← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

على أنه إذا خلع الممسوح بطل المسح، أي لا يُعاد المسح مرة أخرى إلا بعد غسل الرجل في وضوء كامل، وعليه فنقول: إن الأصل بقاء هذه الطهارة الثابتة بمقتضى الدليل الشرعي حتى يوجد الدليل، وإذا لم يكن دليل فإن الوضوء يبقي غير منتقض، وهذا هو القول الراجح عندنا. والله الموفق. ٩٩) وسُئل فضيلته:يشتهر عند العامة أنهم يمسحون على الخفين خمس صلوات فقط فهل عملهم هذا صحيح ؟ فأجاب بقوله: نعم هذا مشهور عند العامة يظنون أن معنى كون المسح يوماً وليلة يعني أنه لا يمسح إلا خمس صلوات وهذا ليس بصحيح بل التوقيت بيوم وليلة يعني أن له أن يمسح يوماً وليلة سواء صلى خمس صلوات أو أكثر، وابتداء المدة كما سبق من المسح، فقد يصلي عشر صلوات أو أكثر ونضرب لذلك مثلاً: رجل لبس الخف لصلاة الفجر يوم الاثنين وبقي على طهارته حتى نام ليلة الثلاثاء، فلما استيقظ الساعة الخامسة (مثلاً) مسح عليهما لصلاة الفجر، فهنا له أن يمسح إلى ما قبل الساعة الخامسة بقليل من فجر الأربعاء، فيكون هنا صلى بالخف يوم الاثنين الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء وكل هذه المدة لا تحسب له لأنها قبل المسح، وصلى يوم الثلاثاء الفجر ومسح، والظهر ومسح، والعصر ومسح، والمغرب ومسح، والعشاء ومسح، وكذلك يمكن أن يمسح لصلاة يوم الأربعاء، إذا مسح قبل أن تنتهي المدة مثل أن يكون قد مسح يوم الثلاثاء لصلاة الفجر في الساعة الخامسة وفي يوم الأربعاء مسح في الساعة الخامسة إلا ربعاً وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء ليلة الخميس، فحينئذٍ يكون صلى بهذا الوضوء صلاة الفجر يوم الأربعاء

стр. 4132

والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيكون صلى خمس عشرة صلاة من حين لبس، لأنه لبسها لصلاة الفجر يوم الأثنين وبقي على طهارته ولم يمسح إلا لصلاة الفجر يوم الثلاثاء الساعة الخامسة ومسح لصلاة الفجر يوم الأربعاء الساعة الخامسة إلا ربعاً وبقي على طهارته حتى صلى العشاء فيكون صلى خمس عشرة صلاة من حين لبس. ١٠٠) وسُئل - حفظه الله تعالى - عن شروط المسح على الخفين ؟ فأجاب قائلاً: يُشترط للمسح على الخفين أربعة شروط: الشرط الأول: أن يكون لابساً لهما على طهارة. ودليل ذلك قول النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ". الشرط الثاني: أن تكون الخفان أو الجوارب طاهرة،فإن كانت نجسة فإنه لا يجوز المسح عليها، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ ، صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلان فخلعهما في أثناء صلاته، وأخبر أن جبريل أخبره بأن فيهما أذى أو قذرا ً، وهذا يدل على أنه لا تجوز الصلاة فيما فيه نجاسة، ولأن النجس إذا مُسح عليه بالماء تلوث الماسح بالنجاسة. الشرط الثالث: أن يكون مسحهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل، ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال ﵁ _ قال: " أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم ". فيشترط أن يكون المسح في الحدث الأصغر، ولا يجوز المسح في الحدث الأكبر لهذا الحديث الذي ذكرناه. الشرط الرابع: أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً، وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، لحديث علي بن أبي طالب - رضي

стр. 4133

الله عنه - قال: "جعل النبي ﷺ للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن". يعني في المسح على الخفين، أخرجه مسلم. فهذه هي الشروط التي تُشترط للمسح على الخفين، وهناك شروط أخرى ذكرها بعض أهل العلم، وفي بعضها نظر. ١٠١) وسُئل: هل يُشترط لجواز المسح على الخفين أن ينوي المسح عليهما وكذلك نية المدة ؟ فأجاب قائلاً: النية هنا غير واجبة لأن هذا عمل عُلّق الحكم على مجرد وجوده، فلا يحتاج إلى نية، كما لو لبس الثوب فإنه لا يشترط أن ينوي به ستر عورته في صلاته مثلاً، فلا يُشترط في لبس الخفين أن ينوي أنه سيمسح عليهما، ولا كذلك نية المدة، بل إن كان مسافراً فله ثلاثة أيام نواها أم لم ينوها، وإن كان مقيماً فله يوم وليلة نواها أم لم ينوها. ١٠٢) وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم المسح على الشراب الذي فيه صورة حيوان ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز المسح عليه، لأن المسح على الخفين رخصة فلا تُباح بالمعصية، لأن القول بجواز المسح على ما كان محرماً مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس المحرم، والمحرم يجب إنكاره، ولا يقال هذا من باب ما يُمتهن فيجوز، لأن هذا من باب اللباس ولبس ما فيه صورة حرام بكل حال، فلو كان على الشراب مثلاً صورة أسد فإنه لا يجوز المسح عليهما. ١٠٣) وسُئل: عما اشترطه بعض العلماء من كون الجورب والخف ساترين لمحل الفرض ؟ فأجاب بقوله: هذا الشرط ليس بصحيح، لأنه لا دليل عليه،

стр. 4134

فإن اسم الخف أو الجورب ما دام باقياً فإنه يجوز المسح عليه، لأن السنة جاءت بالمسح على الخف على وجه مطلق، وما أطلقه الشارع فإنه ليس لأحد أن يقيده إلا إذا كان لديه نص من الشارع أو إجماع أو قياس صحيح، وبناء على ذلك فإنه يجوز المسح على الخف المخرق ويجوز المسح على الخف الخفيف، لأن كثيراً من الصحابة كانوا فقراء، وغالب الفقراء لا تخلوا خِفافهم من خروق، فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً في قوم في عهد الرسول ﷺ ، ولم يُنبّه عليه الرسول ﷺ ، دلّ ذلك على أنه ليس بشرط، ولأنه ليس المقصود من الخف ستر البشرة، وإنما المقصود من الخف أن يكون مدفئاً للرجل، ونافعاً لها، وإنما أجيز المسح على الخف، لأن نزعه يشق، وهذا لا فرق فيه بين الجورب الخفيف والجورب الثقيل، ولا بين الجورب المخرق والجورب السليم، والمهم أنه ما دام اسم الخف باقياً، فإن المسح عليه جائز لما سبق من الدليل. ١٠٤) سُئل الشيخ - حفظه الله تعالى - عما ذهب إليه بعض العلماء من جواز المسح على كل ما لبس على الرجل ؟ فأجاب بقوله: هذا القول الذي أشار إليه السائل، وهو جواز المسح على كل ما لُبس على الرِّجل هو القول الصحيح، وذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين كانت مطلقة غير مقيدة بشروط، وما ورد عن الشارع مطلقاً فإنه لا يجوز إلحاق شروط به، لأن إلحاق الشروط به تضييق لما وسعه ورسوله. والأصل بقاء المطلق على إطلاقه، والعام على عمومه، حتى يرد دليل على التقييد أو التخصيص. وقد حكى بعضُ أصحاب الشافعي عن عمر وعلي بن أبي طالب ﵄ جواز المسح على الجورب الرقيق، وهذا يعضُد القول بجواز المسح على الجوارب الخفيفة الرقيقة وعلى الجوارب المخرقة،

стр. 4135

وكذلك على القول الراجح المسح على اللفافة، بل إن جواز المسح على اللفافة أولى لمشقة حلها ولفها، وهذا هو الي يتمشى مع قوله حين ذكر آية الطهارة في الوضوء والغسل والتيمم، قال: ? مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? (١) . ١٠٥) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم المسح على الجورب المخرق والخفيف ؟ فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والجورب الخفيف الذي تُرى من ورائه البشرة، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه ان يكون ساتراً، فإن الرِّجل ليست عورة يجب سترها، وإنما المقصود الرخصة على المُكلَّف والتسهيل عليه، بحيث لا نُلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء، بل نقول: يكفيك أن تمسح عليه، هذه هي العلة التي من أجلها شُرع المسح على الخفين، وهذه العلة - كما ترى - يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق والسليم والخفيف والثقيل. ١٠٦) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يشترط لجواز المسح على الخف أن يثبت بنفسه أو لا ؟ فأجاب بقوله: الصحيح أنه لا يُشترط ذلك، وذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة، فما دام يمكن أن ينتفع بهذا، ويمشي به، فما المانع؟ فقد يكون الإنسان ليس عنده إلا هذا الخف، أو

стр. 4136

كان مريضاً مقعداً يلبس مثل هذا الخف للتدفئة، فلا دليل على اشتراط هذا الشرط. ١٠٧) وسُئل الشيخ: ما حكم المسح على النعل والخف ؟ فأجاب فضيلته بقوله: المسح على النعل لا يجوز بل لا بد من خلع النعل وغسل الرِّجل، اما الخف هو ما يستر الرجل، فإنه يجوز المسح عليه سواء كان من جلد أو من قطن أومن صوف أو من غيرها، بشرط أن يكون مما يحل لبسه، أما إذا كان مما يحرم لبسه كالحرير بالنسبة للرجل، يعني لو لبس الرجل شراباً من حرير، فإنه لا يجوز له أن يمسح عليه لأنه محرم عليه لبسهُ، فإذا كان مباحاً جاز المسح عليه إذا لبسه على طهارة، وكان في المدة المقدرة شرعاً، وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، تبتديء هذه المدة من أول مرة مسح بعد الحدث، وتنتهي بتمام أربعٍ وعشرين ساعة للمقيم، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر. ١٠٨) سُئل فضيلة الشيخ: هل يدخل في معنى الخف اللفائف ؟ فأجاب - حفظه الله - بقوله: نعم يدخل في معنى الخف اللفائف، لأن اللفائف يُعذر فيها صاحبُها أكثر من الخف، لأن الذي يخلع الخف ثم يغسل الرِّجل ثم يلبس الخف، أسهل من الذي يحل هذه اللفائف ثم يعيدها مرة أُخرى، فإذا كان الخف قد أباح الشرعُ المسح عليه، فاللفافة من باب أولى، ثم إن السِّرية التي بعثها النبي ﷺ ، وأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين، فيمكن أن نأخذ من

стр. 4137

كلمه التساخين جواز المسح على اللفافة، لأنه يحصل بها التسخين والغرض الذي من أجله لبس الخفاف. ١٠٩) وسُئل - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً - عن المسح على العمامة ؟ فأجاب فضيلته بقولة: العمامة قد ثبت عن النبي ﷺ جوز المسح عليها، وهي من حيث النظر أولى من المسح على الخفين، لأنها ملبوسة على ممسوح، وطهارة هذا العضو، وهو الرأس أخف من طهارة الرجلين، لأن طهارة الرأس تكون بالمسح، فالفرع عنه وهي العمامة يكون أولى بالمسح من الملبوس على المغسول. ولكن هل يُشترط فيها ما يُشترط في الخف بأن يلبسها على طهارة، وتتقيد مدتها بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، أو ان المسح عليها مطلق متى كانت على الرأس مسحها سواء لبسها على طهارة أم لا وبدون توقيت، إلا إنه في الحدث الأكبر لا يمسح عليها لأنه لا بد من الغسل لجميع البدن؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، والذي قالوا لا يشترط لبسها على طهارة ولا مدة لها، قالوا لأنه ليس في ذلك دليل عن النبي ﷺ ، وقياسها على الخفين على ما يقولون قياسٌ مع الفارق، لأن الخفين لُبسا على عضو مغسول، وأما هذه فقد لُبستْ على عضو ممسوح طهارته أخف، فلهذا لا يشترط للبسها طهارة ولا توقيت لها. ولكن لا شكّ أن الاحتياط أوْلى، والأمر في هذا سهل فإنه ينبغي أن لا يلبسها إلا على طهارة، وأن يخلعها إذا تمت مدة المسح، ويمسح رأسه ثم يعيدها.

стр. 4138

١١٠) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم المسح على العمامة، وهل لها توقيت ؟ فأجاب بقولة: المسح على العمامة مما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ كما في حديث المغيره بن شعبة ﵁، فيجوز المسح عليها، فُيمسح على العمامة كلها أو أكثرها، ويُسنّ أيضاً أن يمسح ما ظهر من الرأس كالناصية وجانب الرأس والأذنين. ولا يُشترط لها توقيت، لأنه لم يثبت عن الرسول ﵊ أنه وقتها، ولأن طهارة العضو التي هي عليه أخف من طهارة عضو الخف، فلا يمكن الحاق هذا بهذا، فمتى كانت عليك فامسح وإذا لم تكن عليك فامسح الرأس ولا توقيت فيها. لكن لو سلكت سبيل الاحتياط فلم تمسحها إلا إذا لبستها على طهارة وفي المدة المحددة للخفين لكان حسناً. ١١١) وسُئل: هل يدخل في حكم العمامة الشماغ والطاقية والقبع الشامل للراس والأذنين ؟ فأجاب قائلاً: أما شماغ الرَّجل والطاقية، فلا تدخل في العمامة قطعاً. وأما ما يلبس في أيام الشتاء من القبع الشامل للرأس والأذنين، والذي قد تكون في أسفله لفّة على الرقبة، فإن هذا مثل العمامة لمشقة نزعه فيُمسح عليه. ١١٢) وسُئل فضيلته: هل يجوز المسح على الطربوش ؟ فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: الظاهر أن الطربوش إذا كان لا يَشُقُّ نزعه، فلا يجوز المسح عليه لأنه يشبه الطاقية من بعض الوجوه،

стр. 4139

والأصل وجوب مسح الراس حتى يتبين للإنسان أن هذا مما يجوز المسح عليه. ١١٣) وسُئل - حفظه الله تعالى: - هل يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها ؟ فأجاب بقوله: المشهور من مذهب الإمام أحمد، أنها تمسح على الخمار إذا كان مداراً تحت حلقها، لأن ذلك قد ورد عن بعض نساء الصحابة ﵅. وعلى كل حال فإذا كانت هناك مشقة، إمّا لبرودة الجو أو لمشقة النَّزع واللّف مرة أخرى، فالتسامح في مثل هذا لا بأس به وإلا فالأْولى ألا تمسح. ١١٤) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا لبَّت المرأة رأسها بالحناء ونحوه، فهل تمسح عليه ؟ فأجاب بقوله: إذا لّبت المرأة رأسها بالحناء فإنها تمسح عليه، ولا حاجة إلى أنها تنقض الرأس وتحت هذا الحناء، لأنه ثبت أن النبي ﷺ ، كان في إحرامه ملبّداً رأسه. فما وُضِعَ على الرأس من التلبيد فهو تابع له، وهذا يدلّ على أن تطهير الرأس فيه شيء من التسهيل. ١١٥) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم المسح على الجبيرة ؟ فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: لابد أولا ًأن نعرِّف ما هي الجبيرة؟ الجبيرة في الأصل ما يُجَبر به الكسر، والمراد بها في عرف الفقهاء " ما يوضع على موضع الطهارة لحاجة "، مثل الجبس الذي يكون على

стр. 4140

الكسر، أو اللزقة التي تكون على الجرح، أو على ألم في الظَّهر أو مأ أشبه ذلك، فالمسح عليها بجزيء عن الغسل. فإذا قدرنا أن ذراع المتوضئ لزقة على جرح يحتاج إليها، فإنه يمسح عليها بدلاً عن الغسل وتكون هذه الطهارة كاملة، بمعنى أنه لو فُرض أن هذا الرَّجل نزع هذه الجبيرة أو اللزقة، فإن طهارته تبقى ولا تنتقض لأنها تمت على وجه شرعي. ونزع اللزقة ليس هناك دليل على أنه ينقض الوضوء أو ينقض الطهارة وليس في المسح على الجبيرة دليل خالٍ من معارضة، فيها أحاديث ضعيفة ذهب إليها بعض أهل العلم، وقال: إن مجموعها يرفعها إلى أن تكون حجة. ومن أهل العلم من قال: إنه لضعفها لا يعتمد عليها، وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: يسقط تطهير محل الجبيرة، لأنه عاجز عنه. ومنهم من قال: بل يتيمم له ولا يمسح عليها. لكن أقرب الأقوال إلى القواعد بقطع النظر عن الأحاديث الواردة فيها، أقرب الأقوال أنه يمسح، وهذا المسح يغنيه عن التيمم فلا حاجة إليه، وحينئذٍ نقول: إنه إذا وجد جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب: المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفاً ولا يضره الغسل، ففي هذه المرتبة يجب عليه غسله إذا كان في محلٍ يُغسل. المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل دون المسح، ففي هذه المرتبة يجب عليه المسح دون الغسل. المرتبة الثالثة:: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل والمسح، فهنا يتيمم له. المرتبة الرابعة: أن يكون مستوراً بلزقة أو شبهها محتاج إليها، وفي هذه المرتبة يمسح على هذا الساتر، ويغنيه عن غسل العضو ولا يتيمم.

стр. 4141

١١٦) وسُئل: هل يشترط للجبيرة أن لا تكون زائدة عن الحاجة ؟ فأجاب قائلاً: الجبيرة لا يُمسح عليها إلا عند الحاجة فيجب أن تقدر بقدرها، وليست الحاجة هي موضع الألم أو الجرح فقط، بل كل ما يحتاج إليه في تثبت هذه الجبيرة أو هذه اللزقة مثلاً فهو حاجة، فلو كان الكسر في الإصبع ولكن احتجنا أن نربط كل الرَّاحة لتستريح اليد، فهذه حاجة. ١١٧) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجب الجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة أو لا ؟ فأجاب بقوله: لا يجب الجمع بين المسح والتيمم، لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف لقواعد الشريعة، لأننا نقول: يجب تطهير هذا العضو إما بكذا وإما بكذا، أما أن نوجب تطهيره بطهارتين، فهذا لا نظير له في الشريعة، ولا يكلِّف الله عبداً بعبادتين سببهما واحد. ١١٨) وسُئل: هل يجب أن يعم الإنسان الجبيرة عند المسح عليها ؟ فأجاب بقوله: نعم يعمها كلها، لأن الأصل أن البدن له حكم المبدل ما لم ترد السنة بخلافه، فهنا المسح بدل عن الغسل فكما أن الغسل يجب أن يعم العضو كله، فكذلك المسح يجب أن يعم جميع الجبيرة، واما المسح على الخفين فهو رخصة وقد وردت السنة بجواز الاكتفاء بمسح بعضه.

стр. 4142

١١٩) سُئل فضيلة الشيخ: هل هناك فرق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة ؟ فأجاب قائلاً: نعم هناك فروق منها: أولاً: أن المسح على الخفين مقدر بمدة معنية، أما المسح على الجبيرة فله أن يمسح عليها ما دامت الحاجة داعيه إلى بقائها. ثانياً: أن الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرِّجل. ثالثاً: المسح على الخفين يُشترط فيه أن يلبسهما على طهارة بخلاف الجبيرة فلا تشترط لها الطهارة. رابعاً: أن الجبيرة يمسح عليها في الحدث الأصغر والحدث الأكبر بخلاف الخف كما سبق، فإذا وجب عليه الغسل يمسح عليها كما يمسح في الوضوء. ١٢٠) وسُئل: إذا تطهَّر الإنسان بالتيمم ولبس الخفين، فهل يجوز له أن يمسح عليهما إذا وجد الماء ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز له أن يمسح على الخفين إذا كانت الطهارة طهارة تيمم، لقوله ﷺ : " فإني أدخلتهما طاهرتين ". وطهارة التيمم لا تتعلق بالرِّجل، إنما هي في الوجه والكفين فقط، وعلى هذا أيضاً لو أن إنساناً ليس عنده ماء، أو كان مريضاً لا يستطيع استعمال الماء في الوضوء، فإنه يلبس الخفين ولو كان على غير طهارة وتبقيان عليه بلا مدة محدودة حتى يجد الماء إن كان عادِماً له، أو يشفى من مرضه إن كان مريضاً، لأن الرِّجل لا علاقة لها بطهارة التيمم.

стр. 4143

١٢١) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم من توضأ فغسل رجله اليمنى، ثم لبس الخف أو الجورب، ثم غسل اليسرى ولبس الجورب عليها أو الخف ؟ فأجاب قائلاً: هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: لا بد أن يُكمل الطهارة قبل أن يلبس الخف أو الجورب، ومنهم قال: إنه يجوز إذا غسل اليمنى أن يلبس الخف أو الجورب ثم يغسل اليسرى ويلبس الخف أو الجورب، فهو لم يدخل اليمنى إلا بعد أن طهرَّها واليسرى كذلك، فيصدق عليه أنه أدخلهما طاهرتين. لكن هناك حديث أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه، أن النبي ﷺ قال: " إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه ". الحديث. فقوله: " إذا توضأ " قد يرجح القول الأول، لأن من لم يغسل اليسرى لا يصدق عليه أن توضأ فعليه فالقول به أولى. ١٢٢) وسُئل حفظه الله: إذا مسح الإنسان وهو مقيم ثم سافر فهل يتم مسح مسافر ؟ فأجاب قائلاً: إذا مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر على القول الراجح، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا مسح في الحضر ثم سافر، أتمّ مسح مقيم، ولكن الراجح ما قلناه، لأن هذا الرجل قد بقي في مدة مسحه شيء قبل أن يسافر وسافر، فيصدق عليه أنه من المسافرين الذين يمسحون ثلاثة أيام، وقد ذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه رجع إلى هذا القول بعد أن كان يقول بأنه يتم مسح مقيم.

стр. 4144

١٢٣) وسُئل: إذا مسح الإنسان وهو مسافر ثم أقام فهل يتم مسح مقيم ؟ فأجاب - حفظه الله ورعاه - بقوله: إذا مسح مسافراً ثم أقام فإنه يتم مسح مقيم على القول الراجح إن كان بقي من مدته شيء وإلا خلع عند الوضوء وغسل رجليه. ١٢٤) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا شكَّ الإنسان في ابتداء المسح ووقته فماذا يفعل ؟ فأجاب قائلاً: في هذه الحال يبني على اليقين، فإذا شكَّ هل مسح لصلاة الظهر أو لصلاة العصر فإنه يجعل ابتداء المدة من صلاة العصر، لأن الأصل عدم المسح. ودليل هذه القاعدة هو أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن الأصل العدم، وأن الرسول ﵊، شكى إليه الرَّجل يخيَّل إليه أن يجد الشيء في صلاته فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ". ١٢٥) وسُئل: إذا مسح الإنسان على الكنادر ثم خلعها ومسح على الشراب فهل يصح مسحه ؟ فأجاب قائلاً: المعروف عند أهل العلم أنه إذا مسح أحد الخفين الأعلى أو الأسفل تعلق الحكم به ولا ينتقل إلى ثانٍ، ومنهم من يرى أنه يجوز الانتقال إلى الثاني إذا كان الممسوح هو الأسفل ما دمادامت المدة باقية. وهذا هو القول الراجح. وعلى هذا فلو توضأ ومسح على الجوارب ثم لبس عليها جوارب أخرى، أو كنادر ومسح العليا، فلا بأس به على

стр. 4145

القول الراجح ما دامت المدة باقية، لكن تُحسب المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني. ١٢٦) وسُئل فضلية الشيخ: عن كيفية المسح على الخفين ؟ فأجاب بقوله: كيفية المسح أن يمرَّ يده من أطراف أصابع الرِّجل إلى ساقه فقط، يعني أن الذي يُمسح هو أعلى الخف فيمر يده من عند أصابع الرِّجل إلى الساق فقط، ويكون المسح باليدين جميعاً على الرجلين جميعاً، يعني اليد اليمنى تَمسح الرِّجل اليمنى، واليد اليسرى تمسح الرِّجل اليسرى في نفس اللحظة، كما تُمسح الأذنان، لأن هذا هو ظاهر السنة لقول المغيرة بن شعبة ﵁ " فمسح عليهما " ولم يقل بدأ باليمنى بل قال: " مسح عليهما " فظاهر السنة هو هذا. نعم لو فرض أن إحدى يديه لا يعمل بها فيبدأ باليمنى قبل اليسرى، وكثير من الناس يمسح بكلتا يديه على اليمنى وكلتا يديه على اليسرى، وهذا لا أصل له فيما أعلم، وإنما العلماء يقولون: يمسح باليد اليمنى على اليمنى، واليد اليسرى على اليسرى. وعلى أي صفة مسح أعلى الخف فإنه يُجزيء لكن كلامنا هذا في الأفضل. ١٢٧) وسُئل فضيلة: عن حكم مسح أسفل الخف ؟ فأجاب فضيلته قائلاً: مسح أسفل الخف ليس من السنة، ففي السنن من حديث علي بن ابي طالب ﵁ قال: " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي ﷺ يمسح ظاهر خفيه ". وهذا يدل على أن المشروع مسح الأعلى فقط.

стр. 4146

١٢٨) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا أدخل الإنسان يده من تحت الشراب فهل يبطل مسحه؟ وكذلك إذا خلعها ؟ فأجاب - حفظه الله تعالى - قائلاً: إذا أدخل يديه من تحت الشراب " الجوارب " فلا بأس في ذلك ولا حرج، ولا يبطل المسح بذلك لأنه لم يخلعهما. أما إن خلعهما فُينظر إن خلع جزءاً يسيراً فلا يضر، وإن خلع شيئاً كثيراً بحيث يظهر أكثر القدم، فإنه يبطل المسح عليهما في المستقبل. ١٢٩) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعاداها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز له المسح عليها ؟ فأجاب بقوله: إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون هذا الوضوء هو الأول، أي إنه لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ. الثانية: إذا كان هذا الوضوء وضوءاً مسح فيه على شرابه، فإنه لا يجوز له إذا خلعها أن يلبسها ويمسح عليها، لأنه لا بد أن يكون لبسهما على طهارة بالماء، وهذه طهارة بالمسح، هذا ما يعلم من كلام أهل العلم ولكن إن كان أحد قال بأنه إذا أعادها على طهارة ولو طهارة المسح، له أن يمسح ما دامت المدة باقية، فإن هذا قول قوي، ولكنني لم أعلم أن أحداً قال به، فالذي يمنعني من القول به هو أنني لم أطَّلع على أحد قال به، فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي، لأن طهارة المسح طهارة كاملة، فينبغي أن يُقال إنه إذا كان

стр. 4147

يمسح على ما لبسه على طهارة غسل، فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح، لكنني ما رأيت أحداً قال بهذا. والعلم عند الله. ١٣٠) سُئل فضيلة الشيخ: إذا خلع الإنسان خفيه بعد أن مسح عليهما فهل تبطل طهارته ؟ فأجاب بقوله: إذا خلع الخف أو الجورب بعد أن مسح عليه فلا تبطل طهارته على القول الصحيح، لكن يبطل مسحه دون طهارته، فإذا أرجعها مرة أخرى وانتقض وضوءه، فلا بد أن يخلع الخف ويغسل رجليه، والمهم أن نعلم أنه لا بد أن يلبس الخف على طهارة غسل فيها الرِّجل على ما علمنا من كلام أهل العلم. ولأن هذا الرّجل لمّا مسح على الخف تمت طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا ينتقض إلا بدليل شرعي، وعلى هذا فلا ينتقض وضوءه إذا خلع خفيه بل يبقى على طهارته إلى وجود ناقض من نواقض الوضوء المعروفة. ولكن لو أعاد الخف بعد ذلك وأراد أن يمسح عليه في المستقبل فلا، على ما أعلمه من كلام أهل العلم. ١٣١) وسُئل حفظه الله: هل إذا تمت المدة فهل ينتقض الوضوء ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا ينتقض الوضوء بانتهاء المدة لأن النبي ﷺ ، إنما وقَّت مدة المسح لا انتهاء الطهارة، فليس الموَّقت الطهارة حتى نقول إذا تمت مدة المسح انتقضت، بل الموقت المسح، فنحن نقول: إذا تمت المدة لا تمسح، لكن قبل تمام المدة إذا مسحت وأنت على طهارة فإن طهارتك هذه قد تمت بمتقضى دليل شرعي، وما تم بمقتضى دليل شرعي فلا ينتقض إلى بمقتضى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك

стр. 4148

والأصل بقاء الطهارة وعدم النقض، وفي مسألة النقض أصل أصَّله رسول الله ﷺ ، في الرَّجُل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " فلم يوجب النبي ﷺ الوضوء إلا على من تيقَّن سبب وجوبه، ولا فرق بين كون سبب الوجوب مشكوكاً فيه من حيث الواقع كما في الحديث، أو من حيث الحكم الشرعي، فإن في كل جهالة، هذا جاهل بالواقع هل حصل أو لم يحصل؟ وهذا جاهل بالشرع هل يوجب أو لا؟ فإذا قال النبي ﷺ : " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " عُلم أنه لا ينتقض الوضوء إلا باليقين وهنا لا يقين فتبقى الطهارة. ١٣٢) وسُئل الشيخ - حفظه الله تعالى: مَن مسح على خفيه بعد انتهاء المدة وصلى بهما فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا انتهت مدة مسح الخفين ثم صلى الإنسان بعد انتهاء المدة، فإن كان أحدث بعد انتهاء المدة ومسح، وجب عليه إعادة الوضوء كاملاً بغسل رجليه، ووجب عليه إعادة الصلاة، وذلك لأنه لم يغسل رجليه فقد صلّى بوضوء غير تام. وأما إذا انتهت مدة المسح وبقي الإنسان على طهارته، وصلى بعد انتهاء المدة فصلاتُه صحيحة لأن انتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء، وإن كان بعض العلماء يقولون: إن انتهاء مدة المسح ينقض الوضوء، لكنه قولٌ لا دليل عليه، وعلى هذا فإذا تمت مدة المسح وبقي الإنسان على طهارته بعد انتهاء المدة، ولو يوماً كاملاً، فله أن يصلي ولو بعد انتهاء المدة، لأن وضوءَه قد ثبت بدليل شرعي فلا يرتفع إلا بدليل شرعي، ولا دليل على النبي ﷺ يدلُّ على أن انتهاء مدة المسح موجب للوضوء. الله أعلم.

стр. 4149

١٣٣) وسُئل فضيلته: هل هناك فرق بين الرجال والنساء في أحكام المسح على الخفين ؟ فأجاب بقوله: ليس هناك فرق بين الرجال والنساء في هذا وينبغي أن نعلم قاعدة وهي " أن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وأن ما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل يدل على افتراقهما ".

стр. 4150

رسالة قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه بحوث في المسح على الخفين: البحث الأول: في المسح على المخرَّق، وما تُرى منه البشرة لصفائه أو رقَّته وفي هذا خلاف بين العلماء: فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أن المسح عليه لا يصح. قال في المنتهى في معرض ذكر شروط المسح: وأن لا يصف البشرة لصفائه أو خفته. وذكر قبله أنه يُشترط ستر محل الفرض. وفي المجموع فقه الشافعية للنووي ١//٤٨٠ ذكر قولين في الخُف المخرَّق، أصحهما لا يمسح، وفي ص ٤٨١ منه أن ابن المنذر حكى عن الثوري وإسحاق ويزيد بن هارون، وأبى ثور، جواز المسح على جميع الخفاف. قال ابن المنذر: وبه أقول لظاهر إباحة رسول الله ﷺ ، المسح على الخفين قولاً عامّاً يدخل فيه جميع الخفاف.أهـ. وفي الاختبار لشيخ الإسلام ابن تيميه ص ١٣ أن الخف الممزَّق يجوز المسح عليه ما دام اسم الخف باقياً، والمشي فيه ممكناً، وهو قديم قولي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء. وفي المحلىَّ ٢/١٠٠ جواز المسح على المخرَّق ولو ظهر أكثر القدمين ما دام يتعلق بالرِّجلين منهما شيء ونقل عن سفيان الثوري أنه قال: امسح مادام يُسمى خفًّا.

стр. 4151

وفي المجموع ٢/٤٨٢ إذا تخرَّقت الظهارة فإن كانت البطانة صفيقة، جاز المسح وإلا فلا، لأنه كالمكشوف، قال: وحكى الروياني والرافعي وجهاً غريباً ضعيفاً أنه يجوز وإن كانت البطانة رقيقة. وفي ص ٤٨٤ حكى ابن المنذر إباحة المسح على الجورب عن تسعة من الصحابة ﵃ إلى أن قال: وحكى أصحابنا عن عمر وعلي ﵄ جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقاً. وحكوْه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود اهـ. وفي ص ٤٨٦ إذا لبس خفَّ زجاج يمكن متابعة المشي عليه جاز المسح عليه، وإن كان ترى تحته البشرة. وفي ص ٢٤ جـ ١ من جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، أن الجورب ملبوس رجل على هيئة الخف منسوج من قطن أو كتَّان أو صوف يسمى في عُرف أهل مصر شراباً. البحث الثاني: إذا لبس خفّاً على خف فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون بعد الحدث فالحكم للأسفل ولا يمسح الأعلى. الثانية: أن يكون قبل الحدث فهو بالخيار، فإن مسح الاسفل تعلق الحكم به ولا يضره نزع الأعلى، وإن مسح الأعلى تعلق الحكم به فإن نزعه لزم نزع الأسفل، ومتى مسح أحدهما لم ينتقل إلى الثاني. ولا يصحّ المسح عليهما إنا كانا مُخرَّقين، ولا على الاسفل إن كان هو المخرَّق. وفي الفروع ١/١٦٠: ولا يمسح خفين لُبسا على ممسوحين.. ويتوجه الجواز (و) لمالك وفي ١٧٢: وإن نزع خفّاً فوْقانيّاً مسحه فإنه يلزم نزع التحتاني.. فيتوضأ أو يغسل قدميه على الخلاف، وعنه لايلزمه (وهـ م) فيتوضأ أو يمسح التحتاني مفرداً على الخلاف اهـ. قلت: وعلى القول بأن النزع لا ينقض الطهارة لاشيء عليه.

стр. 4152

وفي المجموع للنووي ١/٤٩٠، إذا جوَّزنا المسح على الجرموق (ملبوس رِجل يُلبس فوق الخف لا سيما في البلاد الباردة) فقد ذكر أبو العباس بن سريج فيه ثلاثه معانٍ أصحّها: أن بدل عن الخف، والخف بدل عن الرجل. الثاني: أن الأسفل كُلفافة والأعلى هو الخف. والثالث: أنهما كخف واحد، فالأعلى طهارة والأسفل بطانة. وفرَّع الأصحاب على هذه المعاني مسائل كثيرة، وذَكر منها لو نزعه بعد مسحه وبقي الأسفل بحالة، فإن قلنا بالأول لم يجب نزع الأسفل فيمسحه، لكن هل يكفيه مسحه أوْ لابد من إعادة الوضوء؟ فيه القولان في نازع الخفين، وإن قلنا بالثالث فلا شيء عليه، وإن قلنا بالثاني، وجب نزع الأسفل وغسل القدمين، وفي وجوب استئناف الوضوء القولان، فحصل من الخلاف في المسالة خمسة أقوال: أحدها: لا يجب شيء وأصحها مسح الأسفل فقط. الثالث: يجب مسحه مع استئناف الوضوء. الرابع: يجب نزع الخفين وغسل الرجلين. الخامس: يجب النزع واستئناف الوضوء. وفي ص ٤٩٠ أيضاً: إذا لبس الخف على طهارة ثم أحدث ومسح عليه ثم لبس الجرموق على طهارة المسح، ففي جواز المسح عليه وجهان مشهوران. ثم قال عن الجواز إنه الأظهر المختار لأنه لبس على طهارة وقولهم: إنها طهارة ناقصة غير مقبول. قال الرافعي: قال الشيخ أبو علي: إذا جوَّزنا المسح عنا فابتداء المدة من حين أحدث بعد لبس الخف لا من لبس الجرموق. اهـ وقوله من حيث أحدث بناء على أن ابتداء المدة من الحدث، وسيأتي الخلاف في ذلك. البحث الثالث: في توقيت مدة المسح: وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. فجمهور أهل العلم من

стр. 4153

الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن المسح مؤقت بيوم وليلة للمقيم. وثلاثة أيام بلياليها للمسافر. وقال بعض العلماء لا توقيت فيه. وفي المجموع ١/ ٤٦٧: حكاه أصحابنا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والشعبي وربيعة والليث وأكثر أصحاب مالك، وهو المشهور عنه، وعنه أنه مؤقت وعنه مؤقت للحاضر دون المسافر. قال ابن المنذر: وقال سعيد بن جبير: يمسح غدوة إلى الليل اهـ. وقال شيخ الإسلام في الاختيارات ص ١٥: ولا تتوقت مدة المسح في المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس، كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين. وإذا قلنا بالتوقيت فمن أين يبتدئ؟ الجمهور من أهل العلم على أن َّ ابتداء المدة: من أول حدث بعد اللبس. وفي المجموع ١/ ٤٧٠: وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث. وهو رواية عن أحمد وداود - وهو المختار الراجح دليلاً - واختاره ابن المنذر وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁ وحكى الماوردي والشاشي عن الحسن البصري ان أبتداءها من اللبس. أهـ. البحث الرابع: إذا تغيرت حال اللابس من إقامة إلى سفر أو بالعكس فبأيهما يعتبر؟ وهذا له ثلاث حالات: الحال الأولى:أن يكون التغير قبل الحدث، مثل أن يلبس الخفين مقيماً ثم يسافر قبل أن يُحدث. أو يلبسهما مسافراً ثم يقدم بلده قبل أن يُحدث، ففي المسألة الأولى يمسح مسح مسافر، قال في المجموع

стр. 4154

٢/ ٤٧٢. في المسألة الثانية يمسح مسح مقيم ولا إشكال في ذلك. الحال الثانية: أن يكون التغير بعد الحدث وقبل المسح، مثل أن يلبس الخفين مقيماً ثم يُحدث ثم يسافر قبل أن يمسح. أو يلبسهما مسافراً ثم يُحدث ثم يقدم بلده قبل أن يمسح. ففي المسالة الأولى يمسح مسح مسافر. قال في الإنصاف ١/١٧٩ هذا المذهب - وعليه الأصحاب - ورمز لذلك في الفروع ١/١٦٨ بالواو إشارة لموافقة الأئمة الثلاثة. قال وعنه مسح مقيم إلخ اهـ. وفي المغني ١/٢٩٠ لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من لم يمسح حتى سافر أنه يتم مسح المسافر اهـ. وفي المسالة الثانية يمسح مسح مقيم، ولم أرّ في ذلك خلافاً. الحالة الثالثة: أن يكون التغير بعد الحدث والمسح، مثل أن يلبس الخفين ويمسح عليهما مقيماً ثم يسافر، أو يلبس الخفين ويمسح عليهما مسافراً ثم يقدم بلده بعد ذلك. ففي هذه الحال خلاف بين أهل العلم: أما المسألة الأولى: فلا يخلوا إما أن تكون مدة مسح المقيم قد انتهت أوْلاً. فإن كانت قد انتهت فلا مسح، ولم أرَ في ذلك خلافاً إلا ما ذكره في المحلىَّ ٢/١٠٩ أنه يتم مسح مسافر. وإن كانت مدة مسح المقيم باقية، ففي ذلك خلاف: فمذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه وإسحاق وداود في رواية عنه يتم مسح مقيم. ومذهب أبي حنيفة والثوري يتم مسح مسافر وهو رواية عن أحمد وداود (انظر المجموع ١/٤٧٢) قال في المغني: ١/٢٩٢ قال الخلال: رجع أحمد عن قوله الأول إلى هذا. وفي الإنصاف ١/١٧٨ عن صاحب الفائق: هو النص المتأخر وهو المختار اهـ وأما المسالة الثانية: فلا يخلو إما أن تكون مدة مسح المسافر قد

стр. 4155

انتهت أوْ لا: فإن كانت قد انتهت، فلا مسح، وإن كانت باقية، أتم مسح مقيم إن بقي من مدته شيء، قال في المغني ١/٢٩٣: وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي، ولا أعلم فيه مخالفاً اهـ. ورمز لذلك في الفروع ١/١٦٨ بالواو إشارة لموافقة الآئمة الثلاثة: قال: وفي المبهج: مسح مسافر إن كان مسح مسافراً فوق يوم وليلة اهـ. وفي المحلي ٢/١٠٩ يبتديء مسح مقيم إن كان قد مسح في السفر يومين وليلتين فأقل، وإلا أتم مسح مسافر إن بقي من مدته شيء. البحث الخامس: إذا انتهت مدة المسح أو نزع الممسوح، فهل تبقي الطهارة أو تنتقض؟ في هذا خلاف بين العلماء، ذكره في المجموع ١/٥١١. القول الأول: تبقى طهارته ولا يلزمه شيء، فيُصلي بطهارته ما لم يُحدث، وقد حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتاده وسليمان بن حرب، واختاره. قال النووي: وهو المختار الأقوى. قلت: واختاره ابن حزم ٢/٩٤ ونقله في المسألة الأولى (انتهاء المدة) عن إبراهيم النخعي والحسن البصري وابن أبي ليلى وداود، وقال: هذا هو القول الذي لا يجوز غيره. قال ص ٩٥: ولو مسح قبل إنقضاء أحد الأمدين بدقيقة كان له أن يصلي به ما لم يحدث. وقال عن المسالة الثانية ٢/١٠٥ إنه قول طائفه من السلف. وهو أيضاً اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في المسألتين. القول الثاني: يلزمه غسل القدمين فقط، وبه قال عطاء وعلقمة والأسود وحكى عن النخغي وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وأبي ثور والمزني ورواية عن أحمد.

стр. 4156

القول الثالث: يلزمه الوضوء، وبه قال مكحول والنخغي والزهري وابن أبي ليلى والأوزاعي والحسن بن صالح وإسحاق، وهو أصح الروايتين عن أحمد. القول الرابع: يلزمه الوضوء إن طال الفصل بين النزع وغسل الرجلين، وإلا كفاه غسل الرجلين وبه قال مالك والليث. وإلى هنا تم ما أردنا كتابته. فنسأل الله تعالى أن ينفع بها إنه جواد كريم. تم ذلك في يوم الأربعاء الموافق ١٦ / ربيع الثاني عام ١٤٠٧هـ.

стр. 4157

رسالة قال فضيلة الشيخ جزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. فهذه مسائل في المسح على الخفين اقتصرت فيها على ما رأيته صواباً بمقتضى الأدلة الشرعية، أسأل الله تعالى أن تكون خالصة لله صواباً على شريعة الله: ١- اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جواز المسح على الخف المخرَّق. والصحيح جوازه ما دام اسم الخف باقياً، وهو قول ابن المنذر وحكاه عن الثوري وإسحاق ويزيد بن هارون وأبي ثور، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيميه ما دام اسم الخف باقياً والمشي به ممكناً. ٢- يجوز المسح على الخف الرقيق على القول الصحيح، قال النووي: حكى أصحابنا عن عمر وعلي ﵄ جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقاً وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود. وقال في الصحيح بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب والقفال وجماعات من المحققين، أنه إن أمكن متابعة المشي عليه جاز كيف كان وإلا فلا. ٣- مدة المسح يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وابتداء

стр. 4158

المدة من أول مرة مسح بعد الحدث على القول الصحيح، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال النووي: وهو المختار الراجح دليلاً. ٤- إذا لبس في الحضر ثم سافر قبل أن يُحدث فمسحه مسح مسافر. ٥- إذا لبس في السفر ثم أقام قبل أن يحدث فمسحه مسح مقيم. ٦-إذا لبس في الحضر فأحدث ثم سافر قبل أن يمسح فمسحه مسح مسافر. ٧- إذا لبس في السفر فأحدث ثم أقام قبل أن يمسح فمسحه مسح مقيم. ٨- إذا لبس في الحضر فأحدث ومسح ثم سافر قبل أن تنتهي مدة المسح أتم مسح مسافر على القول الصحيح، وهو مذهب أبي حنيفة. والرواية التي رجع إليها أحمد عن قوله يتم مسح مقيم قال في الفائق: وهو النص المتأخر - يعني عن أحمد - وهو المختار اهـ. وإن انتهت مدة المسح قبل أن يسافر وجب عليه عند الوضوء خلعهما وغسل الرجلين. ٩-إذا لبس في السفر فأحدث ومسح ثم أقام أتمَّ مسح مقيم إن بقي من المدة شيء، وإلا خلع. قال في المغني: لا أعلم فيه مخالفاً. ١٠- إذا لبس جورباً أو خفّاً ثم لبس عليه آخر قبل أن يحدث فله مسح أيهما شاء ١١- إذا لبس جورباً أو خفًّاً ثم أحدث ثم لبس عليه آخر قبل أن يتوضأ فالحكم للأول. ١٢- إذا لبس جورباً أو خفّاً ثم أحدث ومسحه ثم لبس عليه آخر فله

стр. 4159

مسح الثاني على القول الصحيح. قال في الفروع: ويتوجه الجواز وفاقاً لمالك. اهـ وقال النووي: إن هذا هو الأظهر لأنه لبس على طهارة، وقولهم إنها طهارة ناقصة غير مقبول. أهـ. وإذا قلنا بذلك كان ابتداء المدة من مسح الأول. ١٣- إذا لبس خفّاً على خف أو جورب ومسح الأعلى ثم خلعه، فهل يمسح بقية المدة على الأسفل؟ لم أرَ من صرح به، لكن ذكر النووي عن أبي العباس بن سريج فيهما إذا لبس الجرموق على الخف ثلاثة معان. منها: أنهما يكونان كخف واحد الأعلى ظهاره والأسفل بطانه. قلت: وبناء عليه يجوز أن يمسح على الأسفل حتى تنتهي المدة من مسحه على الأعلى، كما لو كشطت ظهارة الخف فإنه يمسح على بطانته. ١٤- إذا خلع الخف أو الجورب بعد مسحه لم تنتقض طهارته بذلك فيصلي ما شاء حتى يُحدث على القول الصحيح. حكاه ابن المنذر عن جماعة من التابعين واختاره وحكاه ابن حزم عن طائقة من السلف. قال النووي: وهو المختار الأقوى. واختاره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية. ١٥- إذا تَّمت مدة المسح لم تنتقض طهارته بذلك، فيصلي ما شاء حتى يُحدث على القول الصحيح، واختاره من اختار عدم النقص في المسألة التي قبلها. قال ابن حزم: وهو القول الذي لا يجوز غيره، وقال أيضاً: لو مسح قبل انقضاء احد الأمدين - يعني أمدي المسافر والمقيم - بدقيقة، فإن له أن يصلي به ما لم يُحدث اهـ. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعة إلى يوم الدين.

стр. 4160

حرر في السابع من ربيع الثاني عام أحد عشر وأربعمائة وألف والحمد لله رب العالمين.

стр. 4161

باب نواقض الوضوء ١٣٤) سُئل فضيلة الشيخ _ أعلى الله درجته في المهديين: - عن نواقض الوضوء ؟ فأجاب بقوله: نواقض الوضوء ممّا حصل فيه خلاف بين أهل العلم، لكن نذكر ما يكون ناقضاً بمقتضى الدليل: الأول: الخارج من السبيلين، أي الخارج من القُبُل أو من الدُّبُر، فكل ما خرج من القُبل أو الدبر فإنه ناقض الوضوء، سواءً كان بولاً أم غائطاً، أم مذياً، أم منياً، أم ريحاً، فكل شيء يخرج من القبل أو الدبر فإنه ناقض للوضوء ولا تسأل عنه، لكن إذا كان منيّاً وخرج بشهوة، فمن المعلوم أن يوجب الغسل، وإذا كان مذياً فإنه يوجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء أيضاً. الثاني: النوم إذا كان كثيراً بحيث لا يشعر النائم لو أحدث، فأما إذا كان النوم يسيراً يشعر النائم بنفسه لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء، ولا فرق في ذلك أن يكون نائماً مضطجعاً أو قاعداً معتمداً أو قاعداً غير معتمد، فالمهم حالة حضور القلب، فإذا كان بحيث لو أحْدث لأحسَّ بنفسه فإن وضوءه لا ينتقض، وإن كان في حال لو أحْدث لم يحسّ بنفسه، فإنه يجب عليه الوضوء، وذلك لأن النوم نفسه ليس بناقض وإنما مظنة الحدث، فإذا كان الحدثُ مُنتقياً لكون الإنسان يشعر به لو حصل منه، فإن لا ينتقض الوضوء. والدليل على أن ألنوم نفسه ليس بناقض أن يسيره لا ينقض الوضوء، ولو كان ناقضاً لنقض يسيرهُ وكثيرهُ كما ينقض البولُ يسيرهُ وكثيره.

стр. 4162

الثالث: أكل لحكم الجزور، فإذا أكل الإنسان من لحم الجزور، الناقة أو الجمل، فإنه ينتقض وضوؤه سواءً كان نيِّا أو مطبوخاً، لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ في حديث جابر بن سمرة، أنه سُئل النبي ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: " إنْ شئت ". فقال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: " نعم ". فكونه ﷺ يجعل الوضوء من لحم الغنم راجعاً إلى مشيئة الإنسان، وأنه لابدَّ منه، وعلى هذا فيجب الوضوء من لحم الإبل إذا أكله الإنسان نيئاً أو مطبوخاً، ولا فرق بين اللحم الأحمر واللحم غير الأحمر، فينقض الوضوء أكلُ الكرش والأمعاء والكبد والقلب والشحم وغير ذلك، وجميع أجزاء البعير ناقضٌ للوضوء، لأن الرسول ﷺ لم يُفصِّل وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا ومن هذا، ولو كان الحكم يختلف لكان النبي ﷺ يبيِّنه للناس حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ثم إننا لا نعلم في الشريعة الإسلامية حيواناً يختلف حُكمه بالنسبة لأجزائه، فالحيوان إمّا حلال أو حرام، وإما موجب للوضوء أو غير موجب، وأما أن يكون بعضه له حكم وبعضه له حكم فهذا لا يُعرف في الشريعة الإسلامية، وإن كان معروفاً في شريعة اليهود كما قال الله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرَّمنا كلَّ ذي ظفر من البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) (١) . ولهذا أجمع العلماء على أن شحم الخنزير مُحَّرم مع أن الله تعالى لم يذكر في القرآن إلا اللحم، فقال تعالى: (حُرِّمت عليكم الميتة واتلدم ولحم الخنزير وما أهلَّ لغير الله به) (٢) . ولا أعلم خلافاً بين أهل

стр. 4163

العلم في أن شحم الخنزير محرَّم. وعلى هذا فنقول: اللحم المذكور في الحديث بالنسبة للإبل يدخل فيه الشحم والأمعاء والكرش وغيرها. ١٣٥) وسُئل - حفظه الله تعالى: - عن الواجب على من به سلس بول في الضوء ؟ فأجاب بقوله: الواجب على من به سلس بول أن لا يتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها. فإذا غسل فرجَه تلجَّم بشيء حتى لا تتعدى النجاسة إلى ملابسه وبدنه، ثم يتوضأ ويصلي، وله أن يصلي الفروض والنوافل. وإذا أراد نافلة في غير وقت صلاة فإنه يفعل ما ذكرنا من التحفّظ والوضوء ويصلي. ١٣٦) وسُئل: عن رجل به غازات كيف يتصرف ؟ فأجاب قائلاً: إن كان لا يتمكن من حبس تلك الغازات، بمعنى أنها تخرج بغير اختياره، فإذا كانت مستمرة معه فإن حُكمها حكم من به سلس البول، يتوضأ للصلاة عند دخول وقتها ويصلي، وإذا خرج منه شيء أثناء الصلاة فإن صلاته لا تبطل بذلك، لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (١) . وقوله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (٢) . ١٣٧) وسُئل: هل خروج الهواء من فرج المرأة ينقض الوضوء ؟ فأجاب بقوله: هذا لا ينقض الوضوء لأنه لا يخرج من محل نجس كالريح التي تخرج من الدبر.

стр. 4164

١٣٨) وسُئل فضيلة الشيخ: هل ما يخرج من غير السبيلين ينقض الوضوء ؟ فأجاب بقوله: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قلَّ أو كَثُر إلا البول والغائط، وذلك أن الأصل عدم النقض، فمن ادَّعى خلاف الأصل فعليه الدليل، وقد ثبتت طهارة الإنسان بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، ونحن لا نخرج عما دلَّ عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لأننا متعبدون بشرع الله لا بأهوائنا، فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارة لم تجب لا أن نرفع عنهم طهارة واجبة. فإنْ قال قائل: قد ورد أن النبي ﷺ قاء فتوضأ. قلنا: هذا الحديث قد ضعَّفه أكثر أهل العلم، ثم نقول: إن هذا مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، لأنه خالٍ من الأمر، ثم أنه معارضٌ بحديث - وإن كان ضعيفاً: - أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ. وهذا يدل على أن وضوءه من القيء ليس للوجوب. وهذا هو القول الراجح، أن الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء وأن كَثُر، سواءًَ كان قيئاً أو لعاباً أو دماً أو ماء جروح أو أي شيء آخر، إلا أن يكون بولاً أو غائطا مثل أن يفتح لخروجهما مكان من البدن فإن الوضوء ينقتض بخروجهما منه. ١٣٩) وسُئل فضيلة الشيخ - حفظه الله: هل الدم نجس أم طاهر ؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة فيها تفصيل: أولاً: الدم الخارج من حيوان نجسٍ، نجسٌ قليله وكثيره ُ، ومثالُه: الدم

стр. 4165

الخارج من الخنزير أو الكلب فهذا نجس قليله وكثيره بدون تفصيل سواء خرج منه حياً أم ميتاً. ثانياً: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة، نجس بعد الموت فهذا إذا كان في حال الحياه فهو نجس، لكن يُعفى عن يسيره. مثال ذلك: الغنم والإبل فهي طاهرة في الحياة نجسة بعد الموت، والدليل على نجاستها بعد الموت، قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما ً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) (١) . ثالثاً: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة وبعد الموت وهذا طاهر، إلا أنه يستثنى منه عند عامة العلماء دم الآدمي، فإن دم الآدمي دمُ خارج من طاهر في الحياة وبعد الموت، ومع ذلك فإنه عند جمهور العلماء نجس لكنه يُعفى عن يسيره. رابعاً: الدم الخارج من السبيلين: القُبُل أو الدبر، فهذا نجس ولا يُفي عن يسيره، لأن النبي ﷺ ، لمّا سألته النساء عن دم الحيض يصيب الثوب أمر بغسله بدون تفصيل. وليعلم أنَّ الدم الخارج من الإنسان من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، لاقليله ُ ولا كثيرهُ كدم الرُّعاف، ودم الجرح، بل نقول: كل خارج من غير السبيلين من بدن الإنسان، فإنه لا ينقض الوضوء مثل الدم وماء الجروح وغيرها.

стр. 4166

١٤٠) وسئل الشيخ: عن الدم الخارج من الإنسان هل هو نجس؟ وهل هو ناقض للوضوء ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الدم الخارج من الإنسان إن كان من السبيلين القبل أوالدبر، فهو نجس وناقض للوضوء قلَّ أم كَثُر، لأن النبي ﷺ ، أمر النساء بغسل دم الحيض مطلقاً، وهذا دليل على نجاسته، وأنه لا يُعفي عن يسيره، وهو كذلك فهو نجس لا يُعفي عن يسيره وناقض للوضوء قليله وكثيره. واما الدم الخارج من بقية البدن: من الأنف أو من السِّن أو من جرح أو مأ أشبه ذلك، فإنه لا ينقض الوضوء قل أو كثر، هذا هو القول الراجح أنه لا ينقض الوضوء شيء خارج من غير السبيلين من البدن سواء من الأنف أو من السن أو من غيره وسواء كان قليلاً أو كثيراً، لأنه لا دليل على انتقاض الوضوء به، والأصل بقاء الطهارة حتى يقوم دليل على انتقاضها. وأما نجاسته فالمشهور عند أهل العلم أنه نجس وأنه يجب غسله إلا أنه يُعفي عن يسيره لمشقة التحرُّز منه والله أعلم. ١٤١) وسُئل فضيلة الشيخ: هل ينتقض الوضوء بالإغماء ؟ فأجاب بقوله: نعم ينتقض الوضوء بالإغماء، لأن الإغماء أشدُّ من النوم، والنوم يَنقض الوضوء إذا كان مستغرقاً، بحيث لا يدري النائم لو خرج منه شيء، أمّا النوم اليسير الذي لو أحدث النائم لأحسُّ بنفسه، فإن هذا النوم لا ينقض الوضوء، سواء من مُضطجع أو قاعد متكئ أو قاعد غير متكئ، أو أي حال من الأحوال، ما دام لو أحدث أحسَّ

стр. 4167

بنفسه، فإنه نومه لا ينقض الوضوء، فالإغماء أشد من النوم فإذا أُغمي على الإنسان، فإنه يجب عليه الوضوء. ١٤٢) وسُئل: هل استعمال المرأة كريم الشعر وأحمر الشفاه ينقض الوضوء ؟ فأجاب بقوله: تدهن المرأة بالكريم أو بغيره من الدهون لا يبطل الوضوء بل ولا يبطل الصيام أيضا، وكذلك دهنه بالشفه لا يبطل الوضوء ولا يبطل الصيام، ولكن في الصيام إذا كان لهذه التحريمات طعم فإنها لا تستعمل على الوجه ينزل طعمها إلى جوفها. ١٤٣) وسُئل ـ حفظه الله ـ: هل مس المرأة ينقض الوضوء ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا، إلا إذا خرج منه شيء، ودليل هذا ما صح عن النبي، ﷺ ، أنه قبل بعض نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. ولأن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صريح صحيح على النقض، ولأن الرجل أتم طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي. فإن قيل: قد قال الله في كتابه: (أو لامستم النساء) . فالجواب: أن المراد بالملاسة في الآية الجماع، كما صح ذلك عن ابن عباس ﵄ ثم إن هناك دليلا من تقسيم الآية الكريمة إلى أصلية، وبدلية، وتقسيم للطهارة إلى كبرى، وصغرى. وتقسيم لأسباب الطهارة الكبرى، والصغرى. قال الله تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم

стр. 4168

وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (١) . فهذه طهارة بالماء أصلية صغرى. ثم قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) . فقوله: (فتيمموا) هذا البدل. وقوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) . هذا بيان سبب الصغرى. وقوله: (أو لامستم النساء) . هذا بيان سبب الكبرى. ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) . وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: (أو لامستم النساء) أي جامعتم النساء، لتكون الآية مشتملة على السببين الموجبين للطهارة، السبب الأكبر والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط لأنه يتساوى فيها الصغرى والكبرى. وعلى هذا فالقول الراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا، سواء بشهوة أو بغير شهوة إلا أن يخرج منه شيء، فإن خرج منه شيء وجب عليه الغسل إن كان الخارج منيا، ووجب عليه غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء إن كان مذيا.

стр. 4169

١٤٤) وسُئل فضيلة الشيخ: عما إذا مس الإنسان ذكره أثناء الغسل هل ينتقض وضوئه ؟ فأجاب قائلا: المشهور من المذهب أن مس الذكر ناقض للوضوء، وعلى هذا فإذا مس ذكره أثناء غسله لزمه الوضوء بعد ذلك، سواء تعمد مس ذكره أم لا. والقول الثاني: أن مس الذكر ليس بناقض للوضوء، وإنما يستحب الوضوء منه استحبابا وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أقرب إلى الصواب، لاسيما إذا كان عن غير عمد لكن الوضوء أحوط. ١٤٥) وسُئل: هل لمس ذكر المريض وخصيتيه ناقض للوضوء ؟ فأجاب بقوله: لمس ذكر المريض وخصيتيه لا ينقض الوضوء سواء من وراء حائل أو مباشرة على القول الراجح. ١٤٦) وسُئل: عن المرأة إذا وضأت طفلها وهي طاهرة هل يجب عليها أن تتوضأ ؟ فأجاب فضيلته قائلا: إذا وضأت المرأة طفلها أو طفلتها ومست الفرج فإنه لا يجب عليها الوضوء وإنما تغسل يديها فقط، لأن مس الفرج لغير شهوة لا يجب الوضوء، ومعلوم أن المرأة التي تغسل أولادها لا يخطر ببالها الشهوة فهي إذا وضأت الطفل أو الطفلة فإنما تغسل يديها فقط من النجاسة التي أصابتها ولا يجب عليها أن تتوضأ. ١٤٧) وسُئل فضيلة الشيخ: هل تغسيل الميت ينقض الوضوء ؟ فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: تغسل الميت لا ينقض

стр. 4170

الوضوء، وذلك أن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي، ولا دليل على أن تغسيل الميت ينقض الوضوء. ولهذا يجب علينا أن نتحرى في مسألة نقض الوضوء، فلا نتجرأ على القول بأن هذا ناقض إلا إذا وجدنا دليلا بينا يكون لنا حجة عند الله . ١٤٨) وسُئل: عن شخص أكل لحم إبل عند شخص آخر، وذهب للصلاة، ولم يتوضأ، فهل يلزمه إعلامه أم لا ؟ فأجاب فضيلته قائلا: نعم يلزم إعلامه، لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وقد قال النبي ﷺ لأصحابه حين ذكروه بما نسي من صلاته قال لهم: (إذا نسيت فذكروني) . وهذا يدل على أن الإنسان إذا رأى شخصا تاركا لواجب أو واقعا في محرم عليه أن ينبهه فلا يقل: هذا الرجل معذور سأدعه وعذره، بل نقول هو معذور لكن أنت بعلمك لست بمعذور، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. ويتفرع عن هذه القاعدة وهي وجوب إعلام الغافل بما نسي من واجب أو فعل من محرم يتفرع منها ما لو رأيت صائما في رمضان يشرب ناسيا فالواجب تذكيره. ومن ثم فإنه يلزمك إعلامه وعلى الرجل أن يعيد صلاته. ١٤٩) وسُئل فضيلة الشيخ: هل موجبات الغسل ناقضة للوضوء ؟ فأجاب ـ أجزل الله له المثوبة ـ بقوله: المشهور عند فقهائنا ﵏ أن كل ما أوجب غسلا أوجب وضوء إلا الموت؛ وبناء على
следующие страницы →