← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بعضا، وليس في السنة الصحيحة عن رسول الله، ﷺ ، ما يناقض بعضه بعضا، وليس في القرآن ولا في السنة ما يناقض الواقع أبدا؛ لأن الواقع واقع حق، والكتاب والسنة حق، ولا يمكن التناقض في الحق، وإذا فهمت هذه القاعدة انحلت عنك إشكالات كثيرة. قال الله - تعالى -: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . فإذا كان الأمر كذلك فأحاديث النبي، ﷺ ، لا يمكن أن تتناقض فإذا فسر النبي، ﷺ ، الإيمان بتفسير، وفسره في موضع آخر بتفسير آخر يعارض في نظرك التفسير الأول، فإنك إذا تأملت لم تجد معارضة: ففي حديث جبريل، ﵊، قسم النبي، ﷺ ، الدين إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الإسلام. القسم الثاني: الإيمان. القسم الثالث: الإحسان. وفي حديث وفد عبد القيس لم يذكر إلا قسما واحدا وهو الإسلام. فالإسلام عند الإطلاق يدخل فيه الإيمان لأنه لا يمكن أن يقوم بشعائر الإسلام إلا من كان مؤمنا فإذا ذكر الإسلام وحده شمل الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده شمل الإسلام، وإذا ذكرا جميعا صار الإيمان يتعلق بالقلوب، والإسلام يتعلق بالجوارح، وهذه فائدة مهمة لطالب العلم فالإسلام إذا ذكر وحده دخل فيه الإيمان قال الله - تعالى -:

стр. 37

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . ومن المعلوم أن دين الإسلام عقيدة وإيمان وشرائع، وإذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا ذكرا جميعا صار الإيمان ما يتعلق بالقلوب، والإسلام ما يتعلق بالجوارح، ولهذا قال بعض السلف: " الإسلام علانية، والإيمان سر "؛ لأنه في القلب، ولذلك ربما تجد منافقا يصلي ويتصدق ويصوم فهذا مسلم ظاهرا غير مؤمن كما قال - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . (١٤) وسئل: كيف نجمع بين أن الإيمان هو «الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره» . وقول النبي، ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة» .. إلخ "؟ فأجاب قائلا: الإيمان الذي هو العقيدة أصوله ستة وهي المذكورة في حديث جبريل، ﵊، حينما سأل النبي، ﷺ ، عن الإيمان فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . متفق عليه. وأما الإيمان الذي يشمل الأعمال، وأنواعها، وأجناسها فهو بضع وسبعون شعبة، ولهذا سمى الله - تعالى - الصلاة إيمانا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . قال المفسرون: إيمانكم يعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأن الصحابة كانوا قبل أن يؤمروا بالتوجه إلى الكعبة كانوا يصلون إلى المسجد الأقصى.

стр. 38

(١٥) سئل فضيلة الشيخ: عن معنى قول النبي، ﷺ ،: «إنَّ الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» ؟ فأجاب - حفظه الله - بقوله: هذا الحديث يقول فيه الرسول، ﷺ : «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» . و" يأرز " بكسر الراء ويجوز فيها الفتح والضم، ومعنى " يأرز " يرجع ويثبت في المدينة كما أن الحية إذا خرجت من جحرها رجعت إليه، وهذا إشارة من النبي، ﷺ ، إلى أن هذا الدين سوف يرجع إلى المدينة بعد أن تفسد البلدان الأخرى كما أن الحية تخرج وتنتشر في الأرض ثم بعد ذلك ترجع إلى جحرها. وفيه أيضا إشارة إلى أن الإسلام كما انطلق من المدينة فإنه يرجع إليها أيضا، فإن الإسلام بقوته وسلطته لم ينتشر إلا من المدينة وإن كان أصله نابعا في مكة، ومكة هي المهبط الأول للوحي، لكن لم يكن للمسلمين دولة وسلطان وجهاد إلا بعد أن هاجروا إلى المدينة، فلهذا كان الإسلام بسلطته ونفوذه وقوته منتشرا من المدينة وسيرجع إليها في آخر الزمان. وقال بعض أهل العلم: إن هذا إشارة إلى أمر سبق، وأن المعنى أن الناس يفدون إلى المدينة ويرجعون إليها ليتلقوا من رسول الله، ﷺ ، الشريعة والتعاليم الإسلامية. ولكن المعنى الأول هو ظاهر الحديث وهو الأصح. (١٦) وسئل فضيلته: هل يشهد للرجل بالإيمان بمجرد اعتياده المساجد كما جاء في الحديث ؟

стр. 39

فأجاب بقوله: نعم لا شك أن الذي يحضر الصلوات في المساجد، حضوره لذلك، دليل على إيمانه، لأنه ما حمله على أن يخرج من بيته ويتكلف المشي إلى المسجد إلا الإيمان بالله . وأما قول السائل: " كما جاء في الحديث " فهو يشير إلى ما يروى عن النبي، ﷺ : «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» . ولكن هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي، ﷺ . (١٧) سئل فضيلة الشيخ: عن هذا التقسيم للإيمان هل هو صحيح أو لا؟ " الإيمان خمسة: إيمان مطبوع وهو إيمان الملائكة، وإيمان معصوم وهو إيمان الأنبياء، وإيمان مقبول وهو إيمان المؤمنين، وإيمان مردود وهو إيمان المنافقين، وإيمان موقوف وهو إيمان المبتدعة "؟. فأجاب بقوله: أقول في هذا التقسيم: إنه ليس بصحيح، لا من أجل التقسيم لأن التقسيم قد يكون صحيحا في أصله ولا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم، لكنه ليس بصحيح في حد ذاته فإن المنافقين قد نفى الله الإيمان عنهم في القرآن فقال - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . وإيمان البشر مطبوعون عليه لولا وجود المانع المقاوم. قال النبي، ﵊: " «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» . صحيح أن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، وصحيح أن الأنبياء، عليهم الصلاة

стр. 40

والسلام، لا يمكن أن يرتدوا بعد إيمانهم، ولكن التقسيم الثاني غير صحيح وهو أنه جعل الملائكة مطبوعين على الإيمان دون البشر، والبشر كما تقدم قد طبعوا على الإيمان بالله وتوحيده، وخير من ذلك أن نرجع إلى تقسيم السلف الصالح لأنه هو التقسيم الذي يكون مطابقا للكتاب والسنة للإجماع عليه. وهو أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان. (١٨) سئل الشيخ: عن رجل يوسوس له الشيطان بوساوس عظيمة فيما يتعلق بالله وهو خائف من ذلك جدا ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ما ذكر من جهة مشكلة السائل التي يخاف من نتائجها، أقول له: أبشر بأنه لن يكون لها نتائج إلا النتائج الطيبة؛ لأن هذه وساوس يصول بها الشيطان على المؤمنين، ليزعزع العقيدة السليمة في قلوبهم، ويوقعهم في القلق النفسي والفكري ليكدر عليهم صفو الإيمان، بل صفو الحياة إن كانوا مؤمنين. وليست حاله بأول حال تعرض لأهل الإيمان، ولا هي آخر حال، بل ستبقى مادام في الدنيا مؤمن. ولقد كانت هذه الحال تعرض للصحابة ﵃ فعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء أناس من أصحاب رسول الله، ﷺ ، إلى النبي، ﷺ ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، فقال: " أو قد وجدتموه؟ ". قالوا: نعم، قال: " ذاك صريح الإيمان» . رواه مسلم، وفي الصحيحين عنه أيضا أن النبي، ﷺ ، قال: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول:»

стр. 41

«من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» . وعن ابن عباس ﵄ «أن النبي، ﷺ ، جاءه رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به، فقال النبي، ﷺ : " الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة» . رواه أبو داود. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الإيمان: والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان بوساوس الكفر التي يضيق بها صدره. كما «قالت الصحابة: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: " ذاك صريح الإيمان ".» وفي رواية «ما يتعاظم أن يتكلم به. قال: " الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له، ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان، كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه، فهذا عظيم الجهاد، إلى أن قال: " ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم، لأنه (أي الغير) لم يسلك شرع الله ومنهاجه، بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه، وهذا مطلوب الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة، فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله - تعالى - " ا. هـ. المقصود منه ذكره في ص ١٤٧ من الطبعة الهندية. فأقول لهذا السائل: إذا تبين لك أن هذه الوساوس من الشيطان فجاهدها وكابدها، واعلم أنها لن تضرك أبدا مع قيامك بواجب المجاهدة والإعراض عنها، والانتهاء عن الانسياب وراءها، كما قال النبي، ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم»

стр. 42

«تعمل به أو تتكلم» . متفق عليه. وأنت لو قيل لك: هل تعتقد ما توسوس به؟ وهل تراه حقّا؟ وهل يمكن أن تصف الله - سبحانه - به؟ لقلت: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم، ولأنكرت ذلك بقلبك ولسانك، وكنت أبعد الناس نفورا عنه، إذا فهو مجرد وساوس وخطرات تعرض لقلبك، وشباك شرك من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، ليرديك ويلبس عليك دينك. ولذلك تجد الأشياء التافهة لا يلقي الشيطان في قلبك الشك فيها أو الطعن، فأنت تسمع مثلا بوجود مدن مهمة كبيرة مملوءة بالسكان والعمران في المشرق والمغرب ولم يخطر ببالك يوما من الأيام الشك في وجودها أو عيبها بأنها خراب ودمار لا تصلح للسكنى، وليس فيها ساكن ونحو ذلك، إذ لا غرض للشيطان في تشكك الإنسان فيها، ولكن الشيطان له غرض كبير في إفساد إيمان المؤمن، فهو يسعى بخيله ورجله ليطفئ نور العلم والهداية في قلبه، ويوقعه في ظلمة الشك والحيرة، والنبي، ﷺ ، بين لنا الدواء الناجع الذي فيه الشفاء، وهو قوله: «فليستعذ بالله ولينته» . فإذا انتهى الإنسان عن ذلك واستمر في عبادة الله طلبا ورغبة فيما عند الله زال ذلك عنه، بحول الله، فأعرض عن جميع التقديرات التي ترد على قلبك في هذا الباب وها أنت تعبد الله وتدعوه وتعظمه، ولو سمعت أحدا يصفه بما توسوس به لقتلته إن أمكنك، إذن فما توسوس به ليس حقيقة واقعة بل هو خواطر ووساوس لا أصل لها، كما لو انفتح على شخص طاهر الثوب قد غسل ثوبه لحينه ثم أخذ الوهم يساوره لعله تنجس لعله لا تجوز الصلاة به، فإنه لا يلتفت إلى هذا.

стр. 43

ونصيحتي تتلخص فيما يأتي: ١ - الاستعاذة بالله، والانتهاء بالكلية عن هذه التقديرات كما أمر بذلك النبي، ﷺ . ٢ - ذكر الله - تعالى - وضبط النفس عن الاستمرار في الوساوس. ٣ - الانهماك الجدي في العبادة والعمل امتثالا لأمر الله، وابتغاء لمرضاته، فمتى التفت إلى العبادة التفاتا كليا بجد وواقعية نسيت الاشتغال بهذه الوساوس - إن شاء الله -. ٤ - كثرة اللجوء إلى الله والدعاء بمعافاتك من هذا الأمر. وأسأل الله - تعالى - لك العافية والسلامة من كل سوء ومكروه. (١٩) وسئل أيضا: عن شخص يوسوس إليه الشيطان بهذا السؤال: " من خلق الله؟ " فهل يؤثر ذلك عليه ؟ فأجاب بقوله: هذا الوسواس لا يؤثر عليه وقد أخبر النبي، ﵊، أن الشيطان يأتي إلى الإنسان فيقول: من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ إلى أن يقول: من خلق الله؟ وأعلمنا رسول الله، ﷺ ، بالدواء الناجع وهو أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وننتهي عن هذا. فإن طرأ عليك هذا الشيء وخطر ببالك فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وانته عنه وأعرض إعراضا كليا وسيزول بإذن الله. (٢٠) وسئل الشيخ: هل يجب على الكافر أن يعتنق الإسلام ؟ فأجاب بقوله: يجب على كل كافر أن يعتنق دين الإسلام ولو كان

стр. 44

نصرانيا أو يهوديا؛ لأن الله - تعالى - يقول في الكتاب العزيز: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . فواجب على جميع الناس أن يؤمنوا برسول الله، ﷺ ، إلا أن هذا الدين الإسلامي من رحمة الله وحكمته أنه أباح لغير المسلمين أن يبقوا على ديانتهم بشرط أن يخضعوا لأحكام المسلمين فقال - تعالى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ . وفي صحيح مسلم من حديث بريدة أن النبي، ﷺ ، كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أمره بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا وقال: «ادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» . ومن هذه الخصال أن يبذلوا الجزية. ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الجزية تقبل من غير اليهود والنصارى. فالحاصل أن غير المسلمين يجب عليهم إما الدخول في الإسلام، وإما الخضوع لأحكام الإسلام، والله الموفق.

стр. 45

(٢١) سئل فضيلة الشيخ: كيف يمكن الجمع بين الأحاديث الآتية: «كان الله ولم يك شيء قبله، وكان عرشه على الماء وكتب بيده كل شيء ثم خلق السماوات والأرض» . وفي مسند الإمام أحمد «عن لقيط بن صبرة قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: " كان في عماية..» . وحديث: «أول ما خلق الله القلم» . فظاهر هذه الأحاديث متعارض في أي المخلوقات أسبق في الخلق، وكذلك ما جاء أن أول المخلوقات هو محمد رسول الله، ﷺ ؟. فأجاب بقوله: هذه الأحاديث متفقة مؤتلفة وليست بمختلفة، فأول ما خلق الله من الأشياء المعلومة لنا هو العرش واستوى عليه بعد خلق السماوات، كما قال - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ . وأما بالنسبة للقلم فليس في الحديث دليل على أن القلم أول شيء خلق، بل معنى الحديث أنه في حين خلق القلم أمره الله بالكتابة، فكتب مقادير كل شيء. وأما محمد، ﷺ ، فهو كغيره من البشر، خلق من ماء أبيه عبد الله بن عبد المطلب، ولم يتميز على البشر من حيث الخلقة، كما قال عن نفسه: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون» . فهو عليه الصلاة

стр. 46

والسلام، يجوع، ويعطش، ويبرد، ويصيبه الحر، ويمرض، ويموت، فكل شيء يعتري البشرية من حيث الطبيعة البشرية فإنه يعتريه، لكنه يتميز بأنه يوحى إليه وأنه أهل للرسالة كما قال - تعالى -: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ .

стр. 47

الربوبية

стр. 48

(٢٢) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم من يدعي علم الغيب ؟ فأجاب بقوله: الحكم فيمن يدعي علم الغيب أنه كافر؛ لأنه مكذب لله قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ . وإذا كان الله يأمر نبيه محمدا ﷺ أن يعلن للملأ أنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فإن من ادعى علم الغيب فقد كذب الله في هذا الخبر. ونقول لهؤلاء: كيف يمكن أن تعلموا الغيب والنبي ﷺ لا يعلم الغيب؟! هل أنتم أشرف أم الرسول، ﷺ ؟! فإن قالوا: نحن أشرف من الرسول، كفروا بهذا القول، وإن قالوا: هو أشرف، فنقول: لماذا يحجب عنه الغيب وأنتم تعلمونه؟! وقد قال الله عن نفسه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ . وهذه آية ثانية تدل على كفر من ادعى علم الغيب، وقد أمر الله - تعالى - نبيه، ﷺ ، أن يعلن للملأ بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ .

стр. 49

(٢٣) سئل فضيلة الشيخ: كيف نوفق بين علم الأطباء الآن بذكورة الجنين وأنوثته، وقوله - تعالى -: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ، وما جاء في تفسير ابن جرير عن مجاهد أن رجلا سأل النبي، ﷺ ، عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية وما جاء عن قتادة ﵀؟ وما المخصص لعموم قوله - تعالى -: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ؟ فأجاب بقوله: قبل أن أتكلم عن هذه المسألة أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبدا، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة، فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته؛ لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبدا. فإذا تبين ذلك فقد قيل: إنهم الآن توصلوا بواسطة الآلات الدقيقة للكشف عما في الأرحام، والعلم بكونه أنثى أو ذكرا فإن كان ما قيل باطلا فلا كلام، وإن كان صدقا فإنه لا يعارض الآية، حيث إن الآية تدل على أمر غيبي هو متعلق علم الله - تعالى - في هذه الأمور الخمسة، والأمور الغيبية في حال الجنين هي: مقدار مدته في بطن أمه، وحياته، وعمله، ورزقه، وشقاوته أو سعادته، وكونه ذكرا أم أنثى، قبل أن يخلَّق، أما بعد أن يخلق، فليس العلم بذكورته أو أنوثته من علم الغيب، لأنه بتخليقه صار من علم الشهادة، إلا أنه مستتر في الظلمات الثلاثة، التي لو أزيلت لتبين أمره، ولا يبعد أن يكون فيما خلق الله - تعالى - من الأشعة أشعة قوية

стр. 50

تخترق هذه الظلمات حتى يتبين الجنين ذكرا أم أنثى. وليس في الآية تصريح بذكر العلم بالذكورة والأنوثة، وكذلك لم تأت السنة بذلك. وأما ما نقله السائل عن ابن جرير عن مجاهد أن رجلا سأل النبي، ﷺ ، عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية. فالمنقول هذا منقطع لأن مجاهدا ﵀ من التابعين. وأما تفسير قتادة ﵀ فيمكن أن يحمل على أن اختصاص الله - تعالى - بعلمه ذلك إذا كان لم يخلق، أما بعد أن يخلَّق فقد يعلمه غيره. قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية لقمان: وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه - تعالى - سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى أو شقيا أو سعيدا علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه. ا. هـ. وأما سؤالكم عن المخصص لعموم قوله - تعالى -: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ . فنقول: إن كانت الآية تتناول الذكورة والأنوثة بعد التخليق فالمخصص الحس والواقع، وقد ذكر علماء الأصول أن المخصصات لعموم الكتاب والسنة إما النص، أو الإجماع، أو القياس، أو الحس، أو العقل، وكلامهم في ذلك معروف. وإذا كانت الآية لا تتناول ما بعد التخليق وإنما يراد بها ما قبله، فليس فيها ما يعارض ما قيل من العلم بذكورة الجنين وأنوثته. والحمد لله أنه لم يوجد ولن يوجد في الواقع ما يخالف صريح القرآن الكريم، وما طعن فيه أعداء المسلمين على القرآن الكريم من حدوث أمور ظاهرها معارضة القرآن الكريم فإنما ذلك لقصور فهمهم لكتاب الله - تعالى -، أو تقصيرهم في ذلك لسوء نيتهم، ولكن عند أهل الدين والعلم من البحث والوصول إلى الحقيقة ما يدحض شبهة هؤلاء ولله الحمد والمنة.

стр. 51

والناس في هذه المسألة طرفان ووسط: فطرف تمسك بظاهر القرآن الكريم الذي ليس بصريح، وأنكر خلافه من كل أمر واقع متيقن، فجلب بذلك الطعن إلى نفسه في قصوره أو تقصيره، أو الطعن في القرآن الكريم حيث كان في نظره مخالفا للواقع المتيقن. وطرف أعرض عما دل عليه القرآن الكريم وأخذ بالأمور المادية المحضة، فكان بذلك من الملحدين. وأما الوسط فأخذوا بدلالة القرآن الكريم وصدقوا بالواقع، وعلموا أنَّ كلاّ منهما حق، ولا يمكن أن يناقض صريح القرآن الكريم أمرا معلوما بالعيان، فجمعوا بين العمل بالمنقول والمعقول، وسلمت بذلك أديانهم وعقولهم، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وفقنا الله وإخواننا المؤمنين لذلك، وجعلنا هداة مهتدين، وقادة مصلحين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب. (٢٤) سئل فضيلة الشيخ: عن دوران الأرض؟ ودوران الشمس حول الأرض؟ وما توجيهكم لمن أسند إليه تدريس مادة الجغرافيا وفيها أن تعاقب الليل والنهار بسبب دوران الأرض حول الشمس ؟ فأجاب فضيلته بقوله: خلاصة رأينا حول دوران الأرض أنه من الأمور التي لم يرد فيها نفي ولا إثبات لا في الكتاب ولا في السنة، وذلك لأن قوله - تعالى -: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ . ليس

стр. 52

بصريح في دورانها، وإن كان بعض الناس قد استدل بها عليه محتجا بأن قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يدل على أن للأرض حركة، لولا هذه الرواسي لاضطربت بمن عليها. وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ ليس بصريح في انتفاء دورانها، لأنها إذا كانت محفوظة من الميدان في دورانها بما ألقى الله فيها من الرواسي صارت قرارا، وإن كانت تدور. أما رأينا حول دوران الشمس على الأرض الذي يحصل به تعاقب الليل والنهار، فإننا مستمسكون بظاهر الكتاب والسنة من أن الشمس تدور على الأرض دورانا يحصل به تعاقب الليل والنهار، حتى يقوم دليل قطعي يكون لنا حجة بصرف ظاهر الكتاب والسنة إليه - وأنى ذلك - فالواجب على المؤمن أن يستمسك بظاهر القرآن الكريم والسنة في هذه الأمور وغيرها. ومن الأدلة على أن الشمس تدور على الأرض دورانا يحصل به تعاقب الليل والنهار، قوله - تعالى -: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ . فهذه أربعة أفعال أسندت إلى الشمس (طلعت) ، (تزاور) ، (غربت) ، (تقرضهم) . ولو كان تعاقب الليل والنهار بدوران الأرض لقال: وترى الشمس إذا تبين سطح الأرض إليها تزاور كهفهم عنها أو نحو ذلك، وثبت «عن النبي، ﷺ ، أنه قال لأبي ذر حين غربت الشمس: " أتدري أين تذهب؟ " فقال: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنها تذهب»

стр. 53

«وتسجد تحت العرش وتستأذن فيؤذن لها، وأنها تستأذن فلا يؤذن لها ويقال: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها ".» ففي هذا إسناد الذهاب والرجوع والطلوع إليها وهو ظاهر في أن الليل والنهار يكون بدوران الشمس على الأرض. وأما ما ذكره علماء الفلك العصريون، فإنه لم يصل عندنا إلى حدّ اليقين فلا ندع من أجله ظاهر كتاب ربّنا وسنة نبينا. ونقول لمن أسند إليه تدريس مادة الجغرافيا يبين للطلبة أن القرآن الكريم والسنة كلاهما يدل بظاهره على أن تعاقب الليل والنهار، إنما يكون بدوران الشمس على الأرض لا بالعكس. فإذا قال الطالب: أيهما نأخذ به أظاهر الكتاب والسنة أم ما يدعيه هؤلاء الذين يزعمون أن هذه من الأمور اليقينيات؟ فجوابه: أنا نأخذ بظاهر الكتاب والسنة؛ لأن القرآن الكريم كلام الله - تعالى - الذي هو خالق الكون كله، والعالم بكل ما فيه من أعيان وأحوال، وحركة وسكون، وكلامه - تعالى - أصدق الكلام وأبينه، وهو - سبحانه - أنزل الكتاب تبيانا لكل شيء، وأخبر - سبحانه - أنه يبين لعباده لئلا يضلوا، وأما السنة فهي كلام رسول رب العالمين، وهو أعلم الخلق بأحكام ربه وأفعاله، ولا ينطق بمثل هذه الأمور إلا بوحي من الله لأنه لا مجال لتلقيها من غير الوحي. وفي ظني - والله أعلم - أنه سيجئ الوقت الذي تتحطم فيه فكرة علماء الفلك العصريين كما تحطمت فكرة داروين حول نشأة الإنسان. (٢٥) سئل فضيلة الشيخ: عن دوران الشمس حول الأرض ؟

стр. 54

فأجاب بقوله: ظاهر الأدلة الشرعية تثبت أن الشمس هي التي تدور على الأرض، وبدورتها يحصل تعاقب الليل والنهار على سطح الأرض وليس لنا أن نتجاوز ظاهر هذه الأدلة إلا بدليل أقوى من ذلك يسوغ لنا تأويلها عن ظاهرها. ومن الأدلة على أن الشمس تدور على الأرض دورانا يحصل به تعاقب الليل والنهار ما يلي: ١- قال الله - تعالى - عن إبراهيم في محاجته لمن حاجه في ربه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ . فكون الشمس يؤتى بها من المشرق دليل ظاهر على أنها التي تدور على الأرض. ٢ - وقال أيضا عن إبراهيم: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ . فجعل الأفول من الشمس لا عنها ولو كانت الأرض التي تدور لقال: " فلما أفل عنها ". ٣ - قال - تعالى -: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ . فجعل الازورار والقرض من الشمس وهو دليل على أن الحركة منها ولو كانت من الأرض لقال يزاور كهفهم عنها، كما أن إضافة الطلوع والغروب إلى الشمس يدل على أنها هي التي تدور وإن كانت دلالتها أقل من دلالة قوله: (تزاور) ، (تقرضهم) . ٤ - وقال - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .

стр. 55

قال ابن عباس ﵄: يدورون في فلكة كفلكة المغزل. اشتهر ذلك عنه. ٥ - وقال - تعالى -: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ . فجعل الليل طالبا للنهار، والطالب مندفع لاحق، ومن المعلوم أن الليل والنهار تابعان للشمس. ٦ - وقال - تعالى -: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ . فقوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ أي يديره عليه ككور العمامة دليل على أن الدوران من الليل والنهار على الأرض، ولو كانت الأرض التي تدور عليهما لقال: " يكور الأرض على الليل والنهار ". وفي قوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ المبين لما سبقه دليل على أن الشمس والقمر يجريان جريا حسيا مكانيا لأن تسخير المتحرك بحركته أظهر من تسخير الثابت الذي لا يتحرك. ٧ - وقال - تعالى -: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ . ومعنى (تلاها) أتى بعدها وهو دليل على سيرهما ودورانهما على الأرض، ولو كانت الأرض التي تدور عليهما لم يكن القمر تاليا للشمس بل كان تاليا لها أحيانا وتالية له أحيانا لأن الشمس أرفع منه والاستدلال بهذه الآية يحتاج إلى تأمل.

стр. 56

٨ - وقال - تعالى -: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . فإضافة الجريان إلى الشمس وجعله تقديرا من ذي عزة وعلم يدل على أنه جريان حقيقي بتقدير بالغ، بحيث يترتب عليه اختلاف الليل والنهار والفصول. وتقدير القمر منازل يدل على تنقله فيها ولو كانت الأرض التي تدور لكان تقدير المنازل لها من القمر لا للقمر. ونفي إدراك الشمس للقمر وسبق الليل للنهار يدل على حركة اندفاع من الشمس والقمر والليل والنهار. ٩ - «وقال النبي، ﷺ ، لأبي ذر ﵁ وقد غربت الشمس: " أتدري أين تذهب؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنها تذهب فتسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، فيوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ".» أو كما قال، ﷺ . متفق عليه. فقوله: «ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها» ظاهر جدا في أنها تدور على الأرض وبدورانها يحصل الطلوع والغروب. ١٠ - الأحاديث الكثيرة في إضافة الطلوع والغروب والزوال إلى الشمس فإنها ظاهرة في وقوع ذلك منها لا من الأرض عليها. ولعل هناك أدلة أخرى لم تحضرني الآن ولكن فيما ذكرت فتح باب وهو كاف فيما أقصد. والله الموفق.

стр. 57

الشهادتان

стр. 58

(٢٦) سئل فضلية الشيخ: عن الشهادتين ؟ فأجاب قائلا: الشهادتان " شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " هما مفتاح الإسلام ولا يمكن الدخول إلى الإسلام إلا بهما، ولهذا أمر النبي، ﷺ ، معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن أن يكون أول ما يدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فأما الكلمة الأولى: " شهادة أن لا إله إلا الله " فأن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه بأنه لا معبود حق إلا الله لأن إله بمعنى مألوه والتأله التعبد. والمعنى أنه لا معبود حق إلا الله وحده، وهذه الجملة مشتملة على نفي وإثبات، أما النفي فهو " لا إله " وأما الإثبات ففي " إلا الله " والله " لفظ الجلالة " بدل من خبر " لا " المحذوف، والتقدير " لا إله حق إلا الله " فهو إقرار باللسان بعد أن آمن به القلب بأنه لا معبود حق إلا الله وهذا يتضمن إخلاص العبادة لله وحده ونفي العبادة عما سواه. وبتقديرنا الخبر بهذه الكلمة " حق " يتبين الجواب عن الإشكال الذي يورده كثير من الناس وهو: كيف تقولون لا إله إلا الله مع أن هناك آلهة تعبد من دون الله وقد سماها الله - تعالى - آلهة وسماها عابدها آلهة؟ قال الله ﵎: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ . وقال - تعالى -: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ .

стр. 59

وقال - تعالى -: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ . وقوله: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ . فكيف يمكن أن نقول لا إله إلا الله مع ثبوت الألوهية لغير الله ؟ وكيف يمكن أن نثبت الألوهية لغير الله والرسل يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ؟ والجواب على هذا الإشكال يتبين بتقدير الخبر في لا إله إلا الله فنقول: هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة، لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقة وليس لها من حق الألوهية شيء، ويدل لذلك قوله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . ويدل لذلك أيضا قوله - تعالى -: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ . وقوله - تعالى - عن يوسف، ﵊: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ . إذن فمعنى " لا إله إلا الله " لا معبود حق إلا الله ، فأما المعبودات سواه فإن ألوهيتها التي يزعمها عابدها ليست حقيقية، أي ألوهية باطلة، بل الألوهية الحق هي ألوهية الله .

стр. 60

أما معنى شهادة " أن محمدا رسول الله " فهو الإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي، ﷺ ، رسول الله إلى جميع الخلق من الجن والإنس كما قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . وقال - تعالى -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . ومقتضى هذه الشهادة أن تصدق رسول الله، ﷺ ، فيما أخبر، وأن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بما شرع، ومقتضى هذه الشهادة أيضا أن لا تعتقد أن لرسول الله، ﷺ ، حقّا في الربوبية وتصريف الكون، أو حقا في العبادة، بل هو، ﷺ ، عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا من النفع أو الضر إلا ما شاء الله كما قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ . فهو عبد مأمور يتبع ما أمر به، وقال الله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ . وقال - سبحانه -: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 61

فهذا معنى شهادة (أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله) . وبهذا المعنى تعلم أنه لا يستحق العبادة لا رسول الله، ﷺ ، ولا من دونه من المخلوقين، وأن العبادة ليست إلا لله - تعالى - وحده ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ . وأن حقه، ﷺ ، أن تنزله المنزلة التي أنزله الله - تعالى - إياها وهو أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه. (٢٧) وسئل فضيلته: كيف كانت " لا إله إلا الله " مشتملة على جميع أنواع التوحيد ؟ فأجاب بقوله: هي تشمل جميع أنواع التوحيد كلها، إما بالتضمن، وإما بالالتزام، وذلك أن قول القائل: " أشهد أن لا إله إلا الله " يتبادر إلى الذهن أن المراد بها توحيد العبادة - الذي يسمى توحيد الألوهية - وهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأن كل من عبد الله وحده، فإنه لن يعبده حتى يكون مقرا له بالربوبية، وكذلك متضمن لتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن الإنسان لا يعبد إلا من علم أنه مستحق للعبادة، لما له من الأسماء والصفات، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ . فتوحيد العبادة متضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

стр. 62

(٢٨) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس إن معنى " لا إله إلا الله " إخراج اليقين الفاسد على الأشياء وإدخال اليقين الصادق على الله، أنه هو الضار والنافع والمحيي والمميت، وكل شيء لا يضر ولا ينفع وأن الله هو الذي وضع فيه الضر والنفع ؟ فأجاب بقوله: قول هذا القائل قول ناقص، فإن هذا معنى من معاني " لا إله إلا الله " ومعناها الحقيقي الذي دعا إليه رسول الله، ﷺ ، وكفر به المشركون أنه لا معبود بحق إلا الله، فالإله بمعنى مفعول، وتأتي فِعال بمعنى مفعول وهذا كثير، ومنه فراش بمعنى مفروش، وبناء بمعنى مبني، وغراس بمعنى مغروس، فإله بمعنى مألوه، أي الذي تألهه القلوب وتحبه وتعظمه ولا يستحق هذا حقّا إلا الله. فهذا معنى لا إله إلا الله. وقد قسم العلماء التوحيد إلى أقسام ثلاثة: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات، فتوحيد الربوبية هو إفراد الله - سبحانه - بالخلق والملك والتدبير، وتوحيد الألوهية هو إفراد الله - سبحانه - بالعبادة، وتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله بما يجب له من الأسماء والصفات بأن نثبتها لله - تعالى - على وجه الحقيقة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وقد يقول البعض: إن هذا التقسيم للتوحيد بدعة. ولكن نقول: بتتبع النصوص الواردة في التوحيد وجدناها لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، والاستدلال المبني على التتبع والاستقراء ثابت حتى في القرآن، كما في قوله

стр. 63

- تعالى -: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ . والجواب: لا هذا ولا هذا. ولهذا قال - تعالى -: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ . وبعض المتكلمين قالوا: التوحيد أن تؤمن أن الله واحد في أفعاله لا شريك له، واحد في ذاته لا جزء له، واحد في صفاته لا شبيه له، وهذا تقسيم قاصر. (٢٩) سئل - حفظه الله -: عن أول واجب على الخلق ؟ فأجاب بقوله: أول واجب على الخلق هو أول ما يدعى الخلق إليه، وقد بينه النبي، ﷺ ، لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه لليمن فقال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» . فهذا أول واجب على العباد أن يوحدوا الله ، وأن يشهدوا لرسوله، ﷺ ، بالرسالة. وبتوحيد الله والشهادة لرسوله، ﷺ ، يتحقق الإخلاص، والمتابعة اللذان هما شرط لقبول كل عبادة.

стр. 64

العبادة

стр. 65

(٣٠) سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيرا -: عن الحكمة من خلق الجن والإنس ؟ فأجاب قائلا: قبل أن أتكلم عن هذا السؤال أحب أن أنبه على قاعدة عامة فيما يخلقه الله وفيما يشرعه. وهذه القاعدة مأخوذة من قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . وغيرهما من الآيات الكثيرة الدالة على إثبات الحكمة لله فيما يخلقه وفيما يشرعه أي في أحكامه الكونية، وأحكامه الشرعية، فإنه ما من شيء يخلقه الله إلا وله حكمة سواء كان ذلك في إيجاده أو في إعدامه، وما من شيء يشرعه الله - تعالى - إلا لحكمة سواء كان ذلك في إيجابه، أو تحريمه، أو إباحته، لكن هذه الحكم التي يتضمنها حكمه الكوني والشرعي قد تكون معلومة لنا، وقد تكون مجهولة، وقد تكون معلومة لبعض الناس دون بعض حسب ما يؤتيهم الله من العلم والفهم، إذا تقرر هذا فإننا نقول: إن الله خلق الجن والإنس لحكمة عظيمة وغاية حميدة، وهي عبادته ﵎ كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . وقال - تعالى -:

стр. 66

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ . وقال - تعالى -: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن لله - تعالى - حكمة بالغة من خلق الجن والإنس وهي عبادته، والعبادة هي: " التذلل لله محبة وتعظيما بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه ". قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ . فهذه الحكمة من خلق الجن والإنس، وعلى هذا فمن تمرد على ربه واستكبر عن عبادته فإنه يكون نابذا لهذه الحكمة التي خلق الله العباد من أجلها، وفعله يشهد أن الله خلق الخلق عبثا وسدى، وهو وإن لم يصرح بذلك لكن هذا هو مقتضى تمرده واستكباره عن طاعة ربه. (٣١) وسئل فضيلته: عن مفهوم العبادة ؟ فأجاب بقوله: العبادة لها مفهوم عام، ومفهوم خاص. فالمفهوم العام: هي " التذلل لله محبة وتعظيما بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه ". والمفهوم الخاص: يعني تفصيلها. قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: هي " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة كالخوف، والخشية، والتوكل، والصلاة، والزكاة، والصيام، وغير ذلك من شرائع الإسلام ". وقد يكون قصد السائل بمفهوم العبادة ما ذكره بعض العلماء من أن

стр. 67

العبادة إمّا عبادة كونية، أو عبادة شرعية، يعني أن الإنسان قد يكون متذللا لله تذللا كونيا وتذللا شرعيا. فالعبادة الكونية تشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر لقوله - تعالى -: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ . فكل من في السماوات والأرض فهو خاضع لله كونا فلا يمكن أبدا أن يضاد الله أو يعارضه فيما أراد بالإرادة الكونية. وأما العبادة الشرعية: فهي التذلل له شرعا فهذه خاصة بالمؤمنين بالله القائمين بأمره، ثم إن منها ما هو خاص أخص كعبودية الرسل، عليهم الصلاة والسلام، مثل قوله - تعالى -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ . وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ . وغير ذلك من وصف الرسل، عليهم الصلاة والسلام، بالعبودية. والعابدون بالعبودية الكونية لا يثابون عليها؛ لأنهم خاضعون لله - تعالى - شاءوا أم أبوا، فالإنسان يمرض، ويفقر، ويفقد محبوبه من غير أن يكون مريدا لذلك بل هو كاره لذلك لكن هذا خضوع لله خضوعا كونيا.

стр. 68

(٣٢) وسئل - حفظه الله تعالى -: هل يجوز للإنسان أن يدعو على نفسه بالموت ؟ فأجاب قائلا: دعاء الإنسان على نفسه بالموت حرام ولا يجوز لأن النبي، ﷺ ، يقول: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به» . فعلى الإنسان أن يصبر ويحتسب وأن يسأل الله الهداية والثبات، وإذا كان مصابا بضر فليسأل الله العافية فإن الأمر كله لله. والله ولي التوفيق. (٣٣) وسئل: عن قول الإنسان في دعائه: " إن شاء الله "؟ فأجاب قائلا: لا ينبغي للإنسان إذا دعا الله أن يقول: " إن شاء الله " في دعائه بل يعزم المسألة ويعظم الرغبة فإن الله لا مكره له، وقد قال : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . فوعد بالاستجابة وحينئذ لا حاجة إلى أن يقال إن شاء الله لأن الله إذا وفق العبد للدعاء فإنه يجيبه إما بمسألته، أو بأن يرد عنه شرا، أو يدخرها له يوم القيامة، وقد ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله - تعالى - لا مكره له» . فإن قال قائل: ألم يثبت «عن النبي، ﷺ ، أنه كان يقول: للمريض: " لا بأس طهور إن شاء الله» ؟ فنقول: بلى ولكن هذا يظهر أنه ليس من باب الدعاء وإنما هو من باب الخبر والرجاء وليس دعاء، فإن الدعاء من آدابه أن يجزم به المرء. والله أعلم.

стр. 69

(٣٤) سئل فضيلة الشيخ: عن الجمع بين قول النبي، ﷺ : «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا مكره له» وقوله: «ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله» ؟ فأجاب بقوله: الحديث الأول صحيح، وفي لفظ: «إن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» . وهذه الصيغة التي نهى عنها رسول الله: «اللهم اغفر لي إن شئت» تشعر بمعان فاسدة: منها أن أحدا يكره الله، ومنها أن مغفرة الله ورحمته أمر عظيم لا يعطيه الله لك، ولذلك قال: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» . وأنت لو سألت رجلا من الناس فقلت: أعطني مليون ريال إن شئت. فهذا يتعاظمه ولذلك قلت له: إن شئت. وكذلك فهو مشعر بأنك مستغن عن عطية المسئول فإن أعطاك وإلا فلا يهمك، ولهذا نهى رسول الله، ﷺ ، عن قول «إن شئت» . أما ما جاء في الحديث الثاني من قول «إن شاء الله» فهي أخف وقعا من قول إن شئت؛ لأن القائل قد يريد بها التبرك لا التعليق. فوجه الجمع أن التعبير بإن شاء الله أهون من إن شئت. ويرد على ذلك أن هذا يفيد أن قول إن شاء الله منهي عنه لكن دون قول إن شئت. فكيف يكون منهيا عنه ثم يقوله النبي، ﷺ ، كما في الحديث الثاني الذي ذكره السائل؟ وإن كان فيه نظر من حيث الصحة، لكن ثبت في الحديث الصحيح «أن النبي، ﷺ ، كان إذا عاد مريضا يقول: " لا بأس طهور إن شاء الله ".» وهذه

стр. 70

الجملة وإن كانت خبرية فمعناها طلبي. والجواب أن هذه الجملة مبنية على الرجاء لأن يكون المرض طهورا من الذنب وهذا كما في حديث: «وثبت الأجر إن شاء الله» . فهو على الرجاء. (٣٥) سئل فضيلة الشيخ: ما المراد بقول النبي، ﷺ : «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» ؟ فأجاب - رعاه الله - بقوله: اختلف في المراد به على قولين: القول الأول: أن المراد لا تسألوا أحدا من المخلوقين بوجه الله فإذا أردت أن تسأل أحدا من المخلوقين لا تسأله بوجه الله، لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة، فإذا لا يسألون بوجه الله مطلقا. القول الثاني: أنك إذا سألت الله فإن كان الجنة وما يستلزم دخولها فاسأل بوجه الله، وإن كان من أمور الدنيا فلا تسأل بوجه الله، فأمور الآخرة تسأل بوجه الله كقولك مثلا: أسألك بوجهك أن تنجيني من النار «. والنبي، ﷺ ، استعاذ بوجه الله لما نزل قوله - تعالى -: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: هذه أهون أو أيسر» . ولو قيل: إنه يحتمل المعنيين جميعا لكان له وجه.

стр. 71

(٣٦) وسئل فضيلة الشيخ: لماذا يدعو الإنسان ولا يستجاب له؟ والله يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأسأل الله - تعالى - لي ولإخواني المسلمين التوفيق للصواب عقيدة، وقولا، وعملا، يقول: الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . ويقول السائل: إنه دعا الله ولم يستجب الله له فيستشكل هذا الواقع مع هذه الآية الكريمة التي وعد الله - تعالى - فيها من دعاه بأن يستجيب له والله لا يخلف الميعاد. والجواب على ذلك أن للإجابة شروطا لا بد أن تتحقق وهي: الشرط الأول: الإخلاص لله بأن يخلص الإنسان في دعائه فيتجه إلى الله بقلب حاضر صادق في اللجوء إليه عالم بأنه قادر على إجابة الدعوة، مؤمل الإجابة من الله . الشرط الثاني: أن يشعر الإنسان حال دعائه بأنه في أمسِّ الحاجة بل في أمس الضرورة إلى الله وأن الله - تعالى - وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، أما أن يدعو الله وهو يشعر بأنه مستغن عن الله وليس في ضرورة

стр. 72

إليه وإنما يسأل هكذا عادة فقط فإن هذا ليس بحري بالإجابة. الشرط الثالث: أن يكون متجنبا لأكل الحرام فإن أكل الحرام حائل بين الإنسان والإجابة كما ثبت في الصحيح عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين " فقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ . ثم ذكر النبي، ﷺ ، الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. قال النبي، ﷺ : " فأنى يستجاب له» . فاستبعد النبي، ﷺ ، أن يستجاب لهذا الرجل الذي قام بالأسباب الظاهرة التي بها تستجلب الإجابة وهي: أولا: رفع اليدين إلى السماء أي إلى الله لأنه - تعالى - في السماء فوق العرش، ومد اليد إلى الله من أسباب الإجابة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند: «إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا» . ثانيا: هذا الرجل دعا الله - تعالى - باسم الرب " يا رب يا رب " والتوسل إلى الله - تعالى - بهذا الاسم من أسباب الإجابة؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور فبيده مقاليد السماوات والأرض، ولهذا تجد أكثر الدعاء الوارد في القرآن الكريم بهذا الاسم:

стр. 73

﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ . الآيات. فالتوسل إلى الله - تعالى - بهذا الاسم من أسباب الإجابة. ثالثا: هذا الرجل كان مسافرا والسفر غالبا من أسباب الإجابة؛ لأن الإنسان في السفر يشعر بالحاجة إلى الله والضرورة إليه أكثر مما إذا كان مقيما في أهله، وأشعث أغبر كأنه غير معني بنفسه كأن أهم شيء عنده أن يلتجئ إلى الله ويدعوه على أي حال كان هو سواء كان أشعث أغبر أم مترفا، والشعث والغبر له أثر في الإجابة كما في الحديث الذي روي عن النبي، ﷺ ، «أن الله - تعالى - ينزل إلى السماء الدنيا عشية عرفة يباهي الملائكة بالواقفين فيها يقول: " أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق» . هذه الأسباب لإجابة الدعاء لم تجد شيئا؛ لكون مطعمه حراما، وملبسه حراما، وغذي بالحرام، قال النبي، ﷺ : «فأنى يستجاب له؟» . فهذه الشروط لإجابة الدعاء إذا لم تتوافر فإن الإجابة تبدو بعيدة، فإذا توافرت ولم يستجب الله للداعي، فإنما ذلك لحكمة يعلمها الله ولا يعلمها هذا الداعي، فعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، وإذا تمت هذه الشروط ولم يستجب الله فإنه إما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخرها له يوم القيامة فيوفيه الأجر أكثر وأكثر؛ لأن هذا الداعي الذي دعا بتوفر الشروط ولم يستجب له ولم يصرف

стр. 74

عنه من السوء ما هو أعظم، يكون قد فعل الأسباب ومنع الجواب لحكمة فيعطى الأجر مرتين مرة على دعائه ومرة على مصيبته بعدم الإجابة فيدخر له عند الله ما هو أعظم وأكمل. ثم إن المهم أيضا أن لا يستبطئ الإنسان الإجابة، فإن هذا من أسباب منع الإجابة أيضا كما جاء في الحديث عن النبي، ﷺ : «" يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ". قالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: " يقول: دعوت ودعوت ودعوت فلم يستجب لي» . فلا ينبغي للإنسان أن يستبطئ الإجابة فيستحسر عن الدعاء ويدع الدعاء بل يلح في الدعاء فإن كل دعوة تدعو بها الله فإنها عبادة تقربك إلى الله وتزيدك أجرا، فعليك يا أخي بدعاء الله في كل أمورك العامة والخاصة الشديدة واليسيرة، ولو لم يكن من الدعاء إلا أنه عبادة لله لكان جديرا بالمرء أن يحرص عليه. والله الموفق. (٣٧) سئل فضيلة الشيخ: هناك أدعية يتناقلها بعض الطلاب فيما بينهم على سبيل الطرفة والضحك بحيث يخصصوا لمدرس كل مادة دعاء خاصا، فما حكم هذا العمل؟ ومن الأمثلة: دعاء مدرس اللغة العربية: اللهم اجعلني فاعلا للخير ومرفوعا عن الشر. دعاء مدرس الرياضيات: اللهم اجعلني مستقيما في حياتي ولا تجعل الدنيا حادة عليَّ.

стр. 75

دعاء مدرس الجيولوجيا: اللهم أبعدني عن العوامل المؤثرة في النفوس، واجعلني في حبك بركانا، ولكلمتك زلزالا، واجعلني من معدن صلب وصخر قوي واجعل لي صلابة عالية. فأجاب بقوله: دعاء الله - تعالى - عبادة يتقرب بها العبد إلى الله لقوله - تعالى -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ولا يحل للمسلم أن يتخذ دعاء الله - تعالى - هزؤا يتندر به ويتنطع به فإن هذا خطر عظيم وخطأ جسيم. والواجب على العبد إن كان صادقا في دعاء ربه أن يدعو الله بأدب وصدق افتقارا إليه وأن يدعو الله بما يحتاجه من أمور دينه ودنياه على الوجه الذي جاءت به السنة. أما هذه الصيغ التي ذكرها السائل ففيها عدة محاذير: الأول: أنها تقال على سبيل التندر والتنطع وقد «قال النبي، ﷺ : " هلك المتنطعون " قالها ثلاثا» . الثاني: أنها لا تنم عن داع يعتبر نفسه مفتقرا إلى الله - تعالى - يدعوه دعاء خائف راجٍ. الثالث: أن بعضها يحمل معاني فاسدة أو معاني أشبه ما تكون باللغو كما في دعاء مدرس الجيولوجيا. ونصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله ويخافوا مقامه وأن لا يتخذوا آيات الله هزؤا، وأن يعلموا أن مقام الرب عظيم لا يخاطب - جل وعلا - بمثل هذه الكلمات السخيفة المتكلفة، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
следующие страницы →