يصبر؟ فإن صبر كانت المصيبة منحة لا محنة يرتقي بها الإنسان إلى المراتب العليا.
* * *
٩) وسئل فضيلته: هل يجوز للإنسان تأخير الصلاة لتحصيل شرط من شروطها كما لو اشتغل باستخراج الماء ؟
فأجاب بقوله: الصواب أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها مطلقاً، وإذا خاف الإنسان خروج الوقت صلى على حسب حاله، وإن كان يمكن أن يحصل الشرط
قريباً لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (١) . وكذلك النبي ﷺ وقت أوقات الصلاة، وهذا يقتضي وجوبها في وقتها، ولأنه لو جاز انتظار الشروط ما صح أن يشرع التيمم، لأن بإمكانه أن يحصل الماء بعد الوقت، ولا فرق بين أن يؤخرها إلى وقت طويل أو إلى وقت قصير، لأن كليهما إخراج للصلاة عن وقتها وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
* * *
١٠) وسئل فضيلته: إذا كان الإنسان لا يتمكن من الصلاة لا بقلبه ولا بجوارحه لشدة الخوف فهل يجوز له تأخير الصلاة ؟
فأجاب قائلاً: إذا كان الإنسان لا يتمكن من الصلاة بوجه من الوجوه لا بقلبه ولا بجوارحه لشدة الخوف فالصحيح أنه يجوز له تأخير الصلاة في هذه الحال، لأنه لو صلى فإنه لا يدري ما يقول وما يفعل، ولأنه يدافع الموت، وقد ورد ذلك عن بعض الصحابة ﵃
стр. 4307
كما في حديث أنس ﵁ في فتح تستر فإنهم أخروا الصلاة عن وقتها إلى الضحى حتى فتح الله عليهم (١) ، وعليه يحمل تأخير النبي ﷺ الصلاة عن وقتها يوم الخندق حينما شغل عن صلاة العصر إلى أن غربت الشمس كما في حديث جابر (٢) ، وغزوة الخندق كانت في السنة الخامسة، وغزوة ذات الرقاع كانت في السنة الرابعة على المشهور، وقد صلى فيها صلاة الخوف فتبين أنه أخرها في الخندق لشدة الخوف.
* * *
١١) وسئل أعلى الله درجته: عمن يسهر ولا يستطيع أن يصلي الفجر إلا بعد خروج الوقت فهل تقبل منه؟ وحكم بقية الصلوات التي يصليها في الوقت ؟
فأجاب قائلاً: أما صلاة الفجر التي يؤخرها عن وقتها وهو قادر على أن يصليها في الوقت لأن بإمكانه أن ينام مبكراً فإن صلاته هذه لا تقبل منه لقول النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣) والذي يؤخر الصلاة عن وقتها عمداً بلا عذر قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً عليه.
لكن قد يقول إنني أنام، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو
стр. 4308
نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) (١) .
فنقول: إذا كان بإمكانه أن ينام مبكراً ليستيقظ مبكراً، أو يجعل عنده ساعة تنبهه، أو يوصي من ينبهه فإن تأخيره الصلاة وعدم قيامه يعتبر تعمداً لتأخير الصلاة عن وقتها فلا تقبل منه.
أما بقية الصلوات التي كان يصليها في وقتها فإنها مقبولة.
وإنني بهذه المناسبة أوجه كلمة وهي: أنه يجب على المسلم أن يقوم بعبادة الله على الوجه الذي يرضي الله ، لأنه في هذه الحياة الدنيا إنما خلق لعبادة الله ولا يدري متى يفجؤه الموت فينتقل إلى عالم الآخرة إلى دار الجزاء التي ليس فيها عمل كما قال الرسول ﷺ : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةً جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٢) .
* * *
١٢) وسئل فضيلته عن حكم من يضع توقيت الساعة لموعد الدوام الرسمي ويصلي الفجر في هذا الوقت سواء السابعة أو السادسة والنصف؟ هل هو آثم في ذلك؟ وما حكم صلاته ؟
فأجاب بقوله: هو آثم في ذلك بلا شك وهو ممن آثر الدنيا على الآخرة وقد أنكر الله ذلك في قوله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (٣) . وصلاته هذه ليست مقبولة منه، ولا تبرأ بها ذمته وسوف يحاسب عنها يوم القيامة، وعليه أن يتوب إلى الله، وأن
стр. 4309
يصليها مع المسلمين ثم ينام بعد ذلك إلى وقت الدوام إن شاء.
* * *
١٣) وسئل فضيلته عمن ينام عن صلاة الفجر ولا يصليها إلا بعد طلوع الشمس قبيل ذهابه إلى الدوام وإذا قيل له: هذا أمر لا يجوز قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ " وهذا ديدنه ؟
فأجاب بقوله: هذا الشخص اسأله وقل: ما رأيك لو كان الدوام يبدأ بعد طلوع الفجر بنصف ساعة هل تقوم أو تقول: رفع القلم عن ثلاثة. فسيجيبك بأنه سيقوم.
فقل له إذا كنت تقوم لعملك في الدنيا فلماذا لا تقوم لعملك في الآخرة؟!
ثم إن النائم الذي رفع عنه القلم هو الذي ليس عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به، أما شخص عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به أما شخص عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به كالساعة وغيرها ولم يفعل فإنه ليس بمعذور.
وعلى هذا أن يتوب إلى الله ويجتهد في القيام لصلاة الفجر ليصليها مع المسلمين.
* * *
١٤) وسئل فضيلة الشيخ: عن الذين يذهبون إلى رحلات برية ويقيمون المخيمات لعدة أيام وغالباً ما تكون في أيام الشتاء والملاحظ أن هؤلاء يقضون الليل بالسهر حتى قبيل الفجر بنحو ساعة ثم يخلدون إلى النوم ولا يستيقظون إلا بعد الظهر حوالي الساعة الواحدة والنصف ثم يصلون الفجر مع الظهر جمعاً فما الحكم؟ علماً أن بعضهم يحتج بشدة البرد والبعض الآخر يحتج
стр. 4310
بالتعب بسبب السهر، أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: مما لا شك فيه أن الصلاة ثانية أركان الإسلام التي بني عليها كما صح ذلك في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام " (١) . وأن الصلاة مفروضة بأوقات معينة لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (٢) فلا تصح الصلاة قبل الوقت ولا بعده إلا بعذر.
أما قبل الوقت فلا تصح مطلقاً حتى لو صلى إنسان ظاناً أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنه لم يدخل فإن عليه أن يعيد صلاته بعد دخول الوقت، وتكون الصلاة الأولى نفلاً. أما إذا صلاها بعد الوقت. فإن كان بعذر شرعي كالنسيان والنوم فإن النبي ﷺ قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (٣) . ولما نام ﷺ وصحبه في السفر ولم يوقظهم إلا حر الشمس قضوا صلاة الفجر (٤) .
وإن أخرها عن وقتها بلا عذر شرعي فإنها لا تقبل منه، لأنه إذا أخرجها عن وقتها بلا عذر شرعي عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله
стр. 4311
فيكون مردوداً، لما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) . أي مردود على العامل.
إذا علم هذا فإن الواجب على الاخوة الذين يخرجون إلى الرحلات أن يشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث جعلهم في رخاء ويسر من العيش، وفي أمن وأمان من الخوف، ويقوموا بما أوجب الله عليهم من الصلاة في أوقاتها، سواء صلاة الفجر أم غيرها، ولا يحل لهم أن يؤخروا صلاة الفجر عن وقتها بحجة أنهم نائمون، لأن هذا النوم لا يعذرون فيه غالباً لكونهم يستطيعون أن يكون لهم منبهات تنبههم للصلاة في وقتها، ويستطيعون أن يناموا مبكرين حتى يقوموا نشيطين، وأما البرد فليس عذراً في تأخير الصلاة عن وقتها وذلك لأنه يوجد ولله الحمد ما يسخن به الماء في هذه الرحلات فعليهم أن يسخنوا الماء ليتوضئوا به، وإذا قدر أنه كان على الإنسان جنابة ولم يتمكن من تسخين الماء بمعني ليس عنده شيء يسخن به الماء وخاف على نفسه من البرد ففي هذه الحالة يتيمم، فإذا أرتفع النهار وجاء الدفء اغتسل، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة عن وقتها لمثل هذه الأعذار الواهية.
فنصيحتي للأخوة الذين يخرجون للرحلات أن يتقوا الله ، وأن يخافوا يوم الحساب، وأن يعلموا أنهم سيلاقون ربهم فيحاسبهم على ما عملوا كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (٢) . ونسأل الله لنا ولهم
стр. 4312
الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.
* * *
١٥) وسئل فضيلة الشيخ: عمن يؤخر صلاة الفجر حتى يخرج وقتها ؟
فأجاب بقوله: هؤلاء الذين يؤخرون صلاة الفجر حتى يخرج وقت الفجر إن كانوا يعتقدون حل ذلك فإن هذا كفر بالله ، لأن من اعتقد حل تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر فإنه كافر لمخالفته الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
أما إذا كان لا يرى حل ذلك، ويرى أنه عاص بالتأخير لكن غلبته نفسه وغلبه النوم فعليه أن يتوب إلي الله ، وأن يقلع عما كان يفعله وباب التوبة مفتوح حتى لأكفر الكافرين، فإن الله يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (١) ، وعلى من علم بهم أن ينصحهم ويوجههم إلي الخير، فإن تابوا وإلا فعليه أن يبلغ الجهات المسؤولة بتأديب هذا وأمثاله. والله الموفق.
* * *
١٦) وسئل عن حكم من صلى الفجر بعد طلوع الشمس لعدم التمكن من القيام مبكراً ؟
فأجاب بقوله: يظهر من سؤال السائل أنه ما صلى الفجر إلا مع طلوع الشمس أو بعد طلوعها، ولا ريب أن هذا عمل محرم، وأنه لا
стр. 4313
يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها بدون عذر، والنوم عذر إذا لم يكن فيه تفريط، فإذا كان فيه تفريط بأن تأخر في النوم ولم يجعل عنده شيئاً يوقظه كالمنبه، أو شخصاً يوقظه عند الأذان، فإنه مفرط، ويكون آثماً بهذا الفعل.
أما إذا كان غير مفرط كأن يكون عادته أن يقوم لكنه عجز حتى طلعت الشمس فإنه يصلي الفجر كما يصليها، فيتطهر ثم يصلي سنة الفجر، ثم يصلي الفريضة، كما ثبت ذلك من حديث أبي قتادة ﵁ في قصة نومهم مع النبي ﷺ حيث تقدم عن المكان الذي هم فيه وأمر بلالاً فإذن وصلوا ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة بعد ذلك وصلي الفجر١، والمهم في ذلك أن الإنسان يتخذ الحيطة لصلاة الفجر من منبه أو شخص موثوق به حتى يؤدي الصلاة على الوجه الذي أمر به.
* * *
١٧) وسئل فضيلة الشيخ- حفظه الله تعالى - عن فتاة أخرت صلاة المغرب بسبب النوم ولم تصلها إلا في الصباح ؟
فأجاب قائلاً: الحكم أن لا يجوز لأحد أن يتهاون في الصلاة حتى يخرج وقتها، وإذا كان الإنسان نائماً فإن بإمكانه أن يوكل من يوقظه حتى يصلي، ولابد من ذلك، ولا يمكن أن تؤخر صلاة المغرب ولا العشاء إلي الفجر، بل الواجب أن تصلي الصلاة في وقتها، فعلى هذه الفتاة أن تحرض أهلها على أن يوقظوها، ولو فرض أن طرأت
стр. 4314
حاجة أو عارض من العوارض وكان فيها نوم عظيم وصلت المغرب وخافت إن لم تصلى العشاء فسيغلبها النوم حتى لا تقوم إلا مع الفجر، فإنه لا حرج عليها في هذه الحال أن تجمع العشاء مع المغرب لئلا تفوت صلاة العشاء عن وقتها، وهذا لا يكون إلا عند العوارض كما لو كانت سهرت ليالي متعددة، أو كانت عاقبة مرض أو نحوه.
* * *
١٨) وسئل فضيلة الشيخ: عن امرأة تؤخر صلاة المغرب عن أول وقتها من أجل استماع برنامج نور علي الدرب فهل عليها إثم بهذا التأخير علماً بأنها تصلي الصلاة قبل خروج وقتها ؟
فأجاب بقوله: ليس عليها أثم في هذا التأخير ما دامت تصلي الصلاة قبل خروج وقتها، ومن المعلوم أن وقت المغرب يمتد إلي دخول وقت العشاء، أي إلي ما بعد ساعة وربع أو نحوها من غروب الشمس، قد يصل أحياناً إلي ساعة وثلاثين دقيقة، وقد يقصر حتى يكون ساعة وربعاً، والمهم أن تأخير صلاة المغرب عن أول وقتها من أجل الاستماع إلي هذا البرنامج لا بأس به، لأن الاستماع إلي هذا البرنامج وغيره من البرامج الدينية استماع إلي حلقة علم، ولا يخفى على أحد فضل طلب العلم والتماسه، حتى قال النبي ﵊: " من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلي الجنة " (١) .
وطلب العلم من أفضل القربات والعبادات حتى قال الإمام أحمد: " العلم لا يعدله شئ لمن صحت نيته ". قالوا: كيف تصلح النية
стр. 4315
يا أبا عبد الله؟ قال: " ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره ".
وإذا علم الله من نية هذه المرأة المستمعة أنه لولا طلبها الاستماع إلي هذا البرنامج لصلت في أول الوقت، لأنها إنما أخرت الصلاة عن أول الوقت لمصلحة شرعية قد تكون أفضل من تقديم الصلاة في أول وقتها.
* * *
١٩) سئل فضيلة الشيخ: قلتم حفظكم الله في الفتوى السابقة إن تأخير الصلاة عن أول وقتها من أجل استماع برنامج (نور علي الدرب) جائز فنأمل من فضيلتكم بيان الدليل ؟
فأجاب بقوله: مسألة تأخير الصلاة عن أول وقتها من أجل استماع (نور علي الدرب) فلا أظنه يخفى أن الصلاة جائزة في أول الوقت وآخره بدلالة الكتاب والسنة.
أما الكتاب ففي قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (١) . وقد بين النبي ﷺ مواقيتها من كذا إلي كذا فمن أداها فيما بين أول الوقت وآخره فقد صلاها في الزمن الموقوت لها.
وأما السنة ففي صحيح مسلم ١/٤٢٧ من حديث ابن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن وقت الصلاة فقال: " وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلي نصف
стр. 4316
الليل " (١) وفيه أيضاً ١/٤٢٩ حديث بريدة أن النبي صلي الله عليه وسلم أتاه سائل يسأله عن المواقيت فذكر الحديث وفيه أن النبي صلي الله عليه وسلم صلى في اليوم الأول الصلوات في أول الوقت وصلاها في اليوم الثاني في آخره وقال " الوقت بين هذين " (٢) .وفي شرح المهذب للنووي ٣/٥٨ يجوز تأخير الصلاة إلي آخر وقتها بلا خلاف.فقد دل الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم على جواز تأخير الصلاة إلي آخر وقتها، ولا أعلم أحداً قال بتحريم ذلك إلا إذا خشي مانعاً يمنعه من فعل الصلاة على الوجه الواجب في آخر الوقت فلا يجوز له التأخير حينئذ، فإذا كان تأخير الصلاة إلي آخر الوقت جائزاً بمقتضى الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم بدون سبب، فأي مانع من استماع الإنسان إلي برنامج علم يستفيد منه ويصلي بعده ما دام الوقت باقياً؟! نعم إذا كان يفوت واجباً كالصلاة مع الجماعة فإنه لا يجوز إسقاط هذا الواجب لاستماع هذا البرنامج لأن الواجب لا يسقط بما دونه.
* * *
٢٠) سئل فضيلة الشيخ: ما الواجب تجاه من يصلى الصلوات بعد فوات أوقاتها كمن يصلى الفجر بعد طلوع الشمس؟ وما حكم عمله هذا ؟
فأجاب بقوله: أما الواجب تجاه هذا الرجل النصيحة، أن تنصحوه، وتخوفوه بالله، وتبينوا له ما في المحافظة علي الصلاة من
стр. 4317
الأجر والثواب، فأن اهتدى فلنفسه، وأن لم يهتد فلا يضر إلا نفسه.
أما بالنسبة لفعله، فهو إذا كان يستيقظ ولكنه يتكاسل ويضع رأسه على الوسادة فإن صلاته بعد طلوع الشمس لا تقبل منه ولا تنفعه عند الله، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) .
ومن المعلوم أن من لم يصلى صلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس عامداً ذاكراً قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عمله هذا مردوداً، ولا تقبل منه صلاته، فإذا كان يوقظ ولكنه يتكاسل ويبقى نائماً، فإن صلاته بعد طلوع الشمس لا تقبل منه، وسوف يحاسب عنها يوم القيامة.
* * *
٢١) وسئل فضيلة الشيخ: عمن يؤخر صلاة الفجر حتى تطلع الشمس هل يعتبر كافراً ؟
فأجاب قائلاً: هذا لا يكفر لأنه لم يترك الصلاة لكن تهاون بها ولا يحل له أن يفعل ذلك، فإن فعل وهو يستطيع أن يقوم فيصلي في الوقت فإنه لا تقبل منه صلاته، لأن القاعدة " أن كل عبادة مؤقتة إذا تركها الإنسان حتى خرج وقتها بدون عذر فإنها لا تقبل منه "، مثال ذلك ترك الصلاة حتى يخرج وقتها ثم يقوم الإنسان كي يصلي لا تقبل منه، كذلك ترك صيام يوم من رمضان عمداً بدون عذر، ثم أراد أن يقضيه بعد ذلك نقول: لا يقبل منه، والدليل قوله ﷺ : ((
стр. 4318
من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (١)
...
* * *
٢٢) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تأخير الصلاة من أجل العمل ؟
فأجاب بقوله: إذا كان التأخير من أول الوقت إلى آخره فقط ولكن الصلاة وقعت في وقتها فلا شيء عليه، لأن تقديم الصلاة في أول وقتها على سبيل الأفضلية لا على سبيل الوجوب، هذا إذا لم يكن هناك جماعة في المسجد، وإلا وجب عليه حضور الجماعة، إلا أن يكون له عذراً في تركها. وأما إذا كان هذا التأخير إلى ما بعد خروج الوقت فإن ذلك ليس بجائز، اللهم إلا إذا نسي الإنسان واستغرق في الشغل حتى ذهل عن الصلاة فإن النبي ﷺ يقول: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (٢) فهذا إذا ذكر يصليها ولا حرج عليه، وأما أن يذكر الصلاة ولكن نظراً لهذا الشغل الذي هو مرتبط به أخرها من أجله فهذا حرام ولا يجوز، ولو صلاها بعد الوقت في هذه الحال لم تقبل منه لقول النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي فإنه لا صلاة له، لأنه أخرجها عن الوقت الذي أمر أن يؤديها فيه بلا عذر فيكون قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، والله الموفق.
* * *
стр. 4319
٢٣) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول العوام: إن تأخير المرأة الصلاة حتى تنتهي الجماعة في المسجد أفضل فهل لهذا أصل في الشرع ؟
فأجاب بقوله: هذا لا أصل له في الشرع، بل المرأة كغيرها الأفضل لها أن تقدم الصلاة في أول وقتها، إلا صلاة العشاء فالأفضل أن تؤخرها إلى ما بعد ثلث الليل، فإذا كانت المرأة في بيتها فإننا نقول لها: ما دام ليس عليك مشقة فأخري صلاة العشاء إلى ما بعد ثلث الليل، لكن لا تؤخريها إلى ما بعد نصف الليل، والمعتبر نصف الليل من الغروب إلى طلوع الفجر، فنصف ما بين الغروب إلى طلوع الفجر هذا هو وقت العشاء، فالمرأة الأفضل لها أن تقدم الصلاة في أول وقتها كالرجل، إلا صلاة العشاء فإن الأفضل لها وللرجال أيضاً إذا لم يشق عليهم الأفضل أن يؤخروا صلاة العشاء لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه تأخر ذات ليلة في صلاة العشاء فخرج إلى أصحابه فصلى ثم قال: " إن هذا لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (١) .
* * *
٢٤) سئل فضيلة الشيخ أعلى الله درجته: عن حكم تأخير الصلاة عن وقتها بسبب عمل ما مثل الطبيب المناوب ؟
فأجاب بقوله: تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العمل حرام ولا يجوز لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (٢) . والنبي ﷺ وقت الصلاة بأوقات محددة، فمن أخرها
стр. 4320
عن هذه الأوقات أو قدمها عليها فقد تعدى حدود الله، ومن يتعدى حدود الله فأولئك هم الظالمون. ولهذا قال الله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (١) أي إذا كنتم لا تتمكنون من أداء الصلاة على ما هى عليه وخفتم من العدو فرجالاً أو ركباناً، أي حتى لو كنتم ماشين أو راكبين فصلوا ولا تؤخروها، فلا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها لأي عمل كان، ولكن إذا كانت الصلاة مما يجمع إلى ما قبلها أو إلى ما بعدها وشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها فإن له أن يجمع. كما لو كانت نوبة العمل في صلاة الظهر ويشق عليه أن يصلي صلاة الظهر فإنه يجمعها مع صلاة العصر، وهكذا في صلاة العشاء مع المغرب لأنه ثبت في " صحيح مسلم " من حديث بن عباس ﵄ أنه قال: " جمع رسول الله ﷺ بين صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر " فسألوا ابن عباس ما أراد بذلك؟ قال: " أراد ألا يحرج أمته " (٢) أي لا يلحقهم الحرج في ترك الجمع.
أما تأخير الصلاة عن وقتها كما لو أراد أن يؤخر الفجر حتى تطلع الشمس أو يؤخر العصر حتى تغرب الشمس أو غيره فإن هذا لا يجوز.
* * *
٢٥) وسئل فضيلة الشيخ: أعمل جزاراً وأغلب أوقات الصلاة تحضرني وأنا في مكان العمل، والملابس التي أرتديها لا تخلو من قطرات دم، أو زبالة غنم، مع العلم أن البيت بعيد عن مكان العمل وبعد انتهاء العمل أقضيها. فما حكم قضائي لتلك الأوقات ؟
стр. 4321
فأجاب بقوله: تأخيرك الصلاة عن وقتها عمل محرم ولا يجوز، فإذا أخللت بها أخللت بدينك، والواجب عليك أن تصلي كل صلاة في وقتها مع الجماعة، ويمكنك أن تجعل عندك ثوباً نظيفاً، فإذا أذن للصلاة خلعت الثوب الذي أصيب بالأوساخ ولبست الثوب النظيف للصلاة، فإذا رجعت لبست الثوب الآخر وهكذا، وبذلك تؤدي الصلاة على الوجه المطلوب وتخرج من الإثم.
أما تأخيرك الصلاة حتى تنتهي من العمل فإنه محرم، ومع ذلك لا يجزئك من الصلوات إلا ما أدركت وقتها، وما لم تدرك وقته فإنه لا يجزئك، لأن القول الراجح أن من أخرج الصلاة عن وقتها بدون عذر فإنها لا تقبل منه، ولو صلاها ألف مرة فانتبه يا أخي لنفسك، واتق الله فيها، وقم بما أوجب الله عليك.
وأعلم أن الطاعة مجلبة للرزق وأن المعصية هي محق الرزق، فالله يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (١) . والرزق الذي بغير طاعة ما هو إلا استدراج من الله، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (٢) . فاتق الله فاتق الله.
* * *
٢٦) وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: عن حكم تارك الصلاة؟ وحكم من يتهاون بالصلاة مع جماعة المسلمين ويصلي في بيته؟ وحكم من يؤخرها عن وقتها ؟
стр. 4322
فأجاب بقوله: هذه ثلاث مسائل:
* أما المسألة الأولى: فإن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، وإذا كان له زوجة انفسخ نكاحه منها، ولا تحل ذبيحته، ولا يقبل منه صوم ولا صدقة، ولا يجوز أن يذهب إلى مكة فيدخل الحرم، وإذا مات فإنه لا يجوز أن يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإنما يخرج به إلى البر ويحفر له حفرة يرمس فيها، ومن مات له قريب وهو يعلم أنه لا يصلي فإنه لا يحل له أن يخدع الناس ويأتي به إليهم ليصلوا عليه، لأن الصلاة على الكافر محرمة لقوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (١) . ولأن الله يقول: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (٢) .
* وأما من لا يصلي مع الجماعة ويصلي في بيته فهو فاسق وليس بكافر، لكنه إذا أصر على ذلك التحق بأهل الفسق وانتفت عنه صفة العدالة.
* وأما الذي يؤخرها عن وقتها فإنه أشد إثماً من الذي لا يصلي مع الجماعة، وتأخير الصلاة حتى خروج الوقت بدون عذر شرعي حرام ولا يجوز، ولو صلاها بعد الوقت في هذه الحال لم تقبل منه لقوله ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣) . وعلى كل حال مسألة الصلاة من الأمور الهامة التي يجب على المؤمن أن يعتني بها وهي
стр. 4323
عمود الإسلام كما قال النبي، ﵊، ومن لا عمود لبنائه فإن بنائه لا يمكن أن يستقيم أبداً، فعلى المسلمين التناصح فيما بينهم والتآمر بها والحرص عليها.
* * *
٢٧) وسئل فضيلته: عن حكم من ترك صلاة الفجر وهو يسمع المؤذن يقول: الصلاة خير من النوم ؟
فأجاب بقوله: ينبغي أن يقال ما حكم من ترك صلاة الجماعة وهو يسمع المؤذن يقول: حي على الصلاة، لأجل أن يكون ذلك شاملاً لصلاة الفجر وغيرها، ولأن قول المؤذن حي على الصلاة أبلغ من قوله: الصلاة خير من النوم، ولأن قول الصلاة خير من النوم ليست ركناً من الأذان، وحي على الصلاة ركن فيه.
والمهم أنه لا يجوز لأحد من الرجال سمع المؤذن يقول حي على الصلاة أن يتأخر إلا بعذر شرعي، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جاءه رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، وأنا رجل أعمى، فرخص له النبي ﵊، فلما ولى دعاه فقال له:" هل تسمع النداء " قال: نعم، قال: " فأجب " (١) . وهذا دليل واضح على أن كل من سمع النداء فعليه أن يجيب المنادي.
* * *
٢٨ وسئل حفظه الله تعالى: عن حكم من ترك صلاة الفجر ؟
стр. 4324
فأجاب فضيلته بقوله: ترك صلاة الفجر إن كان المقصود تركها مع الجماعة فإن ذلك محرم وإثم، لأنه يجب على المرء أن يصلي مع الجماعة، وإن كان المقصود أنه لا يصليها أبداً، أو لا يصليها إلا بعد طلوع الشمس فإنه على خطر عظيم، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أخر الصلاة حتى خرج وقتها بدون عذر فإنه يكون بذلك كافراً، والواجب على كل من كانت هذه حاله أن يتوب إلى الله، وأن يقبل على ربه وعبادته.
* * *
٢٩) وسئل فضيلته عن رجل لديه عمال لا يصلون فما نصيحتكم لهؤلاء العمال؟ وما الواجب على صاحب العمل ؟
فأجاب بقوله: لا شك أن المسلم ملتزم بجميع أحكام الإسلام: من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج وغيرها، والواجب عليه أن يقوم بذلك على حسب ما أوجبه الله عليه، وترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، فمن تركها وهو مسلم فهو ملتحق – والعياذ بالله – بالكفار المرتدين، ونصيحتي لهؤلاء العمال أن يتقوا الله وأن يرجعوا إلى دينهم، وأن يؤدوا الصلاة حسب ما أمر الله بها، هذا بالنسبة لهم. أما بالنسبة لمن كانوا عنده فإن الواجب عليه إلزامهم بالصلاة. فإذا لم يفعلوا فليرفع بهم إلى ولاة الأمور، ليقوموا بما يجب نحوهم. فإن لم يتمكن من ذلك فإن الأولى استبدالهم، لأنه لا ينبغي أن يبقى عندك رجل مرتد عن الإسلام يعمل في ورشة أو غيرها. والله الموفق.
* * *
٣٠) وسئل: عن امرأة توفي زوجها منذ خمس سنوات، ولديها
стр. 4325
ولدان لا يصليان، فالكبير يبلغ من العمر تسعة عشر عاماً والثاني سبعة عشر عاماً، ولقد أمرتهما بالصلاة ونصحتهما وأخبرتهما عن الصلاة وإثم تاركها، ولكن دون فائدة، مع العلم بأنها مريضة، وكلما رأتهما على ذلك تأثرت، فإذا رأياها كذلك توددا إليها فيصليان ويتركان، فماذا تفعل لهما؟ وهل عليها إثم إذا تركتهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن الإثم على الأولاد لأنهم بالغون، وترك الصلاة كفر مخرج عن الملة إذا تركها الإنسان ولم يصل، لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وقد حكى بعض أهل العلم إجماع الصحابة على ذلك، ولا شك أن الذي لا يصلي ليس في قلبه إيمان، لأن الإيمان مقتضٍ لفعل الطاعة، وأعظم الطاعات البدنية الصلاة، فإذا تركها فهو دليل أنه ليس في قلبه إيمان، وإن ادعى أنه مؤمن، فإن من كان مؤمناً فإنه بمقتضى هذا الإيمان يكون قائماً بهذه الصلاة العظيمة.
وأما أنت فعليك أن تتقي الله في نصحهم، وإرشادهم، وأمرهم بالصلاة، ونهيهم عن إضاعتها، وإيقاظهم من النوم، وزجرهم لأدائها، فإذا لم يفعلوا فإنما حسابهم على الله ، وأكثري أيتها الأخت لهم من الدعاء بالهداية والتوفيق، فلعل الله أن يستجيب لك فيكون بذلك سعادتك وسعادتهم إلى يوم القيامة.
* * *
٣١) وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل خطب من رجل ابنته، ولما سأل عنه إذا هو لا يصلي، وأجاب المسئول عنه بقوله: يهديه الله، فهل يزوج هذا ؟
стр. 4326
فأجاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً بقوله: أما إذا كان الخاطب لا يصلي مع الجماعة فهذا فاسق عاص الله ورسوله مخالف لما أجمع المسلمون عليه من كون الصلاة جماعة من أفضل العبادات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – ص٢٢٢ ج ٢٣ من مجموع الفتاوى: " اتفق العلماء على أنها – أي صلاة الجماعة – من أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام " اهـ كلامه رحمه الله تعالى، ولكن هذا الفسق لا يخرجه من الإسلام فيجوز أن يتزوج بمسلمة لكن غيره من ذوي الاستقامة على الدين والأخلاق أولى منه، وإن كانوا أقل مالاً وحسباً كما جاء في الحديث: " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه " قالوا يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه " ثلاث مرات، أخرجه الترمذي (١) ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " (٢) . ففي هذين الحديثين دليل على أنه ينبغي أن يكون أولى الأغراض بالعناية والاهتمام الدين والخلق من الرجل والمرأة، واللائق بالولي الذي يخاف الله تعالى ويرعى مسؤوليته أن يهتم ويعتني بما أرشد إليه النبي ﷺ ، لأنه مسؤول عن ذلك يوم القيامة قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ
стр. 4327
فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (١) .
وقال: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) (٢) .أما إذا كان الخاطب لا يصلي أبداً لا مع الجماعة ولا وحده فهذا كافر خارج عن الإسلام، يجب أن يستتاب، فإن تاب وصلى تاب الله عليه إذا كانت توبته نصوحاً خالصةً لله، وإلا قتل كافراً مرتداً، ودفن في غير مقابر المسلمين من غير تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة عليه، والدليل على كفره نصوص من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسول الله ﷺ :فمن الكتاب قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) . فقوله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) (٣) . فقوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) دليل على أنه حين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات ليس بمؤمن. وقال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (٤) . فدل على أن الأخوة في الدين لا تكون إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لكن السنة دلت على أن تارك الزكاة لا يكفر إذا كان مقراً بوجوبها لكن بخل بها، فبقيت إقامة الصلاة شرطاً في ثبوت الأخوة الإيمانية وليس فسقاً أو كفراً دون كفر، لأن الفسق والكفر دون الكفر لا يخرج الفاعل من دائرة الأخوة الإيمانية كما
стр. 4328
قال الله تعالى في الإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (١) .
فلم تخرج الطائفتان المقتتلتان من دائرة الأخوة الإيمانية مع أن قتال المؤمن من الكفر كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (٢) .
وأما الأدلة من السنة على كفر تارك الصلاة فمثل قوله ﷺ : " إن بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة " (٣) . رواه مسلم عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، وعن بريدة بن الحصيب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (٤) . رواه الخمسة: الإمام أحمد وأصحاب السنن. وعن عبادة بن الصامت – ﵁ – أنهم بايعوا النبي ﷺ على أن لا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان (٥) ، والمعنى أن لا ينازعوا
стр. 4329
ولاة الأمور فيما ولاهم الله عليه إلا أن يروا كفراً صريحاً عندهم فيه دليل من الله تعالى، فإذا فهمت ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم أيضاً من حديث أم سلمة – ﵂ – أن النبي ﷺ قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء (وفي لفظ: فمن كره فقد بريء) ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع "، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما صلوا " (١) .
فعلم من هذا الحديث أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وحديث عبادة قبله يدل على أنهم لا ينازعون، ومن باب أولى أن لا يقاتلوا إلا بكفر صريح فيه من الله برهان فمن هذين الحديثين يؤخذ أن ترك الصلاة كفر صريح فيه من الله برهان.
فهذه أدلة من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة كما جاء ذلك صريحاً فيما رواه ابن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت – ﵁ – قال: أوصانا رسول الله ﷺ : " لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تتركوا الصلاة عمداً فمن تركها عامداً متعمداً مخرج من الملة " (٢) .
وأما الآثار عن الصحابة – ﵃ – فقد قال عمر بن الخطاب – ﵁ – " لا إسلام لمن ترك الصلاة " (٣) .
وقال عبد الله بن شقيق: " كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من
стр. 4330
الأعمال تركه كفر غير الصلاة (١) . رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما.
وإذا كان الدليل السمعي الأثري يدل على كفر تارك الصلاة فكذلك الدليل النظري، قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى -: " كل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم في الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة "، وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى – في كتاب " الصلاة " له ص٤٠٠ من مجموعة الحديث: " لا يصر على ترك الصلاة إصراراً مستمراً من يصدق بأن الله أمر بها أصلاً، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقاً تصديقاً جازماً أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها، هذا من المستحيل قطعاً، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبداً، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغ إلى قول من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها " اهـ كلامه ﵀. ولقد صدق فيما قال، فإن من المستحيل أن يترك الصلاة مع يسرها وسهولتها وعظم ثوابها، وعقاب تركها وفي قلبه شيء من الإيمان.
وحيث تبين من نصوص الكتاب والسنة أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن ملة الإسلام فإنه لا يحل أن يزوج بمسلمة بالنص والإجماع قال الله تعالى: (َلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ
стр. 4331
مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (١) . وقال تعالى في المهاجرات: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن ّ) (٢) . وأجمع المسلمون على ما دلت عليه هاتان الآيتان من تحريم المسلمة على الكافر، وعلى هذا فإذا زوج الرجل من له ولاية عليها بنته أو غيرها رجلاً لا يصلي لم يصح تزويجه، ولم تحل له المرأة بهذا العقد، لأنه عقد ليس عليه أمر الله تعالى ورسوله، وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث عائشة – ﵂ – أنه قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣) . أي مردود عليه.
وإذا كان النكاح ينفسخ إذا ترك الزوج الصلاة إلا أن يتوب ويعود إلى الإسلام بفعل الصلاة فما بالك بمن يقدم على تزويجه من جديد؟!
وخلاصة الجواب: أن هذا الخاطب الذي لا يصلي إن كان لا يصلي مع الجماعة فهو فاسق لا يكفر بذلك ويجوز تزويجه في هذه الحال لكن غير أن ذوي الدين والخلق أولى منه.
وإن كان لا يصلي أبداً لا مع الجماعة ولا وحده فهو كافر مرتد خارج عن الإسلام لا يجوز أن يزوج مسلمة بأي حال من الأحوال إلا أن يتوب توبة صادقة ويصلي ويستقيم على دين الإسلام.
وأما ما ذكره السائل من أن والد المخطوبة سأل عنه فقال المسؤول عنه: يهديه الله. فإن المستقبل علمه عند الله تعالى وتدبيره بيده، ولسنا مخاطبين إلا بما نعلمه في الحال الحاضرة، وحال
стр. 4332
الخاطب الحاضرة حال كفر لا يجوز أن يزوج بمسلمة، فنرجو الله تعالى له الهداية والرجوع إلى الإسلام حتى يتمكن من الزواج بنساء المسلمين وما ذلك على الله بعزيز.
أجاب بهذا وحرره بيده الفقير إلى الله محمد الصالح العثيمين في ١٨ ذي الحجة سنة ١٤٠٠ هـ أربعمائة وألف.
* * *
٣٢) سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته -: عن رجل عمله متواصل وهو لا يصلي لذلك، وعنده ماله لا يزكيه لكثرة ديونه وحاجته إليه فما الحكم ؟
فأجاب قائلاً: تضمن هذا الفعل أمرين أحدهما: ترك الصلاة، والثاني ترك الزكاة، وهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فأما الصلاة فإنه لا يعذر أحد بتركها بإي حال من الأحوال بل يجب على المسلم أن يصلي الصلاة لوقتها مهما كان الأمر، حتى لو قدر أن الإنسان يفصل من عمله إلى عمل آخر، أو إلى أن يخرج إلى البر ويحتطب ويبيع الحطب ويأكل ثمنه، فإنه يجب عليه أن يؤدي الصلاة في وقتها، ولا يحل له أن يؤجلها كما يفعله بعض الجهلة إذا جاءوا للنوم صلوا الصلوات الخمس، صلاة ذلك اليوم الذي كانوا يعملون فيه، فهذا محرم ولا يجوز وهو من كبائر الذنوب، بل من أكبر الكبائر، لأنه قد يؤدي إلى الكفر.
وأما الزكاة فإن الإنسان إذا كان عنده مال وبقي عنده إلى أن تم الحول عليه فإن الزكاة تجب فيه، وكون الإنسان في حاجة إليه لا يمنع وجوب الزكاة فيه إذا تم حوله، والزكاة ليست شيئاً صعباً وليست جزءاً
стр. 4333
كبيراً من المال ما هي إلا واحد في الأربعين فقط، يعني اثنين ونصف في المئة فهو شيء قليل وأمر يسير، وقد أخبر النبي ﷺ أن الصدقة لا تنقص المال فالصدقة تزيده بركة ونمواً، ويفتح الله للإنسان من أبواب الخير ما لا يخطر على باله إذا أدى ما أوجب الله عليه في ماله، فعلى المسلم أن يزكي كل مال حال عليه الحول عنده ولو كان عليه دين على القول الراجح.
أما ما أنفق أو قضى الإنسان به دينه قبل أن يتم الحول عليه فإنه لا زكاة فيه.
* * *
٣٣) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: ماذا يفعل الرجل إذا أمر أهله بالصلاة ولكنهم لم يستمعوا إليه، هل يسكن معهم ويخالطهم أو يخرج من البيت ؟
فأجاب فضيلته – حفظه الله – بقوله: إذا كان هؤلاء الأهل لا يصلون أبداً فإنهم كفار، مرتدون خارجون عن الإسلام، ولا يجوز أن يسكن معهم ولكن يجب عليه أن يدعوهم ويلح ويكرر لعل الله أن يهديهم، لأن تارك الصلاة كافر – والعياذ بالله – بدليل الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والنظر الصحيح.
أما من القرآن فقوله تعالى عن المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (١) . مفهوم الآية أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فليسوا إخواناً لنا، ولا تنتفي الأخوة الدينية بالمعاصي وإن عظمت ولكن تنتفي بالخروج عن الإسلام.
стр. 4334
أما من السنة فقول النبي ﷺ : " بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة " (١) .أخرجه مسلم. وقوله في حديث بريدة – ﵁ – في السنن: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (٢) .
أما أقوال الصحابة: فقال أمير المؤمنين عمر – ﵁: " لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " (٣) .، والحظ: النصيب وهو هنا نكرة في سياق النفي فيكون عاماً، لا نصيب لا قليل ولا كثير، وقال عبد الله بن شقيق: " كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (٤) .
أما من جهة النظر الصحيح فيقال: هل يعقل أن رجلاً في قلبه حبة خردل من إيمان يعرف عظمة الصلاة وعناية الله بها ثم يحافظ على تركها؟؟! هذا شيء لا يمكن.وقد تأملت الأدلة التي استدل بها من يقول إنه لا يكفر فوجدتها لا تخرج عن أحوال أربع:
١- ١- إما أنها لا دليل فيها أصلاً.
٢- ٢- أو أنها قيدت بوصف يمتنع معه ترك الصلاة.
٣- ٣- أو أنها قيدت بحال يعذر فيها بترك هذه الصلاة.
٤- ٤- أو أنها عامة فتخص بأحاديث كفر تارك الصلاة.
стр. 4335
وليس في النصوص أن تارك الصلاة مؤمن، أو أنه يدخل الجنة، أو ينجو من النار ونحو ذلك مما يحوجنا إلى تأويل الكفر الذي حكم به على تارك الصلاة بأنه كفر نعمة، أو كفر دون كفر.وإذا تبين أن تارك الصلاة كافر كفر ردة فإنه يترتب على كفره أحكام المرتدين ومنها:
أولاً: أنه لا يصح أن يزوج فإن عقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل ولا تحل له الزوجة به لقوله تعالى عن المهاجرات: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (١) .
ثانياً:أنه إذا ترك الصلاة بعد أن عقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة. للآية التي ذكرناها سابقاً على حسب التفصيل المعروف عند أهل العلم بين أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده.
ثالثاً: أن هذا الرجل الذي لا يصلي إذا ذبح لا تؤكل ذبيحته، لماذا؟ لأنها حرام، ولو ذبح يهودي أو نصراني فذبيحته يحل لنا أن نأكلها، فيكون – والعياذ بالله – ذبحه أخبث من من ذبح اليهود والنصارى.
رابعاً: أنه لا يحل له أن يدخل مكة أو حدود حرمها لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (٢) .
خامساً: أنه لو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث منه، فلو مات رجل عن ابن له لا يصلي (الرجل مسلم يصلي والابن لا يصلي) وعن ابن عم له بعيد (عاصب) فالذي يرثه ابن عمه البعيد دون
стр. 4336
ابنه لقوله ﷺ في حديث أسامة: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " (١) . متفق عليه. ولقوله ﷺ : " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر " (٢) . متفق عليه، وهذا مثال ينطبق على جميع الورثة.
سادساً: أنه إذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، إذاً ماذا نصنع به؟ نخرج به إلى الصحراء ونحفر له وندفنه بثيابه، لأنه لا حرمة له.
وعلى هذا فلا يحل لأحد مات عنده ميت وهو يعلم أنه لا يصلي أن يقدمه للمسلمين يصلون عليه.
سابعاً: أنه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف (٣) ، أئمة الكفر - والعياذ بالله - ولا يدخل الجنة، ولا يحل لأحد من أهله أن يدعو له بالرحمة والمغفرة، لأنه كافر لا يستحقها لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (٤)
فالمسألة خطيرة جداً، ومع الأسف فإن بعض الناس يتهاونون في هذا الأمر، ويقرون في البيت من لا يصلي وهذا لا يجوز. والله أعلم. حرر في ٦/٢/١٤١٠ هـ
* * *
стр. 4337
٣٤) وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل يصلي بعض الأوقات ويترك أخرى هل تجوز معاشرته ومصادقته ؟
فأجاب بقوله: هذا الرجل المصلي وقتاً والتارك آخر إن كان المقصود بالسؤال الصلاة مع الجماعة فإنه محرم ويفسق به، لأن الجماعة واجبة، فالواجب أداؤها في المساجد ولا يتأخر إلا لعذر شرعي.
وإن كان لا يصلي أبداً، فإن كان ذلك عن إعتقاد فإنه كفر مخرج عن الملة، فإن منكر فريضة الصلاة كافر إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولا يدري عن فرائض الإسلام وشرائعه، فإنه يوضح له الحق فإن أصر على إنكاره لها كان كافراً مرتداً.
أما إذا كان مقراً بالفريضة ولكن نفسه تغلبه كسلاً وتهاوناً فإن أهل العلم مختلفون في كفره، فمنهم من يرى أن من ترك صلاة مفروضة، حتى يخرج وقتها فإنه يكفر، ومن العلماء من يراه لا يكفر إلا إذا تركها نهائياً، وهذا هو الصحيح إذا تركها تركاً مطلقاً، بحيث أنه لا يهتم بالصلاة، ولذا قال ﷺ : " بين الرجل والشرك ترك الصلاة " (١) . فظاهر الحديث هو الترك المطلق، وكذلك حديث بريدة: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (٢) . ولم يقل من ترك صلاة، وعلى كل حال فالراجح عندي أنه لا يكفر إلا إذا تركها بالكلية.
أما حال المذكور في السؤال فإنه لا يكفر ولكنه يعتبر فاسقاً خارجاً من العدالة، فلا ولاية له على أقاربه، ولا تقبل شهادته، ولا
стр. 4338
يكون إماماً للمسلمين.
وأما معاشرته ومصادقته فإن كان يرجى منه خيراً فلا حرج، وإن كان الأمر بالعكس فلا يعاشر، ولذا أخبر ﷺ عن جليس السوء " أنه كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تنال منه ريحاً خبيثة " (١) . والله الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
٣٥) وسئل فضيلته: امرأة تقول هناك قريب لنا يزورنا ومعه زوجته أحياناً، ونحن نشهد بأن زوجته لا تصلي، وإذا أمرناها بالصلاة أبدت لنا أعذاراً ونحن بصفتنا نساء نعلم أن ما اعتذرت به ليس صحيحاً، لأنه لا أثر لذلك عليها. فما حكم دخولها بيتنا ومجالستها ومحادثتها والأكل معها من إناء واحد ؟
فأجاب بقوله: هذه المرأة إذا صح ما ذكر عنها وأنها لا تصلي فإن من لا يصلي كافر، وإذا تقرر أنها كافرة فإنها لا تحل لزوجها، لأن الله تعالى يقول: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) (٢) . بل النكاح منفسخ من حين ثبتت ردة هذه المرأة.
وأما إذا كانت لا تترك الصلاة، وتعتذر بأن عليها مانعاً يمنعها من الصلاة فهذا راجع إليها، وهذا بينها وبين الله ، والقرائن التي تقولون عنها قد تكون مخطئة، وقد تكون مصيبة، ولا ينبغي اتهام المسلم الذي ظاهره الصلاح في مثل هذه الأمور.
стр. 4339
أما إذا علمت علم اليقين أنها لا تصلي فإن الواجب على زوجها مفارقتها ولا يجتمع معها، وكذلك أنتم لا يجوز لكم إيواؤها، لأن المرتد من المسلمين أخبث حالاً من الكافر الأصلي، وأخبث من اليهودي والنصراني الذي لم يزل على يهوديته ونصرانيته.
* * *
٣٦) وسئل فضيلته: عن امرأة تقول: إن لي مشكلة وهي أن زوجي مدمن للخمر وتارك للصلاة، إلا في شهر رمضان، فإنه يترك شرب الخمر ويصلي، ولي منه عدد من الأبناء والبنات. وقد تزوجت منهن بنتاً هو الذي تولى عقد النكاح لها، وحاولت معه ونصحته ولكنه لا يبالي، وخرجت من البيت ولكن حصل الصلح بيننا على شرط إرجاع الخادمة إلى بلدها، ولكنه لم ينفذ الشرط وبقي على عادته السيئة، وله تصرفات خاطئة، منها محادثة الخادمة والجلوس معها، ونحو ذلك كالجلوس مع غير المسلمين، وكنت في بادئ الأمر لا أعلم من الأمر شيئاً، وبعد أن علمت أنه مدمن خمر، حرت في أمري وبقائي معه، فما هو الحل لمثل ذلك بارك الله فيكم؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً .
فأجاب بقوله: هذه المسألة محزنة ومشكلة جداً، لأنها تضمنت عدة شرور، منها: وهو أهمها وأعظمها ترك الصلاة، فإن ترك الصلاة على القول الراجح كفر مخرج عن الإسلام، وينفسخ به النكاح من الزوج إلا أن يتوب إلى الله ، ويعود إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة، والواجب عليك في زوج هذا شأنه أن تبتعدي عنه حتى يتم الأمر، وينظر في شأنه.
стр. 4340
وإني أوجه إليه النصيحة من قلب مخلص أن يتوب إلى الله ، وأن يقيم الصلاة وكافة أركان الإسلام حتى يموت مسلماً، يلقى الله بحال يرضى بها عنه، وأحذره من التنادي في ترك الصلاة لأنه لا يدري متى يفجأه الموت، فقد يأتيه فجأة في مثل هذه الحال فيكون من أصحاب النار والعياذ بالله.
* * *
٣٧) وسئل فضيلة الشيخ: عن من يصلي أحياناً هل يكون كافراً؟ وكذلك الصيام ؟
فأجاب بقوله: إن كان يفعل ذلك إنكاراً للوجوب والفرضية، أو شكاً في الوجوب فهو كافر، كافر من أجل شكه في الوجوب أو إنكاره لوجوب هذا الشيء، لأن فرض الصلاة والصيام معلوم بالكتاب والسنة، وبالإجماع القطعي من المسلمين، ولا ينكر فرضيته أحد من المسلمين إلا رجلاً أسلم حديثاً ولم يعرف من أحكام الإسلام شيئاً فقد يخفى عليه هذا الأمر.
إما إذا كان يترك بعض الصلوات أو بعض أيام رمضان وهو مقر بوجوب الجميع فهذا فيه خلاف بالنسبة لترك الصلاة، أما الصيام فليس بكافر، فلا يكفر بترك بعض الأيام بل يكون فاسقاً.
ولكن الصلاة هي التي نتكلم عنها، فنقول:
اختلف العلماء القائلون بتكفير تارك الصلاة هل يكفر بترك فريضة واحدة، أو فريضتين، أو لا يكفر إلا بترك الجميع؟
والذي يظهر لي أنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلاة تركاً مطلقاً بمعنى أنه كان لا يصلي، ولم يعرف عنه أنه صلى وهو مستمر على ترك
стр. 4341
الصلاة، فأما إذا كان أحياناً يصلي وأحياناً لا يصلي مع إقراره بالفرضية فلا أستطيع القول بكفره، لأن النبي ﷺ يقول: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (١) ، فمن كان يصلي أحياناً لم يصدق عليه أنه ترك الصلاة، والحديث الثاني: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (٢) . ولم يقل " من ترك صلاة فقد كفر "، ولم يقل " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك صلاة "، بل قال: " ترك الصلاة "، فظاهره أنه لا يكفر إلا إذا كان تركها تركاً عاماً مطلقاً، وأما إذا كان يترك أحياناً ويصلي أحياناً فهو فاسق ومرتكب أمراً عظيماً، وجاني على نفسه جناية كبيرة، وليس بكافر ما دام يقر بفرضيتها وأنه عاص بتركه ما تركه من الصلوات، أما تاركها بالكلية فهو كافر مرتد عن الإسلام ولو كان تركه إياها تهاوناً وكسلاً كما يدل على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة بل حكاه عبد الله بن شقيق إجماع الصحابة، وحكى الإجماع عليه إسحاق بن راهويه.
-
٣٨) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله - عن الإنسان الذي يصلي أحياناً ويترك الصلاة أحياناً ويترك الصلاة أحياناً أخرى فهل يكفر ؟
فأجاب بقوله: الذي يظهر لي أنه لا يكفر إلا بالترك المطلق بحيث لا يصلي أبداً، وأما من يصلي أحياناً فإنه لا يكفر لقول الرسول، ﵊: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة.
стр. 4342
ولم يقل ترك صلاة، بل قال: " ترك الصلاة ". وهذا يقتضي أن يكون الترك المطلق، وكذلك قال:" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها – أي الصلاة – فقد كفر " (١) . وبناء على هذا نقول: إن الذي يصلي أحياناً ليس بكافر.
-
٣٩) وسئل فضيلة الشيخ عن حكم بقاء المرأة المتزوجة من زوج لا يصلي وله أولاد منها؟ وحكم تزويج من لا يصلي ؟
فأجاب بقوله: إذا تزوجت امرأة بزوج لا يصلي مع الجماعة ولا في بيته فإن النكاح ليس بصحيح لأن تارك الصلاة كافر، كما دل على ذلك الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وأقوال الصحابة، كما قال عبد الله بن شقيق، " كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة " (٢) ، والكافر لا تحل له المرأة المسلمة لقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (٣) .
وإذا حدث له ترك الصلاة بعد عقد النكاح فإن النكاح ينفسخ إلا أن يتوب ويرجع إلى الإسلام، وبعض العلماء يقيد ذلك بانقضاء العدة فإذا انقضت العدة لم يحل له الرجوع إذا أسلم إلا بعقد جديد، وعلى المرأة أن تفارقه ولا تمكنه من نفسها حتى يتوب ويصلي، ولو كان معها أولاد منه لأن الأولاد في هذه الحال لا حضانة لأبيهم فيهم.
стр. 4343
وعلى هذا أحذر إخواني المسلمين من أن يزوجوا بناتهم ومن لهم ولاية عليهن بمن لا يصلي لعظم الخطر في ذلك، ولا يحابوا في هذا الأمر قريباً ولا صديقاً. وأسأل الله الهداية للجميع، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حرر في ٩/١٠/١٤١٤ هـ.
٤٠) وسئل فضيلته عن امرأة تقول: لي زوج لا يصلي في البيت ولا مع الجماعة، وقد نصحته ولم يجد به نصحي شيئاً، وقد أخبرت أبي وإخواني بذلك الأمر، ولكنهم لم يبالوا بذلك، وأخبركم أني أمنع نفسي منه، فما حكم ذلك؟ وكيف أتصرف؟ مع العلم أنه ليس بيننا أولاد. أفيدوني جزاكم الله خيراً .
فأجاب بقوله: إذا كان حال الزوج لا يصلي في البيت ولا مع الجماعة فإنه كافر ونكاحه منك منفسخ إلا أن يهديه الله فيصلي.
ويجب على أهلك وأبيك وأخوتك أن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يطالبوا زوجك إما بالعودة إلى الإسلام أو يفسخ النكاح، وامتناعك هذا في محله لا بالجماع ولا فيما دونه وذلك لأنك حرام عليه حتى يعود إلى الإسلام، والذي أرى لك أن تذهبي إلى أهلك ولا ترجعي، وأن تفتدي منه نفسك بكل ما تملكين حتى تتخلصي منه، ففري منه فرارك من الأسد.
وأما نصيحتي له أن يعود إلى الإسلام، ويتقي ربه، ويقيم الصلاة، فإن لم يصلي فإنه كافر مخلد في نار جهنم، يحشر مع فرعون
стр. 4344
وهامان وقارون وأبي بن خلف (١) ، وإنه إذا مات على هذه الحال فإنه لا حق له على المسلمين، لا بتغسيل، ولا بتكفين، ولا بصلاة، ولا بدعاء، وإنما يرمى في حفرة لئلا يتأذى الناس برائحته، فعليه أن يخاف الله ويرجع إلى دينه، ويقيم الصلاة وبقية أركان الإسلام من زكاة وصيام وحج بيت الله الحرام، وأن يقوم بكل ما أوجب الله عليه، وأن يسأل الله الثبات إلى الممات.
-
стр. 4345
رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. كتابكم الكريم المؤرخ / وصل وفيه سؤالكم عن كفر تارك الصلاة، فهذه المسألة كبيرة وهامة، وظواهر الأدلة فيها تكاد تكون متكافئة، لكن أدلة تكفيره الكفر الأكبر أقوى أثراً ونظراً:
أما الأثر فقد ساق ابن القيم – رحمه الله تعالى – في كتاب " الصلاة " له من أدلة الكتاب والسنة ما فيه كفاية، وقد فهمت من كتابك أنك قرأتها، لكن ذكرت في كتابك أنه جرت مناظرة بين الإمام الشافعي والإمام أحمد في ذلك (١) وأن سابق ذكرها في فقه السنة مع أن ابن القيم نقل عن الطحاوي أنه حكى عن الشافعي نفسه تكفيره، فلينظر في صحة المناظرة المذكورة.
ومن أوضح الأدلة على أن كفر تارك الصلاة هو الكفر الأكبر المخرج عن الملة قوله ﷺ : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (٢) . رواه مسلم، بل في المنتقى رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ص٧٠ فقوله " هما بهما كفر " أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما