← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

السحر

стр. 457

(٢٤٩) سئل فضيلة الشيخ: عن قوم يضربون أنفسهم بالحديد والسلاح ولا يتأثرون ويزعمون أنهم أولياء الله ؟ فأجاب بقوله: كون هؤلاء يضربون أنفسهم بالحديد أو غير الحديد ولا يتأثرون بذلك فإن هذا لا يدل على صدقهم، ولا على أنهم من أولياء الله، ولا على أن هذا كرامة لهم، وإنما هذا من أنواع السحر الذي يسحرون به أعين الناس، والسحر يكون في مثل هذا وغيره، فإن موسى ﵊ لما ألقى سحرة فرعون حبالهم وعصيهم صارت من سحرهم يخيل إليه أنها تسعى، وأنها حيات وأفاعٍ كما قال الله : ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ فهذا الذي يفعلونه لا شك أنه نوع من أنواع السحر وأنه ليس بكرامة. واعلم - رحمك الله - أن الكرامة لا تكون إلا لأولياء الله، وأولياء الله هم الذين اتقوه واستقاموا على دينه وهم من وصفهم الله بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وليس كل من ادعى الولاية يكون وليًا، وإلا لكان كل واحد يدعيها، ولكن يوزن هذا المدعي للولاية بعمله، إن كان عمله مبنيًا على الإيمان والتقوى فإنه ولي، لكن مجرد ادعائه أنه من أولياء الله ليس من تقوى الله لأن الله - تعالى - يقول:: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ . فإذا

стр. 458

ادعى أنه من أولياء الله فقد زكى نفسه، وحينئذ يكون واقعًا في معصية الله وفيما نهاه الله عنه وهذا ينافي التقوى. وعلى هذا فإن أولياء الله لا يزكون أنفسهم بمثل هذه الشهادة، وإنما هم يؤمنون بالله ويتقونه ويقومون بطاعته على الوجه الأكمل، ولا يقرون الناس ويخدعونهم بهذه الدعوى حتى يضلوهم عن سبيل الله. (٢٥٠) سئل فضيلة الشيخ: عن السحر وحكم تعلمه ؟ فأجاب بقوله: السحر قال العلماء: هو في اللغة "عبارة عن كل ما لطف وخفي سببه" بحيث يكون له تأثير خفي لا يطلع عليه الناس، وهو بهذا المعنى يشمل التنجيم، والكهانة، بل إنه يشمل التأثير بالبيان والفصاحة كما قال ﵊: «إن من البيان لسحرًا» . فكل شيء له أثر بطريق خفي فهو من السحر. وأما في الاصطلاح فعرفه بعضهم بأنه: "عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والعقول والأبدان فتسلب العقل، وتوجد الحب والبغض وتفرق بين المرء وزوجه وتمرض البدن وتسلب تفكيره ". وتعلم السحر محرم، بل هو كفر إذا كانت وسيلته الإشراك بالشياطين قال الله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾

стр. 459

فتعلم هذا النوع من السحر - وهو الذي يكون بواسطة الإشراك بالشياطين - كفر، واستعماله أيضًا كفر وظلم وعدوان على الخلق، ولهذا يقتل الساحر إما ردة وإما حدًا فإن كان سحره على وجه يكفر به فإنه يقتل ردة وكفرًا، وإن كان سحره لا يصل إلى درجة الكفر فإنه يقتل حدًا دفعًا لشره وأذاه عن المسلمين. (٢٥١) سئل - حفظه الله ورعاه -: هل للسحر حقيقة ؟ فأجاب قائلًا بقوله: للسحر حقيقة ولا شك وهو مؤثر حقيقة، لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك هذا خيال وليس حقيقة، انظر إلى قول الله - تعالى - في قصة السحرة من آل فرعون يقول الله - تعالى -: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ قال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ كيف سحروا أعين الناس؟ سحروا أعين الناس حين صار الناس ينظرون إلى حبال السحرة وعصيهم كأنها ثعابين تمشي كما قال الله - تعالى -: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ فالسحر في قلب الأشياء، وتحريك الساكن، أو تسكين المتحرك ليس له أثر، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور حتى يرى الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، أثره ظاهر جدًا، إذًا فله حقيقة ويؤثر على بدن المسحور وحواسه وربما يهلكه.

стр. 460

(٢٥٢) وسئل فضيلته: هل للسحر حقيقة؟ وهل سحر النبي، ﷺ ؟ فأجاب بقوله: السحر ثابت ولا مرية فيه وهو حقيقة، وذلك بدلالة القرآن الكريم، والسنة. أما القرآن الكريم فإن الله - تعالى - ذكر عن سحرة فرعون الذين ألقوا حبالهم وعصيهم، وسحروا أعين الناس، واسترهبوهم حتى إن موسى، ﵊، كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وحتى أوجس في نفسه خيفة فأمره الله - تعالى - أن يلقي عصاه فألقاها فإذا هي حية تسعى تلقف ما يأفكون، كما حكى الله ذلك عنه فقال: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ وهذا أمر لا إشكال فيه، وأما السنة ففيها أحاديث متعددة في ثبوت السحر وتأثيره. وأما أن النبي ﷺ سحر فنعم فقد ثبت من حديث عائشة وغيرها أن «النبي، ﷺ ، سحر وأنه كان يخيل إليه أنه أتى الشيء وهو لم يأته» ولكن الله - تعالى - أنزل عليه سورتي: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس فشفاه الله بهما. (٢٥٣) وسئل: عن حكم حل السحر عن المسحور "النشرة "؟

стр. 461

فأجاب قائلًا: حل السحر عن المسحور "النشرة" الأصح فيها أنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون بالقرآن الكريم، والأدعية الشرعية، والأدوية المباحة فهذه لا بأس بها لما فيها من المصلحة وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة؛ لأنها مصلحة بلا مضرة. القسم الثاني: إذا كانت النشرة بشيء محرم كنقض السحر بسحر مثله فهذا موضع خلاف بين أهل العلم: فمن العلماء من أجازه للضرورة. ومنهم من منعه «لأن النبي، ﷺ ، سئل عن النشرة فقال: " هي من عمل الشيطان» . وإسناده جيد رواه أبو داود، وعلى هذا يكون حل السحر بالسحر محرمًا، وعلى المرء أن يلجأ إلى الله بالدعاء والتضرع لإزالة ضرره، والله يقول:: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ . ويقول: الله - تعالى -: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ . والله الموفق. (٢٥٤) وسئل: عن حكم التوفيق بين الزوجين بالسحر ؟ فأجاب بقوله: هذا محرم ولا يجوز، وهذا يسمى بالعطف، وما يحصل به التفريق يسمى بالصرف وهو أيضًا محرم وقد يكون كفرًا وشركًا قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ .

стр. 462

(٢٥٥) سئل فضيلة الشيخ: عن أقسام السحر؟ وهل الساحر كافر ؟ فأجاب بقوله: السحر ينقسم إلى قسمين: الأول: عقد ورقى، أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى الإشراك بالشياطين فيما يريد لضرر المسحور، قال الله - تعالى -: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ . الآية. الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور، وعقله، وإرادته، وميله وهو ما يسمى عندهم بالعطف، والصرف، فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء والصرف بالعكس من ذلك، فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئًا فشيئًا حتى يهلك، وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه." وكفر الساحر" اختلف فيه أهل العلم: فمنهم من قال: يكفر. ومنهم من قال: لا يكفر. ولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة: فمن كان سحره بواسطة الشياطين فإنه يكفر، ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير فإنه لا يكفر ولكنه يعتبر عاصيًا.

стр. 463

(٢٥٦) سئل فضيلة الشيخ: هل قتل الساحر ردة أو حد ؟ فأجاب بقوله: قتل الساحر قد يكون حدًا، وقد يكون ردة بناء على التفصيل السابق في كفر الساحر فمتى حكمنا بكفره فقتله ردة، وإذا لم نحكم بكفره فقتله حد. والسحرة يجب قتلهم سواء قلنا بكفرهم أم لا، لعظم ضررهم وفظاعة أمرهم، فهم يفرقون بين المرء وزوجه، وكذلك العكس فهم قد يعطفون فيؤلفون بين الأعداء ويتوصلون بذلك إلى أغراضهم، كما لو سحر امرأة ليزني بها، فيجب على ولي الأمر قتلهم بدون استتابة، ما دام أنه حد؛ لأن الحد إذا بلغ الإمام، لا يستتاب صاحبه، بل يقام بكل حال، أما الكفر فإنه يستتاب صاحبه، وبهذا نعرف خطأ من أدخل حكم المرتد في الحدود، وذكروا من الحدود حد الردة؛ لأن قتل المرتد ليس من الحدود لأنه إذا تاب انتفى عنه القتل، ثم إن الحدود كفارة لصاحبها وليس بكافر، والقتل بالردة ليس بكفارة وصاحبه كافر لا يصلى عليه، ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين. فالقول بقتل السحرة موافق للقواعد الشرعية؛ لأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وفسادهم من أعظم الفساد، وإذا قتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر. (٢٥٧) وسئل فضيلته: هل ثبت أن النبي ﷺ ، سحر ؟ فأجاب بقوله: نعم ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي، ﷺ سحر، لكن لم يؤثر عليه من الناحية التشريعية أو الوحي، إنما

стр. 464

غاية ما هنالك أنه وصل إلى درجة يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، وهذا السحر الذي وضع كان من يهودي يقال له: لبيد بن الأعصم وضعه له، ولكن الله - تعالى - أنجاه منه حتى جاءه الوحي بذلك وعوذ بالمعوذتين ﵊،ولا يؤثر هذا السحر على مقام النبوة؛ لأنه لم يؤثر في تصرف النبي، ﷺ ، فيما يتعلق بالوحي والعبادات. وقد أنكر بعض الناس أن يكون النبي، ﷺ ، سحر، بحجة أن هذا القول يستلزم تصديق الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ . ولكن هذا لا شك أنه لا يستلزم موافقة هؤلاء الظالمين بما وصفوا به النبي، ﷺ ؛ لأن أولئك يدعون أن الرسول، ﷺ ، مسحور فيما يتكلم به من الوحي، وأن ما جاء به هذيان كهذيان المسحور، وأما السحر الذي وقع للرسول، ﷺ ، فلم يؤثر عليه في شيء من الوحي ولا في شيء من العبادات، ولا يجوز لنا أن نكذب الأخبار الصحيحة بمجرد فهم سيّء فهمه مَن فهمه.

стр. 465

الكهانة والتنجيم (٢٥٨) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم سؤال العراف ؟ فأجاب بقوله: سؤال العراف ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يسأله فيصدقه ويعتبر قوله فهذا حرام بل كفر؛ لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن. القسم الثاني: أن يسأله ليختبره هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله فهذا جائز، «وقد سأل النبي، ابن صياد قال:"ماذا خبأت لك"؟ قال: الدخ. فقال النبي،:"اخسأ فلن تعدو قدرك» . فالنبي،، سأله عن شيء أضمره له لأجل أن يختبره لا ليصدقه ويعتبر قوله. القسم الثالث: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، وهذا أمر مطلوب واجبًا. (٢٥٩) وسئل - جزاه الله خيرًا -: عن الكهانة؟ وحكم إتيان الكهان ؟ فأجاب بقوله: الكهانة فعالة مأخوذة من التكهن، وهو التخرص والتماس الحقيقة بأمور لا أساس لها، وكانت في الجاهلية صنعة لأقوام تتصل بهم الشياطين وتسترق السمع من السماء وتحدثهم به، ثم يأخذون الكلمة التي نقلت إليهم من السماء بواسطة هؤلاء الشياطين ويضيفون إليها ما يضيفون من القول، ثم يحدثون بها الناس، فإذا وقع الشيء مطابقًا لما قالوا اغتر بهم الناس واتخذوهم مرجعًا في الحكم بينهم، وفي استنتاج ما

стр. 466

يكون في المستقبل، ولهذا نقول: الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه، فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن لا تقبل له صلاة أربعين يومًا، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي، ﷺ ، قال: «من أتى عرافًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يومًا أو أربعين ليلة» . القسم الثاني: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به، فهذا كفر بالله لأنه صدقه في دعوى علمه الغيب، وتصديق البشري دعوى علم الغيب تكذيب لقول الله - تعالى -: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ سورة النمل، الآية "٦٥" . ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول: فقد كفر بما نزل على محمد ﷺ » . القسم الثالث: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ليبين حاله للناس، وإنها كهانة وتمويه وتضليل، وهذا لا بأس به ودليل ذلك أن «النبي ﷺ ، أتاه ابن صياد، فأضمر له النبي، ﷺ ، شيئًا في نفسه فسأله النبي، ﷺ ، ماذا خبأ له؟ فقال: الدخ يريد الدخان. فقال النبي، ﷺ : "اخسأ فلن تعدو قدرك» . هذه أحوال من يأتي إلى الكاهن ثلاثة: الأولى: أن يأتي فيسأله بدون أن يصدقه، وبدون أن يقصد بيان حاله فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن لا تقبل له صلاة أربعين ليلة.

стр. 467

الثانية: أن يسأله فيصدقه وهذا كفر بالله -على الإنسان أن يتوب منه ويرجع إلى الله وإلا مات على الكفر. الثالثة: أن يأتيه فيسأله ليمتحنه ويبين حاله للناس فهذا لا بأس به. (٢٦٠) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس: تكهنت مصادر مطلعة بوقوع كذا وكذا؟ أو أتكهن أن فلانًا سيحضر ؟ فأجاب بقوله: لا ينبغي إطلاق هذا اللفظ الدال على عمل محرم على أمر مباح، فلا ينبغي أن يقول: أتكهن بكذا ونحوه، ولكن يقول: أظن كذا؛ لأن العامي الذي لا يفرق بين الأمور يظن أن الكهانة كلها مباحة بدليل إطلاق هذا اللفظ على شيء مباح معلوم إباحته. (٢٦١) سئل فضيلة الشيخ: عن أقسام علم النجوم ؟ فأجاب بقوله: علم النجوم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: علم يستدل به على الحوادث الأرضية، فهذا محرم، فيستدل مثلًا باقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا، ويستدل بولادة إنسان في هذا النجم أنه سيكون سعيدًا، وفي هذا النجم الآخر بأنه سيكون شقيًا، فيستدلون باختلاف أحوال النجوم على اختلاف الحوادث الأرضية، والحوادث الأرضية ليس للنجوم بها علاقة ولهذا في حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة على أثر سماء من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:»

стр. 468

«" قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا - والباء للسببية - فإنه كافر بي مؤمن بالكوكب، ومن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب» . فالنجوم لا تأتي بالمطر ولا الرياح، ومنه نعرف خطأ الذين يقولون: إذا طلع النجم الفلاني ازداد هبوب الرياح لأن النجوم لا صلة لها بالرياح. القسم الثاني: علم يستدل به على الجهات والأوقات، فهذا جائز وقد يكون واجبًا كما قال الفقهاء: "إذا دخل وقت الصلاة يجب على الإنسان أن يتعلم علامات القبلة من النجوم، والشمس، والقمر ". قال الله - تعالى -: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ سورة النحل، الآية "١٥". فلما ذكر الله العلامات الأرضية انتقل إلى العلامات الأفقية فقال - تعالى -: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ سورة النحل، الآية "١٦". فالاستدلال بهذه النجوم على الأزمنة والأمكنة لا بأس به، مثل أن يقال: إذا طلع النجم الفلاني دخل وقت المطر، أو وقت الربيع، والعرب في الجاهلية يتشاءمون بالأنواء ويتفاءلون بها، فبعض النجوم يقولون: هذا نجم نحس لا خير فيه، وبعضها بالعكس يقولون: هذا نجم سعود وخير، ولهذا إذا أمطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا، ولا يقولون: مطرنا بفضل الله ورحمته، مع أن النجم ليس سببًا للمطر. ألسنا نجد هذا النوء بعينه سنة يكون فيه مطر وفي سنة أخرى لا يكون فيه مطر؟! ونجد السنوات تمر بدون مطر مع وجود النجوم الموسمية التي كانت كثيرًا ما يكون في زمنها الأمطار، فالنوء لا تأثير له فقولنا: طلع هذا النجم كقولنا: طلعت

стр. 469

الشمس فليس له إلا طلوع وغروب، والنوء وقت تقدير وهو يدل على دخول الفصول فقط. (٢٦٢) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تعلم علم النجوم؟ وما الحكمة من خلقها ؟ فأجاب - حفظه الله - بقوله: علم النجوم على نوعين: النوع الأول: علم التأثير وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يعتقد أن هذه النجوم مؤثرة فاعلة، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث فهذا شرك مخرج عن الملة؛ لأنه جعل المخلوق خالقًا فادعى أن مع الله خالقًا آخر. القسم الثاني: أن يستدل بحركاتها وتنقلاتها على ما يحدث في المستقبل مثل أن يعتقد أن فلانًا ستكون حياته شقاء؛ لأنه ولد في النجم الفلاني، ونحو ذلك فهذا قد ادعى علم الغيب ودعوى علم الغيب كفر مخرج من الملة لأنه تكذيب لقوله - تعالى -: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ سورة النمل، الآية "٦٥" وهذا من أقوى أنواع الحصر لأنه بالنفي والاستثناء، فإذا ادعى علم الغيب فقد كذب القرآن. القسم الثالث: أن يعتقد أنها سبب لحدوث الخير والشر أي إنه إذا وقع شيء نسبه إلى النجوم، ولا ينسب إلى النجوم شيئًا إلا بعد وقوعه فهذا شرك أصغر لأنه أضاف الحوادث إلى ما ليس سببًا لها شرعًا ولا حسًا. فإن قيل: ينتقض هذا بما ثبت عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 470

«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده» فمعنى ذلك أنهما علامة إنذار. فالجواب: أن هذا لا يدل على أن للكسوف تأثيرًا في الحوادث من الجدب والقحط والحروب ولذلك قال النبي، ﷺ : «إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» . لا في ما مضى، ولا في المستقبل، وإنما يخوف الله بهما العباد لعلهم يرجعون. النوع الثاني: علم التسيير بأن يستدل بسيرها على شيء ما فهذا على قسمين: القسم الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية فهذا مطلوب، وإذا كان على مصالح دينية واجبة كان ذلك واجبًا، كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة، فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبله فهذا فيه فائدة عظيمة. القسم الثاني: أن يستدل بها على المصالح الدنيوية وهذا لا بأس به وهو نوعان: النوع الأول:أن يستدل بها على الجهات، كمعرفة أن القطب يقع شمالًا، والجدي وهو قريب منه يدور حوله شمالًا وهكذا، فهذا جائز قال - تعالى -: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ سورة النحل، الآية "١٦" . النوع الثاني: أن يستدل بها على الفصول؛ وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر، فهذا كرهه بعض السلف، وأباحه آخرون، والذين كرهوه قالوا: يخشى إذا قيل طلع النجم الفلاني فهو وقت الشتاء، أن بعض

стр. 471

العامة يعتقد أنه هو الذي يأتي بالبرد، أو بالحر، أو بالرياح. والصحيح عدم الكراهة. أما الحكمة من خلقها فالله قد خلق هذه النجوم لحكم كثيرة منها: الأولى: زينة للسماء قال -تعالى -: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ سورة الملك، الآية "٥" ولا يلزم من ذلك أن تكون النجوم مرصعة في السماء. فإن قيل: فما الجواب عن قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ سورة الملك، الآية "٥" قلنا: إنه لا يلزم من تزيين الشيء بالشيء أن يكون ملاصقًا له، أرأيت لو أن رجلًا عمر قصرًا وجعل حوله ثريات من الكهرباء كبيرة وجميلة وهي حول القصر وليست على جدرانه فالناظر إلى القصر من بعد يرى أنها زينة له وإن لم تكن ملاصقة له. الثانية: أنها رجوم للشياطين، أي لشياطين الجن الذين يسترقون السمع، فهم لهم قوة عظيمة نافذة قال- تعالى -عن عملهم لسليمان: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ سورة ص، الآيتان "٣٧ - ٣٨" وقال - تعالى -: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ سورة النمل، الآية "٣٩" أي من سبأ إلى الشام، وهوعرش عظيم لملكة سبأ فهذا يدل على قوته،

стр. 472

وسرعته ونفوذه. قال - تعالى - عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ سورة الجن، الآية " ٩ ". الثالثة: علامات يهتدى بها قال - تعالى -: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ سورة الجن، الآية " ٩ ". فالعلامات: تشمل كل ما جعل الله في الأرض من علامة كالجبال، والأنهار والطرق وهن علامات أرضية، ثم ذكر العلامة الأفقية في قوله - تعالى -: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ سورة النجم، الآية "١٦". والنجم اسم جنس يشمل كل ما يهتدى به ولا يختص بنجم معين؛ لأن لكل قوم طريقة في الاستدلال بهذه النجوم على الجهات سواء جهة القبلة، أو المكان برًا أو بحرًا، وهذه نعمة من الله أن جعل أشياء علوية لا يحجب دونها شيء لأنك في الليل لا تشاهد جبالًا، ولا أودية، ولا رملًا وهذا من تسخير الله -تعالى -. قال - تعالى -: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ سورة الجاثية، الآية "١٣". (٢٦٣) وسئل فضيلته: عن التنجيم وحكمه ؟ فأجاب بقوله: التنجيم مأخوذ من النجم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، بمعنى أن يربط المنجم ما يقع في الأرض، أو ما سيقع في الأرض بالنجوم بحركاتها، وطلوعها، وغروبها،

стр. 473

واقترانها، وافتراقها وما أشبه ذلك، والتنجيم نوع من السحر والكهانة وهو محرم؛ لأنه مبني على أوهام لا حقيقة لها، فلا علاقة لما يحدث في الأرض بما يحدث في السماء، ولهذا كان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم، فكسفت الشمس في عهد النبي ﷺ ، «في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم ﵁ فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب النبي ﷺ ، الناس حين صلى الكسوف وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» فأبطل النبي ﷺ ، ارتباط الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، وكما أن التنجيم بهذا المعنى نوع من السحر والكهانة فهو أيضًا سبب للأوهام والانفعالات النفسية التي ليس لها حقيقة ولا أصل، فيقع الإنسان في أوهام، وتشاؤمات، ومتاهات لا نهاية لها. وهناك نوع آخر من التنجيم وهو أن الإنسان يستدل بطلوع النجوم على الأوقات، والأزمنة، والفصول، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه، مثل أن نقول: إذا دخل نجم فلان فإنه يكون قد دخل موسم الأمطار، أو قد دخل وقت نضوج الثمار وما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه. (٢٦٤) سئل فضيلة الشيخ: ما العلاقة بين التنجيم والكهانة؟ وأيهما أخطر ؟ فأجاب قائلًا: العلاقة بين التنجيم والكهانة أن الكل مبني على الوهم والدجل، وأكل أموال الناس بالباطل، وإدخال الهموم والغموم عليهم وما أشبه ذلك.

стр. 474

وبالنسبة لخطرهما على المسلمين فهذا ينبني على شيوع هذا الأمر بين الناس فقد يكون في بعض البلاد لا أثر للتنجيم عندهم إطلاقًا ولا يهتمون به ولا يصدقون به، ولكن الكهانة منتشرة بينهم فتكون أخطر، وقد يكون الأمر بالعكس. لكن من حيث واقع الكهانة والتنجيم فإن الكهانة أخطر. (٢٦٥) سئل فضيلة الشيخ -رعاه الله-: عن حكم الاستسقاء بالأنواء ؟ . فأجاب بقوله: الاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: شرك أكبر وله صورتان. الصورة الأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا أسقنا أو أغثنا وما أشبه ذلك، فهذا شرك أكبر قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وقال : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا شرك في العبادة والربوبية. الصورة الثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذا النوء ولو لم يدعها على أنها هي الفاعلة لنفسها دون الله، بأن يعتقد أنها هي التي تنزل المطر دون الله فهذا شرك أكبر في الربوبية.

стр. 475

القسم الثاني: شرك أصغر وهو أن يجعل هذه الأنواء سببًا، والله هو الخالق الفاعل، وإنما كان شركًا أصغر؛ لأن كل من جعل سببًا لم يجعله الله سببًا لا بوحيه ولا بقدره، فهو مشرك شركًا أصغر. (٢٦٦) وسئل -حفظه الله-: عن حكم ربط المطر بالضغط الجوي والمنخفض الجوي ؟ فأجاب قائلًا: تعليق المطر بالضغط الجوي، والمنخفض الجوي -وهو وإن كان قد يكون سببًا حقيقيًّا- ولكن لا ينبغي فتح هذا الباب للناس، بل يقال: هذا من رحمة الله، هذا من فضله ونعمته، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ وقال : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فتعليق المطر بالمنخفضات الجوية من الأمور الجاهلية التي تصرف الإنسان عن تعلقه بربه. وليعلم أن النسبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: نسبة إيجاد وهذه شرك أكبر. القسم الثاني: نسبة سبب وهذه شرك أصغر. القسم الثالث: نسبة وقت وهذه جائزة. والله أعلم.

стр. 476

الطاغوت والشرك

стр. 477

(٢٦٧) وسئل -أعلى الله درجته في المهديين-: عن حكم اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو العكس ؟ فأجاب بقوله: اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتابعهم في ذلك راضيًا بقولهم مقدمًا له ساخطًا لحكم الله، فهو كافر لأنه كره ما أنزل الله، وكراهة ما أنزل الله كفر لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر. القسم الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيًا بحكم الله، وعالمًا بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه تابعهم في ذلك فهذا لا يكفر ولكنه فاسق. فإن قيل: لماذا لا يكفر؟ أجيب: بأنه لم يرفض حكم الله، ولكنه رضي به وخالفه لهوى في نفسه فهو كسائر أهل المعاصي. القسم الثالث: أن يتابعهم جاهلًا يظن أن ذلك حكم الله فينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يمكنه معرفة الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر فهو آثم؛ لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم.

стр. 478

القسم الثاني: أن يكون جاهلًا ولا يمكنه معرفة الحق بنفسه فيتابعهم بفرض التقليد يظن أن هذا هو الحق فلا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به وكان معذورًا بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله ﷺ : «أن من أفتى بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه» (١) . ولو قلنا بإثمه بخطأ غيره، للزم من ذلك الحرج والمشقة ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطأه. (٢٦٨) سئل فضيلة الشيخ: عن تعريف الطاغوت ؟ فأجاب بقوله: الطاغوت مشتق من الطغيان، والطغيان مجاوزة الحد ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يعني لما زاد الماء عن الحد المعتاد حملناكم في الجارية يعني السفينة. واصطلاحًا أحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره ابن القيم ﵀ أنه -أي الطاغوت-: "كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع أو مطاع". ومراده بالمعبود والمتبوع والمطاع غير الصالحين، أما الصالحون فليسوا طواغيت وإن عبدوا، أو اتبعوا، أو أطيعوا فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر، أو يدعون إلى البدع، وإلى تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله طواغيت والذين يزينون لولاة الأمر الخروج عن شريعة الإسلام طواغيت؛ لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم، فإن حد العالم أن يكون متبعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه

стр. 479

وسلم؛ لأن العلماء حقيقة ورثة الأنبياء، يرثونهم في أمتهم علمًا، وعملًا, وأخلاقًا، ودعوة، وتعليمًا، فإذا تجاوزوا هذا الحد وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت؛ لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة. وأما المطاع في قوله ﵀ فيريد به الأمراء الذي يطاعون شرعًا، أو قدرًا، فالأمراء يطاعون، شرعًا إذا أمروا بما لا يخالف أمر الله ورسوله فالواجب على الرعية إذا أمر ولي الأمر بأمر لا يخالف أمر الله الواجب عليهم السمع والطاعة، وطاعتهم لولاة الأمر في هذا الحال بهذا القيد طاعة الله ، ولهذا ينبغي أن نلاحظ حين ننفذ ما أمر به ولي الأمر مما تجب طاعته فيه أننا في ذلك نتعبد لله تعالى ونتقرب إليه بطاعته، حتى يكون تنفيذنا لهذا الأمر قربة إلى الله , وإنما ينبغي لنا أن نلاحظ ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . وأما طاعة الأمراء قدرًا فإن الأمراء إذا كانوا أقوياء في سلطتهم فإن الناس يطيعونهم بقوة السلطان, وإن لم يكن بوازع الإيمان؛ لأن طاعة ولي الأمر تكون بوازع الإيمان, وهذه هي الطاعة النافعة، النافعة لولاة الأمر، والنافعة للناس أيضًا، وقد تكون الطاعة بوازع السلطان بحيث يكون قويًّا يخشى الناس منه ويهابونه؛ لأنه ينكل بمن خالف أمره. ولهذا نقول: إن الناس مع حكامهم في هذه المسألة ينقسمون إلى أحوال أربع.

стр. 480

الحالة الأولى: أن يقوى الوازع الإيماني والرادع السلطاني وهذه أكمل الأحوال وأعلاها. الحالة الثانية: أن يضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني وهذه أدنى الأحوال وأخطرها على المجتمع، على حكامه ومحكوميه؛ لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني حصلت الفوضى الفكرية والخلقية، والعملية. الحالة الثالثة: أن يضعف الوازع الإيماني ويقوى الرادع السلطاني وهذه مرتبة وسطى؛ لأنه إذا قوي الرادع السلطاني صار أصلح للأمة في المظهر فإذا اختفت قوة السلطان فلا تسأل عن حال الأمة وسوء عملها. الحالة الرابعة: أن يقوى الوازع الإيماني ويضعف الرادع السلطاني فيكون المظهر أدنى منه في الحالة الثالثة, لكنه فيما بين الإنسان وربه أكمل وأعلى. والمهم أننا نقول: إنه ينبغي لنا عند تنفيذ أوامر السلطان أن نعتقد أننا نتقرب إلى الله بذلك. وإنما قال ابن القيم: إن الطاغوت "ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع " لأن الأمير الذي يطاع قد يأمر بما يخالف أمر الله ورسوله فإنه حينئذ لا سمع له ولا طاعة، ولا يجوز لنا أن نطيعه في معصية الله ؛ لأن الله تعالى جعل طاعتهم تابعة لطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، كما يفهم من سياق الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . ولم يقل: " وأطيعوا أولي الأمر منكم" فدل هذا على أن طاعتهم غير مستقلة بل هي تبع لطاعة

стр. 481

الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «إنما الطاعة في المعروف» أي فيما أقره الشرع، وأما ما أنكره فلا يجوز أن يطاع فيه أي مخلوق حتى لو كان الوالد أو الوالدة؛ لأن طاعة الله مقدمة على كل طاعة، فإذا أطاع الإنسان أميره أو ولي أمره في معصية الله فقد تجاوز به حده. (٢٦٩) سئل فضيلة الشيخ: عمن يدعي أنه ينفع ويضر وحكم تصديقه ؟ فأجاب قائلًا: هؤلاء الذين يدعون أنهم ينفعون، أو يضرون كذبة لا يجوز لأحد أن يصدقهم، ولا أن يسألهم، ويجب على من علم بهم أن يبلغ ولاة الأمور ليتخذوا اللازم، فلا أحد يملك النفع والضرر إلا الله وحده لا شريك له حتى النبي ﷺ قال الله له: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ . وأمره أن يقول: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ومن زعم أن أحدًا يملك الضرر، أو النفع بغير أسباب حسية معلومة، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه مكذب لله تعالى ولرسوله ﷺ . وإني أقول لهؤلاء الذين يتوهمون صدق ما قاله هؤلاء الدجاجلة أقول لهم: اثبتوا على دينكم وإيمانكم، واعلموا أنه لا يملك أحد الضرر والنفع إلا الله وحده لا شريك له، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 482

أنه قال لابن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» . وفي القرآن الكريم لما ذكر الله السحرة قال: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فالمهم أن هؤلاء كذبة فيما ادعوه من كونهم يملكون النفع والضرر، فإن ذلك إلى الله وحده لا شريك له، وعليهم أن يتوبوا إلى الله من هذا العمل، وأن يعترفوا بقصورهم وتقصيرهم، وأنهم ضعفاء أمام قدرة الله، وأنهم لا يملكون دفع الضرر عن أنفسهم فضلًا عن غيرهم، كما لا يملكون لأنفسهم جلب نفع فضلًا عن جلبه لغيرهم إلا ما شاء الله وعلى من يتوهم صدقهم أن يتوب إلى الله من تصديقهم, وأن يعلم أنهم كذبة، ولا حق لهم ولا حظ لهم في مثل هذه الأمور. (٢٧٠) سئل فضيلة الشيخ: عن أنواع الشرك ؟ فأجاب بقوله: سبق في غير هذا الموضع أن التوحيد يتضمن إثباتًا ونفيًّا، وأن الاقتصار فيه على النفي تعطيل، والاقتصار فيه على الإثبات لا يمنع المشاركة؛ فلهذا لا بد في التوحيد من النفي والإثبات، فمن لم يثبت حق الله على هذا الوجه فقد أشرك. والشرك نوعان: شرك أكبر مخرج عن الملة، وشرك دون ذلك. النوع الأول: الشرك الأكبر وهو: "كل شرك أطلقه الشارع وهو يتضمن خروج الإنسان عن دينه" مثل أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة لله لغير الله، كأن يصلي لغير الله، أو يصوم لغير الله، أو يذبح

стр. 483

لغير الله، وكذلك من الشرك الأكبر أن يدعو غير الله مثل أن يدعو صاحب قبر، أو يدعو غائبًا ليغيثه من أمر لا يقدر عليه إلا الله , وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم. النوع الثاني: الشرك الأصغر وهو: "كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة" مثل الحلف بغير الله فإن النبي ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله فهو مشرك شركًا أصغر، سواء كان هذا المحلوف به معظمًا من البشر أم غير معظم، فلا يجوز الحلف بالنبي ﷺ ولا برئيس ولا وزير, ولا يجوز الحلف بالكعبة، ولا بجبريل، وميكائيل؛ لأن هذا شرك، لكنه شرك أصغر لا يخرج من الملة. ومن أنواع الشرك الأصغر: الرياء مثل أن يقوم الإنسان يصلي لله ولكنه يزين صلاته؛ لأنه يعلم أن أحدًا من الناس ينظر إليه فيزين صلاته من أجل مراءاة الناس فهذا مشرك شركًاأصغر؛ لأنه فعل العبادة لله لكن أدخل عليها هذا التزيين مراءاة للخلق، وكذلك لو أنفق ماله في شيء يتقرب به إلى الله لكنه أراد أن يمدحه الناس بذلك, فإنه مشرك شركًا أصغر، وأنواع الشرك الأصغر كثيرة معلومة في كتب أهل العلم. (٢٧١) وسئل فضيلة الشيخ: هل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يشمل الشرك الأصغر ؟

стр. 484

فأجاب قائلًا: اختلف في ذلك أهل العلم: فمنهم من قال: يشمل كل شرك ولو كان أصغر كالحلف بغير الله فإن الله لا يغفره، وأما بالنسبة لكبائر الذنوب كالخمر والزنا فإنها تحت المشيئة إن شاء الله غفرها وإن شاء أخذ بها. وشيخ الإسلام اختلف كلامه، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر. وعلى كل حال يجب الحذر من الشرك مطلقًا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه الأصغر لأن قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أن وما بعدها في تأويل مصدر تقديره "إشراكًا به" فهو نكرة في سياق النفي فتفيد العموم. (٢٧٢) سئل فضيلة الشيخ: عن الجمع بين قول النبي ﷺ ،: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة» . وكذلك ما وقع إبان ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وقوله ﷺ : «إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب» ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الجمع بين النصوص المذكورة أن يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لا يقتضي عدم الوقوع؛ لأنه لا يعلم الغيب، فالشيطان لما رأى تخليص الجزيرة من الشرك وتوطيد دعائم التوحيد ظن أن لا شرك في الجزيرة بعد هذا، ولكن النبي ﷺ ، الذي ينطق بالوحي من الله تعالى، أخبر أنه سيكون ذلك. وأما وقوع ذلك في الجزيرة إبان ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب

стр. 485

رحمه الله تعالى فلا يخلو إما أن يكون لقلة العلماء، أو لعجزهم عن الإصلاح لغلبة الجهل وكثرة الجهال. والله أعلم بحقيقة الحال. (٢٧٣) سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول النبي ﷺ : «إن الشيطان يئس أن يعبد في هذه الجزيرة» "؟ فأجاب قائلًا: يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لا يدل على عدم الوقوع؛ لأنه لما حصلت الفتوحات وقوي الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا أيس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة. فالحديث خبر عما وقع في نفس الشيطان ذلك الوقت ولكنه لا يدل على انتفائه في الواقع. (٢٧٤) سئل فضيلته: عن حكم الرياء ؟ فأجاب بقوله: الرياء من الشرك الأصغر؛ لأن الإنسان أشرك في عبادته أحدًا غير الله، وقد يصل إلى الشرك الأكبر، وقد مثل ابن القيم ﵀ للشرك الأصغر بـ "يسير الرياء" وهذا يدل على أن كثير الرياء قد يصل إلى الشرك الأكبر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ والعمل الصالح ما كان صوابًا خالصًا، والخالص ما قصد به وجه الله، والصواب: ما كان على شريعة الله. فما قصد به غير الله فليس بصالح، وما خرج عن شريعة الله فليس بصالح, ويكون مردودًا على فاعله

стр. 486

لقول النبي ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» . الحديث. قال بعض العلماء: هذان الحديثان ميزان الأعمال فحديث النية ميزان الأعمال الباطنة والحديث الآخر ميزان الأعمال الظاهرة. (٢٧٥) سئل فضيلة الشيخ أعلى الله درجته في المهديين: عن حكم العبادة إذا اتصل بها الرياء ؟ فأجاب قائلًا: حكم العبادة إذا اتصل بها الرياء أن يقال: اتصال الرياء على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل كمن قام يصلي لله مراءاة الناس من أجل أن يمدحه الناس على صلاته فهذا مبطل للعبادة. الوجه الثاني: أن يكون مشاركًا للعبادة في أثنائها: بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله، ثم طرأ الرياء في أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين: الحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل. مثال ذلك رجل عنده مائة ريال يريد أن يتصدق بها فتصدق بخمسين منها صدقة خالصة، ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقية، فالأولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الباقية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص. الحال الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:

стр. 487

الأمر الأول: أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه بل يعرض عنه ويكرهه، فإنه لا يؤثر شيئًا لقوله، ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» . الأمر الثاني: أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذ تبطل جميع العبادة؛ لأن أولها مرتبط بآخرها. مثال ذلك أن يبتدئ الصلاة مخلصًا بها لله تعالى ثم يطرأ عليها الرياء في الركعة الثانية فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها. الوجه الثالث: أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة فإنه لا يؤثر عليها ولا يبطلها؛ لأنها تمت صحيحة فلا تفسد بحدوث الرياء بعد ذلك. وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، وليس من الرياء أن يسر الإنسان بفعل الطاعة؛ لأن ذلك دليل إيمانه قال النبي ﷺ : «من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن» . وقد سئل النبي ﷺ ، عن ذلك فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» . (٢٧٦) سئل فضيلة الشيخ: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عند قصدهم العلم والشهادة فكيف يتخلص طالب العلم من هذا الحرج ؟ فأجاب بقوله: يجاب عن ذلك بأمور: أحدها: أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذون هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة

стр. 488

الخلق إلا بهذه الوسيلة وبذلك تكون النية سليمة. الثاني: أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات فيدخل فيها بنية طلب العلم ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد. الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ . وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي. فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال: بأنه مخلص؟ أجيب: أنه أخلص العبادة ولم يرد بها الخلق إطلاقًا فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم على عبادته بل قصد أمرًا ماديًّا من ثمرات العبادة فليس كالمرائي الذي يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله ويريد أن يمدحوه به، لكنه بإرادة هذا الأمر المادي نقص إخلاصه فصار معه نوع من الشرك وصارت منزلته دون منزلة من أراد الآخرة. وبهذه المناسبة أود أن أنبه على أن بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية فمثلًا يقولون: في الصلاة رياضة وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة لإزالة الفضلات وترتيب الوجبات، والمفروض ألا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة، ولذلك بين الله تعالى في كتابه عن حكمة الصوم مثلًا أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل، والدنيوية ثانوية، وعندما نتكلم عند عامة الناس فإننا نخاطبهم

стр. 489

بالنواحي الدينية، وعندما نتكلم عند من لا يقتنع إلا بشيء مادي فإننا نخاطبه بالنواحي الدينية والدنيوية ولكل مقام مقال. (٢٧٧) سئل فضيلة الشيخ حفظه الله: عندما يهم الإنسان بعمل الخير، يأتي الشيطان فيوسوس له ويقول: إنك تريد ذلك رياء وسمعة. فيبعد عن فعل الخير، فكيف يمكن تجنب مثل هذا الأمر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يمكن تجنب مثل هذا الأمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والمضي قدمًا في فعل الخير، ولا يلتفت إلى هذه الوساوس التي تثبطه عن فعل الخير، وهو إذا أعرض عن هذا واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم زال عنه ذلك بإذن الله. (٢٧٨) سئل فضيلة الشيخ: جاء في الحديث «إنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه» ولكن ماذا يقال: عن أن هناك أزمنة انتشر فيها الشرك والبدع والجهل ثم أتى زمن بعدها كان خيرًا منها حيث محي الشرك أو تقلص وزالت البدع وانتشر العلم ومن أمثلة ذلك الفترة التي سبقت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ثم الفترة التي رافقت دعوته ؟ فأجاب بقوله: هذا الحديث قاله أنس بن مالك ﵁ حين شكا الناس إليه ما يجدون من الحجاج الثقفي فحدثهم بهذا الحديث عن النبي ﷺ ، «إنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده»

стр. 490

«شر منه حتى تلقوا ربكم» . والإنسان لا ينظر إلى جهة من الأرض أو إلى جيل من الناس وإنما النظر للعموم، فإذا قدر أن هذه الجهة من الأرض زال عنها الشرك والفتن بعد أن كان حالًّا فيها فلا يعني ذلك أنه رفع عن جميع الأرض أو خف في جميع الأرض، وهذا النص يقصد به العموم لا كل طائفة أو كل جهة من الأرض بعينها، وقد يقال: إن هذا الحديث بناء على الأغلب، فما وقع من خير بعد الشر ولو كان عامًّا فإنه يكون مخصصًا لهذا الحديث.

стр. 491

الحلف

стр. 492

(٢٧٩) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم حلف بالمصحف ؟ فأجاب قائلًا: هذا السؤال ينبغي أن نبسط الجواب فيه, وذلك أن القسم بالشيء يدل على تعظيم ذلك المقسم به تعظيمًا خاصًّا لدى المقسم، ولهذا لا يجوز لأحد أن يحلف إلا بالله تعالى بأحد أسمائه، أو بصفة من صفاته مثل أن يقول: والله لأفعلن، ورب الكعبة لأفعلن، وعزة الله لأفعلن، وما أشبه ذلك من صفات الله تعالى. والمصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله تعالى من صفاته وهو -أعني كلام الله- صفة ذاتية فعلية؛ لأنه بالنظر إلى أصله وأن الله لم يزل ولا يزال موصوفًا به؛ لأن الكلام كمال فهو من هذه الناحية من صفات الله الذاتية؛ إذ لم يزل ولا يزال متكلمًا فعالًا لما يريده، وبالنظر إلى آحاده يكون من الصفات الفعلية؛ لأنه يتكلم متى شاء قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فقرن القول بالإرادة وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته ومشيئته , والنصوص في هذا متضافرة كثيرة, وأن كلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وبهذا نعرف بطلان قول من يقول: إن كلام الله أزلي، ولا يمكن أن يكون تابعًا لمشيئته، وأنه هو المعنى القائم بنفسه، وليس هو الشيء المسموع الذي يسمعه من يكلمه الله , فإن هذا قول باطل حقيقته أن قائله جعل كلام الله المسموع مخلوقًا.

стр. 493

وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا يعرف باسم "التسعينية" بين فيه بطلان هذا القول من تسعين وجهًا. فإذا كان المصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله تعالى من صفاته فإنه يجوز الحلف بالمصحف بأن يقول الإنسان: والمصحف, ويقصد ما فيه من كلام الله وقد نص على ذلك فقهاء الحنابلة ﵏ ومع هذا فإن الأولى للإنسان أن يحلف بما لا يشوش على السامعين بأن يحلف باسم الله فيقول: والله، ورب الكعبة، أو والذي نفسي بيده وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا تستنكرها العامة ولا يحصل لديهم فيها تشويش، فإن تحديث الناس بما يعرفون وتطمئن إليه قلوبهم خير وأولى، وإذا كان الحلف إنما يكون بالله وأسمائه وصفاته؛ فإنه لا يجوز أن يحلف أحد بغير الله لا بالنبي ﷺ ، ولا بجبريل، ولا بالكعبة، ولا بغير ذلك من المخلوقات، قال النبي ﷺ : «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . وقال النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . فإذا سمع الإنسان شخصًا يحلف بالنبي، أو بحياة النبي، أو بحياة شخص آخر فلينهه عن ذلك، وليبين له أن هذا حرام ولا يجوز، ولكن ليكن نهيه وبيانه على وفق الحكمة حيث يكون باللطف واللين والإقبال على الشخص, وهو يريد نصحه وانتشاله من هذا المحرم؛ لأن بعض الناس تأخذه الغيرة عند الأمر والنهي فيغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه وربما يشعر في هذه الحال أنه ينهاه انتقامًا لنفسه فيلقي الشيطان في نفسه هذه العلة، ولو أن الإنسان أنزل الناس منازلهم ودعا إلى الله بالحكمة واللين والرفق لكان ذلك أقرب إلى القبول وقد ثبت عن النبي ﷺ : «إن الله يعطي على»

стр. 494

«الرفق ما لا يعطي على العنف» . ولا يخفى على الكثير ما حصل من النبي ﷺ ، في قصة «الأعرابي الذي جاء إلى المسجد فبال في طائفة منه فزجره الناس، وصاحوا به، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فلما قضى بوله دعاه النبي ﵊، وقال: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر وإنما هي للتكبير والتسبيح وقراءة القرآن» . أو كما قال ﷺ ، ثم أمر أصحابه أن يصبوا على البول ذنوبًا من ماء، فبهذا زالت المفسدة وطهر المكان، وحصل المقصود بالنسبة لنصيحة الأعرابي الجاهل، وهكذا ينبغي لنا نحن في دعوة عباد الله إلى دين الله أن نكون داعين إلى الله فنسلك الطريق التي تكون أقرب إلى إيصال الحق إلى قلوب الخلق وإصلاحهم والله الموفق. (٢٨٠) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الحلف بغير الله تعالى؟ وهل منه ما روي عن النبي ﷺ ، من قوله: «أفلح وأبيه إن صدق» أفتونا مأجورين ؟ فأجاب بقوله: الحلف بغير الله مثل أن يقول: وحياتك، أو حياتي، أو والنبي أو والسيد الرئيس، أو والشعب، أو ما أشبه ذلك، كل هذا محرم بل هو من الشرك؛ لأن هذا النوع من التعظيم لا يصلح إلا لله ومن عظم غير الله بما لا يكون إلا لله فهو شرك، لكن لما كان هذا الحالف لا يعتقد أن عظمة المحلوف به كعظمة الله لم يكن الشرك شركًا أكبر بل كان شركًا أصغر، فمن حلف بغير الله فقد أشرك شركًا أصغر، قال النبي ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم، من كان»

стр. 495

«حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . وقال ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . فلا تحلف بغير الله أيًّا كان المحلوف به حتى لو كان النبي ﷺ أو جبريل أو من دونهما من الرسل من الملائكة، أو البشر، أو من دون الرسل فلا تحلف بشيء سوى الله . وأما قول النبي ﷺ : «أفلح وأبيه إن صدق» فهذه الكلمة "وأبيه" اختلف الحفاظ فيها: فمنهم من أنكرها وقال: لم تصح عن النبي ﷺ , وبناء على ذلك فلا إشكال في الموضوع؛ لأن المعارض لا بد أن يكون قائمًا وإذا لم يكن المعارض قائمًا فهو غير مقاوم ولا يلتفت إليه. وعلى القول بأنها ثابتة فإن الجواب على ذلك: أن هذا من المشكل، والنهي عن الحلف بغير الله من المحكم، فيكون لدينا محكم ومتشابه وطريق الراسخين في العلم في المحكم والمتشابه أن يدعوا المتشابه ويأخذوا بالمحكم قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ . ووجه كونه متشابهًا أن فيه احتمالات متعددة: ١ - قد يكون هذا قبل النهي. ٢ - قد يكون هذا خاصًا بالرسول ﵊؛ لبعد الشرك في حقه.
следующие страницы →