والاستكبار: الترفع والتعاظم، وهو نوعان:
- استكبار عن الحق بأن يرده أو يترفع عن القيام به.
- واستكبار على الخلق باحتقارهم واستذلالهم، كما قال النبي ﷺ «الكبر بطر الحق وغمط الناس» .
فالفقير داعي الاستكبار عنده ضعيف، فيكون استكباره دليلا على ضعف إيمانه وخبث طويته، ولذلك كانت عقوبته أشد.
قوله: «ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» . أي: جعل الحلف بالله بضاعة له، وإنما ساغ التأويل هنا؛ لأن النبي ﷺ هو الذي فسره بذلك، حيث قال: «لا يشتري إلا بيمينه» ... ) ، وإذا كان المتكلم هو الذي أخرج كلامه عن ظاهره، فهو أعلم بمراده، وهذا كما في الحديث القدسي: «عبدي استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني» فبينه الله بقوله: «عبدي فلان جاع فلم تطعمه، استسقاك فلم تسقه» .
فقوله: «لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» استئنافية تفسيرية، لقوله: «جعل الله بضاعته» ، ومعناها: أنه كلما اشترى حلف، وكلما باع حلف طلبا للكسب، واستحق هذه العقوبة؛ لأنه إن كان صادقا، فكثرة أيمانه تشعر باستخفافه واستهانته باليمين ومخالفته قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
وإن كان كاذبا جمع بين أربعة أمور محذورة:
استهانته باليمين ومخالفته أمر الله بحفظ اليمين.
стр. 3887
٢ - كذبه.
٣ - أكله المال بالباطل.
أن يمينه غموس، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» .
وكل ما في هذا الحديث يجب الحذر منه والبعد عنه؛ لأن هذا ما يريده النبي ﷺ من الإخبار به، وإلا، فما الفائدة من سماعنا له إذا لم تظهر مقتضيات النصوص على معتقداتنا وأقوالنا وأفعالنا؟ فنحن والجاهل سواء، بل نحن أعظم، ولذلك لا ينبغي أن تمر علينا بلا فائدة فنعرف معناها فقط، بل يجب أن نعرف معناها ونعمل بمقتضاها، ثم يجب علينا أيضا بوصفنا ممن آتاهم الله العلم أن نُحذِّر الناس منها لنكون وارثين للرسول ﷺ ، فالنبي ﷺ كان عالما عاملا داعيا، أما طالب العلم، فإنه ليس وارثا للرسول ﵊ حتى يقوم بما قام به من العمل والدعوة، فعلينا أن نحذر إخواننا المسلمين من هذا العمل الكثير بين الناس، وهو جعل الله بضاعة لهم، لا يبيعون إلا بأيمانهم ولا يشترون إلا بأيمانهم.
* مناسبة الحديث للباب: أن من جعل الله بضاعته، فإن الغالب أنه يكثر الحلف بالله -
стр. 3888
وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ ثم إنَّ بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن»
ــ
قوله: (وفي الصحيح) . أي: (الصحيحين) ، وانظر كلامنا: (ص ١٤٦) في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: (خير أمتي قرني) . (خير) : مبتدأ، و (قرني) : خبر.
وفي لفظ لهما: «خيركم قرني» ، وفي حديث ابن مسعود عند البخاري: «خير الناس قرني» وهذا هو المراد، إذ المراد بالخيرية هنا الخيرية المضافة إلى الناس عموما وليس للأمة فقط، ولهذا ثبت عنه ﷺ ، أنه قال: «بعثت من خير قرون بني آدم» .
وعليه فالخيرية في القرن الأول خيرية عامة على جميع الناس وليس على هذه الأمة فقط.
стр. 3889
وأما قوله (خير أمتي) . فإنه يقال: إن الخيرية إذا كانت مضافة إلى عموم الناس دخل فيها هذه الأمة، لكن إذا خصصناها بهذه الأمة خرج بقية الناس، والأخذ بالعموم الداخل فيه الخاص أولى، وقد يقال: إن معنى اللفظين واحد، فإن هذه الأمة خير الأمم، فإذا كان الصحابة خير قرونها لزم أن يكونوا خير الناس.
والقرن مأخوذ من الاقتران، والمراد: الطائفة المقترنون بشيء من الأشياء، كالملة، أو ما أشبه ذلك.
فمن العلماء من عَرّفه: بالطائفة كما سبق، ومنهم من عرفه بالزمن، وهؤلاء اختلفوا فيه على أقوال:
فمنهم من حده بأربعين، ومنهم من حده بثمانين، ومنهم من حده بمئة، ومنهم من حده بمئة وعشرين سنة.
فعلى الأول يكون معنى: (خير أمتي قرني) : خير أمتي الصحابة، سواء بلغوا مئة سنة أم لا، والمعروف أن آخر من مات من الصحابة مات سنة مئة وعشرة أو مئة وعشرين، فهذه المدة زائدة على المئة، وإذا اعتبرناها من البعثة تكون مئة وثلاثا وثلاثين سنة؛ لأن التقويم مبتدأ من الهجرة، والهجرة كانت بعد البعثة بثلاث عشر سنة، وهذا القرن الأول، أما التابعون، فإن آخرهم مات سنة مئة وثمانين، فيكون بينهم وبين الصحابة ستون سنة، وأما تابعو التابعين، فإن آخرهم مات سنة مئتين وعشرين، وهذا منتهى القرن الثالث.
فقرن الصحابة إن ابتدأته من البعثة صار ثلاثا وثلاثين ومئة سنة، وإن ابتدأته من الهجرة صار عشرين ومئة سنة.
стр. 3890
وقرن التابعين ستون سنة.
وقرن تابعي التابعين أربعون سنة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القرن معتبر بمعظم الناس، فإذا كان معظم الناس الصحابة، فالقرن قرنهم، وإذا كان معظم الناس التابعين، فالقرن قرنهم، وهكذا.
قوله: (أمتي) المراد أمة الإجابة؛ لأن أمة الدعوة إذا لم يؤمنوا فليس فيهم خير.
قوله: (فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا) . وإذا كان عمران لا يدري، فالأصل أنه ذكر مرتين، فتكون القرون المفضلة ثلاثة، وهذا هو المشهور.
قوله: (ثم إن بعدكم قوم) . وفي رواية البخاري: ثم إن بعدكم قوما) بنصب (قوما) ، وهذا لا إشكال فيه، لكن في هذه الرواية برفع (قوم) فيه إشكال؛ لأن (قومٌ) اسم إن، وقد اختلف العلماء في هذا:
فقيل على لغة ربيعة: الذين لا يقفون على المنصوب بالألف، فلم يثبت الكاتب الألف فصارت (قوم) .
وهذا جواب ليس بسديد؛ لأن الرواية ليست مكتوبة فقط، بل تكتب وتقرأ باللفظ عند أخذ التلاميذ الرواية من المشايخ، ولأن هذا ليس محل وقف.
وقيل: إن (إنَّ) اسمها ضمير الشأن محذوف، إلحاقا لها بإن المخففة؛ لأن (إن) المخففة تعمل بضمير الشأن، قال الشاعر:
وإن مالك كانت كرام المعادن
فإن المشددة هنا حملت على إن المخففة، فاسمها ضمير الشأن محذوف، وعليه يكون (بعدكم) : خبر مقدم، و (قوم) : مبتدأ مؤخر، والجملة خبر (إنّ) .
стр. 3891
وقيل (إن) هنا بمعنى نعم، فيكون المعنى: ثم نعم بعدكم قوم، وهذا فيه تكلف.
والظاهر: القول الثاني إن صحت الرواية.
قوله: (يشهدون) . أي: يخبرون عما علموه مما شاهدوه أو سمعوه أو لمسوه أو شموه؛ لأن الشهادة إخبار الإنسان بما يعلم، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف:٨٦) ولا يشترط أن تكون بلفظ أشهد على الصحيح، وقد قيل للإمام أحمد: إن فلانا يقول: (إن العشرة في الجنة ولا أشهد) فقال: إن قاله؛ فقد شهد.
قوله: (ولا يستشهدون) . اختلف العلماء في معنى ذلك:
فقيل: (لا يستشهدون) ، أي: لا يطلب منهم تحمل الشهادة فيكون المراد الذين يشهدون بغير علم فهم شهداء زور.
وقيل: لا يطلب منهم أداء الشهادة، فيكون المراد أداء الشهادة قبل أن يدعى لأدائها، فيكون ذلك دليلا لتسرعهم في أداء الشهادة وعدم اهتمامهم بها.
ولكن هذا القول يشكل عليه حديث زيد بن خالد الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» ، فهذا ترغيب في أداء الشهادة قبل أن يسألها بدليل قوله: (ألا أخبركم بخير الشهداء) ، وظاهره: أنه معارض لحديث عمران، فجمع بعض العلماء بينهما بأن المراد بحديث زيد من يشهد بحق لا يعلمه المشهود له.
стр. 3892
وجمع بعض العلماء بأن المراد بحديث زيد: من يشهد بشي من حقوق الله تعالى؛ لأن حقوق الله تعالى ليس لها مُطالب، فيؤدي الشهادة من غير أن يسألها، فيكون المراد بهم رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوهم.
وجمع بعضهم بأن المراد بحديث زيد بن خالد أنه كناية عن السرعة بأداء الشهادة، فكأنه لشدة إسراعه يؤديها قبل أن يسألها.
وبعض العلماء رجح حديث عمران؛ لأنه في (الصحيحين) على حديث زيد بن خالد؛ لأنه في (مسلم) .
ولكن إذا أمكن الجمع، فلا يجوز الترجيح؛ لأن مقتضاه إلغاء أحد النصين، والجمع هنا ممكن كما تقدم.
قوله: (يخونون ولا يؤتمنون) . هذا هو الوصف الثاني لهم، أي: أنهم أهل خيانة وليسوا أهل أمانة، فلا يأتمنهم الناس، وليس المعنى أن تقع منهم الخيانة بعد الائتمان حتى يقال: لماذا لم يقل: يؤتمنون ويخونون؟ فكأن الخيانة طبيعة لهم، فلخيانتهم لا يؤتمنون.
الخيانة: الغدر والخداع في موضع الائتمان، وهي من الصفات المذمومة بكل حال.
وأما المكر والخديعة، فهي مذمومة في حال دون حال، فقد تكون محمودة إذا كانت في مقاتلة عدو ماكر خادع لدلالتها على القوة والإيقاع بالعدو من حيث لا يشعر، ولهذا يوصف الله بالمكر والخداع في الحال التي يكون فيها مدحا، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:٣٠) وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء:١٤٢) .
стр. 3893
وأما الخيانة فلا يوصف الله بها أبدا؛ لأنها ذم بكل حال، ولهذا كان قول العامة: خان الله من خان حراما؛ لأنهم وصفوا الله بما لا يصح أن يوصف به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ (الأنفال ٧١) ولم يقل: فخانهم.
قوله: (ولا يؤتمنون) . أي: ليسوا أهلا للأمانة، فلا يؤتمنون على الدماء ولا على الأموال، ولا على الأعراض، ولا أي شيء، والظاهر أن هذا في القرن الرابع، فما بالك بالقرن الخامس عشر؟! وفي حديث آخر «ويفشو بينهم الكذب» .
قوله (وينذرون ولا يوفون) . هذا الوصف الثالث لهم. النذر: إلزام الإنسان نفسه بالشيء، وقد يكون للآدمي، وهذا بمعنى العهد الذي يوقعه الإنسان بينه وبين غيره، وقد يكون لله، كنذر العبادة يجب الوفاء به، فهم ينذرون لله ولا يوفون له، ويعاهدون المخلوق ولا يوفون له، وهذا من صفات النفاق.
قوله: (ويظهر فيهم السمن) . هذا هو الوصف الرابع لهم، كثرة الشحم واللحم، وهذا الحديث مشكل؛ لأن ظهور السمن ليس باختيار الإنسان فكيف يكون صفة ذم؟
قال أهل العلم: المراد أن هؤلاء يعتنون بأسباب السمن من المطاعم والمشارب والترف، فيكون همهم إصلاح أبدانهم وتسمينها.
أما السمن الذي لا اختيار للإنسان فيه، فلا يذم عليه، كما لا يذم الإنسان على كونه طويلا أو قصيرا أو أسود أو أبيض، لكن يذم على شيء يكون هو السبب فيه.
стр. 3894
وفيه عن ابن مسعود؛ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» .
ــ
قوله: (وفيه) . أي: (في الصحيح) وقد سبق الكلام على مثل هذه العبارة من المؤلف ﵀. انظر: (ص١٤٦) في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: (خير الناس) دليل على أن قرنه خير الناس، فصحابته ﷺ أفضل من الحواريين الذين هم أنصار عيسى، وأفضل من النقباء السبعين الذين اختارهم موسى ﷺ .
قوله: (ثم يجيء قوم) . أي: بعد القرون الثلاثة.
قوله: (تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) . يحتمل ذلك وجهين:
الأول: أنه لقلة الثقة بهم لا يشهدون إلا بيمين، فتارة تسبق الشهادة وتارة تسبق اليمين.
الثاني: أنه كناية عن كون هؤلاء لا يبالون بالشهادة ولا باليمين، حتى تكون الشهادة واليمين في حقهم كأنهم متسابقتان.
والمعنيان لا يتنافيان، فيحمل عليهما الحديث جميعا.
وقوله: (ثم يجيء قوم) يدل على أنه ليس كل أصحاب القرن على هذا الوصف؛ لأنه لم يقل: ثم يكون الناس، الفرق واضح.
وهذه الأفضلية أفضلية من حيث العموم والجنس، لا من حيث الأفراد، فلا يعني أنه لا
يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل التابعين، أو لا يوجد
стр. 3895
قال ابراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار
ــ
في التابعين من هو أعلم من بعض الصحابة، أما فضل الصحبة، فلا يناله أحد غير الصحابة ولا أحد يسبقهم فيه، وأما العلم والعبادة، فقد يكون فيمن بعد الصحابة من هو أكثر من بعضهم علما وعبادة.
* تنبيه:
ساق المؤلف ﵀ الحديث في بعض النسخ بتكرار قوله: (ثم الذين يلونهم) ثلاث مرات، وهو في (الصحيحين) بتكرارها مرتين.
قوله: (وقال إبراهيم) . هو إبراهيم النخعي، من التابعين ومن فقهائهم.
قوله: (كانوا يضربوننا على الشهادة ونحن صغار) في نسخة: (على الشهادة والعهد) ، والظاهر أن الذي يضربهم ولي أمرهم.
وقوله: (على الشهادة) أي: يضربوننا عليها إن شهدنا زورا، أو إذا شهدنا ولم نقم بأدائها، ويحتمل أن المراد بذلك ضربهم على المبادرة بالشهادة والعهد، وبه فسر ابن عبد البر.
قوله: (والعهد) . أي: إذا تعاهدوا يضربونهم على الوفاء بالعهد.
قوله: (ونحن صغار) الجملة حالية، وإنما يضربونهم وهم صغار للتأديب.
ويستفاد من كلام إبراهيم أن الصبي تقبل منه الشهادة؛ لأن قوله: (ونحن
стр. 3896
صغار) ،أي: لم يبلغوا، وهذا محل خلاف بين أهل العلم.
فقال بعضهم: يشترط لأداء الشهادة أن يكون بالغا، فإذا تحمل وهو صغير؛ لم تقبل منه حتى يبلغ.
وقال بعضهم: شهادة الصغار بعضهم على بعض مقبولة تحملا وأداء؛ لأن البالغ يندر أن يوجد بين الصغار.
وقال بعضهم: تقبل شهادة الصغار بعضهم على بعض إن شهدوا في الحال؛ لأنه بعد التفرق يحتمل النسيان أو التلقين، ولا يسع العمل إلا بهذا، وإلا لضاعت حقوق كثيرة بين الصبيان.
ويستفاد من هذا الأثر جواز ضرب الصبي على الأخلاق إذا لم يتأدب إلا بالضرب
стр. 3897
فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الأيمان. الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة. الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه. الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: الوصية بحفظ الأيمان. تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ والأمر وصية.
الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة. تؤخذ من قوله ﷺ : «الحلف منفقة للسلعة» ... إلخ.
الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه. تؤخذ من قوله ﷺ : «ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه ... » إلخ في ضمن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم.
الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. تؤخذ من حديث سلمان، حيث ذكر الأشيمط الزاني والعائل المستكبر، وغلظ في عقوبتهم؛ لأن الداعي إلى فعل المعصية المذكورة ضعيف عندهما.
الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون. لقوله ﷺ : «ورجل جعل الله بضاعته، ولا يشتري إلا بيمينه ... »
ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل النبي ﷺ حلف ولم يستحلف في
стр. 3898
السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة وذكر ما يحدث بعدهم.
ــ
مواضع عديدة، بل أمره الله -سبحانه- أن يحلف في ثلاثة مواضع من القرآن بدون أن يستحلف.
في قوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ (يونس:٥٣) .
وفي قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (التغابن: ٧) .
وفي قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (سبأ:٣)
وعليه، فإن الحلف إذا دعت الحاجة إليه أو اقتضته المصلحة، فإنه جائز، بل قد يكون مندوبا إليه، كحلف النبي ﷺ في قصة المخزومية، حيث قال: «وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» فقد وقع موقعا عظيما من هؤلاء القوم الذين أهمهم شأن المخزومية وممن يأتي بعدهم.
السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة وذكر ما يحدث بعدهم. تؤخذ من قوله ﷺ : «خير الناس قرني ... » ، وقوله: (أو الأربعة) بناء على ثبوت ذكر الرابع، وأكثر الروايات وأثبتها على حذفه.
وقوله: (وذكر ما يحدث) . لو جعلت هذه مسألة مستقلة، لكان أبين وأوضح؛ لأن الإخبار عن شيء مستقبل ووقوعه كما أخبر دليل على رسالته ﷺ .
стр. 3899
السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
ــ
السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. تؤخذ من حديث عمران، وكذا ذم الذين يخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، والذين يتعاطون أسباب السمن ويغفلون عن سمن القلب بالإيمان والعلم.
الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
تؤخذ من قول إبراهيم النخعي: (كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد) ، فيؤخذ منه تعظيم شأن العهد والشهادة وضرب الصغار على ذلك، ويؤخذ منه أيضا عناية السلف بتربية أولادهم، وأن من منهجهم الضرب على تحقيق ذلك استنادا إلى إرشاد نبيهم ﷺ ، حيث أمر بضرب من بلغ عشر سنين على الصلاة، لكن يشترط لجواز الضرب:
الأول: أن يكون الصغير قابلا للتأديب، فلا يضرب من لا يعرف المراد بالضرب.
الثاني: أن يكون التأديب ممن له ولاية عليه.
الثالث: أن لا يسرف في ذلك كمية أو كيفية أو نوعا أو موضوعا أو غير ذلك.
الرابع: أن يقع من الصغير ما يستحق التأديب عليه.
الخامس: أن يقصد تأديبه لا الانتقام لنفسه، فإن قصد الانتقام، لم يكن مؤدبا بل منتصر.
стр. 3900
باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه ﷺ
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (النحل: من الآية٩١)
ــ
قوله: (ذمة الله وذمة نبيه) .
الذمة: العهد، وسمي بذلك؛ لأنه يلتزم به كما يلتزم صاحب الدين بدينه في ذمته.
والله ل عهد على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.
وللعباد عههد على الله وهو: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ، فهذا عهد الله عليهم، ثم قال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (المائدة: ١٢) ، وهذا عهدهم على الله.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البقرة: ٤٠) وللنبي ﷺ عهد على الأمة، وهو أن يتبعوه في شريعته ولا يبتدعوا فيها، وللأمة عليه عهد وهو أن يبلغهم ولا يكتمهم شيئا.
وقد أخبر النبي ﷺ أنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما هو خير.
стр. 3901
والمراد بالعهد هنا: ما يكون بين المتعاقدين في العهود كما كان بين النبي ﷺ وأهل مكة في صلح الحديبية.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا﴾ . أمر من الرباعي من أوفى يوفي، والإيفاء إعطاء الشي تاما، ومنه إيفاء المكيال والميزان.
قوله: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ . يصلح أن يكون من باب إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله، أي: بعهدكم الله، أو بعهد الله إياكم؛ لأن الفعل إذا كان على وزن فاعل اقتضى المشاركة من الجانبين غالبا، مثل: قاتل ودافع. قوله: ﴿إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ . فائدتها التوكيد والتنبيه على وجوب الوفاء، أي: إذا صدر منكم العهد، فإنه لا يليق منكم أن تدعوا الوفاء، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾ . نقض الشي هو حل إحكامه، وشبه العهد بالعقدة؛ لأنه عقد بين المتعاهدين.
قوله: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ . توكيد الشيء بمعنى تثبيته، والتوكيد مصدر وكّد، يقال: وكّد الأمر وأكده تأكيدا وتوكيدا، والواو أفصح من الهمزة.
قوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ . الجملة حالية فائدتها قوة التوبيخ على نقض العهد واليمين.
ووجه جعل الله له كفيلا: أن الإنسان إذا عاهد غيره قال: أعاهدك بالله، أي جعل الله كفيلا.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ختم الله الآية بالعلم تهديدا عن نقض العهد؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله يعلم كل ما يفعل؛ فإنه لا ينقض العهد.
ومناسبة الآية للترجمة واضحة جدا؛ لأن الله قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ، وقال: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ . والعهد: الذمة.
стр. 3902
وعن بريدة؛ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله؛ وبمن معه من المسلمين خيرا فقال:»
ــ
ومناسبة الباب للتوحيد:
أن عدم الوفاء بعهد الله تنقص له، وهذا مخل بالتوحيد.
قوله: (إذا أمَّر) أي: جعله أميرا، والأمير في صدر الإسلام يتولى التنفيذ والحكم والفتوى والإمامة.
قوله: (أو سرية) . هذه ليست للشك، بل للتنويع، فإن الجيش ما زاد على أربع مئة رجل والسرية ما دون ذلك.
والسرايا ثلاثة أقسام:
أ - قسم ينفذ من البلد، وهذا ظاهر، ويقسم ما غنمه كقسمة ما غنم الجيش.
ب - قسم ينفذ في ابتداء سفر الجهاد، وذلك بأن يخرج الجيش بكامله ثم يبعث سرية تكون أمامهم.
ج - قسم ينفذ في الرجعة، وذلك بعد رجوع الجيش.
وقد فرق العلماء بينهما من حيث الغنيمة، فلسرية الابتداء الربع بعد الخمس؛ لأن الجيش وراءها، فهو ردء لها وسيلحق بها، ولسرية الرجعة الثلث بعد الخمس؛ لأن الجيش قد ذهب عنها، فالخطر عليها أشد.
وهذا الذي تعطاه السريتان راجع إلى اجتهاد الإمام: إن شاء أعطى وإن شاء منع حسبما تقتضيه المصلحة.
قوله: (أوصاه) . الوصية: العهد بالشيء إلى غيره على وجه الاهتمام به.
стр. 3903
قوله: (بتقوى الله) . التقوى: هي امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة، وهي مأخوذة من الوقاية، وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله، وذلك لا يكون إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
وقال بعضهم: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى عنه الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
وقال بعضهم:
خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واعمل كماش فوق أر ... رض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
وهذه التعريفات كلها تؤدي معنى واحدا.
وكانت الوصية بالتقوى لأمير الجيش؛ لأن الغالب أن الأمير يكون معه ترفُّع يخشى منه أن يجانب الصواب من أجله؛ ولأن تقواه سبب لتقوى من تحت ولايته.
قوله: (وبمن معه من المسلمين خيرا) . أي: أوصاه أن يعمل بمن معه من المسلمين خيرا في أمور الدنيا والآخرة، فيسلك بهم الأسهل، ويطلب لهم الأخصب إذا كانوا على إبل أو خيل، ويمنع عنهم الظلم ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وغير ذلك مما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجب على من تولى أمرا من أمور المسلمين أن يسلك بهم الأخير، بخلاف عمل الإنسان بنفسه؛ فإنه لا يلزم إلا بالواجب.
قوله: (اغزوا باسم الله) . يحتمل أنه أراد أن يعلمهم أن يكونوا دائما مستعينين بالله، ويحتمل أنه أراد أن يفتح الغزو باسم الله.
стр. 3904
«اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله.
اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا.»
ــ
والأول أظهر، والثاني أيضا محتمل؛ لأنه بعث الجيوش من الأمور ذات البال، وكل أمر لا يبدأ فيه باسم الله، فهو أبتر.
قوله: (في سبيل الله) . متعلق بـ (اغزوا) وهو تنبيه من الرسول ﷺ على حسن النية والقصد؛ لأن الغزاة لهم أغراض، ولكن الغزو النافع الذي تحصل به إحدى الحسنيين ما كان خالصا لله. وذلك بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا لحمية أو شجاعة أو ليرى مكانه أو لطلب دنيا.
فإذا قاتل لأجل الوطن: فمن قاتل لأنه وطن إسلامي تجب حمايته وحماية المسلمين فيه، فهذه نية إسلامية صحيحة، وإن كان للقومية أو الوطنية فقط فهو حمية وليس في سبيل الله.
قوله: (في سبيل الله) . تشمل النية والعمل، فالنية سبقت، والعمل: أن يكون الغزو في إطار دينه وشريعته، فيكون حسبما رسمه الشارع.
قوله: (قاتلوا من كفر بالله) . (قاتلوا) : فعل أمر وهو للوجوب، أي: يجب علينا أن نقاتل من كفر بالله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التحريم: ٩) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (التوبة:١٢٣) فإذا قاتلنا الذين يلوننا، فأسلموا، نقاتل من وراءهم، وهكذا إلى أن نخلص إلى مشارق الأرض ومغاربها.
(وَمَنْ) : اسم موصول، وصلته (كفر) ، واسم الموصول وصلته يفيد
стр. 3905
العلية، أي: لكفره، فنحن لا نقاتل الناس عصبية أو قومية أو وطنية، نقاتلهم لكفرهم لمصلحتهم وهي إنقاذهم من النار.
والكفر مداره على أمرين: الجحود، والاستكبار.
أي: الاستكبار عن طاعته، أو الجحود لما يجب قبوله وتصديقه.
قوله: (اغزو) . تأكيد، وأتى بها ثانية كأنه يقول: لا تحقروا الغزو واغزوا بجد.
قوله: (لا تغلوا) . الغلول: أن يكتم شيئا من الغنيمة فيختص به، وهو من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٦١) ، أي معذَّبا به، فهو يعذَّب بما غل يوم القيامة ويعزَّر في الدنيا، قال أهل العلم: يعزر الغالُّ بإحراق رحله كله، إلا المصحف لحرمته، والسلاح لفائدته، وما فيه من روح؛ لأنه لا يجوز تعذيبه بالنار.
قوله (ولا تغدروا) . الغدر: الخيانة، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهذا إذا عاهدنا؛ فإنه يحرم الغدر، أما الغدر بلا عهد، فلنا ذلك لأن الحرب خدعة، وقد ذُكر أن على بن أبي طالب ﵁ خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه، فلما أقبل الرجل على عليٍّ صاح به عليٌّ: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت المشرك يظن أنه جاء أحد من أصحابه ليساعده، فقتله علي ﵁.
وليعلم أن لنا مع المشركين ثلاث حالات.
الحال الأولى: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد، فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وَإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك.
الحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه، فهنا
стр. 3906
يجب الوفاء لهم بعدهم، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] ، وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٨] .
الحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه؛ فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨] .
قوله: (ولا تمثلوا) . التمثيل: التشويه بقطع بعض الأعضاء، كالأنف واللسان وغيرهما، وذلك عند أسرهم؛ لأنه لا حاجة إليه؛ لأنه انتقام في غير محله، واختلف العلماء فيما لو كانوا يفعلون بنا ذلك:
فقيل: لا يمثل بهم للعموم، والنبي ﷺ لم يستثن شيئا؛ ولأننا إذا مثلنا بواحد منهم فقد يكون لا يرضى بما فعله قومه، فكيف نمثل به؟! .
وقيل: نمثل بهم كما مثلوا بنا؛ لأن هذا العموم مقابل بعموم آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] .
وإذا لم نمثل بهم مع أنهم يمثلون بنا، فقد يفسر هذا بأنه ضعف، وإذا مثلنا بهم في مثل هذه الحال؛ عرفوا أن عندنا قوة ولم يعودوا للتمثيل بنا ثانية.
والظاهر القول الثاني.
فإن قيل: قد نمثل بواحد لم يمثل بنا ولا يرضى بالتمثيل؟.
فيقال: إن الأمة الواحدة فعل الواحد منها كفعل الجميع، ولهذا كان الله يخاطب اليهود في عهد الرسول ﷺ بأمور جرت في عهد موسى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة:٩٣] ، وما أشبه ذلك.
стр. 3907
«وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال (أو: خلال) فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم:»
ــ
قوله: (ولا تقتلوا وليدا) . أي: لا تقتلوا صغيرا؛ لأنه لا يقاتل، ولأنه ربما يسلم.
وورد في أحاديث أخرى: أنه «لا يقتل راهب ولا شيخ فان ولا امرأة» (١) ، إلا أن يقاتلوا، أو يحرضوا على القتال، أو يكون لهم رأي في الحرب، كما قتل دريد بن الصّمة في غزوة ثقيف مع كبره وعماه.
واستدل بهذا الحديث أن القتال ليس لأجل أن يسلموا، ولكنه لحماية الإسلام؛ بدليل أننا لا نقتل هؤلاء، ولو كان من أجل ذلك لقتلناهم إذا لم يسلموا، ورجح شيخ الإسلام هذا القول، وله رسالة في ذلك اسمها (قتال الكفار) .
قوله: (وإذا لقيت عدوك) . أي قابلته أو وجدته، وبدأ بذكر العداوة تهييجا لقتالهم؛ لأنك إذا علمت أنهم أعداء لك، فإن ذلك يدعوك إلى قتالهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] ، وهذا أبلغ وأعم من قوله في آية أخرى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١] ، لكن خص في هذه الآية باليهود والنصارى، لأن المقام يقتضيه.
والعدو ضد الولي، والولي من يتولى أمورك ويعتني بك بالنصر والدفاع
стр. 3908
«ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.»
ــ
وغير ذلك، والعدو يخذلك ويبتعد عنك، ويعتدي عليك ما أمكنه.
قوله: (من المشركين) . يدخل فيه كل الكفار، حتى اليهود والنصارى.
قوله: (خصال أو خلال) بمعنى واحد، وعليه فـ (أو) للشك في اللفظ، والمعنى لا يتغير.
قوله: (فأيتهن ما أجابوك) . (أيتهن) : اسم شرط مبتدأ، (ما) : زائدة، وهي تزاد بالشرط تأكيدا للعموم؛ كقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] ، والكاف مفعول به، والعائد إلى اسم الشرط محذوف، والتقدير: فأيتهن ما أجابوك إليه، فاقبل منهم وكف عنهم، فلا تقاتلهم.
قوله: (ثم ادعهم) . (ثم) : زائدة، كما في رواية أبي داود؛ ولأنه ليس لها معنى، ويمكن أن يقال: إنها ليست من كلام الرسول ﷺ ، بل من كلام الراوي على تقدير: ثم قال ادعهم.
وقوله: (إلى الإسلام) . أي: المتضمن للإيمان؛ لأنه إذا أفرد شمل الإيمان، وإذا اجتمعا افترقا، كما فرق النبي ﷺ بينهما في حديث جبريل.
стр. 3909
والإيمان عند أهل السنة تدخل فيه الأعمال، قال ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ، فإن أجابوا للإسلام، فهذا ما يريده المسلمون، فلا يحل لنا أن نقاتلهم، ولهذا قال النبي ﷺ : (فاقبل منهم) .
قوله: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) . هذه الجملة تشير إلى أن الذين قوتلوا أهل بادية، فإذا أسلموا طلب منهم أن يتحولوا إلى ديار المهاجرين ليتعلموا دين الله؛ لأن الإنسان في باديته بعيد عن العلم، كما قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] ، وهذا أصل في توطين البوادي.
وقوله: (إلى دار المهاجرين) ، يحتمل أن المراد بها العين، أي: المدينة النبوية، ويحتمل أن المراد بها الجنس؛ أي: الدار التي تصلح أن يهاجر إليها لكونها بلد إسلام، سواء كانت المدينة أو غيرها.
ويقوي الاحتمال الثاني - وهو أن المراد بها الجنس -: أنه لو كان المراد المدينة؛ لكان الرسول ﷺ يعبر عنها باسمها ولا يأتي بالوصف العام، ويقوي الاحتمال الأول: أن دار المهاجرين هي المدينة، والظاهر الاحتمال الثاني.
قوله: (فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين) . وهذا تمام العدل، ولا يقال: إن الحق لصاحب البلد الأصلي، فلهم ما للمهاجرين من
стр. 3910
الغنيمة والفيء، وعليهم ما عليهم من الجهاد والنصرة.
قوله: (ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) . يعني: إذا لم يتحولوا إلى دار المهاجرين، فليس لهم في الغنيمة والفيء شيء.
والغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار بقتال أو ما ألحق به.
والفيء: ما يصرف لبيت المال؛ كخمس خمس الغنيمة، والجزية، والخراج، وغيرها.
وقوله: (إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) . يفيد أنهم إن جاهدوا مع المسلمين استحقوا من الغنيمة ما يستحقه غيرهم.
وأما الفيء؛ فاختلف أهل العلم في ذلك:
فعند الإمام أحمد: لهم حق في الفيء مطلقا، ولهم حق في الغنيمة إن جاهدوا.
وقيل: لا حق لهم في الفيء، إنما الفيء يكون لأهل البلدان بدليل الاستثناء، فهو عائد على الغنيمة، إذ ليس من في البلد مستعدا للجهاد ويتعلم الدين وينشره كأعرابي عند إبله.
فإذا أسلموا، فلهم ثلاث مراتب:
١ - التحول إلى دار المهاجرين، وحينئذ يكون لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين.
٢ - البقاء في أماكنهم مع الجهاد، فلهم ما للمجاهدين من الغنيمة، وفي الفيء الخلاف.
٣ - البقاء في أماكنهم مع ترك الجهاد؛ فليس لهم من الغنيمة والفيء شيء.
стр. 3911
«فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم.»
ــ
قوله: (فإن هم أبوا) . (هم) عند البصريين: توكيد للفاعل المحذوف مع فعل الشرط، والتقدير: فإن أبوا هم، وعند الكوفيين: مبتدأ خبره الجملة بعده.
والقاعدة عندنا إذا اختلف النحويون في مسألة: أن نتبع الأسهل، والأسهل هنا إعراب الكوفيين.
قوله: (فاسألهم الجزية) . سؤال عطاء لا سؤال استفهام، والفرق بين سؤال الاستفهام وسؤال العطاء: أن سؤال الاستفهام يتعدى إلى المفعول الثاني بـ (عن) ، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢] . وقد يكون المفعول الثاني جملة استفهامية، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٤] .
وأما سؤال الإعطاء؛ فيتعدى إليه بنفسه، كقولك: سألت زيدا كتابا.
والجزية: فعلة من جزى يجزي، وظاهر فيها أنها مكافأة على شيء، وهي عبارة عن مال مدفوع من غير المسلم عوضا عن حمايته وإقامته بدارنا.
والذمي معصوم ماله ودمه وذريته مقابل الجزية، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، أي: يسلموها بأيديهم، لا يقبل أن يرسل بها خادمه أو ابنه، بل لا بد أن يأتي بها هو.
وقيل: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ : عن قوة منكم، والصحيح أنها شاملة للمعنيين.
وقيل: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ : أن يعطيك إياه فتأخذها بقوة بأن تجر يده حتى يتبين له قوتك، وهذا لا حاجة إليه.
وقوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: يجب أن يتصفوا بالذل والهوان عند
стр. 3912
«فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه» .
ــ
إعطائها، فلا يعطوها بأبهة وترفع مع خدم وموكب ونحو ذلك، وجعل بعض العلماء من صغارهم أن يطال وقوفهم عند تسلمها منهم.
قوله: (فاستعن بالله وقاتلهم) . بدأ النبي ﷺ بطلب العون من الله؛ لأنه إذا لم يعنك في جهاد أعدائه فإنك مخذول، والجملة جواب الشرط.
قوله: (وإذا حاصرت أهل حصن) . الحصر: التضييق، أي: طوقتهم وضيقت عليهم بحيث لا يخرجون من حصنهم ولا يدخل عليهم أحد.
والحصن: كل ما يتحصن به من قصور أو أحواش وغيرها.
قوله: (فأرادوك) . أي: طلبوك، وضمن الإرادة معنى الطلب، وإلا فإن الأصل أن تتعدى بـ (من) ، فيقال أرادوا منك.
قوله: (فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه) . الذمة: العهد، فإذا قال أهل الحصن المحاصرون: نريد أن ننزل على عهد الله ورسوله، فإنه لا يجوز أن ينزلهم على عهد الله ورسوله، فإنه لا يجوز أن ينزلهم على عهد الله ورسوله، وعلل النبي ﷺ ذلك بقوله: «فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون» . . .) .
قوله: (أن تخفروا) بضم التاء وكسر الفاء: من أخفر الرباعي، أي: غدر، وأما خفر يخفر الثلاثي فهي بمعنى أجار، والمتعين الأول.
стр. 3913
«وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله؛ فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا.» رواه مسلم
ــ
وقوله: (أن تخفروا) . (أن) بفتح الهمزة مصدرية بدليل رفع (أهون) على أنها خبر، وأن وما دخلت عليه محلها من الإعراب النصب على أنها بدل اشتمال من اسم (إن) ، والتقدير: فإن إخفارهم ذممكم، والبدل يصح أن يحل محل المبدل منه، ولهذا قدرتها بما سبق.
قوله: «أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه» . لأن الغدر بذمة الله وذمة نبيه أعظم، وقوله: (أهون) من باب اسم التفضيل الذي ليس في المفضل ولا في المفضل عليه شيء من هذا المعنى؛ لأن قوله: (أهون) يقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه بالهون، والأمر ليس كذلك، لأن إخفار الذمم سواء كان لذمة الله وذمة رسوله أو ذمة المجاهدين، كله ليس بهين، بل هو صعب، لكن الهون هنا نسبي وليس على حقيقته.
فهنا أرادوا أن ينزلوا على العهد بدون أن يحكم عليهم بشيء، بل يعاهدون على حماية أموالهم وأنفسهم ونسائهم وذريتهم فنعطيهم ذلك.
قوله: (وإذا حاصرت) . أي: ضربت حصارا يمنعهم من الخروج من مكانهم.
(أهل حصن) : أهل بلد أو مكان يتحصنون به.
стр. 3914
(فأرادوك) : طلبوا منك.
(حكم الله) ، أي: شرع الله.
قوله: (ولكن أنزلهم على حكمك) . فإذا أرادوا أن ينزلوا على حكم الله فإنهم لا يجابون، فإننا لا ندري أنصيب فيهم حكم الله أم لا؟ .
ولهذا قال: (أنزلهم على حكمك) ، ولم يقل: وحكم أصحابك كما قال في الذمة؛ لأن الحكم في الجيش أو السرية للأمير، وأما الذمة والعهد فهي من الجميع، فلا يحل لواحد من الجيش أن ينقض العهد.
وقوله: (لا تدري) . أي: لا تعلم (أتصيب فيهم حكم الله أم لا) ، وذلك لأن الإنسان قد يخطئ حكم الله تعالى.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: إن أهل الحصن لا ينزلون على حكم الله، لأن قائد الجيش وإن اجتهد فإنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا؟ فليس كل مجتهد مصيبا.
وقيل: بل ينزلون على حكم الله، والنهي عن ذلك خاص في عهد النبي ﷺ فقط؛ لأنه العهد الذي يمكن أن يتغير فيه الحكم؛ إذ من الجائز بعد مضي هذا الجيش أن يغير الله هذا الحكم، وإذا كان كذلك؛ فلا تنزلهم على حكم الله، لأنك لا تدري أتصيب الحكم الجديد أو لا تصيبه؟ .
أما بعد انقطاع الوحي؛ فينزلون على حكم الله، واجتهادنا في إصابة حكم الله يعتبر صوابا إذا لم يتبين خطؤه، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وهذا أصح؛ لأنه يحكم للمجتهد بإصابته الحكم ظاهرا شرعا وإن كان قد يخطئ، وإن حصل الاحتراز بأن يقول: ننزلك على ما نفهم من حكم الله ورسوله، فهو أولى،
стр. 3915
لأنك إذا قلت على ما نفهم صار الأمر واضحا أن هذا حكم الله بحسب فهمنا، لا بحسب الواقع فيما اتضح خلافه.
واخترنا هذه العبارة؛ لأنه قد يتغير الاجتهاد، ويأتي أمير آخر فيحارب هؤلاء أو غيرهم ثم يتغير الحكم، فيقول الكفار: إن أحكام المسلمين متناقضة.
ويستفاد من هذا الحديث ما يلي:
١ - تحريم التمثيل، والغلول، والغدر، وقتل الوليد، وقد سبق الكلام عليه.
٢ - يشرع للإمام بعث الجيوش والسرايا.
٣ - لا يجوز القتال قبل الدعوة؛ لأنه جعل القتال آخر مرحلة.
وأما ما ورد في (الصحيح) أن «النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون» ؛ فقد أجيب: أن هؤلاء قد بلغتهم الدعوة، ودعوة من بلغتهم الدعوة سنة لا واجبة، ويرجع فيها للمصلحة.
٤ - جواز أخذ الدية من غير اليهود والنصارى والمجوس؛ لأن أهل الكتاب نص القرآن على أخذها منهم، والمجوس وردت به السنة، وأما ما عدا هؤلاء فاختلف أهل العلم:
فقيل: لا تأخذ من غير هؤلاء، وقيل: لا تؤخذ من مشركي العرب، لأن فيها إذلالا.
والصحيح أنها تؤخذ من جميع الكفار؛ لعموم قوله ﷺ : (من كفر بالله) ولم يقل: اليهود والنصارى.
стр. 3916
٥ - الإشارة إلى أن القتال ليس لإكراه الناس على أن يدخلوا في الإسلام، ولو كان كذلك ما شرعت الجزية؛ لأنه على هذا التقدير يجب أن يدخلوا في الدين أو يقاتلوا، وهذا هو الراجح الذي يؤيده القرآن والسنة، وأما قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس» . . .) الحديث. فهو عام مخصوص بأدلة الجزية.
٦ - عظم العهود، ولا سيما إذا كانت عهدا لله ورسوله.
٧ - جواز نزول أهل الحصن على حكم أمير الجيش.
٨ - أنه لا يجوز أن ينزلهم على حكم الله، إما في عهد رسول الله ﷺ أو مطلقا حسب الخلاف السابق.
٩ - أن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ؛ لقوله: « (فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟) » ، وقال النبي ﷺ : « (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد) » ، وعليه، فهل نقول: إن المجتهد مصيب ولو أخطأ؟ .
الجواب: قيل: كل مجتهد مصيب.
وقيل: ليس كل مجتهد مصيبا.
وقيل: كل مجتهد مصيب في الفروع دون الأصول؛ حذرا من أن نصوب أهل البدع في باب الأصول.
стр. 3917
والصحيح أن كل مجتهد مصيب من حيث اجتهاده، أما من حيث موافقته للحق؛ فإنه يخطئ ويصيب، ويدل له قوله ﷺ : (فاجتهد فأصاب، واجتهد فأخطأ) ؛ فهذا واضح في تقسيم المجتهدين إلى مخطئ ومصيب، وظاهر الحديث والنصوص أنه شامل للفروع والأصول، حيث دلت تلك النصوص على أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، لكن الخطأ المخالف لإجماع السلف خطأ ولو كان من المجتهدين؛ لأنه لا يمكن أن يكون مصيبا والسلف غير مصيبين، سواء في علم الأصول والفروع.
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أنكرا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقالا: إن هذا التقسيم محدث بعد عصر الصحابة، ولهذا نجد القائلين بهذا التقسيم يلحقون شيئا من أكبر أصول الدين بالفروع، مثل الصلاة، وهي ركن من أركان الإسلام، ويخرجون أشياء في العقيدة اختلف فيها السلف، يقولون: إنها من الفروع، لأنها ليست من العقيدة، ولكن فروع من فروعها، ونحن نقول: إن أردتم بالأصول ما كان عقيدة؛ فكل الدين أصول، لأن العبادات المالية أو البدنية لا يمكن أن تتعبد لله بها إلا أن تعتقد أنها مشروعة، فهذه عقيدة سابقة على العمل، ولو لم تعتقد ذلك لم يصح تعبدك لله بها.
والصحيح أن باب الاجتهاد مفتوح فيما سمي بالأصول أو الفروع، لكن ما خرج عن منهج السلف، فليس بمقبول مطلقا.
١٠ - أن باب الاجتهاد باق؛ لقوله: «لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟» ، وبهذا يتبين ضعف قول من قال: إن باب الاجتهاد قد انسد، والواجب التقليد للأئمة، وهذا يترتب عليه الإعراض عن الكتاب والسنة إلى آراء الرجال، وهذا خطأ، بل الواجب على من تمكن من أخذ الحكم من الكتاب
стр. 3918
ــ
والسنة أن يأخذه منهما، لكن لكثرة السنن وتفرقها لا ينبغي للإنسان أن يحكم بشيء بمجرد أن يسمع حديثا في هذا الحكم حتى يتثبت؛ لأن هذا الحكم قد يكون منسوخا أو مقيدا أو عاما وأنت تظنه بخلاف ذلك.
وأما أن نقول: لا تنظر في القرآن والسنة لأنك لست أهلا للاجتهاد؛ فهذا غير صحيح، ثم إنه على قولنا: إن باب الاجتهاد مفتوح؛ لا يجوز أبدا أن تحتقر آراء العلماء السابقين، أو أن تنزل من قدرهم؛ لأن أولئك تعبوا واجتهدوا وليسوا بمعصومين، فكونك تقدح فيهم أو تأخذ المسائل التي يلقونها على أنها نكت تعرضها أمام الناس ليسخروا بهم؛ فهذا أيضا لا يجوز، وإذا كانت غيبة الإنسان العادي محرمة، فكيف بغيبة أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في استخراج المسائل من أدلتها، ثم يأتي في آخر الزمان من يقول: إن هؤلاء لا يعرفون، وهؤلاء يفرضون المحال ويقولون: كذا وكذا، مع أن أهل العلم فيما يفرضونه من المسائل النادرة قد لا يقصدون الوقوع، ولكن يقصدون تمرين الطالب على تطبيق المسائل على قواعدها وأصولها؟! .
١١ - فيه إثبات الحكم لله ، وحكم الله ينقسم إلى قسمين:
أ - حكم كوني، وهو ما يتعلق بالكون، ولا يمكن لأحد أن يخالفه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف:٨٠] .
ب - حكم شرعي، وهو ما يتعلق بالشرع والعبادة، وهذا من الناس من يأخذ به ومنهم من لا يأخذ به، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠] .
стр. 3919
فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين. لو قال: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وبين ذمة المسلمين، لكان أوضح؛ لأنك عندما تقرأ كلامه تظن أن الفروق بين الثلاثة كلها، وليس كذلك؛ فإن ذمة الله وذمة نبيه واحدة، وإنما الفرق بينهما وبين ذمة المسلمين.
والفرق أن جعل ذمة الله وذمة نبيه للمحاصرين محرمة، وجعل ذمة المحاصرين - بكسر الصاد - ذمة جائزة.
الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا. لقوله: «ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك» . . .) إلخ، وهذه قاعدة مهمة، وتقال على وجه آخر وهو: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما إذا كان لابد من ارتكاب إحداهما، وقد دل عليها الشرع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ؛ فسب آلهة المشركين مطلوب، لكن إذا تضمن سب الله صار منهيا عنه؛ لأن مفسدة سب الله أعظم من مفسدة السكوت عن سب آلهتهم، وإن كان في هذا السكوت شيء من المفسدة، ولكن نسكت لئلا نقع في مفسدة أعظم، وأيضا العقل دل عليها.
وفيها قاعدة مقابلة، وهي: ترك أدنى المصلحتين لنيل أعلاهما، إذا كان لا بد من ترك إحداهما، فإذا اجتمعت مصلحتان لا يمكن الأخذ بهما جميعا؛
стр. 3920
الثالثة: قوله: «اغزوا بسم الله في سبيل الله» . الرابعة: قوله: «قاتلوا من كفر بالله» . الخامسة: قوله: « (استعن بالله وقاتلهم) .» السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء.
ــ
فخذ بأعلاهما، وإذا اجتمعت مفسدتان لا يمكن تركهما، فخذ بأدناهما.
الثالثة: قوله: (اغزوا بسم الله في سبيل الله) . يستفاد منها وجوب الغزو مع الاستعانة بالله والإخلاص والتمشي على شرعه.
الرابعة: قوله: (قاتلوا من كفر بالله) . يستفاد منها وجوب قتال الكفار، وأن علة قتالهم الكفر، وليس المعنى أنه لا يقاتل إلا من كفر، بل الكفر سبب للقتال؛ فمن منع الزكاة يقاتل، وإذا ترك أهل بلد صلاة العيد قوتلوا، وكذا الأذان والإقامة، مع أنهم لا يكفرون بذلك.
وإذا اقتتلت طائفتان وأبت إحداهما أن تفيء إلى أمر الله، قوتلت، فالقتال له أسباب متعددة غير الكفر.
الخامسة: قوله: (استعن بالله وقاتلهم) . يفيد وجوب الاستعانة بالله، وأن لا يعتمد الإنسان على حوله وقوته.
السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء. وفيه فرقان:
١ - أن حكم الله مصيب بلا شك، وحكم العلماء قد يصيب وقد لا يصيب.
٢ - تنزيل أهل الحصن على حكم الله ممنوع، إما في عهد الرسول ﷺ فقط أو مطلقا، وأما على حكم العلماء ونحوه؛ فهو جائز.
стр. 3921
السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ .
ــ
فائدة:
لا ينبغي أن يقال لمفت: ما حكم الإسلام في كذا، أو ما رأي الإسلام في كذا، فإنه قد يخطئ فلا يصيب حكم الإسلام، ولا يقول مفت: حكم الإسلام كذا؛ لأنه قد يخطئ، ولكن يقيد، فيقول: حكم الإسلام فيما أرى كذا وكذا إلا فيما هو نص واضح وصريح؛ فلا بأس، مثل أن يقال: ما حكم الإسلام في أكل الميتة؟ فيقول: حكم الإسلام في أكل الميتة أنه حرام.
السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ وهذا ليس خاصا بالصحابة، بل حتى من بعدهم، فإن له أن يحكم بما يرى أنه حكم الله عند الحاجة.
стр. 3922
باب ما جاء في الإقسام على الله
ــ
الإقسام: مصدر أقسم يُقسم إذا حلف.
والحلف له عدة أسماء، هي: يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] ، وقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ، أي: يحلفون، وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ، وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة:٦٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور:٥٣] .
واختلف أهل العلم في لا في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ .
فقيل: إنها نافية على الأصل، وإن معنى الكلام: لا أقسم بهذا الشيء على المُقسم به؛ لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، وهذا فيه تكلف، لأن من قرأ الآية عرف أن مدلولها الإثبات لا النفي.
وقيل: إن لا زائدة، والتقدير أقسم.
وقيل: إن لا للتنبيه، وهذا بمعنى الثاني؛ لأنها من حيث الإعراب زائدة.
وقيل: إنها نافية لشيء مقدر، أي: لا صحة لما تزعمون من انتفاء البعث، وهذا في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيه شيء من التكلف، والصواب أنها زائدة للتنبيه.
والإقسام على الله: أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل، مثل: والله، ليفعلن الله كذا، أو والله، لا يفعل الله كذا.
والقسم على الله ينقسم إلى أقسام:
стр. 3923
الأول: أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به رسوله، مثل: والله، ليشفعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله، لا يغفر الله لمن أشرك به.
الثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه؛ فهذا جائز لإقرار النبي ﷺ ذلك في قصة الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك ﵄، « (حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال: أتكسر ثنية الربيع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع. وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي، فقال الرسول ﷺ : (يا أنس! كتاب الله القصاص) ؛ يعني: السن بالسن. قال: والله، لا تكسر ثنية الربيع) ،» وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك.
فلما عرفوا أنه مصمم ألقى الله في قلوب الأنصار العفو فعفوا، فقال النبي ﷺ : « (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) » ، فهو لقوة رجائه بالله وحسن ظنه أقسم على الله أن لا تكسر ثنية الربيع؛ فألقى الله العفو في قلوب هؤلاء الذين صمموا أمام الرسول ﷺ على القصاص، فعفوا وأخذوا الأرش.
فثناء الرسول ﷺ شهادة بأن الرجل من عباد الله، وأن الله أبر قسمه ولين له هذه القلوب، وكيف لا وهو الذي قال: بأنه يجد ريح الجنة دون أحد،
стр. 3924
عن جندب بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان؛ فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك» . رواه مسلم.
ــ
ولما استشهد وجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح، ولم يعرفه إلا أخته ببنانه، وهي الربيع هذه، رضي الله عن الجميع وعنا معهم.
ويدل أيضا لهذا القسم قوله ﷺ : « (رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) » .
القسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجر فضل الله وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم، وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المُقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله.
مناسبة الترجمة لكتاب التوحيد: أن من تألى على الله فقد أساء الأدب معه وتحجر فضله وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد،، فالتألي على من هو عظيم يعتبر تنقصا في حقه.
قوله: (قال رجل) . يحتمل أن يكون الرجل الذي ذكر في حديث أبي
стр. 3925
هريرة الآتي أو غيره.
قوله: (والله لا يغفر الله لفلان) . هذا يدل على اليأس من روح الله، واحتقار عباد الله عند هذا القائل، وإعجابه بنفسه.
والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند الحرب، وفيه وقاية وستر.
قوله: (من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان) . (من) : اسم استفهام مبتدأ، (ذا) ملغاة، (الذي) : اسم موصول خبر مبتدأ، (يتألى) : يحلف؛ أي: من ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي أن لا أغفر لمن أساء من عبادي، والاستفهام للإنكار.
والحديث ورد مبسوطا في حديث أبي هريرة أن هذا الرجل كان عابدا وله صاحب مسرف على نفسه، وكان يراه على المعصية، فيقول: أقصر. فوجده يوما على ذنب، فقال: أقصر. فقال: خلني وربي، أبُعثت علي رقيبا؟ فقال: والله، لا يغفر الله لك.
وهذا يدل على أن المسرف عنده حسن ظن بالله ورجاء له، ولعله كان يفعل الذنب ويتوب فيما بينه وبين ربه؛ لأنه قال: خلني وربي، والإنسان إذا فعل الذنب ثم تاب توبة نصوحا ثم غلبته عليه نفسه مرة أخرى، فإن توبته الأولى صحيحة، فإذا تاب ثانية فتوبته صحيحة؛ لأن من شروط التوبة أن يعزم أن لا يعود، وليس من شروط التوبة أن لا يعود.
وهذا الرجل الذي قد غفر الله له إما أن يكون قد وجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة، أو أن ذنبه هذا كان دون الشرك فتفضل الله عليه فغفر له، أما لو