١٤٠) وسئل الشيخ: عن الدم الخارج من الإنسان هل هو نجس؟ وهل هو ناقض للوضوء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدم الخارج من الإنسان إن كان من السبيلين القبل أوالدبر، فهو نجس وناقض للوضوء قلَّ أم كَثُر، لأن النبي ﷺ ، أمر النساء بغسل دم الحيض مطلقاً، وهذا دليل على نجاسته، وأنه لا يُعفي عن يسيره، وهو كذلك فهو نجس لا يُعفي عن يسيره وناقض للوضوء قليله وكثيره.
واما الدم الخارج من بقية البدن: من الأنف أو من السِّن أو من جرح أو مأ أشبه ذلك، فإنه لا ينقض الوضوء قل أو كثر، هذا هو القول الراجح أنه لا ينقض الوضوء شيء خارج من غير السبيلين من البدن سواء من الأنف أو من السن أو من غيره وسواء كان قليلاً أو كثيراً، لأنه لا دليل على انتقاض الوضوء به، والأصل بقاء الطهارة حتى يقوم دليل على انتقاضها.
وأما نجاسته فالمشهور عند أهل العلم أنه نجس وأنه يجب غسله إلا أنه يُعفي عن يسيره لمشقة التحرُّز منه والله أعلم.
١٤١) وسُئل فضيلة الشيخ: هل ينتقض الوضوء بالإغماء ؟
فأجاب بقوله: نعم ينتقض الوضوء بالإغماء، لأن الإغماء أشدُّ من النوم، والنوم يَنقض الوضوء إذا كان مستغرقاً، بحيث لا يدري النائم لو خرج منه شيء، أمّا النوم اليسير الذي لو أحدث النائم لأحسُّ بنفسه، فإن هذا النوم لا ينقض الوضوء، سواء من مُضطجع أو قاعد متكئ أو قاعد غير متكئ، أو أي حال من الأحوال، ما دام لو أحدث أحسَّ
стр. 4167
بنفسه، فإنه نومه لا ينقض الوضوء، فالإغماء أشد من النوم فإذا أُغمي على الإنسان، فإنه يجب عليه الوضوء.
١٤٢) وسُئل: هل استعمال المرأة كريم الشعر وأحمر الشفاه ينقض الوضوء ؟
فأجاب بقوله: تدهن المرأة بالكريم أو بغيره من الدهون لا يبطل الوضوء بل ولا يبطل الصيام أيضا، وكذلك دهنه بالشفه لا يبطل الوضوء ولا يبطل الصيام، ولكن في الصيام إذا كان لهذه التحريمات طعم فإنها لا تستعمل على الوجه ينزل طعمها إلى جوفها.
١٤٣) وسُئل ـ حفظه الله ـ: هل مس المرأة ينقض الوضوء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا، إلا إذا خرج منه شيء، ودليل هذا ما صح عن النبي، ﷺ ، أنه قبل بعض نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. ولأن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صريح صحيح على النقض، ولأن الرجل أتم طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي.
فإن قيل: قد قال الله في كتابه: (أو لامستم النساء) .
فالجواب: أن المراد بالملاسة في الآية الجماع، كما صح ذلك عن ابن عباس ﵄ ثم إن هناك دليلا من تقسيم الآية الكريمة إلى أصلية، وبدلية، وتقسيم للطهارة إلى كبرى، وصغرى. وتقسيم لأسباب الطهارة الكبرى، والصغرى. قال الله تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم
стр. 4168
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (١) . فهذه طهارة بالماء أصلية صغرى. ثم قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) . فقوله: (فتيمموا) هذا البدل. وقوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) . هذا بيان سبب الصغرى. وقوله: (أو لامستم النساء) . هذا بيان سبب الكبرى. ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) . وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: (أو لامستم النساء) أي جامعتم النساء، لتكون الآية مشتملة على السببين الموجبين للطهارة، السبب الأكبر والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط لأنه يتساوى فيها الصغرى والكبرى.
وعلى هذا فالقول الراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا، سواء بشهوة أو بغير شهوة إلا أن يخرج منه شيء، فإن خرج منه شيء وجب عليه الغسل إن كان الخارج منيا، ووجب عليه غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء إن كان مذيا.
стр. 4169
١٤٤) وسُئل فضيلة الشيخ: عما إذا مس الإنسان ذكره أثناء الغسل هل ينتقض وضوئه ؟
فأجاب قائلا: المشهور من المذهب أن مس الذكر ناقض للوضوء، وعلى هذا فإذا مس ذكره أثناء غسله لزمه الوضوء بعد ذلك، سواء تعمد مس ذكره أم لا.
والقول الثاني: أن مس الذكر ليس بناقض للوضوء، وإنما يستحب الوضوء منه استحبابا وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أقرب إلى الصواب، لاسيما إذا كان عن غير عمد لكن الوضوء أحوط.
١٤٥) وسُئل: هل لمس ذكر المريض وخصيتيه ناقض للوضوء ؟
فأجاب بقوله: لمس ذكر المريض وخصيتيه لا ينقض الوضوء سواء من وراء حائل أو مباشرة على القول الراجح.
١٤٦) وسُئل: عن المرأة إذا وضأت طفلها وهي طاهرة هل يجب عليها أن تتوضأ ؟
فأجاب فضيلته قائلا: إذا وضأت المرأة طفلها أو طفلتها ومست الفرج فإنه لا يجب عليها الوضوء وإنما تغسل يديها فقط، لأن مس الفرج لغير شهوة لا يجب الوضوء، ومعلوم أن المرأة التي تغسل أولادها لا يخطر ببالها الشهوة فهي إذا وضأت الطفل أو الطفلة فإنما تغسل يديها فقط من النجاسة التي أصابتها ولا يجب عليها أن تتوضأ.
١٤٧) وسُئل فضيلة الشيخ: هل تغسيل الميت ينقض الوضوء ؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: تغسل الميت لا ينقض
стр. 4170
الوضوء، وذلك أن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي، ولا دليل على أن تغسيل الميت ينقض الوضوء. ولهذا يجب علينا أن نتحرى في مسألة نقض الوضوء، فلا نتجرأ على القول بأن هذا ناقض إلا إذا وجدنا دليلا بينا يكون لنا حجة عند الله .
١٤٨) وسُئل: عن شخص أكل لحم إبل عند شخص آخر، وذهب للصلاة، ولم يتوضأ، فهل يلزمه إعلامه أم لا ؟
فأجاب فضيلته قائلا: نعم يلزم إعلامه، لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وقد قال النبي ﷺ لأصحابه حين ذكروه بما نسي من صلاته قال لهم: (إذا نسيت فذكروني) . وهذا يدل على أن الإنسان إذا رأى شخصا تاركا لواجب أو واقعا في محرم عليه أن ينبهه فلا يقل: هذا الرجل معذور سأدعه وعذره، بل نقول هو معذور لكن أنت بعلمك لست بمعذور، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.
ويتفرع عن هذه القاعدة وهي وجوب إعلام الغافل بما نسي من واجب أو فعل من محرم يتفرع منها ما لو رأيت صائما في رمضان يشرب ناسيا فالواجب تذكيره.
ومن ثم فإنه يلزمك إعلامه وعلى الرجل أن يعيد صلاته.
١٤٩) وسُئل فضيلة الشيخ: هل موجبات الغسل ناقضة للوضوء ؟
فأجاب ـ أجزل الله له المثوبة ـ بقوله: المشهور عند فقهائنا ﵏ أن كل ما أوجب غسلا أوجب وضوء إلا الموت؛ وبناء على
стр. 4171
ذلك فإنه لابد لمن اغتسل من موجبات الغسل أن ينوي الوضوء، فأما أن يتوضأ مع الغسل، وإما أن ينوي بغسله الطهارة من الحدثين.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن نية الاغتسال عن الحدث الأكبر تغني عن نية الوضوء، لأن الله قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) إلخ. فلم يذكر الله في حال الجنابة إلا الاطهار، يعني التطهير، ولم يذكر الوضوء، ولأن النبي ﷺ قال للرجل حين أعطاه الماء ليغتسل، قال: (خذ هذا فأفرغه على نفسك) . ولم يذكر له الوضوء، أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين في حديث طويل. وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى الصواب، وهو أن من عليه حدث أكبر إذا نوى الحدث الأكبر فإنه يجزئ عن الأصغر. وبناء على هذا فإن موجبات الغسل منفردة عن نواقص الوضوء.
١٥٠) وسُئل فضيلته: هل أخذ شيء من الشعر أو الجلد أو الأظافر ينقض الوضوء ؟
فأجاب قائلا: أخذ الإنسان من شعره أو ظفره أو جلده لا ينقض الوضوء.
وبهذا المناسبة أحب أن أبين أن الشعور ينقسم أخذها إلى أقسام:
القسم الأول: الشعور التي أمر الشارع بإزالتها مثل: شعر العانة والإبطين والشارب أمر بقصه.
القسم الثاني: الشعور التي نهى الشارع عن إزالتها: شعر اللحية قال
стр. 4172
النبي ﷺ : (وفروا اللحى..) . وكذلك النمص وهو نتف الحواجب.
القسم الثالث: الشعور التي سكت عنها الشارع، كالرأس والساق والذراع وبقية شعور الجسم. فيما سكت عنه الشارع، فقد قال بعض العلماء: إنه منهي عن أخذه تغيرا لخلق الله من أوامر الشيطان، لقوله تعالى: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (١) .وقال بعض العلماء: إن أخذه مباح؛ لأنه مسكوت عنه، لأن الشرع أمر، ونهى، وسكت علم أن هذا ليس مما أمر به ولا مما نهى عنه؛ لأنه لو كان منهيا عنه لنهى عنه، ولو كان مأمورا به لأمر به وهذا الأقرب من حيث الاستدلال: أن إزالة الشعور غير التي نهى عنها جائزة.
والشعور التي أمر الشارع بإزالتها، مدتها أربعون يوما، قال أنس بن مالك ﵁: (وقت لنا رسول الله ﷺ ، في الشارب والظفر والعانة والإبط ألا تترك فوق أربعين يوما) .
لكن بعض الناس يأبى إلا أن تكون أظفاره طويلة، وبعض الناس يأبى إلا أن يكون ظفر الخنصر طويلا مع أن فيه مخالفة للشريعة، ويلحقه كذلك بالسباع، ولهذا قال النبي ﷺ : (ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر، فإن السن عظم، والظفر مدي الحبشة) . ومعنى الظفر مدي الحبشة: أي أن الحبشة يبقون أظفارهم حتى تكون كالحراب، فإذا مسك الأرنب مثلا بطها بهذا الظفر، وصارت مدية له. ولذلك فأنا أعجب من قوم يدعون الحضارة، ويدعون
стр. 4173
أنهم أهل النظافة، ثم يذهبون يبقون أظفارهم حتى تبقى طويلة، أو يبقون شعورهم في الإبط، أو في العانة حتى تبقى طويلة، مع أنهم يدعون أنهم أهل الحضارة والتقدم والنظافة وما أشبه ذلك.
١٥١) وسُئل فضيلة الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ عمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، وشك في الطهارة، فماذا يعمل ؟
فأجاب قائلا: من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو باق على طهارته، ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو باق على حدثه، لأن القاعدة أن اليقين لا يزول بالشك، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذه قاعدة مهمة، ولها فروع كثيرة جدا، وهي مبنية على حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد ﵄ في الرجل يجد الشيء في بطنه، ويشكل عليه هل خرج منه شيء أم لا؟ قال النبي، ﷺ : (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) . وفي حديث أبي هريرة ﵁ (لا يخرج (يعنى من المسجد) حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) . وهذا الحديث تنحل به إشكالات كثيرة، وهذا من يسر الإسلام، ومن كونه يريد من أمة الإسلام أن تكون في قلق وحيرة، وأن تكون أمورهم واضحة جلية، لأن الإنسان لو استسلم لمثل هذه الشكوك، لتنغصت عليه حياته، فالشارع ـ ولله الحمد ـ قطع هذه الوساوس، فما دمت لم تتيقن فهذه الوساوس لا محل لها. ويجب أن تدفنها، ولا تجعل لها أثرا في نفسك، فحينئذ تستريح وتنحل عنك إشكالات كثيرة.
стр. 4174
١٥٢) وسُئل فضيلة الشيخ: متى يكون الشك مؤثرا في الطهارة ؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: الشك في الطهارة نوعان:
أحدهما: شك في وجودها بعد تحقق الحدث.
والثاني: شك في زوالها بعد تحقق الطهارة.
أما الأول وهو الشك في وجودها بعد تحقق الحدث كأن يشك الإنسان هل توضأ بعد حدثه أم لم يتوضأ؟ ففي هذه الحال يبني على الأصل، وهو أنه لم يتوضأ، ويجب عليه الوضوء، مثال ذلك: رجل شك عند أذان الظهر هل توضأ، بعد نقضه وضوئه في الضحى أم لم يتوضأ؟
فنقول له: ابن على الأصل، وهو أنك لم تتوضأ، ويجب عليك أن تتوضأ.
أما النوع الثاني، وهو الشك في زوال الطهارة بعد وجودها، فإننا نقول: أيضا ابن على الأصل ولا تعتبر نفسك محدثا. مثاله: رجل توضأ في الساعة العاشرة، فلما حان وقت الظهر شك هل انتفض وضوؤه أم لا؟ فنقول له: إنك على وضوئك، ولا يلزمك الوضوء حينئذ؛ وذلك لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه. ويشهد لهذا الأصل قول النبي ﷺ : فيمن وجد في بطنه شيئا فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ قال: (لا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) .
وأما الشك في فعل أجزاء الطهارة، مثل أن يشك الإنسان هل غسل وجهه في وضوئه أم لا؟ وهل غسل يديه أم لا؟ وما أشبه ذلك فهذا لا يخلو من أحوال:
الحال الأولى: أن يكون مجرد وهم طارئ على قلبه، هل غسل يديه أم
стр. 4175
لم يغسلهما وهما ليس له مرجح، ولا تساوى عنده الأمران بل هو مجرد شيء خطر في قلبه، فهذا لا يهتم به ولا يلتفت إليه.
الحال الثانية: أن يكون كثير الشكوك كلما توضأ مثلا فإذا غسل قدميه شك هل مسح رأسه أم لا؟ هل مسح أذنيه أم لا؟ هل غسل يديه أم لا؟ فهو كثير الشكوك، فهذا لا يلتفت إلى الشك ولا يهتم به.
الحال الثالثة: أن يقع الشك بعد فراغه من الوضوء، فإذا فرغ من الوضوء شك هل غسل يديه أم لا؟ أو هل مسح رأسه، أو هل مسح أذنيه؟ فهذا أيضا لا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن أنه لم يغسل ذلك العضو المشكوك فيه فيبني على يقينه.
الحال الرابعة: أن يكون شكا حقيقيا وليس كثير الشكوك، وحصل قبل أن يفرغ من العبادة، ففي هذه الحال إن ترجح عنده أنه غسله اكتفى بذلك. وإن لم يترجح عنده أنه غسله وجب عليه أن يبني على اليقين، وهو العدم، أي أنه لم يغسل ذلك العضو الذي شك فيه فيرجع إليه ويغسله، وما بعده، وإنما أوجبنا عليه أن يغسل ما بعده مع أنه قد غسل، من أجل الترتيب، لأن الترتيب بين أعضاء الوضوء واجب كما ذكر الله تعالى، وقال النبي ﷺ حين أقبل على الصفا: (أبدأ بما بدأ الله به) . هذه هو حال الشك في الطهارة.
١٥٣) سُئل فضيلة الشيخ: عن شخص كثير الشكوك في الطهارة والصلاة والمطعومات ؟
فأجاب قائلا: الشكوك التي ترد على العقول في العبادات والمعتقدات وغيرها وحتى في ذات الله تعالى كلها من الشيطان، ولذا لما شكا الصحابة ﵃ إلى النبي ﷺ ما يجدون في نفوسهم مما يتعاظمون به أخبرهم ﷺ : (أن ذلك من صريح الإيمان) .
стр. 4176
أي خالصة، وذلك لأن الشيطان إنما يورد مثل هذه الشبهات على قلب ليس عنده شبهه حتى يطيعه في الشبهة وأما من كان قلبه مملوءا بالشبهات أو منسلخا من الديانات فإن الشيطان لا يعرض عليه مثل هذه الأمور لأنه قد فرغ منه.
ونقول لهذا المسئول عنه: إن الواجب عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان، ولا يلتفت إلى الوساوس التي ترد على ذهنه لا في الوضوء ولا في الصلاة ولا في غيرها، وهذا الشك دليل على خلوص الإيمان ولكنه في نفس الوقت إذا استرسل معه كان دليلا على ضعف العزيمة.
ونقول له: لا وجه لهذا الشك فأنت مثلا حين تذهب إلى السوق لبيع أو شراء هل تشك فيما أتيت به من السوق، والجواب: لا، ذلك لأن الشيطان لا يوسوس للإنسان في مثل هذه الأمور، لكنه يوسوس له في العبادات ليفسدها عليه، فإذا كثرت الشكوك فلا يلتفت إليها.
وكذلك إذا كان الشك بعد الفراغ من العبادة فلا تلتفت إليه إلا أن تتيقن الخلل، والشك بعد الفعل لا يؤثر.
أما شكك في المطعومات التي أصلها الحل فلا عبرة به، فقد أهدت امرأة يهودية في خيبر شاة إلى الرسول ﷺ وأكل منها، ودعاه يهودي وقدم له خبز شعير فأكل من ذلك.
وفي صحيح البخاري: أن قوما كانوا حديثي عهد بالإسلام أهدوا لجماعة من المسلمين لحما. فقالوا يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال لهم، ﷺ : (سموا أنتم وكلوا) . فالأصل في ذبيحة من تحل ذبيحته الحل حتى يقوم دليل على التحريم. ومنع الله تضييق لا وجه له.
стр. 4177
١٥٤) وسُئل فضيلة الشيخ: عن إمام يصلي بالناس صلاة الجمعة وفي التشهد شك هل توضأ أم لا، فما الحكم ؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: قبل الإجابة على هذا السؤال، أحب أن أبين قاعدة نافعة في باب الحدث وغيره، وهي أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا الأصل مبني على ما ثبت عن النبي، ﷺ ، في الرجل يخيل إليه أنه أحدث، فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) . ومن أمثلة هذا الأصل إذا كان الإنسان قد توضأ، فشك هل أحدث أم لا؟ فإنه يبقى على وضوئه وطهارته، لأن الأصل بقاء الطهارة وعدم الحدث ومنه ـ أي من هذا الأصل ـ إذا أحدث الإنسان ثم شك هل رفع حدثه أم لم يرفعه؟ فإن الأصل بقاء الحدث وعدم رفعه، فعليه أن يتوضأ إن كان الحدث أصغر، وأن يغتسل إن كان الحدث أكبر، وبناء على ذلك فإننا نقول في مثل هذه الحال التي ذكرها السائل: لو شك الإمام في أثناء الصلاة في التشهد الأخير، أو فيما قبله، هل تطهر من حدثه أم لا؟ فإن الأصل عدم الطهارة، وحينئذ يجب عليه أن ينصرف من صلاته، وأن يعهد إلى أحد المأمومين بإتمام صلاة الجماعة، فيقول مثلا: تقدم يا فلان أكمل الصلاة بهم، ويبنون على ما مضى من صلاتهم، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وبه يتبين أن صلاة المأمومين ليس فيها خلل، سواء ذكر الإمام في أثناء الصلاة أو بعد تمام صلاته أنه ليس على طهارة، فإن ذكر بعد تمام صلاته فقد انتهت صلاة المأمومين على أنها صحيحة وليس فيها إشكال، وإن ذكر في أثناء صلاته فإن المأمومين لم يفعلوا شيئا يوجب بطلان صلاتهم لأنهم فعلوا ما أمروا به من متابعة هذا الإمام، والأمر الخفي الذي لا يعلمون به ليسوا
стр. 4178
مؤاخذين به، لقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (١) . وكوننا نلومهم بأمر خفي يتعلق بالإمام، هذا من الأمور التي لا تدخل تحت الوسع، وعلى هذا فنقول: إذا تبين للإمام في أثناء صلاته أنه ليس على وضوء أو أحدث في أثناء الصلاة فإنه يعهد إلى واحد من المأمومين أن يتقدم فيكمل بهم الصلاة ولا حرج في ذلك، وعلى هذا فنقول لهذا السائل: إذا حصل منك مثل هذا في صلاة الجمعة فإنك تعهد إلى أحد المأمومين يتقدم يكمل بهم صلاة الجمعة، وأما أنت فتذهب تتطهر ثم ترجع فإن أدركت ركعة من الصلاة مع الجماعة في الجمعة، فأت بعدها بركعة واحدة تكون جمعة، وإن أدركت أقل من ركعة بأن جئت بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع في الركعة الثانية، فقد فاتتك الجمعة فتصليها ظهرا.
١٥٥) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم قراءة القرآن لمن كان حدث أصغر ؟
فأجاب ـ حفظه الله ـ بقوله: قراءة القرآن لمن عليه حدث أصغر لا بأس بها إذا لم يمس المصحف، لأنه ليس من شرط جواز القراءة أن يكون الإنسان على طهارة، وأما إذا كان عليه جنابة، فإنه لا يقرأ القرآن مطلقا حتى يغتسل، ولكن لا بأس أن يقرأ من القرآن، مثل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أو يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، او نحو ذلك من الأذكار المأخوذة من القرآن.
стр. 4179
١٥٦) وسُئل فضيلته: عن مدرس يدرس للتلاميذ القرآن الكريم، ولا يوجد ماء في المدرسة أو بالقرب منها والقرآن لا يلمسه إلا المطهرون، فماذا يفعل ؟
فأجاب بقوله: إذا لم يكن في المدرسة ماء ولا بقربها فإنه ينبه على الطلبة ألا يأتوا إلا وهم متطهرون وذلك لأن المصحف لا يلمسه إلا طاهر ففي حديث عمرو بن حزم الذي كتبه النبي ﷺ له: (ألا يمس القرآن إلا طاهر) . فالطاهر هنا من ارتفع حدثه بدليل قوله تعالى في آية الوضوء والغسل والتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١) ففي قوله (ليطهركم) دليل على أن الإنسان قبل أن يتطهر لم تحصل له الطهارة وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يلمس القرآن إلا وهو طاهر متوضئ، إلا أن بعض أهل العلم رخص للصغار أن يمسوا القرآن لحاجتهم لذلك وعدم إدراكهم للوضوء ولكن الأولى أن يؤمر الطلاب بذلك أي بالوضوء حتى يمسوا المصحف وهم على طهارة.
وأما قول السائل لأن القرآن لا يلمسه إلا المطهرون، فكأني به يريد أن يستدل بهذه الآية على وجب التطهر لمس المصحف، والآية ليس فيها دليل لهذا لأن المراد بقوله: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (٢) الكتاب المكنون، وهو اللوح المحفوظ والمراد بالمطهرون الملائكة، ولو كان يراد بها المتطهرون لقال لا يمسه إلا المتطهرون ولم يقل إنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة لكن الحديث الذي أشرنا إليه آنفا هو الذي يدل على ذلك.
стр. 4180
١٥٧) وسُئل الشيخ: هل يحرم على من دون البلوغ مس المصحف بدون طهارة ؟
فأجاب بقوله: هذا محل خلاف، فقال بعض أهل العلم: لا يحرم على من دون البلوغ مس المصحف، لأنه غير مكلف والقلم مرفوع عنه.
ومن العلماء من قال: لا يجوز حتى للصغير أن يمس المصحف بدون وضوء، وعلى وليه أن يلزمه بالوضوء كما يلزمه بالوضوء للصلاة، لأن هذا فعل يشترط لحله الطهارة.
١٥٨) وسُئل: عن حكم تمكين الصغار من مس المصحف والقراءة منه .
فأجاب قائلا: لا بأس من تمكين الصغار من مس المصحف والقراءة منه إذا كانوا على طهارة ولم يحصل منهم إهانة للمصحف.
١٥٩) وسُئل فضيلته: هل تجوز كتابة بعض الآيات على السبورة بدون وضوء؟ وما حكم مس السبورة التي كتبت فيها تلك الآيات ؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلا: تجوز كتابة القرآن بغير وضوء ما لم يمسها.
أما مس السبورة التي كتبت فيها تلك الآيات فإن فقهاء الحنابلة قالوا: يجوز للصبي مس اللوح الذي كتبت فيه آيات في الموضع الخالي من الكتاب، أي بشرط أن لا تقع يده على الحروف فهل تلحق السبورة بهذا أو لا تلحق؟ هي عندي محل توقف. والله أعلم.
١٦٠) وسُئل: هل يجوز مس كتب التفسير بغير وضوء ؟
فأجاب بقوله كتب التفسير يجوز مسها بغير وضوء لأنها تعتبر
стр. 4181
تفسيرا، والآيات التي فيها أقل من التفسير، ويستدل لذلك بكتابة النبي ﷺ ، الكتب للكفار وفيها آيات من القرآن الكريم، فدل هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر. أما إذا تساوى التفسير والآيات، فعلى القاعدة المعروفة عند أهل العلم، أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر ولم يتميز أحدهما برجحان، فإنه يغلب جانب الحظر وعلى هذا فإذا كان القرآن والتفسير متساويين أعطي حكم القرآن، وإذا كان التفسير أكثر ولو بقليل أعطي حكم التفسير.
١٦١) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمحدث أن يسجد للتلاوة أو الشكر ؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلا حكم هذه المسألة ينبني على الخلاف في سجدتي التلاوة والشكر، هل هما صلاة أم لا؟
فإن قلنا هما صلاة وجبت لهما الطهارة، وإن قلنا إنهما غير صلاة لم تجب لهما الطهارة، والمتأمل للسنة يدرك أنهما ليستا صلاة، لأن الرسول ﷺ كان يسجد للتلاوة، ولم ينقل عنه أنه كان يكبر إذا سجد ولا إذا رفع ولا يسلم، إلا في حديث رواه أبو داود في التكبير للسجود دون الرفع منه ودون التسليم، فمن تأمل سجود الرسول ﷺ للتلاوة أو الشكر تبين له أنه لا ينطبق عليه تعريف الصلاة، وعليه فلا تكون سجدة التلاوة وسجدة الشكر من الصلاة، وحينئذ لا يحرم على من كان محدثا أن يسجد للتلاوة أو الشكر، وقد صح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يسجد للتلاوة بدون وضوء.
ولكن لا ريب أنه الأفضل أن يتوضأ الإنسان، لاسيما وأن القارئ سوف يتلو القرآن، وتلاوة القرآن يشرع لها الوضوء لأنها من ذكر الله، وكل ذكر لله يشرع له الوضوء.
стр. 4182
أما سجود الشكر، فاشتراط الطهارة له ضعيف، لأن سجود الشكر سببه تجدد النعم أو تجدد اندفاع النقم، وهذا قد يأتي الإنسان وهو محدث، فإن قلنا: لا تسجد حتى تتوضأ فربما يطول الفصل، والحكم المعلق بسبب إذا تأخر عن سببه سقط، وحينئذ إما أن نقول: اسجد على غير وضوء، أو لا تسجد، وسجوده على غير وضوء أولى من تركه.
стр. 4183
باب الغسل
١٦٢) وسُئل فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا: عن موجبات الغسل ؟
فأجاب بقوله: موجبات الغسل منها:
الأول: إنزال المني بشهوة يقظة أو مناما، لكنه في المنام يجب عليه الغسل، وإن لم يحس بالشهوة، لأن النائم قد يحتلم ولا يحس بنفسه، فإذا خرج منه المني بشهوة وجب عليه الغسل بكل حال.
الثاني: الجماع، فإذا جامع الرجل زوجته، وجب عليه الغسل بأن يولج الحشفة في فرجها، فإذا أولج في فرجها الحشفة أو ما زاد، فعليه الغسل، لقول النبي ﷺ عن الأول: (الماء من الماء) يعني أن الغسل يجب من الإنزال، وقوله عن الثاني: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وإن لم ينزل، وهذه المسألة ـ اعني الجماع بدون إنزال ـ يخفى حكمها على كثير من الناس، حتى إن بعض الناس تمضي عليه الأسابيع والشهور وهو يجامع زوجته بدون إنزال ولا يغتسل جهلا منه، وهذا أمر له خطورته، فالواجب أن يعلم الإنسان حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن الإنسان إذا جامع زوجته وإن لم ينزل وجب عليه الغسل وعليها، للحديث الذي ذكرناه آنفا.
الثالث: من موجبات الغسل خروج دم الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت ثم طهرت، وجب عليها الغسل لقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
стр. 4184
أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (١) . ولأمر النبي ﷺ المستحاضة إذا جلست قدر حيضها أن تغتسل، والنفساء مثلها، فيجب عليها أن تغتسل.
وصفة الغسل من الحيض والنفاس كصفة الغسل من الجنابة، إلا أن بعض أهل العلم استحب في غسل الحائض أن تغتسل بالسدر، لأن ذلك أبلغ في النظافة لها وتطهيرها.
وذكر بعض العلماء أيضا من موجبات الغسل الموت، مستدلين بقوله ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) . وبقوله، ﷺ في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة وهو محرم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه) . فقالوا: إن الموت موجب للغسل، لكن الوجوب هنا يتعلق بالحي لأن الميت انقطع تكليفه بموته، ولكن على الأحياء أن يغسلوا موتاهم لأمر النبي ﷺ ، بذلك.
١٦٣) وسُئل فضيلته: هل يجب الغسل بالمداعبة أو التقبيل ؟
فأجاب قائلا: لا يجب على الرجل ولا على المرأة غسل بمجرد الاستمتاع بالمداعبة أو التقبيل إلا إذا حصل إنزال المني فإنه يجب الغسل على الجميع إذا كان المني قد خرج من الجميع، فإن خرج من أحدهما فقط وجب عليه الغسل وحده، وهذا إذا كان الأمر مجرد مداعبة أو تقبيل أو ضم، أما إذا كان جماعا فإن الجماع فيه الغسل على كل حال، على الرجل وعلى المرأة حتى وإن لم يحصل إنزال، لقول النبي ﷺ فيما
стр. 4185
رواه أبو هريرة: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) . وفي لفظ لمسلم: (وإن لم ينزل) . وهذه المسألة قد تخفى على كثير من النساء، تظن المرأة بل وربما يظن الرجل أن الجماع إذا لم يكن إنزال فلا غسل فيه، وهذا جهل عظيم، فالجماع يجب فيه الغسل على كل حال، وما عدا الجماع من الاستمتاع لا يجب فيه الغسل إلا إذا حصل الإنزال.
١٦٤) وسُئل: عن الرجل إذا داعب زوجته وأحس بنزول شيء منه، فوجد في ملابسه سائلا لزجا بدون لون فهل يجب عليه الغسل ؟
فأجاب بقوله: إذا كان هذا منيا فيجب عليه الغسل، والمني المعروف يخرج دفقا بلذة، وإن كان غير مني بأن كان مذيا وهو الذي يخرج من غير إحساس ويخرج عند فتور الشهوة غالبا، إذا اشتهى الإنسان ثم فترت شهوته وجد هذا السائل فإن المذي لا يوجب الغسل وإنما يوجب غسل الذكر والأنثيين فقط مع الوضوء، وأما المني فإنه يوجب الغسل، وإذا شككت هل هو مني أو مذي فإن الأصل عدم وجوب الغسل، فأصل هذا على أنه مذي تغسل الذكر والأنثيين وما أصاب من ثوب وتتوضأ للصلاة.
١٦٥) سُئل الشيخ حفظه الله تعالى: عمن وجد منيا في ثيابه بعد أن صلى الفجر ولم يعلم به فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب قائلا: إذا لم ينم الإنسان بعد صلاة الفجر فإن صلاة الفجر غير صحيحة لوقوعها وهو جنب حيث تيقن أنه قبل الصلاة.
أما إذا كان الإنسان قد نام بعد صلاة الفجر ولا يدري هل هذه
стр. 4186
البقعة من النوم الذي بعد الصلاة أو من النوم الذي قبل الصلاة فالأصل أنها مما بعد الصلاة، وأن الصلاة صحيحة، وهكذا الحكم أيضا فيما لو وجد الإنسان أثر مني وشك هل هو من الليلة الماضية أو من الليلة التي قبلها، فليجعله من الليلة القريبة وأن يجعله من آخر نومه نامها، لأن ذلك هو المتيقن وما قبلها مشكوك فيه، والشك في الإحداث لا يوجب الطهارة منها لقول النبي ﷺ : (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد) . رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. والله الموفق.
١٦٦) وسُئل فضيلة الشيخ: شخص صلى المغرب والعشاء، ثم عاد إلى بيته، وعند خلعه لثوبه وجد في ملابسه الداخلية أثر مني، فماذا يلزمه ؟
فأجاب ـ أعلى الله درجته في المهتدين ـ بقوله: إذا كان هذا الرجل الذي وجد المني على لباسه لم يغتسل، فإنه يجب عليه أن يغتسل ويعيد الصلوات التي صلاها وهو على جنابة، لكن أحيانا يرى الإنسان أثر الجنابة على لباسه ولا يدري أكان في الليلة التي قبلها، فهل يعتبره من الليلة الماضية القريبة أم من الليلة السابقة؟
الجواب: يعتبره من الليلة الماضية القريبة لأن ما قبل الليلة الماضية مشكوك فيه، والأصل الطهارة، وكذلك لو نام بعد صلاة الصبح واستيقظ ووجد في لباسه أثر الجنابة ولا يدري أهو من النوم الذي بعد صلاة الفجر أو من النوم في الليل، فهل يلزمه إعادة صلاة الفجر؟
الجواب: لا يلزمه إعادة صلاة الفجر، لأن نوم الليل مشكوك في حصول الاحتلام فيه، وهكذا اجعلها قاعدة عندك: كلما شككت هل هذه الجنابة من نومة سابقة أو لاحقة فاجعله من اللاحقة.
стр. 4187
١٦٧) وسُئل الشيخ: إذا استيقظ الإنسان فوجد في ملابسه بللا فهل يجب عليه الغسل ؟
فأجاب بقوله: إذا استيقظ الإنسان فوجد بللا، فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يتيقن أنه مني، فيجب عليه حينئذ الاغتسال سواء ذكر احتلاما أم لم يذكر.
الحال الثانية: أن يتيقن أنه ليس بمني، فلا يجب عليه الغسل في هذه الحال، ولكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه، لأن حكمه حكم البول.
الحال الثالثة: أن يجهل هل هو مني أم لا؟ ففيه تفصيل:
أولا: إن ذكر أنه احتلم في منامه، فإنه يجعله منيا ويغتسل، لحديث أم سلمة ﵂ حين سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها غسل؟ قال: (نعم إذا هي رأت الماء) . فدل هذا على وجوب الغسل على من احتلم ووجد الماء.
ثانيا: إذا لم ير شيئا في منامه، فإن كان قد سبق نومه تفكير في الجماع جعله مذيا.
وإن لم يسبق نومه تفكير فهذا محل خلاف:
قيل: يجب عليه الغسل احتياطا.
وقيل: لا يجب وهو الصحيح لأن الأصل براءة الذمة.
١٦٨) وسُئل: عن حكم السائل الذي يخرج بعد الغسل من الجنابة ؟
فأجاب بقوله: هذا السائل الذي يخرج بعد الغسل إذا لم يكن هناك شهوة جديدة أوجبت خروجه فإنه بقية ما كان من الجنابة الأولى،
стр. 4188
فلا يجب الغسل منه، وإنما عليه أن يغسله ويغسل ما أصابه ويعيد الوضوء فقط.
١٦٩) وسُئل الشيخ: عن الفرق بين المني والمذي والودي ؟
فأجاب بقوله: الفرق بين المني والمذي، أن المني غليظ له رائحة، ويخرج دفقا عند اشتداد الشهوة وأما المذي فهو ماء رقيق وليس له رائحة المني، ويخرج بدون دفق ولا يخرج أيضا عند اشتداد الشهوة بل عند فتورها إذا فترت تبين للإنسان.
أما الودي فإنه عصارة تخرج بعد البول نقط بيضاء في آخر البول.
هذا بالنسبة لماهية هذه الأشياء الثلاثة.
أما بالنسبة لأحكامها: فإن الودي له أحكام البول من كل وجه.
والمذي يختلف عن البول بعض الشيء في التطهر منه، لأن نجاسته أخف فيكفي فيه النضح، وهو أن يعم المحل الذي أصابه بالماء بدون عصر وبدون فرك، وكذلك يجب فيه غسل الذكر كله والأنثيين وإن لم يصبهما.
أما المني فإنه طاهر لا يلزم غسل ما أصابه إلا على سبيل إزالة الأثر فقط، وهو موجب للغسل وأما المذي والودي والبول فكلها توجب الوضوء
١٧٠) وسُئل فضيلته: هل المذي يوجب الغسل ؟
فأجاب بقوله: المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب غسل الذكر والأنثيين والوضوء، لكن لو خرج منه مني ولو بالنظر أو بالتفكر وجب عليه الغسل، والفرق بينهما: أن المني يخرج دفقا مع اللذة، والمذي يخرج بغير دفق، ويكون بعد برود الشهوة.
стр. 4189
١٧١) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا خرج من الإنسان ماء أبيض رقيق، قبل البول أو بعده بدون لذة، وليس بسبب نظر أو تذكر، فما الحكم ؟
فأجاب قائلا: الذي يبدو أن هذا ليس ناتجا عن الشهوة أو تذكر، كما جاء في آخر السؤال، وعلى هذا فلا يعتبر مذيا ولا منيا، وإنما هي رواسب ـ فيما يبدو ـ في قنوات البول، وتتعقد على هذا الوجه، وتخرج قبل البول وربما بعده أحيانا، فعليه يكون حكمها حكم البول تماما، بمعنى أنه يجب تطهيرها وتطهير ما أصابت ويتوضأ ولا يجب أكثر من ذلك. والله الموفق.
١٧٢) سُئل الشيخ: عن الرجل يجلس بين شعبها الأربع ويمس الختان الختان من غير مجاوزة، ثم ينزل خارج الفرج فهل عليها غسل ؟
فأجاب بقوله: الرجل عليه الغسل، لأنه أنزل، وأما المرأة فليس عليها غسل لأنه من شرط وجوب الغسل الإيلاج، ومن المعلوم أن موضع الختان فوق الحشفة مما يلي قصبة الذكر، فإذا كان كذلك فلا يمس موضع ختان المرأة إلا بعد أن تلج الحشفة، ولذلك اشترطنا في وجوب الغسل من الجماع أن يغيب الحشفة، وقد ورد في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل) .
١٧٣) سُئل: هل يجب على الزوجين الغسل بعد الجماع وإن لم يحصل إنزال ؟
فأجاب قائلا: نعم يجب عليهما الغسل، سواء أنزل أم لم ينزل،
стр. 4190
لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) . متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: (وإن لم ينزل) . وهذا صريح في وجوب الغسل، حتى مع عدم الإنزال وهذا يخفى على كثير من الناس، فالواجب التنبيه لذلك.
١٧٤) وسُئل فضيلة الشيخ: عن الأحكام المتعلقة بالجنابة ؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: الأحكام المتعلقة بالجنابة هي:
أولا: أن الجنب تحرم عليه الصلاة، فرضها ونفلها، حتى صلاة الجنازة. لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ـ إلى قوله ـ (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) .
ثانيا: أن الجنب يحرم عليه الطواف بالبيت، لأن الطواف بالبيت مكث في المسجد، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (٢) .
ثالثا: أنه يحرم عليه مس المصحف، لقول النبي، ﷺ : (لا يمس القرآن إلا طاهر) .
رابعا: أنه يحرم عليه المكث في المسجد إلا بوضوء لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (٢)
خامسا: يحرم عليه قراءة القرآن حتى يغتسل، لأن النبي ﷺ كان
стр. 4191
يقرئ الصحابة القرآن ما لم يكونوا جنبا.
هذه الأحكام الخمسة التي تتعلق بمن عليه جنابة.
١٧٥) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يحرم على الجنب والحائض لمس الكتب والمجلات التي تشتمل على آيات قرآنية ؟
فأجاب بقوله: لا يحرم على الجنب ولا الحائض ولا على غير المتوضئ لمس شيء من الكتب أو المجلات التي فيها شيء من الآيات، لأن ذلك ليس بمصحف.
١٧٦) وسُئل فضيلة الشيخ: عن صفة الغسل ؟
فأجاب ـ أجزل الله له المثوبة ـ بقوله: صفة الغسل على وجهين:
الوجه الأول: صفة واجبة، وهي أن يعم بدنه كله بالماء، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، فإذا عمم بدنه على أي وجه كان فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر وتمت طهارته، لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) .
الوجه الثاني: صفة كاملة وهي أن يغتسل كما اغتسل النبي ﷺ ، فإذا أراد أن يغتسل من الجنابة فإنه يغسل كفيه، ثم يغسل فرجه وما تلوث من الجنابة، ثم يتوضأ وضوءا كاملا ـ على صفة ما ذكرناه في الوضوء ـ ثم يغسل بالماء ثلاثا تروية ثم يغسل بقية بدنه. هذه صفة الغسل الكامل.
стр. 4192
١٧٧) سُئل الشيخ: عن المرأة إذا كانت عليها جنابة واغتسلت، هل تغسل شعرها حتى يدخل الماء إلى البشرة ؟
فأجاب قائلا: الغسل من الجنابة أو غيرها من موجبات الغسل فيه إيصال الماء إلى منبت الشعر، سواء كان ذلك من الرجال أو من النساء، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) ولا يجوز لها أن تغسل ظاهر الشعر فقط، بل لابد أن يصل الماء إلى أصول الشعر إلى جلدة الرأس، ولكن إذا كان مجديا فإنه لا يجب عليها نقضه بل يجب عليها أن يصل الماء إلى كل الشعرات بأن تضع الجديلة تحت مصب الماء ثم تعصره حتى يدخل الماء إلى جميع الشعر.
١٧٨) وسُئل الشيخ ـ أعلى الله تعالى منزلته ـ: هل يلزم الإنسان إذا دخل مغتسله أن يستقبل القبلة ويتلفظ بالنية ؟
فأجاب بقوله: ما ذكره السائل من أن الرجل إذا دخل مغتسله فإنه يستقبل القبلة عند الغسل ليس بصحيح؛ فإن جميع الذين نقلوا صفة غسل النبي ﷺ لم يذكروا أنه كان يستقبل القبلة حين اغتساله، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه رسول الله، ﷺ ، لأمته، إما بقوله، وإما بفعله، فلما لم يرد ذلك عن رسول الله ﷺ مع وجود سببه لو كان مشروعا، علم أنه ليس بمشروع، وهذه قاعدة تنفع الإنسان في هذا المقام وغيره، وهي: (أن كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ، ولم يشرع له قول أو فعل، فإنه لا يشرع له قول أو فعل، فإنه لا يشرع له قول ولا فعل) . ومن ذلك النية ـ نية العبادة أي التلفظ بها ـ فإن العبادات كان الرسول ﵊، يفعلها ولا يتلفظ بالنية لها، ولو كان هذا مشروعا
стр. 4193
لفعله ولو فعله لنقل إلينا، وكذلك استقبال القبلة حين الغسل؛ نقول هذا وجد سببه في عهد النبي ﷺ وهو الغسل، ولم ينقل عنه أنه كان يتجه إلى القبلة حين اغتساله، ولو كان مشروعا لفعله ولو فعله لنقل إلينا.
١٧٩) وسُئل الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ: إذا توضأ الإنسان بعد الغسل من الجنابة وهو عار فهل وضوؤه صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن الإنسان إذا انتهى من الاغتسال أن يلبس ثيابه، لئلا يبقى مكشوف العورة بلا حاجة، ولكن لو توضأ بعد الاغتسال من الجنابة، فلا حاجة عليه في ذلك ووضوؤه صحيح، ولكن هذا الوضوء ينبغي أن يكون قبل أن يغتسل؛ فإن النبي ﷺ ، كان يتوضأ عند الاغتسال قبل الاغتسال، أما بعد الغسل فلا وضوء عليه، ولو أن الإنسان نوى الاغتسال واغتسل بدون وضوء سابق ولا لاحق أجزأه ذلك، لأن الله تعالى لم يوجب على الجنب إلا الطهارة بجميع البدن، حيث قال : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) . ولم يوجب الله تعالى وضوءا، وعلى هذا فلو أن أحدا نوى رفع الحدث من الجنابة، وانغمس في بركة أو بئر أو في البحر وهو قد نوى رفع الحدث الأكبر، أجزأه ذلك إذا تمضمض واستنشق ولم يحتج إلى وضوء. والله أعلم.
стр. 4194
١٨٠) وسُئل الشيخ: هل يجزئ الغسل من الجنابة عن الوضوء ؟
فأجاب بقوله: إذا كان على الإنسان جنابة واغتسل فإن ذلك يجزئه عن الوضوء، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) .ولا يجب عليه إعادة الوضوء بعد الغسل، إلا إذا حصل ناقض من نواقض الوضوء، فأحدث بعد الغسل، فيجب عليه أن يتوضأ، وأما إذا لم يحدث فإن غسله من الجنابة يجزئ عن الوضوء سواء توضأ قبل الغسل أم لم يتوضأ، لكن لابد من ملاحظة المضمضة والاستنشاق، فإنه لابد منهما في الوضوء والغسل.
١٨١) وسُئل: هل يجزئ الغسل غير المشروع عن الوضوء ؟
فأجاب قائلا: الغسل غير المشروع لا يجزئ عن الوضوء، لأنه ليس بعبادة.
١٨٢) وسُئل: هل الاستحمام يكفي عن الوضوء ؟
فأجاب قائلا: الاستحمام ـ إن كان عن جنابة ـ فإنه يكفي عن الوضوء لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) . فإذا كان على الإنسان جنابة وانغمس في بركة أو في نهر أو ما أشبه ذلك، ونوى بذلك رفع الجنابة وتمضمض واستنشق، فإنه يرتفع الحدث عنه الأصغر والأكبر، لأن الله تعالى لم يوجب عند الجنابة سوى أن نطهر، أي أن نعم جميع البدن بالماء غسلا، وإن كان الأفضل أن المغتسل من الجنابة يتوضأ، أولا، حيث كان النبي ﷺ يغسل فرجه بعد أن يغسل كفيه ثم يتوضأ
стр. 4195
وضوءه للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه،
فإذا ظن أنه أروى بشرته، أفاض عليه ثلاث مرات، ثم يغسل باقي جسده.
أما إذا كان الاستحمام لتنظيف أو لتبرد، فإنه لا يكفى عن الوضوء، لأن ذلك ليس من العبادة، وإنما هو من الأمور العادية، وإن كان الشرع يأمر بالنظافة لكن لا على هذا الوجه، بل النظافة مطلقا في أي شيء يحصل فيه التنظيف. وعلى كل حال إذا كان الاستحمام للتبرد أو النظافة فإنه لا يجزئ عن الوضوء. والله أعلم.
١٨٣) وسُئل ـ حفظه الله تعالى ـ إذا اغتسل الإنسان ولم يتمضمض ولم يستنشق فهل يصح غسله ؟
فأجاب بقوله: لا يصح الغسل بدون المضمضة والاستنشاق، لأن قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) . يشمل البدن كله، وداخل الفم وداخل الأنف من البدن الذي يجب تطهيره، ولهذا أمر النبي ﷺ بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء، لدخولهما في قوله تعالى: (اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (١) فإذا كانا داخلين في غسل الوجه ـ والوجه مما يجب تطهيره وغسله في الطهارة الكبرى ـ كان واجبا على من اغتسل من الجنابة أن يتمضمض ويستنشق.
١٨٤) وسُئل ـ رعاه الله ـ: إذا جامع الرجل زوجته وأراد العود مرة ثانية فماذا يلزمه ؟
فأجاب بقوله: هاهنا ثلاث مراتب:
الأولى: أن يغتسل قبل أن يعود، وهذه أكمل المراتب.
стр. 4196
الثانية: أن يقتصر على الوضوء فقط قبل أن يعود، وهذه دون الأولى.
الثالثة: أن يعود بدون غسل ولا وضوء، وهذه أدنى المراتب وهي جائزة.
لكن الأمر الذي ينبغي التفطن له أن لا يناما إلا على أحد الطهارتين إما الوضوء أو الغسل.
١٨٥) وسُئل: هل تحتلم المرأة؟ وإذا احتلمت فماذا يجب عليها؟ ومن احتلمت ولم تغتسل فماذا يلزمها ؟
فأجاب بقوله: المرأة قد تحتلم، لأن النساء شقائق الرجال، فكما أن الرجال يحتلمون فالنساء كذلك.
وإذا احتلمت المرأة أو الرجل كذلك ولم يجد شيئا بعد الاستيقاظ، أي ما وجد أثرا من الماء فإنه ليس عليها غسل، وإن وجدت الماء فإنه يجب إن تغتسل لأن أم سلمة قالت: يا رسول الله هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: (نعم إذا هي رأت الماء) فإذا رأت الماء وجب عليها الغسل.
وأما من احتلمت فيما مضى فإن كانت لم تر الماء فليس عليها شيء، وأما إن كانت رأته فإنها تتحرى كم صلاة تركتها وتصليها.
стр. 4197
باب التيمم
١٨٦) وسُئل فضيلة الشيخ: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح ؟
فأجاب بقوله: الصواب أن التيمم مطهر ورافع للحدث، لقول الله تعالى حين ذكر التيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (١) . ولقول النبي ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) . والطهور ـ بالفتح ـ ما يتطهر به.
وكذلك من النظر فالتيمم بدل، والقاعدة الشرعية أن للبدل حكم المبدل وفائدته قولن بدل، أنه لا يمكن العمل به مع وجود الأصل وهو الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم، ووجب عليه أن يغتسل إن كان تيمم عما يوجب الغسل، وأن يتوضأ إذا كان التيمم عن حدث أصغر لحديث الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء فاعتزل ولم يصل، فسأله النبي ﷺ : (لم لم تصل مع الناس؟) . فقال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال النبي ﷺ : (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) . فهذا الرجل تيمم عن الجنابة، ولما جاء الماء قال النبي ﷺ : (خذ هذا وأفرغه على نفسك) . ولو كان التيمم رافعا للحدث رفعا مستمرا، ما بطل بوجود الماء. ولقول النبي ﷺ : (لصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته) .
стр. 4198
١٨٧) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا تعذر استعمال الماء، فبماذا تحصل الطهارة ؟
فأجاب بقوله: إذا تعذر استعمال الماء، لعدمه أو التضرر باستعماله، فإنه يعدل عن ذلك إلى التيمم،بأن يضرب الإنسان بيديه على الأرض ثم يمسح بهما وجهه ويمسح بعضها ببعض، لكن هذا خاص بالطهارة من الحدث.
أما طهارة الخبث فليس فيها تيمم، سواء كانت على البدن أو على الثوب أو على البقعة، لأن المقصود من التطهر من الخبث إزالة هذه العين الخبيثة، وليس التعبد فيها شرطا، ولهذا لو زالت هذه العين الخبيثة بغير قصد من الإنسان طهر المحل، فلو نزل المطر على مكان نجس أو على ثوب نجس وزالت النجاسة بما نزل من المطر، فإن المحل يطهر بذلك، وإن كان الإنسان ليس عنده علم بهذا، بخلاف طهارة الحدث فإنها عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله ، فلابد فيها من النية والقصد.
١٨٨) وسُئل الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ: من أصبح جنبا في وقت بارد فهل يتيمم ؟
فأجاب قائلا: إذا كان الإنسان جنبا فإن عليه أن يغتسل، لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) .فإن كانت الليلة باردة ولا يستطيع أن يغتسل بالماء البارد، فإنه يجب عليه أن يسخنه إذا كان يمكنه ذلك، فإن كان لا يمكنه أن يسخنه لعدم وجود ما يسخن به الماء، فإنه في هذه الحال يتيمم عن الجنابة ويصلي، لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ
стр. 4199
تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١) .
وإذا تيمم عن الجنابة، فإنه يكون طاهرا بذلك ويبقى على طهارته حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه أن يغتسل، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه أن النبي ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، قال: (ما منعك؟) قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال النبي ﷺ : (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) . ثم حضر الماء بعد ذلك فأعطاه النبي ﷺ ماء وقال: (أفرغه على نفسك) . فدل هذا على أن المتيمم إذا وجد الماء، وجب عليه أن يتطهر به، سواء كان ذلك عن الجنابة أو عن حدث أصغر، والمتيمم إذا تيمم عن جنابة، فإنه يكون طاهرا منها حتى يحصل له جنابة أخرى، أو يجد الماء، وعلى هذا فلا يعيد تيممه عن الجنابة لكل وقت، وإنما يتيمم بعد تيممه من الجنابة يتيمم عن الحدث الأصغر إلا إن يجنب.
١٨٩) وسُئل: إذا خشي الإنسان من استعماله الماء البارد فهل يجوز له أن يتيمم أو لا ؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أن يتيمم، بل يجب عليه أن يصبر ويستعمل هذا الماء البارد في الوضوء، إلا إذا كان يخشى من ضرر يلحقه، فإنه لا بأس أن يتيمم حينئذ إذا لم يجد ما يسخن به الماء، وإذا تيمم وصلى فليس عليه إعادة الصلاة، لأنه صلى كما أمر، وكل من أتى بالعبادة على وجه أمر به فإنه ليس عليه إعادة تلك العبادة. أما مجرد أنه يتأذى ببرودته ليس بعذر، فإنه غالبا ـ ولا سيما ممن لا يكون في البلد،
стр. 4200
الغالب أنه في أيام الشتاء ـ لابد أن يكون الماء باردا ويتأذى الإنسان من برودته ولكنه لا يخشى منه الضرر، أما من يخشى من الضرر فإنه لا بأس أن يتيمم، ويصلى ولا إعادة عليه إذا لم يجد ما يسخن به الماء، ولا يجوز أن ينتظر حتى تخرج الشمس ويسخن الماء، بل الواجب عليه أداء الصلاة في وقتها على الوجه الذي أمر به، إن قدر على استعمال الماء بدون ضرر استعمله، وإذا كان يخشى من الضرر تميم، أما تأخير الصلاة حتى خروج الوقت فلا.
١٩٠) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا لم يجد الراعي ماء فهل يتيمم ؟
فأجاب بقوله: نعم إذا حضرت الصلاة ولم يكن عنده ماء فيباح له التيمم، قال النبي ﷺ فيما ذكره من خصائصه التي خصه الله بها وأمته قال ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل) . فإذا أدركتك الصلاة فصل إن كان عندك ماء تطهرت به، وإن لم يكن عندك ماء فتطهر بالتراب ويجزئك ذلك.
وصفة التيمم المشروعة أن ينوي الإنسان أنه يتيمم لقول النبي، ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) . ثم يضرب الأرض بيديه ضربه واحدة يمسح بها وجهه وكفيه وبهذا يتم تيممه ويكون طاهرا يحل له بهذا التيمم ما يحل له بالتطهر بالماء لأن الله قال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) (١) فبين
стр. 4201
الله تعالى أن الإنسان بالتيمم يكون طاهرا، قال الرسول، ﵊: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) . والطهور ـ بالفتح ـ ما يتطهر به، ولهذا كان الراجح من قول العلماء أن التيمم رافع للحدث ما دام الإنسان لم يجد الماء فيجوز له إذا تيمم ان يصلى.
١٩١) وسُئل الشيخ: إذا كان عند الإنسان ماء لا يكفي إلا لبعض الأعضاء فما العمل ؟
فأجاب بقوله: عليه أن يستعمل الماء أولا ثم يتيمم للباقي، لأنه لو تيمم مع وجود الماء لم يصدق عليه أنه عادم للماء، ودليل ذلك قول الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) . وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) .وقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) . فإذا غسل ما استطاع وانتهى الماء، فإنه بهذا الفعل اتقى الله، وما بقي فالماء متعذر، فيرجع إلى بدله وهو التيمم، ولا تضاد بين الحكمين، لأن استعمال الماء من تقوى الله تعالى، واستعمال التيمم عند عدم الماء من تقوى الله أيضا، فربما يستدل لما قلنا بجمع النبي ﷺ بين طهارة المسح وطهارة الغسل، بما يروى في حديث صاحب الشجة: (إنما كان يكفيك أن تتيمم وتعصب على جرحك خرقة ثم تمسح عليها) .
стр. 4202
فإن قيل: إنه هذا جمع بين البدل والمبدل منه فكيف يصح؟
فنقول: إن التيمم هنا ليس عن الأعضاء المغسولة، ولكنه عن الأعضاء التي لم تغسل فهو شبيه بالمسح على الخفين من بعض الوجوه، لأن فيه غسل لبعض الأعضاء التي تغسل ومسح على الخف بدلا عن غسل الرجل التي تحته، فهنا جمع بين بدل ومبدل منه.
١٩٢) وسُئل: عن شخص استيقظ من النوم وعليه جنابة فإذا اشتغل بالغسل خرج وقت الفجر فهل يتيمم ؟
فأجاب قائلا: عليه أن يغتسل ويصلي الصلاة، ولو بعد الوقت، وذلك لأن النائم يكون وقت الصلاة في حقه وقت استيقاظه، لقول النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) . فأنت حين استيقاظك كأن الوقت دخل الآن، فاغتسل وافعل الواجبات التي تسبق الصلاة ثم صل.
١٩٣) وسُئل ـ حفظه الله ـ: إذا كان على بدن المريض نجاسة فهل يتيمم لها ؟
فأجاب قائلا: لا يتيمم لها، إن أمكن هذا المريض أن يغسل هذه النجاسة غسلها، وإلا صلى بحسب حاله بلا تيمم، لأن التيمم لا يؤثر في إزالة النجاسة، وذلك أن المطلوب تخلي البدن عن النجاسة، وإذا تيمم لها فإن النجاسة لا تزول عن البدن، ولأنه لم يرد التيمم عن النجاسة، والعبادات مبناها على الاتباع.
١٩٤) سُئل الشيخ: إذا كان على الإنسان نجاسة لا يستطيع إزالتها فهل يتيمم لها ؟
فأجاب بقوله: إذا كان على الإنسان نجاسة وهو لا يستطع إزالتها
стр. 4203
فإنه يصلي بحسب حاله ولا يتيمم لها، ولكن يخفف النجاسة ما أمكن بالحك أو ما أشبه ذلك، وإذا كانت مثلا في ثوب يمكنه خلعه، ويستتر بغيره، وجب عليه أن يخلعه ويستتر بغيره.
١٩٥) وسُئل فضيلة الشيخ: عن رجل عليه ملابس بها نجاسة وليس عنده ماء، ويخشى خروج الوقت فكيف يعمل ؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلا: نقول له خفف عنك ما أمكن من هذه النجاسة، فإذا كانت في ثوب وعليك ثوبان، فاخلع هذا الثوب النجس وصل بالطاهر، وإذا كان عليك ثوبان كلاهما نجس أو ثلاثة وكل منها نجس، فخفف ما أمكن من النجاسة، وما لم يمكن إزالته أو تخفيفه من النجاسة، فإنه لا حرج عليك لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) . فتصلي بالثوب ولو كان نجسا، ولا إعادة عليك على القول الراجح، فإن هذا من تقوى الله تعالى ما استطعت، والإنسان إذا اتقى الله ما استطاع، فقد أتى ما أوجبه الله عليه، ومن أتى بما أوجبه الله عليه فقد ابرأ ذمته. والله الموفق.
١٩٦) وسُئل الشيخ: هل يشترط في التراب المتيمم به أن يكون له غبار؟ وهل قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) . قوله: (منه) دليل على اشتراط الغبار ؟
فأجاب بقوله: القول الراجح أنه لا يشترط للتيمم أن يكون بتراب فيه غبار، بل إذا تيمم على الأرض أجزأه سواء كان فيها غبار أم
стр. 4204
لا، وعلى هذا فإذا نزل المطر على الأرض، فيضرب الإنسان بيديه على الأرض ويمسح وجهه وكفيه، وإن لم يكن للأرض غبار في هذه الحال، لقول الله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (١) . ولأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون إلى جهات ليس فيها إلا رمال، وكانت الأمطار تصيبهم وكانوا يتيممون كما أمر الله ؛ فالقول الراجح أن الإنسان إذا تيمم على الأرض فإن تيممه صحيح، سواء كان على الأرض غبار أم لم يكن.
وأما قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) . فإن (من) لابتداء الغاية وليست للتبعيض، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه نفخ في يديه حين ضرب بهما الأرض.
١٩٧) وسُئل فضيلته: عن شخص تيمم على صخرة لعدم استطاعته استعمال الماء، فهل يجب عليه إعادة الصلاة ؟
فأجاب بقوله: لا يجب عليه إعادة الصلاة إذا كان حين التيمم لا يستطيع استعمال الماء، لأن الله قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٢) وقال النبي، ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) .فإذا كنت غير مستطيع لاستعمال الماء تيممت ولو بقيت مدة طويلة تصلي بالتيمم فإنه لاشيء عليك ما دام الشرط موجودا وهو تعذر استعمال الماء.
стр. 4205
١٩٨) وسُئل فضيلته: إذا أصابت المريض جنابة ولم يتمكن من استعمال الماء فهل يتيمم ؟
فأجاب بقوله: إذا أصابت الرجل جنابة أو المرأة وكان مريضا لا يتمكن من استعمال الماء، فإنه في هذه الحال يتيمم لقول الله ﵎: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (١) .وإذا تيمم من هذه الجنابة فإنه لا يعيد التيمم عنها مرة أخرى إلا بجنابة تحدث له أخرى ولكنه يتيمم عن الوضوء كلما انتقض وضوؤه.
والتيمم رافع للحدث مطهر للمتيمم لقول الله تعالى حين ذكر التيمم، وقبله الوضوء والغسل قال : (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٢) .
وثبت عن النبي، ﷺ ، أنه قال: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) . والطهور ما يتطهر به الإنسان، لكن التيمم مطهر طهارة مقيدة بزوال المانع من استعمال الماء فإذا زال المانع من استعمال الماء، فبرأ المريض ووجد الماء من عدمه، فإنه يجب عليه أن يغتسل إذا كان تيمم عن جنابة وأن يتوضأ إذا كان تيمم عن حدث أصغر ويدل على ذلك ما رواه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه: أن النبي ﷺ ، رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فسأله ما الذي منعه فقال يا رسول الله أصابتني جنابة، ولا ماء. فقال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) . ثم