Полный текст (10 899 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(٣٦) وسئل فضيلة الشيخ: لماذا يدعو الإنسان ولا يستجاب له؟ والله يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأسأل الله - تعالى - لي ولإخواني المسلمين التوفيق للصواب عقيدة، وقولا، وعملا، يقول: الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . ويقول السائل: إنه دعا الله ولم يستجب الله له فيستشكل هذا الواقع مع هذه الآية الكريمة التي وعد الله - تعالى - فيها من دعاه بأن يستجيب له والله لا يخلف الميعاد. والجواب على ذلك أن للإجابة شروطا لا بد أن تتحقق وهي:
الشرط الأول: الإخلاص لله بأن يخلص الإنسان في دعائه فيتجه إلى الله بقلب حاضر صادق في اللجوء إليه عالم بأنه قادر على إجابة الدعوة، مؤمل الإجابة من الله .
الشرط الثاني: أن يشعر الإنسان حال دعائه بأنه في أمسِّ الحاجة بل في أمس الضرورة إلى الله وأن الله - تعالى - وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، أما أن يدعو الله وهو يشعر بأنه مستغن عن الله وليس في ضرورة
стр. 72
إليه وإنما يسأل هكذا عادة فقط فإن هذا ليس بحري بالإجابة.
الشرط الثالث: أن يكون متجنبا لأكل الحرام فإن أكل الحرام حائل بين الإنسان والإجابة كما ثبت في الصحيح عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين " فقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ . ثم ذكر النبي، ﷺ ، الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. قال النبي، ﷺ : " فأنى يستجاب له» . فاستبعد النبي، ﷺ ، أن يستجاب لهذا الرجل الذي قام بالأسباب الظاهرة التي بها تستجلب الإجابة وهي:
أولا: رفع اليدين إلى السماء أي إلى الله لأنه - تعالى - في السماء فوق العرش، ومد اليد إلى الله من أسباب الإجابة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند: «إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا» .
ثانيا: هذا الرجل دعا الله - تعالى - باسم الرب " يا رب يا رب " والتوسل إلى الله - تعالى - بهذا الاسم من أسباب الإجابة؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور فبيده مقاليد السماوات والأرض، ولهذا تجد أكثر الدعاء الوارد في القرآن الكريم بهذا الاسم:
стр. 73
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ . الآيات. فالتوسل إلى الله - تعالى - بهذا الاسم من أسباب الإجابة.
ثالثا: هذا الرجل كان مسافرا والسفر غالبا من أسباب الإجابة؛ لأن الإنسان في السفر يشعر بالحاجة إلى الله والضرورة إليه أكثر مما إذا كان مقيما في أهله، وأشعث أغبر كأنه غير معني بنفسه كأن أهم شيء عنده أن يلتجئ إلى الله ويدعوه على أي حال كان هو سواء كان أشعث أغبر أم مترفا، والشعث والغبر له أثر في الإجابة كما في الحديث الذي روي عن النبي، ﷺ ، «أن الله - تعالى - ينزل إلى السماء الدنيا عشية عرفة يباهي الملائكة بالواقفين فيها يقول: " أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق» .
هذه الأسباب لإجابة الدعاء لم تجد شيئا؛ لكون مطعمه حراما، وملبسه حراما، وغذي بالحرام، قال النبي، ﷺ : «فأنى يستجاب له؟» . فهذه الشروط لإجابة الدعاء إذا لم تتوافر فإن الإجابة تبدو بعيدة، فإذا توافرت ولم يستجب الله للداعي، فإنما ذلك لحكمة يعلمها الله ولا يعلمها هذا الداعي، فعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، وإذا تمت هذه الشروط ولم يستجب الله فإنه إما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخرها له يوم القيامة فيوفيه الأجر أكثر وأكثر؛ لأن هذا الداعي الذي دعا بتوفر الشروط ولم يستجب له ولم يصرف
стр. 74
عنه من السوء ما هو أعظم، يكون قد فعل الأسباب ومنع الجواب لحكمة فيعطى الأجر مرتين مرة على دعائه ومرة على مصيبته بعدم الإجابة فيدخر له عند الله ما هو أعظم وأكمل.
ثم إن المهم أيضا أن لا يستبطئ الإنسان الإجابة، فإن هذا من أسباب منع الإجابة أيضا كما جاء في الحديث عن النبي، ﷺ : «" يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ". قالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: " يقول: دعوت ودعوت ودعوت فلم يستجب لي» . فلا ينبغي للإنسان أن يستبطئ الإجابة فيستحسر عن الدعاء ويدع الدعاء بل يلح في الدعاء فإن كل دعوة تدعو بها الله فإنها عبادة تقربك إلى الله وتزيدك أجرا، فعليك يا أخي بدعاء الله في كل أمورك العامة والخاصة الشديدة واليسيرة، ولو لم يكن من الدعاء إلا أنه عبادة لله لكان جديرا بالمرء أن يحرص عليه. والله الموفق.
(٣٧) سئل فضيلة الشيخ: هناك أدعية يتناقلها بعض الطلاب فيما بينهم على سبيل الطرفة والضحك بحيث يخصصوا لمدرس كل مادة دعاء خاصا، فما حكم هذا العمل؟ ومن الأمثلة:
دعاء مدرس اللغة العربية: اللهم اجعلني فاعلا للخير ومرفوعا عن الشر.
دعاء مدرس الرياضيات: اللهم اجعلني مستقيما في حياتي ولا تجعل الدنيا حادة عليَّ.
стр. 75
دعاء مدرس الجيولوجيا: اللهم أبعدني عن العوامل المؤثرة في النفوس، واجعلني في حبك بركانا، ولكلمتك زلزالا، واجعلني من معدن صلب وصخر قوي واجعل لي صلابة عالية.
فأجاب بقوله: دعاء الله - تعالى - عبادة يتقرب بها العبد إلى الله لقوله - تعالى -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ولا يحل للمسلم أن يتخذ دعاء الله - تعالى - هزؤا يتندر به ويتنطع به فإن هذا خطر عظيم وخطأ جسيم.
والواجب على العبد إن كان صادقا في دعاء ربه أن يدعو الله بأدب وصدق افتقارا إليه وأن يدعو الله بما يحتاجه من أمور دينه ودنياه على الوجه الذي جاءت به السنة.
أما هذه الصيغ التي ذكرها السائل ففيها عدة محاذير:
الأول: أنها تقال على سبيل التندر والتنطع وقد «قال النبي، ﷺ : " هلك المتنطعون " قالها ثلاثا» .
الثاني: أنها لا تنم عن داع يعتبر نفسه مفتقرا إلى الله - تعالى - يدعوه دعاء خائف راجٍ.
الثالث: أن بعضها يحمل معاني فاسدة أو معاني أشبه ما تكون باللغو كما في دعاء مدرس الجيولوجيا.
ونصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله ويخافوا مقامه وأن لا يتخذوا آيات الله هزؤا، وأن يعلموا أن مقام الرب عظيم لا يخاطب - جل وعلا - بمثل هذه الكلمات السخيفة المتكلفة، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
стр. 76
(٣٨) وسئل فضيلة الشيخ: عن معنى الإخلاص؟ وإذا أراد العبد بعبادته شيئا آخر فما الحكم ؟
فأجاب بقوله: الإخلاص لله - تعالى - معناه: " أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله والتوصل إلى دار كرامته ".
وإذا أراد العبد بعبادته شيئا آخر ففيه تفصيل حسب الأقسام التالية:
القسم الأول: أن يريد التقرب إلى غير الله - تعالى - في هذه العبادة ونيل الثناء عليها من المخلوقين فهذا يحبط العمل، وهو من الشرك. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: قال الله - تعالى -: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» . القسم الثاني: أن يقصد بها الوصول إلى غرض دنيوي كالرئاسة، والجاه، والمال دون التقرب بها إلى الله - تعالى - فهذا عمله حابط لا يقربه إلى الله - تعالى - لقول الله - تعالى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
والفرق بين هذا والذي قبله أن الأول قصد أن يثنى عليه من قبل أنه عابد لله - تعالى - وأما هذا - الثاني - فلم يقصد أن يثنى عليه من قبل أنه عابد لله ولا يهمه أن يثني الناس عليه بذلك.
القسم الثالث: أن يقصد بها التقرب إلى الله - تعالى - والغرض الدنيوي الحاصل بها مثل أن يقصد مع نية التعبد لله - تعالى - بالطهارة
стр. 77
تنشيط الجسم وتنظيفه، وبالصلاة تمرين الجسم وتحريكه، وبالصيام تخفيف الجسم وإزالة فضلاته، وبالحج مشاهدة المشاعر والحجاج فهذا ينقص أجر الإخلاص، ولكن إن كان الأغلب عليه نية التعبد فقد فاته كمال الأجر، ولكن لا يضره ذلك باقتراف إثم أو وزر لقوله - تعالى - في الحجاج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
وإن كان الأغلب عليه نية غير التعبد فليس له ثواب في الآخرة وإنما ثوابه ما حصله في الدنيا، وأخشى أن يأثم بذلك لأنه جعل العبادة التي هي أعلى الغايات وسيلة للدنيا الحقيرة، فهو كمن قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ . وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من عرض الدنيا. فقال النبي، ﷺ : " لا أجر له ". فأعاد ثلاثا والنبي، ﷺ ، يقول: " لا أجر له ".» وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: «من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
وإن تساوى عنده الأمران فلم تغلب نية التعبد ولا نية غير التعبد فمحل نظر، والأقرب أنه لا ثواب له كمن عمل لله - تعالى - ولغيره.
والفرق بين هذا القسم والذي قبله أن غرض غير التعبد في القسم السابق حاصل بالضرورة فإرادته إرادة حاصلة بعمله بالضرورة وكأنه أراد
стр. 78
ما يقتضيه العمل من أمر الدنيا.
فإن قيل: ما هو الميزان لكون مقصوده في هذا القسم أغلبه التعبد أو غير التعبد؟
قلنا: الميزان أنه إذا كان لا يهتم بما سوى العبادة حصل أم لم يحصل فقد دل على أن الأغلب نية التعبد والعكس بالعكس.
وعلى كل حال فإن النية التي هي قول القلب أمرها عظيم وشأنها خطير فقد ترتقي بالعبد إلى درجة الصديقين وقد ترده إلى أسفل السافلين، قال بعض السلف: " ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص ". فنسأل الله لنا ولكم الإخلاص في النية، والصلاح في العمل.
(٣٩) وسئل فضيلته: عن مذهب أهل السنة والجماعة في الرجاء والخوف ؟
فأجاب بقوله: اختلف العلماء هل يُقدم الإنسان الرجاء أو يقدم الخوف على أقوال:
فقال الإمام أحمد ﵀: " ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا، فلا يغلب الخوف ولا يغلب الرجاء ". قال ﵀: " فأيهما غلب هلك صاحبه "؛ لأنه إن غلب الرجاء وقع الإنسان في الأمن من مكر الله، وإن غلب الخوف وقع في القنوط من رحمة الله.
وقال بعض العلماء: " ينبغي تغليب الرجاء عند فعل الطاعة وتغليب الخوف عند إرادة المعصية "؛ لأنه إذا فعل الطاعة فقد أتى بموجب حسن الظن، فينبغي أن يغلب الرجاء وهو القبول، وإذا هم بالمعصية أن يغلب
стр. 79
الخوف لئلا يقع في المعصية.
وقال آخرون: " ينبغي للصحيح أن يغلب جانب الخوف وللمريض أن يغلب جانب الرجاء" لأن الصحيح إذا غلب جانب الخوف تجنب المعصية، والمريض إذا غلب جانب الرجاء لقي الله وهو يحسن الظن به.
والذي عندي في هذه المسألة أن هذا يختلف باختلاف الأحوال وأنه إذا خاف إذا غلب جانب الخوف أن يقنط من رحمة الله وجب عليه أن يرد ويقابل ذلك بجانب الرجاء، وإذا خاف إذا غلب جانب الرجاء أن يأمن مكر الله فليرد ويغلب جانب الخوف، والإنسان في الحقيقة طبيب نفسه إذا كان قلبه حيّا، أما صاحب القلب الميت الذي لا يعالج قلبه ولا ينظر أحوال قلبه فهذا لا يهمه الأمر.
(٤٠) وسئل فضيلته: هل يجوز للإنسان أن يستعيذ بكلمات الله ؟
فأجاب بقوله: نعم، يجوز ذلك لأن كلمات الله من صفاته، ولهذا استدل العلماء بقول النبي، ﷺ : «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» . استدلوا بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته غير مخلوق لأن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، ولو كانت الكلمات مخلوقة ما أرشد النبي، ﷺ ، إلى الاستعاذة بها.
(٤١) سئل فضيلة الشيخ: هل اتخاذ الأسباب ينافي التوكل؟ فبعض الناس إبان حرب الخليج اتخذ الأسباب
стр. 80
وبعضهم تركها وقال: إنه متوكل على الله؟
فأجاب بقوله: الواجب على المؤمن أن يعلق قلبه على الله وأن يصدق الاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضار فإن الله وحده هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله كما قال الله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . وقال موسى لقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . وقال الله - تعالى -: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . وقال - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . فالواجب على المؤمن أن يعتمد على ربه رب السماوات والأرض ويحسن الظن به.
ولكن يفعل الأسباب الشرعية والقدرية الحسية التي أمر الله - تعالى - بها؛ لأن أخذ الأسباب الجالبة للخير المانعة من الشر من الإيمان بالله - تعالى - وحكمته ولا تنافي التوكل، فها هو سيد المتوكلين محمد، رسول الله، ﷺ ، كان يتخذ الأسباب الشرعية والقدرية فكان يعوذ نفسه عند النوم بالإخلاص والمعوذتين، وكان يلبس الدروع في الحروب، وخندق على المدينة حين اجتمع أحزاب الشرك حولها حماية لها، وقد جعل
стр. 81
الله - تعالى - ما يتقي به العبد شرور الحروب من نعمه التي يستحق الشكر عليها فقال عن نبيه داود: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ . وأمر الله داود أن يجيد صنعها ويجعلها سابغة لأنها تكون أقوى في التحصين.
وعلى هذا فإن أهل البلاد القريبة من مواقع الحرب التي يخشى أن يصيبها من آثاره ليس عليهم حرج في الاحتياط باستعمال الكمامات المانعة من تسرب الغازات المهلكة إلى أبدانهم، والتحصينات المانعة من تسربه إلى بيوتهم؛ لأن هذا من الأسباب الواقية من الشر المحصنة من البأس، ولا حرج عليهم أن يدخروا لأنفسهم من الأطعمة وغيرها ما يخافون أن يحتاجوا إليه فلا يجدوه، وكلما قويت الخشية من ذلك كان طلب الاحتياط أقوى. ولكن يجب أن يكون اعتمادهم على الله فيستعملوا هذه الأسباب بمقتضى شرع الله وحكمته على أنها أسباب أذن الله لهم فيها لا على أنها الأصل في جلب المنافع ودفع المضار، وأن يشكروا الله - تعالى - حيث يسر لهم مثل هذه الأسباب وأذن لهم بها.
والله أسأل أن يقينا جميعا أسباب الفتن والهلاك، وأن يحقق لنا ولإخواننا قوة الإيمان به والتوكل عليه والأخذ بالأسباب التي أذن بها على الوجه الذي يرضى به عنا إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 82
(٤٢) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم التعلق بالأسباب ؟
فأجاب - حفظه الله - بقوله: التعلق بالأسباب أقسام:
القسم الأول: ما ينافي التوحيد في أصله، وهو أن يتعلق الإنسان بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير ويعتمد عليه اعتمادا كاملا معرضا عن الله مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب. وهذا شرك أكبر مخرج عن الملة وحكم الفاعل ما ذكره الله - تعالى - بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
القسم الثاني: أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع غفلته عن المسبِّب وهو الله - تعالى - فهذا نوع من الشرك ولكن لا يخرج من الملة؛ لأنه اعتمد على السبب ونسي المسبب وهو الله - تعالى -.
القسم الثالث: أن يتعلق بالسبب تعلقا مجردا لكونه سببا فقط، مع اعتماده الأصلي على الله فيعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء قطعه ولو شاء لأبقاه وأنه لا أثر للسبب في مشيئة الله فهذا لا ينافي التوحيد لا أصلا ولا كمالا.
ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب بل يعلقها بالله، فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقا كاملا مع الغفلة عن المسبب وهو الله فهذا نوع من الشرك، أما إذا اعتقد أن المرتب سبب والمسبب هو الله فهذا لا ينافي التوكل، والرسول، ﷺ ، كان يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبب وهو الله .
стр. 83
(٤٣) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الرقية؟ وعن حكم كتابة الآيات وتعليقها في عنق المريض ؟
فأجاب بقوله: الرقية على المريض المصاب بسحر أو غيره من الأمراض لا بأس بها إن كانت من القرآن الكريم أو من الأدعية المباحة فقد ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه كان يرقي أصحابه، ومن جملة ما يرقيهم به: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع» فيبرأ. ومن الأدعية المشروعة: «بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك» ، ومنها أن يضع الإنسان يده على الألم الذي يؤلمه من بدنه فيقول: «أعوذ بالله وعزته من شر ما أجد وأحاذر» إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم من الأحاديث الواردة عن الرسول، ﷺ ،.
وأما كتابة الآيات والأذكار وتعليقها فقد اختلف أهل العلم في ذلك: فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، والأقرب المنع من ذلك؛ لأن هذا لم يرد عن النبي، ﷺ ، وإنما الوارد أن يقرأ على المريض، أما أن تعلق الآيات أو الأدعية على المريض في عنقه أو في يده أو تحت وسادته وما أشبه ذلك، فإن ذلك من الأمور الممنوعة على القول الراجح لعدم ورودها، وكل إنسان يجعل من الأمور سببا لأمر آخر بغير إذن من الشرع، فإن عمله هذا يعد نوعا من الشرك لأنه إثبات سبب لم يجعله الله سببا.
стр. 84
(٤٤) وسئل: هل الرقية تنافي التوكل ؟ .
فأجاب بقوله: التوكل هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب التي أمر الله بها، وليس التوكل أن تعتمد على الله بدون فعل الأسباب، فإن الاعتماد على الله بدون فعل الأسباب طعن في الله وفي حكمته ﵎ لأن الله - تعالى - ربط المسببات بأسبابها، وهنا سؤال: من أعظم الناس توكلا على الله؟
الجواب: هو الرسول، ﵊، وهل كان يعمل الأسباب التي يتقي بها الضرر؟.
الجواب: نعم كان إذا خرج إلى الحرب يلبس الدروع ليتوقى السهام، وفي غزوة أحد ظاهر بين درعين، أي لبس درعين كل ذلك استعدادا لما قد يحدث، ففعل الأسباب لا ينافي التوكل، إذا اعتقد الإنسان أن هذه الأسباب مجرد أسباب فقط لا تأثير لها إلا بإذن الله - تعالى -، وعلى هذا فالقراءة قراءة الإنسان على نفسه، وقراءته على إخوانه المرضى لا تنافي التوكل، وقد ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه كان يرقي نفسه بالمعوذات وثبت أنه كان يقرأ على أصحابه إذا مرضوا. والله أعلم.
(٤٥) وسئل - حفظه الله -: عن حكم تعليق التمائم والحجب ؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة أعني تعليق الحجب والتمائم تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون المعلق من القرآن وقد اختلف في ذلك أهل العلم سلفا وخلفا. فمنهم من أجاز ذلك ورأى أنه داخل في قوله - تعالى -:
стр. 85
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقوله - تعالى -: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ ، وأن من بركته أن يعلق ليدفع به السوء.
ومنهم من منع ذلك وقال إن تعليقها لم يثبت عن النبي، ﷺ ، أنه سبب شرعي يدفع به السوء أو يرفع به، والأصل في مثل هذه الأشياء التوقيف، وهذا القول هو الراجح وأنه لا يجوز تعليق التمائم ولو من القرآن الكريم، ولا يجوز أيضا أن تجعل تحت وسادة المريض، أو تعلق في الجدار وما أشبه ذلك، وإنما يدعى للمريض ويقرأ عليه مباشرة كما كان النبي، ﷺ ، يفعل.
القسم الثاني: أن يكون المعلق من غير القرآن الكريم مما لا يفهم معناه فإنه لا يجوز بكل حال لأنه لا يدرى ماذا يكتب فإن بعض الناس يكتبون طلاسم وأشياء معقدة، حروف متداخلة ما تكاد تعرفها ولا تقرأها فهذا من البدع وهو محرم ولا يجوز بكل حال. والله أعلم.
(٤٦) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم النفث في الماء ؟
فأجاب بقوله: النفث في الماء علي قسمين:
القسم الأول: أن يراد بهذا النفث التبرك بريق النافث فهذا لا شك أنه حرام ونوع من الشرك؛ لأن ريق الإنسان ليس سببا للبركة والشفاء ولا أحد يتبرك بآثاره إلا محمد، ﷺ ، أما غيره فلا يتبرك بآثاره فالنبي، ﷺ ، يتبرك بآثاره في حياته وكذلك بعد مماته إذا بقيت تلك الآثار كما كان عند أم سلمة ﵂ جلجل من فضة
стр. 86
فيه شعرات من شعر النبي، ﷺ ، يستشفي بها المرضى، فإذا جاء مريض صبت على هذه الشعرات ماء ثم حركته ثم أعطته الماء، لكن غير النبي، ﷺ ، لا يجوز لأحد أن يتبرك بريقه، أو بعرقه، أو بثوبه، أو بغير ذلك، بل هذا حرام ونوع من الشرك، فإذا كان النفث في الماء من أجل التبرك بريق النافث فإنه حرام ونوع من الشرك وذلك لأن كل من أثبت لشيء سببا غير شرعي ولا حسي فإنه قد أتى نوعا من الشرك، لأنه جعل نفسه مسببا مع الله، وثبوت الأسباب لمسبباتها إنما يتلقى من قبل الشرع فلذلك كل من تمسك بسبب لم يجعله الله سببا، لا حسّا ولا شرعا، فإنه قد أتى نوعا من الشرك.
القسم الثاني: أن ينفث الإنسان بريق تلا فيه القرآن الكريم مثل أن يقرأ الفاتحة - والفاتحة رقية وهي من أعظم ما يرقى به المريض - فيقرأ الفاتحة وينفث في الماء فإن هذا لا بأس به، وقد فعله بعض السلف وهو مجرب ونافع بإذن الله وقد «كان النبي، ﷺ ، ينفث في يديه عند نومه بقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس فيمسح بها وجهه وما استطاع من جسده» - صلوات الله وسلامه عليه - والله الموفق.
(٤٧) وسئل فضيلة الشيخ: جاء في الفتوى السابقة رقم " ٤٦ " أن التبرك بريق أحد غير النبي، ﷺ ، حرام ونوع من الشرك باستثناء الرقية بالقرآن حيث إن هذا يشكل مع ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله
стр. 87
عنها - «أن النبي، ﷺ ، كان يقول في الرقية: " بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا» فنرجو من فضيلتكم التكرم بالتوضيح؟
فأجاب بقوله: ذكر بعض العلماء أن هذا مخصوص برسول الله، ﷺ ، وبأرض المدينة فقط وعلى هذا فلا إشكال.
ولكن رأى الجمهور أن هذا ليس خاصّا برسول الله، ﷺ ، ولا بأرض المدينة بل هو عام في كل راق وفي كل أرض ولكنه ليس من باب التبرك بالريق المجردة بل هو ريق مصحوب برقية وتربة للاستشفاء وليس لمجرد التبرك. وجوابنا في الفتوى السابقة هو التبرك المحض بالريق وعليه فلا إشكال لاختلاف الصورتين.
(٤٨) وسئل - حفظه الله -: هل تجوز كتابة بعض آيات القرآن الكريم " مثل آية الكرسي " على أواني الطعام والشراب لغرض التداوي بها ؟
فأجاب بقوله: يجب أن نعلم أن كتاب الله أعز وأجل من أن يمتهن إلى هذا الحد ويبتذل إلى هذا الحد، كيف تطيب نفس مؤمن أن يجعل كتاب الله وأعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي أن يجعلها في إناء يشرب فيه ويمتهن ويرمى في البيت ويلعب به الصبيان؟! هذا العمل لا شك أنه حرام، وأنه يجب على من عنده شيء من هذه الأواني أن يطمس هذه الآيات التي فيها، بأن يذهب بها إلى الصانع فيطمسها، فإن لم يتمكن من ذلك فالواجب عليه أن يحفر لها في مكان طاهر ويدفنها،
стр. 88
وأما أن يبقيها مبتذلة ممتهنة يشرب بها الصبيان ويلعبون بها، فإن الاستشفاء بالقرآن على هذا الوجه لم يرد عن السلف الصالح ﵃.
(٤٩) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم لبس السوار لعلاج الروماتيزم ؟
فأجاب - حفظه الله - بقوله: اعلم أن الدواء سبب للشفاء، والمسبب هو الله - تعالى - فلا سبب إلا ما جعله الله - تعالى - سببا، والأسباب التي جعلها الله - تعالى - أسبابا نوعان:
النوع الأول: أسباب شرعية كالقرآن الكريم والدعاء كما «قال النبي، ﷺ ، في سورة الفاتحة: " وما يدريك أنها رقية؟» ، وكما كان النبي، ﷺ ، يرقي المرضى بالدعاء لهم فيشفي الله - تعالى - بدعائه من أراد شفاءه به.
النوع الثاني: أسباب حسية كالأدوية المادية المعلومة عن طريق الشرع كالعسل، أو عن طريق التجارب مثل كثير من الأدوية وهذا النوع لا بد أن يكون تأثيره عن طريق المباشرة لا عن طريق الوهم والخيال، فإذا ثبت تأثيره بطريق مباشر محسوس صح أن يتخذ دواء يحصل به الشفاء بإذن الله - تعالى - أما إذا كان مجرد أوهام وخيالات يتوهمها المريض فتحصل له الراحة النفسية بناء على ذلك الوهم والخيال ويهون عليه المرض وربما ينبسط السرور النفسي على المرض فيزول، فهذا لا يجوز الاعتماد عليه ولا إثبات كونه دواء؛ لئلا ينساب الإنسان وراء الأوهام والخيالات، ولهذا نُهي عن لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع المرض أو دفعه؛ لأن ذلك ليس سببا
стр. 89
شرعيا ولا حسيا، وما لم يثبت كونه سببا شرعيا ولا حسيا لم يجز أن يجعل سببا فإن جعله سببا نوع من منازعة الله - تعالى - في ملكه وإشراك به حيث شارك الله - تعالى - في وضع الأسباب لمسبباتها، وقد ترجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لهذه المسألة في كتاب التوحيد بقوله: " باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو رفعه ".
وما أظن السوار الذي أعطاه الصيدلي لصاحب الروماتيزم الذي ذكر في السؤال إلا من هذا النوع، إذ ليس ذلك السوار سببا شرعيا ولا حسيا تعلم مباشرته لمرض الروماتيزم حتى يبرئه فلا ينبغي للمصاب أن يستعمل ذلك السوار حتى يعلم وجه كونه سببا، والله الموفق.
стр. 90
الأسماء والصفات
стр. 91
(٥٠) سئل فضيلة الشيخ: عما يتعلمه طلبة المدارس في بعض البلاد الإسلامية من أن مذهب أهل السنة هو " الإيمان بأسماء الله - تعالى -، وصفاته، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل ". وهل تقسيم أهل السنة إلى قسمين: مدرسة ابن تيمية وتلاميذه، ومدرسة الأشاعرة والماتريدية تقسيم صحيح؟ وما موقف المسلم من العلماء المئولين ؟
فأجاب بقوله: لا شك أن ما يتعلمه الطلبة في المدارس من أن مذهب أهل السنة هو: (الإيمان بأسماء الله - تعالى -، وصفاته، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل) ، هو المطابق للواقع بالنسبة لمذهب أهل السنة، كما تشهد بذلك كتبهم المطولة والمختصرة، وهو الحق الموافق لما جاء في الكتاب والسنة، وأقوال السلف، وهو مقتضى النظر الصحيح، والعقل الصريح، ولسنا بصدد سرد أفراد الأدلة في ذلك، لعدم طلبه في السؤال، وإنما نجيب على ما طلب وهو تقسيم أهل السنة إلى طائفتين في مدرستين:
إحداهما: مدرسة ابن تيمية وتلاميذه، المانعين لصرف النصوص عن ظواهرها.
الثانية: مدرسة الأشاعرة والماتريدية، الموجبين لصرفها عن ظواهرها في أسماء الله وصفاته.
فنقول: من المعلوم أن بين هاتين المدرستين اختلافا بينا في المنهاج
стр. 92
فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، فالمدرسة الأولى يقرر معلموها وجوب إبقاء النصوص على ظواهرها فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، مع نفي ما يجب نفيه عن الله - تعالى -، من التمثيل أو التكييف، والمدرسة الثانية يقرر معلموها وجوب صرف النصوص عن ظواهرها فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
وهذان المنهاجان متغايران تماما، ويظهر تغايرهما بالمثال التالي:
قال الله - تعالى -: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ . وقال فيما حكاه عن معاتبة إبليس حين أبى أن يسجد لآدم بأمر الله: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . فقد اختلف معلمو المدرستين في المراد باليدين اللتين أثبتهما الله - تعالى - لنفسه.
فقال أهل المدرسة الأولى: يجب إبقاء معناهما على ظاهره، وإثبات يدين حقيقيتين لله - تعالى -، على وجه يليق به.
وقال أهل المدرسة الثانية: يجب صرف معناهما عن ظاهره، ويحرم إثبات يدين حقيقيتين لله - تعالى -، ثم اختلفوا في المراد بهما هل هو القوة، أو النعمة.
وبهذا المثال يتبين أن منهاجي أهل المدرستين مختلفان متغايران، ولا يمكن بعد هذا التغاير أن يجتمعا في وصف واحد، هو " أهل السنة ".
إذن فلا بد أن يختص وصف أهل السنة بأحدهما دون الآخر، فلنحكم بينهما بالعدل، ولنعرضهما على ميزان القسط وهو كتاب الله - تعالى -، وسنة رسوله، ﷺ ، وكلام الصحابة، والتابعين لهم بإحسان من سلف الأمة وأئمتها. وليس في هذا الميزان ما يدل بأي وجه
стр. 93
من وجوه الدلالة، المطابقة، أو التضمن، أو الالتزام صريحا أو إشارة على ما ذهب إليه أهل المدرسة الثانية، بل في هذا الميزان ما يدل دلالة صريحة، أو ظاهرة، أو إشارية على ما ذهب إليه أهل المدرسة الأولى، وعلى هذا فيتعين أن يكون وصف أهل السنة خاصا بهم لا يشاركهم فيه أهل المدرسة الثانية؛ لأن الحكم بمشاركتهم إياهم جور، وجمع بين الضدين، والجور ممتنع شرعا، والجمع بين الضدين ممتنع عقلا.
وأما قول أهل المدرسة الثانية (المئولين) : لا مانع من تأويل أسماء الله وصفاته إذا لم يتعارض هذا مع نص شرعي.
فنقول: مجرد صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل شرعي مخالف للدليل، وقول على الله - تعالى - بلا علم، وقد حرم الله - تعالى - ذلك في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ . وهؤلاء المئولون لأسماء الله - تعالى - وصفاته ليس لهم علم مأثور فيما أولوها إليه، ولا نظر معقول، سوى شبه يحتجون بها يناقض بعضها بعضا، ويلزم عليها من النقص في ذات الله - تعالى - وصفاته، ووحيه أكثر مما زعموه من النقص في إثباتها على ظاهرها، وليس هذا موضع البسط في ذلك.
وإنما المقصود بيان أن وصف (أهل السنة) لا يمكن أن يعطى لطائفتين يتغاير منهاجهما غاية التغاير، وإنما يستحقه من كان قوله موافقا
стр. 94
للسنة فقط، ولا ريب أن أهل المدرسة الأولى (غير المئولين) أحق بالوصف المذكور من أهل المدرسة الثانية (المئولين) ، لمن نظر في منهاجيهما بعلم وإنصاف فلا يصح تقسيم أهل السنة إلى الطائفتين بل هم طائفة واحدة.
وأما احتجاجهم بقول ابن الجوزي في هذا الباب فنقول: أقوال أهل العلم يحتج لها ولا يحتج بها، فليس قول واحد من أهل العلم بحجة على الآخرين.
وأما قولهم: إن الإمام أحمد أول في حديث: «قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» ، وحديث: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» ، وقوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ .
فنقول: لا يصح عن الإمام أحمد ﵀ أنه تأول الحديثين المذكورين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى ص ٣٩٨ جـ ٥ من مجموع ابن القاسم: " وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي من أن أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أشياء «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» و «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن» ، و «إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن» ، فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه ". ا. هـ.
وأما قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، فإن الإمام أحمد لم يتأولها وإنما فسرها ببعض لوازمها، وهو العلم ردا على الجهمية، الذين فسروها بخلاف المراد بها، حيث زعموا أنها تقتضي كون الله - تعالى - في كل مكان بذاته - تعالى الله عن قولهم - فبين - رحمه الله تعالى - أن المعية هنا بمعنى الإحاطة بالخلق التي من جملتها العلم بهم. وذلك أن المعية لا تقتضي
стр. 95
الحلول والاختلاط بل هي في كل موضع بحسبه، ولهذا يقال: سقاني لبنا معه ماء. ويقال: صليت مع الجماعة. ويقال: فلان معه زوجته.
ففي المثال الأول: اقتضت المزج والاختلاط، وفي الثاني اقتضت المشاركة في المكان والعمل بدون اختلاط، وفي الثالث اقتضت المصاحبة وإن لم يكن اشتراك في مكان أو عمل، وإذا تبين أن معنى المعية يختلف بحسب ما تضاف إليه، فإن معية الله - تعالى - لخلقه تختلف عن معية المخلوقين لمثلهم، ولا يمكن أن تقتضي المزج والاختلاط أو المشاركة في المكان؛ لأن ذلك ممتنع على الله لثبوت مباينته لخلقه وعلوه عليهم. وعلى هذا يكون معنا وهو على العرش فوق السماوات، لأنه محيط بنا علما، وقدرة، وسلطانا، وسمعا، وبصرا، وتدبيرا، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته، فإذا فسرها مفسر بالعلم لم يخرج بها عن مقتضاها، ولم يكن متأولا إلا عند من يفهم من المعية المشاركة في المكان أو المزج والاختلاط على كل حال. وقد سبق أن هذا ليس بمتعين في كل حال.
هذا بالنسبة لما نقل عن الإمام أحمد في تأويل هذه النصوص الثلاثة.
أما بالنظر لها من حيث هي فقد تقدم قريبا أنه لا تأويل في الآية الكريمة إذا فسرها مفسر بالعلم، لأنه تفسير لها ببعض مقتضياتها لا نقل لها عن المعنى الذي تقتضيه.
وأما حديث: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء» . فقد رواه مسلم في صحيحه في كتاب القدر في الباب الثالث منه رقم ١٧ ص ٢٠٤٥، وليس فيه تأويل عند أهل السنة والجماعة حيث يؤمنون بما دل عليه من إثبات الأصابع لله
стр. 96
- تعالى - على الوجه اللائق به، ولا يلزم من كون قلوبنا بين أصبعين منها أن تماس القلب، فإن السحاب مسخر بين السماء والأرض ولا يمس السماء ولا الأرض، فكذلك قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ولا يستلزم ذلك المماسة.
وأما حديث: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» فقد قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ص ٣٩٧ جـ ٦ من مجموع ابن قاسم: قد روي عن النبي، ﷺ ، بإسناد لا يثبت، والمشهور إنما هو عن ابن عباس. قال: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه» . وفي ص ٤٤ جـ ٣ من المجموع المذكور: " صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة الله ولا نفس يمينه، لأنه قال: " يمين الله في الأرض " فقيده في الأرض ولم يطلق فيقول: يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف المطلق. وقال: «فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه» ، ومعلوم أن المشبه غير المشبه به ". ا. هـ.
قلت: وعلى هذا فلا يكون الحديث من صفات الله - تعالى - التي أولت إلى معنى يخالف الظاهر فلا تأويل فيه أصلا.
وأما قولهم: إن هناك مدرستين: إحداهما مدرسة ابن تيمية فيقال: نسبة هذه المدرسة إلى ابن تيمية توهم أنه لم يسبق إليها، وهذا خطأ فإن ما ذهب إليه ابن تيمية هو ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الأمة، فليس هو الذي أحدث هذه المدرسة كما يوهمه قول القائل الذي يريد أن يقلل من شأنها، والله المستعان.
وأما موقفنا من العلماء المئولين فنقول: من عرف منهم بحسن النية وكان لهم قدم صدق في الدين، واتباع السنة فهو معذور بتأويله السائغ،
стр. 97
ولكن عذره في ذلك لا يمنع من تخطئة طريقته المخالفة لما كان عليه السلف الصالح من إجراء النصوص على ظاهرها، واعتقاد ما دل عليه ذلك الظاهر من غير تكييف، ولا تمثيل، فإنه يجب التفريق بين حكم القول وقائله، والفعل وفاعله، فالقول الخطأ إذا كان صادرا عن اجتهاد وحسن قصد لا يذم عليه قائله، بل يكون له أجر على اجتهاده، لقول النبي، ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» . متفق عليه، وأما وصفه بالضلال فإن أريد بالضلال الضلال المطلق الذي يذم به الموصوف، ويمقت عليه، فهذا لا يتوجه في مثل هذا المجتهد الذي علم منه حسن النية، وكان له قدم صدق في الدين واتباع السنة، وإن أريد بالضلال مخالفة قوله للصواب من غير إشعار بذم القائل فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالا مطلقا، لأنه من حيث الوسيلة صواب، حيث بذل جهده في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال حيث كان خلاف الحق.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان.
(٥١) سئل فضيلة الشيخ: عن عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته؟ وعن الفرق بين الاسم والصفة؟ وهل يلزم من ثبوت الاسم ثبوت الصفة؟ ومن ثبوت الصفة ثبوت الاسم ؟
فأجاب بقوله: عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف، ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
стр. 98
والفرق بين الاسم والصفة: أن الاسم: ما سمي الله به، والصفة: ما وصف الله به. وبينهما فرق ظاهر.
فالاسم يعتبر علما على الله متضمنا للصفة.
ويلزم من إثبات الاسم إثبات الصفة. مثاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (غفور) اسم يلزم منه المغفرة و (رحيم) يلزم منه إثبات الرحمة.
ولا يلزم من إثبات الصفة إثبات الاسم، مثل الكلام لا يلزم أن نثبت لله اسم المتكلم، بناء على ذلك تكون الصفات أوسع؛ لأن كل اسم متضمن لصفة وليست كل صفة متضمنة لاسم.
(٥٢) سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيرا -: هل أسماء الله - تعالى - محصورة ؟
فأجاب بقوله: أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله، ﷺ ، في الحديث الصحيح: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك» ، إلى أن قال: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو عملته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» . وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يعلم به، وما ليس معلوما ليس محصورا.
وأما قوله، ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» ، فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء، لكن معناه أن من أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة، فقوله: " من أحصاها " تكميل للجملة الأولى وليست استئنافية منفصلة، ونظير هذا قول العرب: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله.
стр. 99
فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المائة، بل هذه المائة معدة لهذا الشيء.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اتفاق أهل المعرفة في الحديث على أن عدها وسردها لا يصح عن النبي، ﷺ ، ا. هـ. وصدق ﵀ بدليل الاختلاف الكبير فيها فمن حاول تصحيح هذا الحديث قال: إن هذا أمر عظيم لأنها توصل إلى الجنة فلا يفوت على الصحابة أن يسألوه، ﷺ ، عن تعيينها فدل هذا على أنها قد عينت من قبله، ﷺ . لكن يجاب عن ذلك بأنه لا يلزم ولو كان كذلك لكانت هذه الأسماء التسعة والتسعون معلومة أشد من علم الشمس ولنقلت في الصحيحين وغيرهما؛ لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه وتلح بحفظه فكيف لا يأتي إلا عن طريق واهية وعلى صور مختلفة. فالنبي، ﷺ ، لم يبينها لحكمة بالغة وهي أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسوله، ﷺ ، حتى يتبين الحريص من غير الحريص.
وليس معنى إحصائها أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ ولكن معنى ذلك:
أولا: الإحاطة بها لفظا.
ثانيا: فهمها معنى.
ثالثا: التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان:
الوجه الأول: أن تدعو الله بها لقوله - تعالى -: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور اغفر لي، وليس من المناسب أن تقول: يا شديد
стр. 100
العقاب اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني من عقابك.
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء، فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالبا لرحمة الله، هذا هو معنى إحصائها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمنا لدخول الجنة.
(٥٣) وسئل فضيلة الشيخ: عن أقسام صفات الله - تعالى - باعتبار لزومها لذاته المقدسة وعدم لزومها ؟
فأجاب بقوله: تنقسم صفات الله - تعالى - باعتبار لزومها لذاته المقدسة وعدم لزومها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صفات ذاتية.
القسم الثاني: صفات فعلية.
القسم الثالث: صفات ذاتية فعلية باعتبارين.
فأما الصفات الذاتية فيراد بها الصفات اللازمة لذاته - تعالى -، التي لم يزل ولا يزال متصفا بها مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والعزة، والحكمة، والعظمة، والجلال، والعلو ونحوها من صفات المعاني، وسميت ذاتية للزومها للذات، ومثل اليدين، والعينين، والوجه، وقد تسمى هذه بالصفات الخبرية.
وأما الصفات الفعلية فهي التي تتعلق بمشيئته، وليست لازمة لذاته لا باعتبار نوعها، ولا باعتبار آحادها، مثل الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، فهذه الصفات صفات فعلية تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، وهي
стр. 101
صفات حادثة في نوعها وآحادها، فالاستواء على العرش لم يكن إلا بعد خلق العرش، والنزول إلى السماء الدنيا لم يكن إلا بعد خلق السماء، والمجيء يوم القيامة لم يكن قبل يوم القيامة.
وأما الصفات الذاتية الفعلية فهي التي إذا نظرت إلى نوعها وجدت أن الله تعالى لم يزل ولا يزال متصفا بها، فهي لازمة لذاته، وإذا نظرت إلى آحادها وجدت أنها تتعلق بمشيئته وليست لازمة لذاته، ومثلوا لذلك بكلام الله تعالى، فإنه باعتبار نوعه من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلما، فكلامه من كماله الواجب له سبحانه، وباعتبار آحاد الكلام أعني باعتبار الكلام المعين الذي يتكلم به سبحانه متى شاء، من الصفات الفعلية؛ لأنه كان بمشيئته سبحانه.
وصرح بالقسمين الأولين في التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية ص ٢٠ للشيخ ابن رشيد.
وقد أشار إلى نحو مما ذكرنا في الفتاوى مجموع ابن قاسم ص ١٥٠ - ١٦٠ مج ٦.
(٥٤) سئل فضيلة الشيخ: عن علو الله تعالى، وعن قول من يقول: إنه عن الجهات الست خال وإنه في قلب العبد المؤمن .
فأجاب بقوله: مذهب السلف رضوان الله عليهم أن الله تعالى بذاته فوق عباده وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
стр. 102
وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ . وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . فإذا تبين أن طريقة المؤمنين عند التنازع هي الرجوع إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ والسمع والطاعة لهما، وعدم الخيار فيما سواهما، وأن الإيمان لا يكون إلا بذلك، مع انتفاء الحرج وتمام التسليم، فإن الخروج عن هذا الطريق موجب لما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ .
وعلى هذا فإن المتأمل في هذه المسألة - مسألة علو الله تعالى - بذاته على خلقه بعد ردها إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه
стр. 103
وسلم يتبين له أن الكتاب والسنة قد دلا دلالة صريحة بجميع وجوه الدلالة على علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، بعبارات مختلفة منها:
١ - التصريح بأن الله تعالى في السماء كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . وقوله ﷺ في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء» ، إلى آخر الحديث، رواه أبو داود، وقوله، ﷺ : «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» . رواه مسلم.
٢ - التصريح بفوقيته تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ . وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ . وقوله ﷺ : «إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي» . رواه البخاري.
٣ - التصريح بصعود الأشياء إليه، ونزولها منه، والصعود لا يكون إلا إلى أعلى، والنزول لا يكون إلا من أعلى، كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ . وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾
стр. 104
وقوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . والقرآن كلام الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ . وإذا كان القرآن الكريم كلامه وهو تنزيل منه دل ذلك على علوه بذاته تعالى وقوله ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني» . إلى آخر الحديث، وهو صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما. وفي حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ علمه ما يقول: إذا أوى إلى فراشه، ومنه: «آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت» . وهو في صحيح البخاري وغيره.
٤ - التصريح بوصفه تعالى بالعلو، كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ . وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ . «وقول النبي ﷺ : سبحان ربي الأعلى» .
٥ - إشارة النبي ﷺ إلى السماء حين يشهد الله تعالى في موقف عرفة ذلك الموقف العظيم، الذي شهد فيه النبي ﷺ أكبر جمع من أمته، حين «قال لهم: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. فقال: اللهم اشهد. يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى»
стр. 105
«الناس،» وذلك ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر، وهو ظاهر في أن الله تعالى في السماء وإلا لكان رفعه إياها عبثا.
٦ - «سؤال النبي ﷺ للجارية حين قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» . رواه مسلم من حديث طويل عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وهو صريح في إثبات العلو الذاتي لله تعالى؛ لأن "أين"، إنما يستفهم بها عن المكان، وقد أقر النبي ﷺ هذه المرأة حين سألها أين الله؟ فأقرها على أنه تعالى في السماء، وبين أن هذا مقتضى الإيمان حين قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» . فلا يؤمن العبد حتى يقر ويعتقد أن الله تعالى في السماء، فهذه أنواع من الأدلة السمعية الخبرية من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ تدل على علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، أما أفراد الأدلة فكثيرة لا يمكن حصرها في هذا الموضع، وقد أجمع السلف الصالح رضوان الله عليهم على القول بمقتضى هذه النصوص وأثبتوا لله تعالى العلو الذاتي، وهو أنه سبحانه عال بذاته فوق خلقه، كما أنهم مجمعون على إثبات العلو المعنوي له وهو علو الصفات، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 106
وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كماله في ذاته وصفاته وأفعاله.
وكما أن علو الله تعالى الذاتي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، فقد دل عليه العقل والفطرة.
أما دلالة العقل: فيقال: لا ريب أن العلو صفة كمال، وأن ضده صفة نقص، والله تعالى قد ثبت له صفات الكمال فوجب ثبوت العلو له تعالى، ولا يلزم على إثباته له شيء من النقص، فإنا نقول: إن علوه تعالى ليس متضمنا لكون شيء من مخلوقاته محيطا به، ومن ظن أن إثبات العلو له يستلزم ذلك فقد وهم في ظنه، وضل في عقله.
وأما دلالة الفطرة على علو الله تعالى بذاته: فإن كل داع لله تعالى دعاء عبادة، أو دعاء مسألة لا يتجه قلبه حين دعائه إلا إلى السماء، ولذلك تجده يرفع يديه إلى السماء بمقتضى فطرته، كما قال ذلك الهمداني لأبي المعالي الجويني: " ما قال عارف قط: يا رب إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو ". فجعل الجويني يلطم على رأسه ويقول: "حيرني الهمداني، حيرني الهمداني ". هكذا نقل عنه، سواء صحت عنه أم لم تصح، فإن كل أحد يدرك ذلك، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ ذكر الرجل يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب» إلى آخر الحديث. ثم إنك تجد الرجل يصلي وقلبه نحو السماء لا سيما حين يسجد. ويقول: "سبحان ربي الأعلى" لأنه يعلم أن معبوده في السماء .
وأما قولهم: "إن الله تعالى عن الجهات الست خال"، فهذا
стр. 107
القول على عمومه باطل؛ لأنه يقتضي إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له أعلم خلقه به، وأشدهم تعظيما له، وهو رسوله محمد ﷺ من أنه سبحانه في السماء التي هي في جهة العلو، بل إن ذلك يقتضي وصف الله تعالى بالعدم؛ لأن الجهات الست هي الفوق، والتحت، واليمين، والشمال، والخلف، والأمام، وما من شيء موجود إلا تتعلق به نسبة إحدى هذه الجهات، وهذا أمر معلوم ببداهة العقول، وإن نفيت هذه الجهات عن الله تعالى لزم أن يكون معدوما، والذهن وإن كان قد يفرض موجودا خاليا من تعلق هذه النسب به لكن هذا شيء يفرضه الذهن، ولا يوجد في الخارج، ونحن نؤمن ونرى لزاما على كل مؤمن بالله أن يؤمن بعلوه تعالى فوق خلقه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة، كما قررناه من قبل. ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى محيط بكل شيء، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وأنه سبحانه غني عن خلقه فلا يحتاج لشيء من مخلوقاته. ونحن نرى أيضا أنه لا يجوز لمؤمن أن يخرج عما يدل عليه الكتاب والسنة، لقول أحد من الناس كائنا من كان، كما أسلفنا الأدلة على ذلك في أول جوابنا هذا.
وأما قولهم: "إن الله تعالى في قلب المؤمن". فهذا لا دليل عليه من كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله ﷺ ولا كلام أحد من السلف الصالح فيما نعلم، وهو أيضا على إطلاقه باطل، فإنه إن أريد به أن الله تعالى حال في قلب العبد فهو باطل قطعا، فإن الله تعالى أعظم وأجل من ذلك، ومن العجائب - والعجائب جمة - أن ينفر شخص مما دل عليه الكتاب والسنة من كون الله تعالى في السماء، ثم يطمئن بما لم يدل عليه الكتاب والسنة من زعمه أن الله تعالى في قلب
стр. 108
المؤمن، إذ ليس في الكتاب والسنة حرف واحد يدل على ذلك.
وإن أريد بكون الله تعالى في قلب العبد المؤمن أنه دائما يذكر ربه في قلبه، فهذا حق، ولكن يجب أن يعبر عنه بعبارة تدل على حقيقته وينتفي عنها المدلول الباطل، فيقال مثلا: إن ذكر الله تعالى دائما في قلب العبد المؤمن. ولكن الذي يظهر من كلام من يتكلم بها أنه يريد أن يستبدلها عن كون الله تعالى في السماء، وهي بهذا المعنى باطلة كما سبق.
فليحذر المؤمن من إنكار ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، وأجمع عليه السلف إلى عبارات مجملة غامضة تحتمل من المعاني الحق والباطل، وليلتزم سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، حتى يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
جعلنا الله وإياكم منهم، ووهب لنا جميعا منه رحمة، إنه هو الوهاب.
(٥٥) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس إذا سئل: "أين الله"؟ قال: "الله في كل مكان". أو "موجود". فهل هذه الإجابة صحيحة على إطلاقها ؟
فأجاب بقوله: هذه إجابة باطلة لا على إطلاقها ولا تقييدها فإذا
стр. 109
سئل أين الله؟ فليقل: "في السماء"، كما أجابت بذلك «المرأة التي سألها النبي ﷺ : "أين الله" قالت: في السماء» .
وأما من قال: "موجود" فقط. فهذا حيدة عن الجواب ومراوغة منه.
وأما من قال: "إن الله في كل مكان". وأراد بذاته فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لما دلت عليه النصوص، بل الأدلة السمعية، والعقلية، والفطرية من أن الله - تعالى - عليٌّ على كل شيء وأنه فوق السماوات مستو على عرشه.
(٥٦) سئل الشيخ: عن توضيح ما جاء في كتاب "عقيدة أهل السنة والجماعة" من قول فضيلته: "ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة ".
فأجاب بقوله: فقولنا: "ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة". نريد بذلك أن هذه الآية كغيرها من آيات الصفات يراد بها حقيقة معناها مع تنزيه الله تعالى، عما لا يليق به من كونه مختلطا بخلقه، بل هو سبحانه على عرشه بائن من خلقه.
وحقيقة المعية لا تستلزم الاختلاط، ولهذا تقول العرب: "ما زلنا نسير والقمر معنا"، مع أن القمر في السماء، ولا يفهم أحد من ذلك أن القمر في الأرض، فالرب جل وعلا أعظم وأجل فهو مع خلقه، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، حيث قال: "وكل هذا الكلام الذي ذكره الله - من أنه فوق العرش وأنه معنا - حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف". وقال قبل ذلك: "وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾
стр. 110
أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان" ا. هـ. كلامه. وبهذا التقرير علم أن الله تعالى مع خلقه حقا وإن كان بذاته فوق عرشه ولا تناقض بين هذا وهذا.
وبه أيضا بطل احتجاج أهل التأويل من الأشعرية وغيرهم على أهل السنة، حيث قالوا لأهل السنة: لم تنكرون علينا التأويل فيما نئوله من آيات الصفات وأحاديثها بصرفها عن حقيقتها، وأنتم تئولون نصوص المعية وتصرفونها عن حقيقتها.
(٥٧) سئل فضيلة الشيخ: عن تفسير استواء الله على عرشه بأنه علوه تعالى على عرشه على ما يليق بجلاله .
فأجاب بقوله: تفسير استواء الله تعالى على عرشه بأنه علوه تعالى على عرشه على ما يليق بجلاله هو تفسير السلف الصالح. قال ابن جرير إمام المفسرين في تفسيره: "من معاني الاستواء: العلو والارتفاع كقول القائل: استوى فلان على سريره يعني علوه عليه". وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ "يقول: جل ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا". اهـ. ولم ينقل عن السلف ما يخالفه.
ووجهه: أن الاستواء في اللغة يستعمل على وجوه:
الأول: أن يكون مطلقا غير مقيد فيكون معناه الكمال كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ .
следующие страницы →