق الله هم المصورون، فهم يضاهئون بخلق الله سواء كانت هذه المضاهاة جسمية أو وصفية، فالجسمية أن يصنع صورة بجسمها، والوصفية أن يصنع صورة ملونة؛ لأن التلوين والتخطيط باليد وصف للخلق، وإن كان الإنسان ما خلق الورقة ولا صنعها لكن وضع فيها هذا التلوين الذي يكون وصفا لخلق الله . هذا الحديث يدل على أن المصورين يعذبون، وأنهم أشد الناس عذابا، وأن الحكمة من ذلك مضاهاتهم خلق الله وليست الحكمة كما يدعيه كثير من الناس أنهم يصنعونها لتعبد من دون الله، فذلك شي آخر، فمن صنع شيئا ليعبد من دون الله، فإنه حتى ولو لم يصور كما لو أتى بخشبة وقال اعبدوها، فقد دخل في التحريم، لقوله تعالى ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:٢) ؛ لأنه أعان على الإثم والعدوان. قوله: (يضاهئون) . هل الفعل يشعر بالنية بمعنى أنه لا بد أن يقصد المضاهاة، أو نقول: المضاهاة حاصلة سواء كانت بنية أو بغير نية؟ الجواب الثاني: لأن المضاهاة حصلت سواء نوى أم لم ينو لأن العلة هي المشابهة، وليست العلة قصد المشابهة، فلو جاء رجل وقال: أنا لا أريد أن أضاهي خلق الله، أنا أصور هذا للذكرى مثلا وما أشبه ذلك، نقول: هذا حرام؛ لأنه متى حصلت المشابهة ثبت الحكم؛ لأن الحكم يدور مع علته كما قلنا فيمن لبس لباسا خاصا بالكفار: إنه يحرم عليه هذا اللباس، ولو قال: إنه

стр. 3869

لم يقصد المشابهة، نقول: لكن حصل التشبه، فالحكم المقرون بعلة لا يشترط فيه القصد، فمتى وجدت العلة ثبت الحكم. فيستفاد من الحديث: ١ - تحريم التصوير، وأنه من الكبائر، لثبوت الوعيد عليه، وأن الحكمة من تحريمه المضاهاة بخلق الله . ٢ - وجوب احترام جانب الربوبية، وأن لا يطمع أحد في أن يخلق كخلق الله- ؛ لقوله: (يضاهئون بخلق الله) ، ومن أجل هذا حرم الكبر؛ لأن فيه منازعة للرب وحرم التعاظم على الخلق؛ لأن فيه منازعة للرب ، وكذلك هذا الذي يصنع ما يصنع فيضاهي خلق الله، فيه منازعة لله في ربوبيته في أفعاله ومخلوقاته ومصنوعاته، فيستفاد من هذا الحديث وجوب احترام جانب الربوبية. قوله: (أشد الناس عذابا) ، فيه إشكال؛ لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبا، كالمشركين والكفار، فيلزم أن يكونوا أشد عذابا، وقد أجيب عن ذلك بوجوه: الأول: أن الحديث على تقدير (مِنْ) أي: من أشد الناس عذابا بدليل أن جاء ما يؤيده بلفظ: (إن من أشد الناس عذابا) . الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: ٤٦) ، ولكن يشكل على هذا أن المصور فاعل كبيرة فقط، فكيف يُسَوَّى مع مَنْ هو خارج عن الإسلام ومستكبر؟! الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها

стр. 3870

ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم» ــ أشدهم عذابا الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب. الرابع: أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس عنه، ولم أرَ من قال بهذا، ولو قيل بهذا، لسلمنا من هذه الإيرادات، وعلى كل حال ليس لنا أن نقول إلا كما قال النبي ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» . قوله: (ولهما) . أي: للبخاري ومسلم. قوله «كل مصور في النار» . (كل) : من أعظم ألفاظ العموم، وأصلها من الإكليل، وهو ما يحيط بالشي، ومنه الكلالة في الميراث للحواشي التي تحيط بالإنسان. فيشمل من صور الإنسان أو الحيوان أو الأشجار أو البحار، لكن قوله: (يجعل له بكل صورة صورها نفسا) يدل على أن المراد صورة ذوات النفوس؛ أي: ما فيه روح. قوله: (يُجعل له بكل صورة صورها نفس) . الحديث في (مسلم) وليس في (الصحيحين) ، لكنه بلفظ (يجعل) بالبناء للفاعل، وعلى هذا تكون (نفسا) بالنصب، وتمامه: (فتعذبه في جهنم) .

стр. 3871

. ولهما عنه مرفوعا: «من صور صورة في الدنيا، كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ» . ــ قوله: (يعذب بها) . كيفية التعذيب ستأتي في الحديث الذي بعده أنه يكلف أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ. وقوله: «كل مصور في النار» . أي: كائن في النار. وهذه الكينونة عند المعتزلة والخوارج كينونة خلود؛ لأن فاعل الكبيرة عندهم مخلد في النار، وعند المرجئة، أن المراد بالمصور الكافر؛ لأن المؤمن عندهم لا يدخل النار أبدا، وعند أهل السنة والجماعة أنه مستحق لدخول النار وقد يدخلها وقد لا يدخلها، وإن دخلها لم يخلد فيها. وقوله: (بكل صورة صورها) . يقتضي أنه لو صور في اليوم عشر صور ولو من نسخة واحدة؛ فإنه يجعل له في النار عشر صور يقال له: انفخ فيها الروح، وظاهر الحديث أنه يبقى في النار معذبا حتى تنتهي هذه الصور. قوله (كلف) . أي: أُلزم، والمكلف له هو الله . قوله: (وليس بنافخ) . أي: كلف بأمر لا يتمكن منه زيادة في تعذيبه، وعذب بهذا العذاب ليذوق جزاء ما عمل، وبهذا تزداد حسرته وأسفه، حيث إنه عذب بما كان في الدنيا يراه راحة له، إما باكتساب، أو إرضاء صاحب، أو إبداع صنعة.

стр. 3872

ولمسلم «عن أبي الهياج، قال: قال لي علي. (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع صورة، إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا، إلا سويته) » ــ قوله: (عن أبي الهياج) . هو من التابعين. قوله: (قال لي علي) . هو علي بن أبي طالب ﵁. قوله: (ألا أبعثك) . البعث: الإرسال بأمر مهم، كالدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (النحل:٣٦) . قوله: (على ما بعثني) . يحتمل أن تكون (على) على ظاهرها للاستعلاء؛ لأن المبعوث يمشي على ما بعث عليه، كأنه طريق له، وهذا هو الأولى؛ لأن ما وافق ظاهر اللفظ من المعاني فهو أولى بالاعتبار، ويحتمل أن (على) بمعنى الباء، أي: بما بعثني عليه. وقد بعث النبي صلى الله عيه وسلم عليا إلى اليمن بعد قسمة غنائم حنين، وقدم على النبي ﷺ وهو في مكة في حجة الوداع. قوله: (أن لا تدع) . (أن) : مصدرية، (لا) نافية، (تدع) : منصوب بأن المصدرية وهي بدل بعض من كل من (ما) في قوله (على ما بعثني) لأن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب بأكثر من ذلك، لكن هذا مما بعثه النبي ﷺ .

стр. 3873

قوله: (صورة) . نكرة في سياق النفي فتعم. وجمهور أهل العلم: أن المحرم هو صور الحيوان فقط، لما ورد في السنن من حديث جبريل أن النبي ﷺ قال «فمر برأس التمثال يقطع، فيصير كهيئة الشجرة» (١) وسبق بيان ذلك قريبا. قوله: (إلا طمستها) . إن كانت ملونة فطمسها بوضع لون آخر يزيل معالمها، وإن كانت تمثالا فإنه يقطع رأسه، كما في حديث جبريل السابق، وإن كانت محفورة فيحفر على وجهه حتى لا تتبين معالمه، فالطمس يختلف، وظاهر الحديث سواء كانت تُعبد من دون الله أم لا. قوله: (ولا قبرا مشرفا) : عاليا. قوله: (إلا سويته) . له معنيان: الأول: أي سويته بما حوله من القبور. الثاني: جعلته حسنا على ما تقتضيه الشريعة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ (الأعلى:٢) أي: سوى خلقه أحسن ما يكون، وهذا أحسن، والمعنيان متقاربان. والإشراف له وجوه: الأول: أن يكون مشرفا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عند الناس (نصائل) أو (نصائب) ، ونصائب أصح لغة من نصائل. الثاني: أن يبنى عليه، هذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ : (لعن المتخذين عليه المساجد والسرج)

стр. 3874

الثالث: أن تشرف بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة. الرابع: أن يرفع تراب القبر عما حوله ليكون ظاهرا. فكل شي مشرف، ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره، لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك. ومناسبة ذكر القبر المشرف مع الصور: أن كلا منهما قد يتخذ وسيلة إلى الشرك، فإن أصل الشرك في قوم نوح أنهم صوروا رجال صالحين، فلما طال عليهم الأمد عبدوها، وكذلك القبور المشرفة قد يزداد فيها الغلو حتى تجعل أوثانا تعبد دون الله، وهذا ما وقع في بعض البلاد الإسلامية، وقد أطال الشارح ﵀ في هذا الباب في البناء على القبور، وذلك لأن فتنتها في البلاد الإسلامية قديمة وباقية، ما عدا بلادنا ولله الحمد، فإنها سالمة من ذلك، نسأل الله أن يديم عليها، وأن يحمي بلاد المسلمين من شرها. عقوبة المصور ما يلي: أنه أشد الناس عذابا أو من أشدهم عذابا يوم القيامة. أن الله يجعل له في كل صورة نفسا يعذب بها في نار جهنم. أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ. أنه في النار. أنه ملعون، كما في حديث أبي جحيفة في (البخاري) وغيره. فائدتان: الأولى: (كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ) يقتضي أن المراد التصوير تصوير الجسم كاملا، وعلى هذا، فلو صور الرأس وحده بلا جسم أو الجسم

стр. 3875

وحده بلا رأس، فالظاهر الجواز، ويؤيده ما سبق في الحديث: «مُرْ برأس التمثال فليقطع» ، ولم يقل: فليكسر، لكن تصوير الرأس وحده عندي فيه تردد، أما بقية الجسم بلا رأس، فهو كالشجرة لا تردد فيه عندي. الثانية: تؤخذ من حديث على ﵁، وهو قوله: «أن لا تدع صورة إلا طمستها» أنه لا يجوز اقتناء الصور، وهذا محل تفصيل، فإن اقتناء الصور على أقسام: القسم الأول: أن يقتنيها لتعظيم المصور، لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أٌبوّة أو نحو ذلك، فهذا حرام بلا شك، ولا تدخل الملائكة بيتا فيه هذه الصورة؛ لأن تعظيم ذوي السلطة باقتناء صورهم ثَلم في جانب الربوبية، وتعظيم ذوي العبادة باقتناء صورهم ثَلم في جانب الألوهية. القسم الثاني: اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها، فهذا حرام أيضا، لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق. القسم الثالث: أن يقتنيها للذكرى حنانا وتلطفا كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر، فهذا أيضا حرام للحوق الوعيد به في قوله ﷺ «إن الملائكة لا تدخل بيتا في صورة» . القسم الرابع: أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقا، ولكنها تأتي تبعا لغيرها، كالتي تكون في المجلات والصحف ولا يقصدها المقتني، وإنما يقصد ما في هذه المجلات والصحف من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك،

стр. 3876

والظاهر أن هذا لا بأس به؛ لأن الصور فيها غير مقصودة، لكن إن أمكن طمسها بلا حرج ولا مشقة، فهي أولى. القسم الخامس: أن يقتني الصور على وجه تكون فيه مُهانة ملقاة في الزبل، أو مفترشة، أو موطوءة، فهذا لا بأس به عند جمهور العلماء، وهل يلحق بذلك لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية؟ الجواب: نقول: لا يلحق بذلك، بل لباس ما فيه الصور محرم على الصغار والكبار، ولا يلحق بالمفروش ونحوه، لظهور الفرق بينهما، وقد صرح الفقهاء ﵏ بتحريم لباس ما فيه صورة، سواء كان قميصا أو سروالا أم عمامة أم غيرها. وقد ظهر أخيرا ما يسمى بالحفائظ، وهي خرقة تلف على الفرجين للأطفال والحائض لئلا يتسرب النجس إلى الجسم أو الملابس، فهل تلحق بما يلبس أو بما يمتهن؟ هي إلى الثاني أقرب، لكن لما كان امتهانا خفيا وليس كالمفترش والموطوء صار استحباب التحرز منها أولى. القسم السادس: أن يلجأ إلى اقتنائها إلجاء، كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج:٧٨) .

стр. 3877

فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد على المصورين. الثانية: التنبيه على العلة، وهي ترك الأدب مع الله؛ لقوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» . الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: «فليخلقوا ذرة أو شعيرة» . الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم. لقوله: «يجعل له بكل صورة يصورها نفس يعذب بها في جهنم» . ــ فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد على المصورين. تؤخذ من قوله: «أشد الناس عذابا» ... ) . الحديث. الثانية: التنبيه على العلة، وهي ترك الأدب مع الله؛ لقوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» . فمن ذهب يخلق كخلق الله، فهو مسيء للأدب مع الله لمحاولته أن يخلق مثل خلق الله تعالى، كما أن من ضاده في شرعه فقد أساء الأدب معه. الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: «فليخلقوا ذرة أو شعيرة» . لأن الله خلق أكبر من ذلك وهم عجزوا عن خلق الذرة أو الشعيرة. الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. لقوله: «أشد الناس عذابا» ... الحديث. الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم.

стр. 3878

السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت. ــ لقوله: «يجعل له بكل صورة يصورها نفس يعذب بها في جهنم» . السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. لقوله: «كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» ، وهذا نوع من التعذيب من أشق العقوبات. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت. لقوله: «أن لا تدع صورة إلا طمستها» . وتؤخذ من حديث الباب أيضا: الجمع بين فتنة التماثيل وفتنة القبور؛ لقوله: «أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» ؛ لأن في كل منهما وسيلة إلى الشرك. ويؤخذ منه أيضا: إثبات العذاب يوم القيامة، وأن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه يُجعل له بكل صورة صورها نفس فَتُعَذِّبُه في جهنم. ويؤخذ منه: وقوع تكليف في الآخرة بما لا يطاق على وجه العقوبة.

стр. 3879

باب ما جاء في كثرة الحلف وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . ــ الحلف: هو اليمين والقسم، وهو تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة بأحد حروف القسم، وهي الباء، والواو، والتاء. ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن كثرة الحلف بالله يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف بالله، وتعظيم الله تعالى من تمام التوحيد. قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ . هذه الآية ذكرها الله في سياق كفارة اليمين، وكل يمين لها ابتداء وانتهاء ووسط، فالابتداء الحلف، والانتهاء الكفارة، والوسط الحنث، وهو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، وعلى هذا كل يمين على شيء ماض فلا حنث فيه، وما لا حنث فيه فلا كفارة فيه، لكن إن كان صادقا فقد بر، وإلا، فهو آثم؛ لأن الكفارة لا تكون إلا على شيء مستقبل. وهل يجوز أن يحلف على ما في ظنه؟ الجواب: نعم، ولذلك أدلة كثيرة، منها قول المجامع في نهار رمضان لرسول الله ﷺ : «والله، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني» . لكن إن حلفت على مستقبل بناء على غلبة الظن ولم يحصل، فقيل: تلزمك كفارة، وقيل: لا تلزمك كفارة، وهو الصحيح، كما لو حلفت على ماض.

стр. 3880

مثاله: فلو قلت: والله،، ليقدمن زيد غدا. بناء على ظنك، فلم يقدم، فالصحيح أنه لا كفارة عليك، لأنك حلفت على ما في قلبك وهو حاصل، كأنك تقول: والله، إن هذا هو ظني، لكن هل يجوز لك أن تحلف على ما في ظنك؟ سبق ذلك قريبا. إذن قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ بعد أن ذكر اليمين والكفارة والحنث، فما المراد بحفظ اليمين: هل هو الابتداء أو الانتهاء أو الوسط؟ أي: هل المراد لا تكثروا الحلف بالله؟ أو المراد: إذا حلفتم فلا تحنثوا؟ أو المراد: إذا حلفتم فحنثتم فلا تتركوا الكفارة؟ الجواب: المراد كله، فتشمل أحوال اليمين الثلاثة، ولهذا جاء المؤلف بها في هذا الباب؛ لأن من معنى حفظ اليمين عدم كثرة الحلف، وإليك قاعدة مهمة في هذا، وهي أن النص من قرآن أو سنة إذا كان يحتمل عدة معاني لا ينافي بعضها بعضا ولا مرجح لأحدها، وجب حمله على المعاني كلها. والمراد بعدم كثرة الحلف: ما كان معقودا ومقصودا، أما ما يجرى على اللسان بلا قصد، مثل: لا والله، وبلى والله، في عرض الحديث، فلا مؤاخذة فيه لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (المائدة:٨٩) . وكذلك من حفظ اليمين عدم الحنث فيها، وهذا فيه تفصيل؛ لأن النبي ﷺ «قال لعبد الرحمن بن سمرة: (إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منه، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير) » ، فحفظ اليمين في الحنث أن لا يحنث

стр. 3881

إلا إذا كان خيرا، وإلا، فالأحسن حفظ اليمين وعدم الحنث. مثال ذلك: رجل قال: لا أكلم فلانا. وهو من المؤمنين الذين يحرم هجرهم، فهذا يجب أن يحنث في يمينه ويكلمه وعليه الكفارة. مثال آخر: رجل قال: والله لأعينن فلانا على شيء محرم. فهذا يجب الحنث فيه والكفارة، ولا يعينه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . (المائدة:٢) . وإذا كان الأمر متساويا والحنث وعدمه سواء في الإثم، فالأفضل حفظ اليمين. كذلك من حفظ اليمين إخراج الكفارة بعد الحنث، والكفارة واجبة فورا؛ لأن الأصل في الواجبات هو الفورية، وهو قيام بما تقتضيه اليمين. والكفارة: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وهذا على سبيل التخيير، فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام، وفي قراءة ابن مسعود متتابعة.. فحفظ اليمين له ثلاث معاني: حفظها ابتداء، وذلك بعدم كثرة الحلف، وليعلم أن كثرة الحلف تضعف الثقة بالشخص وتوجب الشك في أخباره. حفظها وسطا، وذلك بعدم الحنث فيها، إلا ما استثنى كما سبق. حفظها انتهاء، في إخراج الكفارة بعد الحنث. ويمكن أن يضاف معنى رابع، وهو أن لا يحلف بغير الله؛ لأن الرسول ﷺ سمى القسم بغير الله حلفا.

стр. 3882

وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب» . أخرجاه ــ قوله: (الحلف) . المراد به الحلف الكاذب، كما بينته رواية أحمد: (اليمين الكاذبة) (١) أما الصادقة، فليس فيها عقوبة، لكن لا يكثر منها كما سبق. قوله: (منفقة للسلعة) . أي: ترويج للسلعة، مأخوذ من النَّّفاق وهو مضي الشي ونفاذه، والحلف على السلعة قد يكون حلفا على ذاتها أو نوعها أو وصفها أو قيمتها. الذات: كأن يحلف أنها من المصنع الفلاني المشهور بالجودة وليست منه. النوع: كأن يحلف أنها من الحديد، وهي من الخشب. الصفة: كأن يحلف أنها طيبة، وهي رديئة. القيمة: كأن يحلف أن قيمتها بعشرة، وهي بثمانية. قوله: (ممحقة للكسب) . أي: متلفة له، والإتلاف يشمل الإتلاف الحسي بأن يسلط الله على ماله شيئا يتلفه من حريق أو نهب أو مرض يلحق صاحب المال فيتلفه في العلاج، والإتلاف المعنوي بأن ينزع الله البركة من ماله فلا ينتفع به دينا ولا دنيا، وكم من إنسان عنده مال قليل، لكن نفعه الله به ونفع غيره ومن وراءه، وكم من إنسان عنده أموال لكن لم ينتفع بها صار - والعياذ بالله-

стр. 3883

وعن سلمان؛ أن رسول الله ﷺ قال: « (ثلاث لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) » (١) . رواه الطبراني بسند صحيح. ــ بخيلا يعيش عيشة الفقراء وهو غني؛ لأن البركة قد محقت. قوله: (ثلاثة) . مبتدأ، وسوغ الابتداء بها أنها أفادت التقسيم. قوله: (لا يكلمهم الله) . التكليم: هو إسماع القول، وأما ما يقدره الإنسان في نفسه، فلا يسمى كلاما على سبيل الإطلاق، وإن كان يسمى قولا بالتقييد بالنفس، كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ (المجادلة: ٨) وقال عمر ﵁ في قصة السقيفة -: «زوَّرت في نفسي كلاما» ، أي قدرته. فالكلام عند الإطلاق لا يكون إلا بحرف وصوت مسموع. واختلف الناس في كلام الله إلى ثمانية أقوال كما ذكره ابن القيم في (الصواعق المرسلة) . لكن إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأخذنا منها عقيدتنا

стр. 3884

صافية، وقطعنا النظر عن هذه المجادلات لأنه ما أوتى الجدل قوم إلا ضلوا، علمنا أن كلام الله حقيقي يسمع، ولكن الصوت ليس كأصوات المخلوقين، أما ما يسمع من كلام الله، فلا شك أنه بحرف يفهمها المُخاطَب؛ إذ لو كان يتكلم بحروف لا تشبه الحروف التي يتكلم بها المخاطب لم يفهم كلامه أبدا، فالحروف التي تسمع هي حروف اللغة التي يخاطب الله بها من يخاطبه، والله يخاطب كل أحد بلغته. ونفي الكلام هنا دليل على إثبات أصله؛ لأنه لما نفاه عن قوم دل على ثبوته لغيرهم. وبهذه الطريقة استدل بعض أهل العلم على إثبات رؤية الله يوم القيامة للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين: ١٥) . فما حجب الفجار عن رؤيته إلا ورآه الأبرار، إذ لو امتنعت الرؤية مطلقا لكان الفجار والأبرار سواء فيها، كذلك هنا لو انتفى كلام الله عن كل أحد، فلا وجه للتخصيص بنفي الكلام عن هؤلاء. ولا يلزم من كلامه - سبحانه - أن يكون له آلة كالآدمي، كاللسان، والأسنان، والحلق، وما أشبه ذلك، كما لا يلزم من سماع الله أن يكون له أذن، فالأرض مثلا تسمع وتحدث وليس لها لسان ولا آذان، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (الزلزلة: ٤،٥) وكذا الجلد ينطق يوم القيامة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت:٢٠) وكذا الأيدي والأرجل، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور:٢٤) فالأيدي والأرجل والأيدي والألسن والجلود والسمع والأبصار ليس لها لسان ولا

стр. 3885

شفتان، وهذا هو المعلوم لنا. فإن قيل: إن الله يكلم من هو أعظم منهم جرما وهم أهل النار؟ فالجواب: أن المراد بنفي الكلام هنا كلام الرضا، أما كلام الغضب والتوبيخ، فإن هذا الحديث لا يدل على نفيه. قوله: (ولا يزكيهم) . التزكية: بمعنى التوثيق والتعديل، فيوم القيامة لا يوثقهم، ولا يعدلهم، ولا يشهد عليهم بالإيمان، لما فعلوه من هذه الأفعال الخبيثة. قوله: (ولهم عذاب أليم) . (عذاب) : عقوبة، و (أليم) ، أي: شديد موجع مؤلم. وقوله: (أشيمط) . هو الذي اختلط سواد شعره ببياضه لكبر سنه، وكبير السن قد بردت شهوته، وليس فيه ما يدعوه إلى الزنى، ولكنه زنى مما دل على خبث في إرادته، ولأنه عادة قد بلغ أشده واستوى وعرف الحكمة، وملكه عقله أكثر من هواه، فالزنى منه غريب، إذ ليس عن شهوة ملحة، ولكن عن سوء نية وقصد وضعف إيمان بالله، فصار السبب المقتضي لزناه ضعيفا، والحكمة التي نالها ببلوغ الأشد كبيرة، وَكَأَنَّ تقادم سنه يستلزم أن يغلب جانب العقل، ولكنه خالف مقتضى ذلك، ولهذا صغره تحقيرا لشأنه، فقال: (أُشيمط) تصغير أشمط. قوله (زان) صفة لأشيمط، وهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، والحركة التي على النون ليست حركة إعراب. والزنى فعل الفاحشة في قبل أو دبر، وقد نهى الله عنه وبين أنه فاحشة، فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢) ??? قوله: (عائل مستكبر) . أي: فقير، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (الضحى:٨) ، فالمقابلة هنا في قوله: ﴿فَأَغْنَى﴾ بينت أن معنى عائلا: فقيرا.

стр. 3886

والاستكبار: الترفع والتعاظم، وهو نوعان: - استكبار عن الحق بأن يرده أو يترفع عن القيام به. - واستكبار على الخلق باحتقارهم واستذلالهم، كما قال النبي ﷺ «الكبر بطر الحق وغمط الناس» . فالفقير داعي الاستكبار عنده ضعيف، فيكون استكباره دليلا على ضعف إيمانه وخبث طويته، ولذلك كانت عقوبته أشد. قوله: «ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» . أي: جعل الحلف بالله بضاعة له، وإنما ساغ التأويل هنا؛ لأن النبي ﷺ هو الذي فسره بذلك، حيث قال: «لا يشتري إلا بيمينه» ... ) ، وإذا كان المتكلم هو الذي أخرج كلامه عن ظاهره، فهو أعلم بمراده، وهذا كما في الحديث القدسي: «عبدي استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني» فبينه الله بقوله: «عبدي فلان جاع فلم تطعمه، استسقاك فلم تسقه» . فقوله: «لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» استئنافية تفسيرية، لقوله: «جعل الله بضاعته» ، ومعناها: أنه كلما اشترى حلف، وكلما باع حلف طلبا للكسب، واستحق هذه العقوبة؛ لأنه إن كان صادقا، فكثرة أيمانه تشعر باستخفافه واستهانته باليمين ومخالفته قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وإن كان كاذبا جمع بين أربعة أمور محذورة: استهانته باليمين ومخالفته أمر الله بحفظ اليمين.

стр. 3887

٢ - كذبه. ٣ - أكله المال بالباطل. أن يمينه غموس، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» . وكل ما في هذا الحديث يجب الحذر منه والبعد عنه؛ لأن هذا ما يريده النبي ﷺ من الإخبار به، وإلا، فما الفائدة من سماعنا له إذا لم تظهر مقتضيات النصوص على معتقداتنا وأقوالنا وأفعالنا؟ فنحن والجاهل سواء، بل نحن أعظم، ولذلك لا ينبغي أن تمر علينا بلا فائدة فنعرف معناها فقط، بل يجب أن نعرف معناها ونعمل بمقتضاها، ثم يجب علينا أيضا بوصفنا ممن آتاهم الله العلم أن نُحذِّر الناس منها لنكون وارثين للرسول ﷺ ، فالنبي ﷺ كان عالما عاملا داعيا، أما طالب العلم، فإنه ليس وارثا للرسول ﵊ حتى يقوم بما قام به من العمل والدعوة، فعلينا أن نحذر إخواننا المسلمين من هذا العمل الكثير بين الناس، وهو جعل الله بضاعة لهم، لا يبيعون إلا بأيمانهم ولا يشترون إلا بأيمانهم. * مناسبة الحديث للباب: أن من جعل الله بضاعته، فإن الغالب أنه يكثر الحلف بالله -

стр. 3888

وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ ثم إنَّ بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن» ــ قوله: (وفي الصحيح) . أي: (الصحيحين) ، وانظر كلامنا: (ص ١٤٦) في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. قوله: (خير أمتي قرني) . (خير) : مبتدأ، و (قرني) : خبر. وفي لفظ لهما: «خيركم قرني» ، وفي حديث ابن مسعود عند البخاري: «خير الناس قرني» وهذا هو المراد، إذ المراد بالخيرية هنا الخيرية المضافة إلى الناس عموما وليس للأمة فقط، ولهذا ثبت عنه ﷺ ، أنه قال: «بعثت من خير قرون بني آدم» . وعليه فالخيرية في القرن الأول خيرية عامة على جميع الناس وليس على هذه الأمة فقط.

стр. 3889

وأما قوله (خير أمتي) . فإنه يقال: إن الخيرية إذا كانت مضافة إلى عموم الناس دخل فيها هذه الأمة، لكن إذا خصصناها بهذه الأمة خرج بقية الناس، والأخذ بالعموم الداخل فيه الخاص أولى، وقد يقال: إن معنى اللفظين واحد، فإن هذه الأمة خير الأمم، فإذا كان الصحابة خير قرونها لزم أن يكونوا خير الناس. والقرن مأخوذ من الاقتران، والمراد: الطائفة المقترنون بشيء من الأشياء، كالملة، أو ما أشبه ذلك. فمن العلماء من عَرّفه: بالطائفة كما سبق، ومنهم من عرفه بالزمن، وهؤلاء اختلفوا فيه على أقوال: فمنهم من حده بأربعين، ومنهم من حده بثمانين، ومنهم من حده بمئة، ومنهم من حده بمئة وعشرين سنة. فعلى الأول يكون معنى: (خير أمتي قرني) : خير أمتي الصحابة، سواء بلغوا مئة سنة أم لا، والمعروف أن آخر من مات من الصحابة مات سنة مئة وعشرة أو مئة وعشرين، فهذه المدة زائدة على المئة، وإذا اعتبرناها من البعثة تكون مئة وثلاثا وثلاثين سنة؛ لأن التقويم مبتدأ من الهجرة، والهجرة كانت بعد البعثة بثلاث عشر سنة، وهذا القرن الأول، أما التابعون، فإن آخرهم مات سنة مئة وثمانين، فيكون بينهم وبين الصحابة ستون سنة، وأما تابعو التابعين، فإن آخرهم مات سنة مئتين وعشرين، وهذا منتهى القرن الثالث. فقرن الصحابة إن ابتدأته من البعثة صار ثلاثا وثلاثين ومئة سنة، وإن ابتدأته من الهجرة صار عشرين ومئة سنة.

стр. 3890

وقرن التابعين ستون سنة. وقرن تابعي التابعين أربعون سنة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القرن معتبر بمعظم الناس، فإذا كان معظم الناس الصحابة، فالقرن قرنهم، وإذا كان معظم الناس التابعين، فالقرن قرنهم، وهكذا. قوله: (أمتي) المراد أمة الإجابة؛ لأن أمة الدعوة إذا لم يؤمنوا فليس فيهم خير. قوله: (فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا) . وإذا كان عمران لا يدري، فالأصل أنه ذكر مرتين، فتكون القرون المفضلة ثلاثة، وهذا هو المشهور. قوله: (ثم إن بعدكم قوم) . وفي رواية البخاري: ثم إن بعدكم قوما) بنصب (قوما) ، وهذا لا إشكال فيه، لكن في هذه الرواية برفع (قوم) فيه إشكال؛ لأن (قومٌ) اسم إن، وقد اختلف العلماء في هذا: فقيل على لغة ربيعة: الذين لا يقفون على المنصوب بالألف، فلم يثبت الكاتب الألف فصارت (قوم) . وهذا جواب ليس بسديد؛ لأن الرواية ليست مكتوبة فقط، بل تكتب وتقرأ باللفظ عند أخذ التلاميذ الرواية من المشايخ، ولأن هذا ليس محل وقف. وقيل: إن (إنَّ) اسمها ضمير الشأن محذوف، إلحاقا لها بإن المخففة؛ لأن (إن) المخففة تعمل بضمير الشأن، قال الشاعر: وإن مالك كانت كرام المعادن فإن المشددة هنا حملت على إن المخففة، فاسمها ضمير الشأن محذوف، وعليه يكون (بعدكم) : خبر مقدم، و (قوم) : مبتدأ مؤخر، والجملة خبر (إنّ) .
следующие страницы →