Полный текст (10 899 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الحلف
стр. 492
(٢٧٩) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم حلف بالمصحف ؟
فأجاب قائلًا: هذا السؤال ينبغي أن نبسط الجواب فيه, وذلك أن القسم بالشيء يدل على تعظيم ذلك المقسم به تعظيمًا خاصًّا لدى المقسم، ولهذا لا يجوز لأحد أن يحلف إلا بالله تعالى بأحد أسمائه، أو بصفة من صفاته مثل أن يقول: والله لأفعلن، ورب الكعبة لأفعلن، وعزة الله لأفعلن، وما أشبه ذلك من صفات الله تعالى.
والمصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله تعالى من صفاته وهو -أعني كلام الله- صفة ذاتية فعلية؛ لأنه بالنظر إلى أصله وأن الله لم يزل ولا يزال موصوفًا به؛ لأن الكلام كمال فهو من هذه الناحية من صفات الله الذاتية؛ إذ لم يزل ولا يزال متكلمًا فعالًا لما يريده، وبالنظر إلى آحاده يكون من الصفات الفعلية؛ لأنه يتكلم متى شاء قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فقرن القول بالإرادة وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته ومشيئته , والنصوص في هذا متضافرة كثيرة, وأن كلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وبهذا نعرف بطلان قول من يقول: إن كلام الله أزلي، ولا يمكن أن يكون تابعًا لمشيئته، وأنه هو المعنى القائم بنفسه، وليس هو الشيء المسموع الذي يسمعه من يكلمه الله , فإن هذا قول باطل حقيقته أن قائله جعل كلام الله المسموع مخلوقًا.
стр. 493
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا يعرف باسم "التسعينية" بين فيه بطلان هذا القول من تسعين وجهًا.
فإذا كان المصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله تعالى من صفاته فإنه يجوز الحلف بالمصحف بأن يقول الإنسان: والمصحف, ويقصد ما فيه من كلام الله وقد نص على ذلك فقهاء الحنابلة ﵏ ومع هذا فإن الأولى للإنسان أن يحلف بما لا يشوش على السامعين بأن يحلف باسم الله فيقول: والله، ورب الكعبة، أو والذي نفسي بيده وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا تستنكرها العامة ولا يحصل لديهم فيها تشويش، فإن تحديث الناس بما يعرفون وتطمئن إليه قلوبهم خير وأولى، وإذا كان الحلف إنما يكون بالله وأسمائه وصفاته؛ فإنه لا يجوز أن يحلف أحد بغير الله لا بالنبي ﷺ ، ولا بجبريل، ولا بالكعبة، ولا بغير ذلك من المخلوقات، قال النبي ﷺ : «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» .
وقال النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . فإذا سمع الإنسان شخصًا يحلف بالنبي، أو بحياة النبي، أو بحياة شخص آخر فلينهه عن ذلك، وليبين له أن هذا حرام ولا يجوز، ولكن ليكن نهيه وبيانه على وفق الحكمة حيث يكون باللطف واللين والإقبال على الشخص, وهو يريد نصحه وانتشاله من هذا المحرم؛ لأن بعض الناس تأخذه الغيرة عند الأمر والنهي فيغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه وربما يشعر في هذه الحال أنه ينهاه انتقامًا لنفسه فيلقي الشيطان في نفسه هذه العلة، ولو أن الإنسان أنزل الناس منازلهم ودعا إلى الله بالحكمة واللين والرفق لكان ذلك أقرب إلى القبول وقد ثبت عن النبي ﷺ : «إن الله يعطي على»
стр. 494
«الرفق ما لا يعطي على العنف» . ولا يخفى على الكثير ما حصل من النبي ﷺ ، في قصة «الأعرابي الذي جاء إلى المسجد فبال في طائفة منه فزجره الناس، وصاحوا به، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فلما قضى بوله دعاه النبي ﵊، وقال: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر وإنما هي للتكبير والتسبيح وقراءة القرآن» . أو كما قال ﷺ ، ثم أمر أصحابه أن يصبوا على البول ذنوبًا من ماء، فبهذا زالت المفسدة وطهر المكان، وحصل المقصود بالنسبة لنصيحة الأعرابي الجاهل، وهكذا ينبغي لنا نحن في دعوة عباد الله إلى دين الله أن نكون داعين إلى الله فنسلك الطريق التي تكون أقرب إلى إيصال الحق إلى قلوب الخلق وإصلاحهم والله الموفق.
(٢٨٠) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الحلف بغير الله تعالى؟ وهل منه ما روي عن النبي ﷺ ، من قوله: «أفلح وأبيه إن صدق» أفتونا مأجورين ؟
فأجاب بقوله: الحلف بغير الله مثل أن يقول: وحياتك، أو حياتي، أو والنبي أو والسيد الرئيس، أو والشعب، أو ما أشبه ذلك، كل هذا محرم بل هو من الشرك؛ لأن هذا النوع من التعظيم لا يصلح إلا لله ومن عظم غير الله بما لا يكون إلا لله فهو شرك، لكن لما كان هذا الحالف لا يعتقد أن عظمة المحلوف به كعظمة الله لم يكن الشرك شركًا أكبر بل كان شركًا أصغر، فمن حلف بغير الله فقد أشرك شركًا أصغر، قال النبي ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم، من كان»
стр. 495
«حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . وقال ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . فلا تحلف بغير الله أيًّا كان المحلوف به حتى لو كان النبي ﷺ أو جبريل أو من دونهما من الرسل من الملائكة، أو البشر، أو من دون الرسل فلا تحلف بشيء سوى الله .
وأما قول النبي ﷺ : «أفلح وأبيه إن صدق» فهذه الكلمة "وأبيه" اختلف الحفاظ فيها:
فمنهم من أنكرها وقال: لم تصح عن النبي ﷺ , وبناء على ذلك فلا إشكال في الموضوع؛ لأن المعارض لا بد أن يكون قائمًا وإذا لم يكن المعارض قائمًا فهو غير مقاوم ولا يلتفت إليه.
وعلى القول بأنها ثابتة فإن الجواب على ذلك: أن هذا من المشكل، والنهي عن الحلف بغير الله من المحكم، فيكون لدينا محكم ومتشابه وطريق الراسخين في العلم في المحكم والمتشابه أن يدعوا المتشابه ويأخذوا بالمحكم قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
ووجه كونه متشابهًا أن فيه احتمالات متعددة:
١ - قد يكون هذا قبل النهي.
٢ - قد يكون هذا خاصًا بالرسول ﵊؛ لبعد الشرك في حقه.
стр. 496
٣ - قد يكون هذا مما يجري على اللسان بغير قصد.
ولما كانت هذه الاحتمالات وغيرها واردة على هذه الكلمة -إن صحت- عن الرسول، ﵊، صار الواجب علينا أن نأخذ بالمحكم وهو النهي عن الحلف بغير الله.
ولكن يقول: بعض الناس إن الحلف بغير الله قد جرى على لساني ويصعب علي أن أدعه فما الجواب؟
نقول: إن هذا ليس بحجة بل جاهد نفسك على تركه والخروج منه, وحاول بقدر ما تستطيع أن تمحو من لسانك هذه الكلمة؛ لأنها شرك, والشرك خطره عظيم ولو كان أصغر حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: "الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر". وقال ابن مسعود ﵁: " لئن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا ". قال شيخ الإسلام: وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكبيرة.
(٢٨١) وسئل أيضًا: عن حكم الحلف بغير الله؟ والحلف بالقرآن الكريم ؟
فأجاب بقوله: الحلف بغير الله أو بغير صفة من صفاته محرم وهو نوع من الشرك؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . وجاء عنه ﷺ ، أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم. وثبت عنه ﷺ ، أنه قال: " «من»
стр. 497
«قال واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله» . وهذا إشارة إلى أن الحلف بغير الله شرك يطهر بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله.
وعلى هذا فيحرم على المسلم أن يحلف بغير الله لا بالكعبة، ولا بالنبي ﷺ ، ولا بجبريل ولا بولي من أولياء الله، ولا بخليفة من خلفاء المسلمين، ولا بالشرف، ولا بالقومية، ولا بالوطنية كل حلف بغير الله فهو محرم وهو نوع من الشرك والكفر.
وأما الحلف بالقرآن الكريم فإنه لا بأس به؛ لأن القرآن الكريم كلام الله تكلم الله به حقيقة بلفظه مريدًا لمعناه وهو موصوف بالكلام فعليه يكون الحلف بالقرآن الكريم حلفًا بصفة من صفات الله وذلك جائز.
(٢٨٢) وسئل: عن حكم الحلف بغير الله؟ والحلف بآيات الله ؟
فأجاب قائلًا: الحلف لا يجوز إلا بالله أو صفة من صفاته، أما الحلف بغير الله فهو شرك سواء كان المحلوف به وجيهًا عند الله أم كان من سائر العباد؛ ولهذا لا يجوز لنا أن نحلف بالنبي، أو أن نحلف بجبريل، أو بالكعبة، أو بأي شيء من المخلوقات قال النبي ﷺ : «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . وقال النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . والنبي محمد ﷺ ، هو نفسه لا يرضى أن يحلف به «ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندًّا»
стр. 498
«بل ما شاء الله وحده» .
فيحلف المرء بالله فيقول: والله، والرحمن، ورب العالمين، ومجري السحاب، ومنزل الكتاب وما أشبه ذلك، وكذلك يحلف بصفاته مثل وعزة الله، وقدرة الله، وما أشبه ذلك، ويحلف بالمصحف؛ لأنه كلام الله، لأنه لا يريد الحلف بالورق والجلود وإنما يريد الحلف بما تضمنته هذه الأوراق.
وأما قول السائل: هل يجوز الحلف بآيات الله بأن يقول الإنسان: وآيات الله أو بآيات الله لأفعلن كذا؟
فنقول في الجواب: إن قصد بالآيات الآيات الشرعية وهي القرآن الكريم فلا بأس، وإن قصد بالآيات الآيات الكونية كالشمس، والقمر والليل والنهار فهذا لا يجوز. والله أعلم.
(٢٨٣) وسئل فضيلته عن حكم القسم بقول: "وحياة الله"، وقول المرأة لزوجها: "حرام علي ربنا أن تفعل كذا"، وقولهم: "حد الله بيني وبينك "؟
فأجاب بقوله: أما صيغة القسم بقول الإنسان: "وحياة الله" فهذه لا بأس بها؛ لأن القسم يكون بالله وبأي اسم من أسمائه، ويكون كذلك بصفاته كالحياة، والعلم، والعزة والقدرة وما أشبه ذلك, فيجوز أن يقول الحالف: وحياة الله، وعلم الله، وعزة الله، وقدرة الله، وما أشبه هذا مما يكون من صفات الله , كما يجوز القسم
стр. 499
بالقرآن الكريم لأنه كلام الله، وبالمصحف لأنه مشتمل على كلام الله .
أما قول تلك المرأة: "حرام علي ربنا" فإذا كانت تقصد أن الله حرام عليها فهذا لا معنى له، ولا يجوز مثل هذا الكلام، فما معنى هذا التحريم؟ هل معناه عبادة الله حرام عليها لا أدري ما معنى هذا الكلام.
أما إذا كانت تريد حرام علي هذا الشيء، وحرام علي أن لا تفعل أنت هذا الشيء وتقصد بربنا أي يا ربنا فهذه صيغة لتحريم الشيء، والشيء إذا حرم وقصد به الإنسان الامتناع عنه صار بمنزلة اليمين كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . فجعل الله هذا التحريم يمينًا وقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فالإنسان إذا قال: هذا حرام علي، أو حرام علي إن لم أفعل كذا وقصده بذلك الامتناع عن هذا الشيء فحكمه حكم اليمين بمعنى أن نقول كأنك قلت: "والله لا أفعل هذا الشيء، أو والله لا ألبس هذا الثوب، أو والله لا آكل هذا الطعام" فإذا حنث كفر كفارة يمين.
وأما بالنسبة للصيغة الثالثة: "حد الله بيني وبينك" فهذا كأنه من باب الاستعاذة بالله والاستعاذة بالله أمر النبي ﷺ ، أن يجاب الإنسان عليها بمعنى أنه إذا استعاذ الرجل بالله وجب علينا أن نعيذه، إلا إذا كان ظالمًا في هذه الاستعاذة فإن الله لا يجيره إذا كان ظالمًا مثل لو أردنا أن نأخذ الزكاة من
стр. 500
شخص لا يؤديها فقال: أعوذ بالله منكم، فإننا لا نعيذه لأن إعاذته مقتضاها إقراره على معصية الله , والله لا يرضى ذلك فإذا كان الله لا يرضاه فنحن لا نوافقه عليه، فالمهم أن من استعاذ بالله فإننا مأمورون بإعاذته وتجنبه ما لم يستعذ بالله من أمر واجب عليه يخاف أن نلزمه به فإننا لا نعيذه في هذه الحال. والله المستعان.
(٢٨٤) وسئل -حفظه الله تعالى-: عن حكم الحلف بالنبي ﷺ والكعبة؟ والشرف والذمة؟ وقول الإنسان "بذمتي "؟
فأجاب بقوله: الحلف بالنبي، ﵊، لا يجوز بل هو نوع من الشرك، وكذلك الحلف بالكعبة لا يجوز بل هو نوع من الشرك؛ لأن النبي ﷺ ، والكعبة كلاهما مخلوقان والحلف بأي مخلوق نوع من الشرك.
وكذلك الحلف بالشرف لا يجوز، وكذلك الحلف بالذمة لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . وقال ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» .
لكن يجب أن نعلم أن قول الإنسان: "بذمتي" لا يراد به الحلف ولا القسم بالذمة، وإنما يراد بالذمة العهد، يعني هذا على عهدي ومسئوليتي هذا هو المراد بها، أما إذا أراد بها القسم فهي قسم بغير الله فلا يجوز، لكن
стр. 501
الذي يظهر لي أن الناس لا يريدون بها القسم إنما يريدون بالذمة العهد والذمة بمعنى العهد.
(٢٨٥) وسئل: عن قول الإنسان: "والله وحياتك "؟
فأجاب قائلًا: قوله: "والله وحياتك" فيها نوعان من الشرك:
الأول: الحلف بغير الله.
الثاني: الإشراك مع الله بقوله: "والله وحياتك" وضمها إلى الله بالواو المقتضية للتسوية.
والقسم بغير الله إن اعتقد أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة فهو شرك أكبر وإلا فهو شرك أصغر.
(٢٨٦) وسئل فضيلته: عن حكم القسم بصفة من صفات الله تعالى ؟
فأجاب قائلًا: القسم بصفة من صفات الله تعالى جائز مثل أن تقول: وعزة الله لأفعلن، وقدرة الله لأفعلن وما أشبه ذلك، وقد نص على هذا أهل العلم حتى قالوا: إنه لو أقسم بالمصحف لكان جائزًا؛ لأن المصحف مشتمل على كلام الله وكلام الله من صفاته.
(٢٨٧) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم من لم يقتنع بالحلف بالله ؟
فأجاب قائلًا: من لم يقتنع بالحلف بالله فلا يخلو ذلك من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون ذلك من الناحية الشرعية فإنه يجب الرضا بالحلف بالله فيما إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فحلف فيجب الرضا بهذا الحكم الشرعي.
стр. 502
الأمر الثاني: أن يكون ذلك من الناحية الحسية، ففي هذا تفصيل:
أولًا: إذا كان الحالف موضع صدق وثقة فإنك ترضى بيمينه.
ثانيًا: إذا كان غير ذلك أن ترفض الرضا بيمينه، ولهذا «لما قال النبي ﷺ لحويصة ومحيصة: "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا" قالوا: كيف نرضى يا رسول الله بأيمان اليهود؟ فأقرهم النبي ﷺ على ذلك.»
(٢٨٨) وسئل فضيلة الشيخ: عما يقوله بعض الناس: "أنا نصراني لو فعلت كذا .. "؟
فأجاب بقوله: هذا من باب اليمين فحكمه حكم اليمين، إذا حنث فيه يكفر كفارة يمين إذا تمت شروط الكفارة، لكن ينبغي للإنسان أن يحلف بالله ؛ لأن بعض الناس يظن أن هذه العبارة أوكد من الحلف بالله، فيريد أن يؤكد ما يقول بمثل هذه العبارة، ولكننا نقول: يفعل ما أرشد إليه النبي ﵊، في قوله: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» .
стр. 503
القبور
стр. 504
(٢٨٩) سئل فضيلة الشيخ: عمن يعبد القبور بالطواف حولها ودعاء أصحابها والنذر لهم إلى غير ذلك من أنواع العبادة ؟
فأجاب بقوله: هذا السؤال سؤال عظيم، وجوابه يحتاج إلى بسط بعون الله فنقول: إن أصحاب القبور ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: قسم تُوفي على الإسلام ويُثني الناس عليه خيرًا فهذا يُرجى له الخير، ولكنه مفتقر إلى إخوانه المسلمين يدعون الله له بالمغفرة والرحمة وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وهو بنفسه لا ينفع أحدًا إذ إنه ميت جثة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الضر ولا عن غيره، ولا أن يجلب لنفسه النفع ولا لغيره فهو محتاج إلى نفع إخوانه غير نافع لهم.
القسم الثاني من أصحاب القبور: من أفعاله تؤدي إلى فسقه الفسق المخرج من الملة كأولئك الذين يدعون أنهم أولياء، ويعلمون الغيب ويشفون من المرض، ويجلبون الخير والنفع بأسباب غير معلومة حسًّا ولا شرعًا، فهؤلاء الذين ماتوا على الكفر، لا يجوز الدعاء لهم ولا الترحم عليهم؛ لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾
стр. 505
وهم لا ينفعون أحدًا ولا يضرونه ولا يجوز لأحد أن يتعلق بهم، وإن قُدر أن أحدًا رأى كرامات لهم مثل أن يتراءى له أن في قبورهم نورًا، أو أنه يخرج منها رائحة طيبة أو ما أشبه ذلك وهم معروفون بأنهم ماتوا على الكفر فإن هذا من خداع إبليس وغروره ليفتن هؤلاء بأصحاب هذه القبور.
وإنني أحذر إخواني المسلمين من أن يتعلقوا بأحد سوى الله , فإنه هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله، ولا يجيب دعوة المضطر إلا الله، ولا يكشف السوء إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ . ونصيحتي لهم أيضًا أن لا يقلدوا في دينهم ولا يتبعوا أحدًا إلا رسول الله ﷺ ؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ولقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
ويجب على جميع المسلمين أن يَزِنُوا أعمال من يدعي الولاية بما جاء في الكتاب والسنة فإن وافق الكتاب والسنة فإنه يرجى أن يكون من أولياء الله, وإن خالف الكتاب والسنة فليس من أولياء الله, وقد ذكر الله في كتابه ميزانًا قسطًا عدلًا في معرفة أولياء الله حيث قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
стр. 506
فمن كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا، ومن لم يكن كذلك فليس بولي لله، وإن كان معه بعض الإيمان والتقوى كان فيه شيء من الولاية، ومع ذلك فإننا لا نجزم لشخص بعينه بشيء ولكننا نقول على سبيل العموم: كل من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا.
وليعلم أن الله قد يفتن الإنسان بشيء من مثل هذه الأمور, فقد يتعلق الإنسان بالقبر فيدعو صاحبه أو يأخذ من ترابه يتبرك به فيحصل مطلوبه, ويكون ذلك فتنة من الله ؛ لهذا الرجل لأننا نعلم أن هذا القبر لا يجيب الدعاء, وأن هذا التراب لا يكون سببًا لزوال ضرر أو جلب نفع نعلم ذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة تدل على أن كل من دعي من دون الله فلن يستجيب الدعاء ولن ينفع الداعي، ولكن قد يحصل المطلوب المدعو به عند دعاء غير الله فتنة وامتحانًا ونقول: إنه حصل هذا الشيء عند الدعاء -أي عند دعاء هذا الذي دعي من دون الله- لا بدعائه وفرق بين حصول الشيء بالشيء، وبين حصول الشيء عند الشيء, فإننا نعلم علم اليقين أن دعاء غير الله
стр. 507
ليس سببًا لجلب النفع أو دفع الضرر بالآيات الكثيرة التي ذكرها الله في كتابه, ولكن قد يحصل الشيء عند هذا الدعاء فتنة وامتحانًا، والله تعالى قد يبتلي الإنسان بأسباب المعصية؛ ليعلم من كان عبدًا لله ومن كان عبدًا لهواه، ألا ترى إلى أصحاب السبت من اليهود حيث حرم الله عليهم أن يصطادوا الحيتان في يوم السبت فابتلاهم الله فكانت الحيتان تأتي يوم السبت بكثرة عظيمة وفي غير يوم السبت تختفي فطال عليهم الأمد، وقالوا: كيف نحرم أنفسنا هذه الحيتان ثم فكروا وقدروا ونظروا فقالوا: نجعل شبكة ونضعها يوم الجمعة ونأخذ الحيتان منها يوم الأحد، فأقدموا على هذا الفعل الذي هو حيلة على محارم الله فقلبهم الله قردة خاسئين قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقال : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ فانظر كيف يسر الله لهم هذه الحيتان في اليوم الذي منعوا من صيدها فيه ولكنهم -والعياذ بالله- لم يصبروا فقاموا بهذه الحيلة على محارم الله.
ثم انظر إلى ما حصل لأصحاب النبي ﷺ ، حيث ابتلاهم الله تعالى وهم محرمون بالصُّيود المحرمة على المحرم فكانت في متناول أيديهم ولكنهم ﵃ لم يجرءوا على شيء منها
стр. 508
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ كانت الصيود في متناول أيديهم يمسكون الصيد العادي باليد وينالون الصيد الطائر بالرماح فيسهل عليهم جدا، ولكنهم ﵃ خافوا الله فلم يقدموا على أخذ شيء من الصيود.
وهكذا يجب على المرء إذا هيئت له أسباب الفعل المحرم أن يتقي الله , وأن لا يقدم على فعل هذا المحرم, وأن يعلم أن تيسير أسبابه من باب الابتلاء والامتحان فليحجم وليصبر فإن العاقبة للمتقين.
(٢٩٠) وسئل -جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء- عن حكم النذر والتبرك بالقبور، والأضرحة ؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: النذر عبادة لا يجوز إلا لله وكل من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فإنه مشرك كافر، قد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
وأما التبرك بها: فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله فهذا شرك في الربوبية مخرج عن الملة، وإن كان يعتقد أنها سبب وليست تنفع من دون الله فهو ضال غير مصيب، وما اعتقده فإنه من الشرك الأصغر، فعلى من ابتلي بمثل هذه المسائل أن يتوب إلى الله , وأن يقلع عن ذلك قبل أن يفاجئه الموت، فينتقل من الدنيا على
стр. 509
أسوأ حال، وليعلم أن الذي يملك الضر والنفع هو الله , وأنه هو ملجأ كل أحد، كما قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، وبدلًا من أن يتعب نفسه في الالتجاء إلى قبر فلان وفلان، ممن يعتقدونهم أولياء، ليلتفت إلى ربه وليسأله جلب النفع ودفع الضر، فإن الله هو الذي يملك هذا.
(٢٩١) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجيب عباد القبور الذين يحتجون بدفن النبي ﷺ في المسجد النبوي ؟
فأجاب بقوله: الجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر بل بني في حياة النبي ﷺ .
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد؛ بل دفن ﷺ في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول ﷺ ، ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق الصحابة, بل بعد أن انقرض أكثرهم، وذلك في عام أربعة وتسعين هجرية تقريبًا، فليس مما أجازه الصحابة؛ بل إن بعضهم خالف في ذلك, وممن خالف أيضًا سعيد بن المسيب.
стр. 510
الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد حتى بعد إدخاله؛ لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد فليس المسجد مبنيًّا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظًا ومحوطًا بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة أي أنه مثلث، والركن في الزاوية الشمالية حيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى؛ لأنه منحرف، وبهذا يبطل احتجاج أهل القبور بهذه الشبهة.
(٢٩٢) سُئل فضيلة الشيخ: عن رجل بنى مسجدًا وأوصى أن يدفن فيه فدفن فما العمل الآن ؟
فأجاب بقوله: هذه الوصية أعني الوصية أن يدفن في المسجد غير صحيحة؛ لأن المساجد ليست مقابر، ولا يجوز الدفن في المسجد، وتنفيذ هذه الوصية محرم، والواجب الآن نبش هذا القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين.
(٢٩٣) وسُئل فضيلته: عن حكم البناء على القبور ؟
فأجاب بقوله: البناء على القبور محرم وقد نهى عنه النبي ﷺ لما فيه من تعظيم أهل القبور, وكونه وسيلة وذريعة إلى أن تعبد هذه القبور وتتخذ آلهة مع الله كما هو الشأن في كثير من الأبنية التي بنيت على القبور فأصبح الناس يشركون بأصحاب هذه القبور، ويدعونها مع الله تعالى ودعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم لكشف الكربات شرك أكبر وردة عن الإسلام. والله المستعان.
стр. 511
(٢٩٤) وسئل الشيخ -حفظه الله- تعالى: عن حكم دفن الموتى في المساجد ؟
فأجاب قائلًا: الدفن في المساجد نهى عنه النبي ﷺ ، ونهى عن اتخاذ المساجد على القبور, ولعن من اتخذ ذلك وهو في سياق الموت يحذر أمته, ويذكر ﷺ أن هذا من فعل اليهود والنصارى؛ ولأن هذا وسيلة إلى الشرك بالله ؛ لأن إقامة المساجد على القبور, ودفن الموتى فيها وسيلة إلى الشرك بالله في أصحاب هذه القبور, فيعتقد الناس أن أصحاب هذه القبور المدفونين في المساجد ينفعون أو يضرون أو أن لهم خاصية تستوجب أن يُتَقَرب إليهم بالطاعات من دون الله , فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذه الظاهرة الخطيرة, وأن تكون المساجد خالية من القبور مؤسسة على التوحيد والعقيدة الصحيحة قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ فيجب أن تكون المساجد لله خالية من مظاهر الشرك تؤدى فيها عبادة الله وحده لا شريك له هذا هو واجب المسلمين. والله الموفق.
(٢٩٥) وسئل: عن حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر ؟
فأجاب بقوله: إذا كان هذا المسجد مبنيًّا على القبر فإن الصلاة فيه محرمة, ويجب هدمه لأن النبي ﷺ ، لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد تحذيرًا مما صنعوا.
وأما إذا كان المسجد سابقًا على القبر فإنه يجب إخراج القبر من
стр. 512
المسجد ويدفن فيما يدفن فيه المسلمون، ولا حرج علينا في هذه الحال إذا نبشنا هذا القبر؛ لأنه دُفِن في مكان لا يحل أن يدفن فيه فإن المساجد لا يحل دفن الموتى فيها.
والصلاة في المسجد إذا كان سابقًا على القبر صحيحة بشرط ألا يكون القبر في ناحية القبلة فيصلي الناس إليه؛ لأن النبي صلى عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور وبالإمكان إذا لم يتمكنوا من نبش القبر أن يهدموا سور المسجد.
(٢٩٦) وسئل فضيلة الشيخ: عن المراد بقول النبي ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا "؟
فأجاب بقوله: اختلف في المعنى المراد بقول النبي ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" على قولين:
القول الأول: أن المعنى لا تدفنوا فيها موتاكم وهذا ظاهر اللفظ، ولكنه أورد على ذلك دفن النبي ﷺ في بيته. وأجيب بأنه من خصائصه.
القول الثاني: أن المعنى لا تجعلوا البيوت مثل المقابر لا تصلون فيها؛ لأنه من المتقرر عندهم أن المقابر لا يصلى فيها، ويؤيده ما جاء في بعض الطرق "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورًا".
وكلا المعنيين صحيح فإن الدفن في البيوت وسيلة إلى الشرك، ولأن العادة المتبعة من عهد النبي ﷺ إلى يومنا أن الدفن مع المسلمين، ولأنه يضيق على الورثة وربما يستوحشون منه، وقد يحدث عنده من الأفعال المحرمة ما يتنافى مع مقصود الشارع وهو تذكير الآخرة.
стр. 513
وفي هذا الحديث دليل على أن المقابر ليست محلا للصلاة؛ لأن اتخاذ المقابر مكانًا للصلاة سبب للشرك.
والحديث يدل أيضًا على أن الأفضل أن المرء يجعل من صلاته في بيته، وذلك جميع النوافل لقوله ﷺ : «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» إلا ما ورد في الشرع أن يفعل في المسجد مثل صلاة الكسوف، وقيام الليل في رمضان، حتى ولو كانت في مكة أو المدينة فإن صلاة النافلة في بيتك أفضل لعموم الحديث، ولأن النبي ﷺ قال ذلك وهو في المدينة.
(٢٩٧) وسئل أيضًا: عن حكم إضاءة مقامات الأولياء ونذر ذلك ؟
فأجاب فضيلته: إضاءة مقامات الأولياء والأنبياء التي يريد بها السائل قبورهم هذه الإضاءة محرمة, وقد ورد عن النبي ﷺ لعن فاعليها فلا يجوز أن تضاء هذه القبور وفاعل ذلك ملعون على لسان رسول الله ﷺ ، فعلى هذا إذا نذر الإنسان إضاءة هذا القبر فإن نذره محرم وقد قال النبي ﷺ : «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . فلا يجوز له أن يفي بهذا النذر.
ولكن هل يجب عليه أن يكفر كفارة يمين لعدم وفائه بنذره أو لا يجب؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، والاحتياط أن يكفر كفارة يمين عن عدم وفائه بهذا النذر. والله أعلم.
(٢٩٨) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم إسراج المقابر ؟
فأجاب قائلًا: المقبرة التي لا يحتاج الناس إليها كما لو كانت المقبرة
стр. 514
واسعة، وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فيه فلا حاجة إلى إسراجه، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله فقد يقال: بجوازه لأنها لا تسرج إلا بالليل فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر بل اتخذت للحاجة. ولكن الذي نرى المنع مطلقًا للأسباب الآتية:
السبب الأول: أنه ليس هناك ضرورة.
السبب الثاني: أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك فيمكنهم أن يحملوا سراجًا معهم.
السبب الثالث: أنه إذا فتح هذا الباب فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد.
أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه، فلا بأس بإضاءتها؛ لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد.
(٢٩٩) وسئل فضيلته: عن حكم السفر لزيارة قبر النبي ﷺ ؟
فأجاب بقوله: شد الرحال إلى زيارة القبور أيًّا كانت هذه القبور لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» والمقصود بهذا أنه لا تشد الرحال إلى أي مكان في الأرض لقصد العبادة بهذا الشد؛ لأن الأمكنة التي تخصص بشد الرحال هي المساجد الثلاثة فقط وما عداها من الأمكنة لا تشد إليها الرحال فقبر النبي ﷺ ، لا تشد الرحال إليه, وإنما تشد الرحال إلى مسجده فإذا وصل المسجد فإن الرجال يسن لهم زيارة قبر النبي ﷺ ، وأما النساء فلا يسن لهن زيارة قبر النبي ﷺ ، والله الموفق.
стр. 515
(٣٠٠) سئل فضيلة الشيخ: هناك مسجد في اليمن يقال: إنه مسجد معاذ بن جبل المشهور بمسجد الجند، ويأتي الناس لزيارته في الجمعة من شهر رجب من كل سنة رجالًا ونساء, فما حكم هذا العمل وما نصيحتكم لهؤلاء ؟
فأجاب بقوله: هذا غير مسنون لأمور:
أولًا: لأنه لم يثبت أن معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن اختط مسجدًا له هناك، وإذا لم يثبت ذلك, فإن دعوى أن هذا المسجد له دعوى بغير بينة، وكل دعوى بغير بينة فإنها غير مقبولة.
ثانيًا: لو ثبت أن معاذ بن جبل اختط مسجدًا هناك فإنه لا يشرع إتيانه وشد الرحل إليه، بل شد الرحل إلى مساجد غير المساجد الثلاثة منهي عنه، قال النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
ثالثًا: أن تخصيص هذا العمل بشهر رجب بدعة أيضًا فإن شهر رجب لم يخص بشيء من العبادات لا بصوم ولا بصلاة وإنما حكمه حكم الأشهر الحرم الأخرى، والأشهر الحرم هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم. هذه الأشهر التي قال الله تعالى عنها في كتابه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ولم يثبت أن شهر رجب خص من بينها في شيء لا بصيام ولا بقيام، فإذا خص الإنسان هذا الشهر بشيء من العبادات من غير أن يثبت ذلك عن النبي ﷺ ، كان
стр. 516
مبتدعًا لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» . فنصيحتي لإخوتي هؤلاء الذين يقومون بهذا العمل في الحضور إلى المسجد الذي يزعم أنه مسجد معاذ في اليمن أن لا يتعبوا أنفسهم ويتلفوا أموالهم ويضيعوها في هذا الأمر الذي لا يزيدهم من الله إلا بعدًا, ونصيحتي لهم أن يصرفوا همهم إلى ما ثبتت مشروعيته في كتاب الله وسنة نبيه، ﷺ ، وهذا كافٍ للمؤمن، والله الموفق.
(٣٠١) سئل فضيلة الشيخ: هل استجاب الله دعوة نبيه ﷺ بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد أو اقتضت حكمته غير ذلك ؟
فأجاب بقوله: يقول ابن القيم: إن الله استجاب له فلم يذكر أن قبره ﷺ جعل وثنًا، بل إنه حمي قبره بثلاثة جدران فلا أحد يصل إليه حتى يجعله وثنًا يعبد من دون الله، ولم نسمع في التاريخ أنه جعل وثنًا.
صحيح أنه يوجد أناس يغلون فيه، ولكن لم يصلوا إلى جعل قبره وثنًا. ولكن قد يعبدون الرسول ﷺ ولو في مكان بعيد.
(٣٠٢) وسئل فضيلته: عن رجل توفي وبعد مدة رآه رجل في المنام وطلب منه أن يخرجه من القبر ويبني له مقامًا ففعل فما حكم هذا العمل ؟
стр. 517
فأجاب قائلًا: الحكم في هذا أنه فعل محرم، وأن المرائي التي ترى في المنام إذا كانت مخالفة للشرع فإنها باطلة، وهي من ضرب الأمثلة التي يضربها الشيطان ومن وحي الشيطان, فلا يجوز تنفيذها أبدًا؛ لأن الأحكام الشرعية لا تتغير بالمنامات، والواجب عليهم الآن أن يهدموا هذا المقام الذي بنوه له، وأن يردوه إلى مقابر المسلمين.
ونصيحتي لهؤلاء وأمثالهم أن يعرضوا كل ما رأوه في المنام على الكتاب والسنة، فما خالف الكتاب والسنة، فمطروح مردود ولا عبرة به، ولا يجوز للإنسان أن يعتمد في أمور دينه على هذه المرائي الكاذبة؛ لأن الشيطان أقسم بعزة الله أن يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين، فمن كان مخلِّصًا لله ومخلَّصًا له، متبعًا لدينه، مبتغيًا لدينه, فإنه يسلم من إغواء الشيطان وشره، وأما من كان على خلاف ذلك فإن الشيطان يتلاعب به في عبادته، وفي اعتقاداته، وفي أفكاره، وفي أعماله، فليحذره، يقول الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ .
(٣٠٣) سئل فضيلة الشيخ: عن مقبرة قديمة أصبحت طريقًا للناس والبهائم كيف يعمل بها ؟
فأجاب بقوله: أود أن أبين بهذه المناسبة أن لأصحاب القبور حقوقًا؛ لأنهم مسلمون، ولهذا نهى النبي ﷺ أن يوطأ على القبر وأن يجلس عليه، وقال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر» وكما نهى النبي صلى الله عليه
стр. 518
وسلم، عن امتهان القبور فإنه نهى أيضًا عن تعظيمها بما يفضي إلى الغلو والشرك، فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه.
وهذه القضية التي ذكرت في السؤال المقبرة القديمة التي أصبحت ممرًّا وطريقًا للمشاة والسيارات ومرعى للبهائم يجب أن يرفع أمرها إلى ولاة الأمور لاتخاذ اللازم في حمايتها وصيانتها, وفتح طرق حولها يعبر الناس منها إلى الجهات الأخرى.
(٣٠٤) سئل فضيلة الشيخ: هل يشرع للإنسان أن يقول: "اللهم اجعلني لقبر نبيك محمد ﷺ من الزائرين" أو يقول: "لمسجد نبيك محمد ﷺ من الزائرين ؟ "
فأجاب قائلًا: المشروع أن يقول لمسجده ﷺ من الزائرين؛ لأن مسجده هو الذي تشد إليه الرحال وليس قبره، قال النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
وهاهنا نقطة أحب أن أنبه عليها وهي: أن كثيرًا من الناس يتشوقون إلى زيارة قبر النبي ﷺ أكثر مما يتشوقون إلى زيارة مسجده، بل أكثر مما يتشوقون إلى زيارة الكعبة -بيت الله وهذا من الضلال البين، فإن حق النبي ﵊, لا يشك أحد أنه دون حق الله تعالى، فالرسول ﵊، بشر مرسل من عند الله، ولولا أن الله اجتباه برسالته لم يكن له من الحق هذا الحق الذي يفوق حق كل بشر، أما أن يكون مساويًا لحق الله عز
стр. 519
وجل أو يكون في قلب الإنسان محبة لرسول الله ﷺ تزيد على محبة الله، فإن هذا خطأ عظيم، فمحبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله، وتعظيمنا له ﷺ ، تابع لتعظيم الله ، وهو دون تعظيم الله تعالى, ولهذا نهى النبي ﷺ ، أن نغلو فيه وأن نجعل له حقًّا مساويًا لحق الله , فقد «قال له رجل مرة: ما شاء الله وشئت. فقال النبي ﷺ : "أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله وحده".»
والخلاصة: أنه يجب على الإنسان أن يكون تعظيم الله تعالى ومحبته في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل أحد، وأن تكون محبة النبي ﷺ ، وتعظيمه في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل مخلوق، وأما أن يساوي بين حق الرسول ﷺ ، وحق الله تعالى فيما يختص الله به فهذا خطأ عظيم.
(٣٠٥) وسئل -حفظه الله تعالى- عن رجل حفر لتأسيس بيته فوجد عظامًا فأخرجها فما حكم عمله هذا ؟
فأجاب قائلًا: إذا تيقن أو غلب على ظنه أنها عظام موتى مسلمين فإنه لا يجوز له نقل العظام، وأصحاب القبور أحق بالأرض منه؛ لأنهم لما دفنوا فيها ملكوها، ولا يحل له أن يبني بيته على قبور المسلمين، ويجب عليه إذا تيقن أن هذا المكان فيه قبور أن يزيل البناء، وأن يدع القبور لا بناء عليها. وفي مثل هذه الحال الواجب مراجعة ولاة الأمور.
стр. 520
(٣٠٦) وسئل رعاه الله بمنّه وكرمه: هل ترد أرواح الموتى إليهم يومي الاثنين والخميس ليردوا السلام على الزوار ؟
فأجاب بقوله: هذا لا أصل له وزيارة المقابر مشروعة كل وقت؛ لقول النبي ﵊: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» . وينبغي للزائر أن يفعل ما كان يفعله النبي ﷺ ، من السلام عليهم دون القراءة، فقد كان مما يقوله ﵊: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» . ولا تنبغي القراءة على القبر؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، وما لم يرد عنه فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يعمله.
واعلم أن المقصود بالزيارة أمران:
أحدهما: انتفاع الزائر بتذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ، فإن هؤلاء القوم الذين هم الآن في بطن الأرض كانوا بالأمس على ظهرها، وسيجري لهذا الزائر ما جرى لهم، فيعتبر ويغتنم الأوقات والفرص، ويعمل لهذا اليوم الذي سيكون في هذا المثوى الذي كان عليه هؤلاء.
وثانيهما: الدعاء لأهل القبور بما كان الرسول ﷺ يدعو به من السلام وسؤال الرحمة، وأما أن يسأل الأموات ويتوسل بهم فإن هذا محرم ومن الشرك؛ ولا فرق في هذا بين قبر النبي ﷺ وقبر غيره، فإنه لا يجوز أن يتوسل أحد بقبر النبي ﵊، أو بالنبي ﷺ بعد موته, فإن هذا من الشرك؛ لأنه لو كان هذا حقًّا لكان أسبق الناس إليه الصحابة ﵃،
стр. 521
ومع ذلك فإنهم لا يتوسلون به بعد موته، فقد استسقى عمر ﵁ ذات يوم فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" ثم قام العباس ﵁ فدعا , وهذا دليل على أنه لا يتوسل بالميت مهما كانت درجته ومنزلته عند الله تعالى, وإنما يتوسل بدعاء الحي الذي ترجى إجابة دعوته؛ لصلاحه واستقامته في دين الله , فإذا كان الرجل ممن عرف بالدين والاستقامة وتوسل بدعائه، فإن هذا لا بأس به كما فعل أمير المؤمنين عمر ﵁، وأما الأموات فلا يتوسل بهم أبدًا، ودعاؤهم شرك أكبر مخرج عن الملة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
(٣٠٧) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: هل المسلم إذا ألقى السلام على الميت في قبره يرد الله عليه روحه ويرد السلام ؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: هذا الذي ذكره السائل جاء فيه حديث مرفوع صححه ابن عبد البر وهو أنه «ما من مسلم يمر بقبر رجل مسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد عليه روحه فرد ﵇» .
(٣٠٨) وسئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن حكم زيارة المقابر؟ وحكم قراءة الفاتحة عند زيارتها؟ وحكم زيارة النساء للقبور ؟ .
стр. 522
فأجاب بقوله: زيارة القبور سنة أمر بها النبي ﷺ بعد أن نهى عنها كما ثبت ذلك عنه ﷺ ، في قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» رواه مسلم. فزيارة القبور للتذكر والاتعاظ سنة، فإن الإنسان إذا زار هؤلاء الموتى في قبورهم، وكان هؤلاء بالأمس معه على ظهر الأرض يأكلون كما يأكل، ويشربون كما يشرب، ويتمتعون بدنياهم، وأصبحوا الآن رهنًا لأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر فإنه لا بد أن يتعظ ويلين قلبه ويتوجه إلى الله بالإقلاع عن معصيته إلى طاعته.
وينبغي لمن زار المقبرة أن يدعو بما كان النبي ﷺ يدعو به وعلمه أمته: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» يقول هذا الدعاء.
ولم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ الفاتحة عند زيارة القبور, وعلى هذا فقراءة الفاتحة عند زيارة القبور خلاف المشروع عن النبي ﷺ .
وأما زيارة القبور للنساء فإن ذلك محرم؛ لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، فلا يحل للمرأة أن تزور المقبرة، هذا إذا خرجت من بيتها لقصد الزيارة، أما إذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة فلا حرج عليها أن تقف وأن تسلم على أهل المقبرة بما علمه النبي ﷺ أمته، فيفرق بالنسبة للنساء بين من خرجت من بيتها لقصد الزيارة، ومن مرت بالمقبرة بدون قصد،
стр. 523
فوقفت وسلمت، فالأولى التي خرجت من بيتها للزيارة قد فعلت محرمًا، وعرضت نفسها للعنة الله , وأما الثانية فلا حرج عليها.
(٣٠٩) وسئل فضيلة الشيخ: هناك من يزور القبور ويدعو الأموات وينذر لهم ويستغيث بهم ويستعين بهم؛ لأنهم كما يزعم أولياء لله، فما نصيحتكم لهم ؟
فأجاب بقوله: نصيحتنا لهؤلاء وأمثالهم أن يرجع الإنسان إلى عقله وتفكيره، فهذه القبور التي يزعم أن فيها أولياء تحتاج:
أولًا: إلى إثبات أنها قبور؛ إذ قد يوضع شيء يشبه القبر, ويقال: هذا قبر فلان، كما حدث ذلك، مع أنه ليس بقبر.
ثانيًا: إذا ثبت أنها قبور فإنه يحتاج إلى إثبات أن هؤلاء المقبورين كانوا أولياء لله؛ لأننا لا نعلم هل هم أولياء لله أم أولياء للشيطان.
ثالثًا: إذا ثبت أنهم من أولياء الله فإنهم لا يزارون من أجل التبرك بزيارتهم، أو دعائهم، أو الاستغاثة بهم، والاستعانة بهم، وإنما يزارون كما يزار غيرهم للعبرة والدعاء لهم فقط، على أنه إن كان في زيارتهم فتنة أو خوف فتنة بالغلو فيهم، فإنه لا تجوز زيارتهم دفعا للمحظور ودرءًا للمفسدة.
فأنت أيها الإنسان حكم عقلك، فهذه الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها لا بد أن تتحقق، وهي:
أ- ثبوت القبر.
ب- ثبوت أنه ولي.
ج- الزيارة لأجل الدعاء لهم. فهم في حاجة إلى الدعاء مهما كانوا،
стр. 524
فهم لا ينفعون ولا يضرون، ثم إننا قلنا: إن زيارتهم من أجل الدعاء لهم جائزة ما لم تستلزم محظورًا.
أما من زارهم ونذر لهم وذبح لهم أو استغاث بهم، فإن هذا شرك أكبر مخرج عن الملة، يكون صاحبه به كافرًا مخلدًا في النار.
(٣١٠) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن حكم الدين في بناء المقابر بالطوب والأسمنت فوق ظهر الأرض ؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: أولًا أنا أكره أن يوجه للشخص مثل هذا السؤال بأن يقال: ما حكم الدين؟ ما حكم الإسلام؟ وما أشبه ذلك؛ لأن الواحد من الناس لا يعبر عن الإسلام؛ إذ قد يخطئ ويصيب، ونحن إذا قلنا: إنه يعبر عن الإسلام معناه أنه لا يخطئ؛ لأن الإسلام لا خطأ فيه، فالأولى في مثل هذا التعبير أن يقال: ما ترى في حكم من فعل كذا وكذا؟ أو ما ترى فيمن فعل كذا وكذا؟ أو ما ترى في الإسلام هل يكون كذا وكذا حكمه؟ المهم أن يُضاف السؤال إلى المسئول فقط.
أما بالنسبة لما أراه في هذه المسألة أنه لا يجوز أن يبنى على القبور, فقد ثبت عن النبي ﷺ «أنه نهى عن البناء على القبور، ونهى أن يُجصص القبر، وأن يُبنى عليه» . فالبناء على القبور محرم؛ لأنه وسيلة إلى أن تُعْبَد ويُشْرَك بها مع الله .
(٣١١) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عندنا عدد من المساجد بأسماء الأنبياء مثل جامع النبي يونس وغيرها من الجوامع، ويوجد داخل المسجد مرقد ذلك النبي, ويذهب الناس
стр. 525
ويصلون في داخل هذه المساجد , وفي الحديث الذي ما معناه «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ما حكم عملهم هذا؟
فأجاب -حفظه الله - بقوله: تسمية المساجد بأسماء الأنبياء لا ينبغي؛ لأن هذا إنما يتخذ على سبيل التقرب إلى الله أو التبرك بأسماء الأنبياء، والتقرب إلى الله بما لم يشرعه، والتبرك بما لم يجعله الله سببًا للبركة لا ينبغي، بل هو نوع من البدع.
وأما كون قبور الأنبياء في هذه المساجد فإنه كذب لا أصل له, فلا يعلم قبر أحد من الأنبياء سوى قبر النبي ﷺ ، وقبور الأنبياء كلها مجهولة, فمن زعم أن مسجد النبي يونس كان مرقد يونس أو كان قبر يونس فإنه قد قال قولًا بلا علم، وكذلك بقية المساجد أو الأماكن التي يقال عنها: إن فيها شيئًا من قبور الأنبياء؛ فإن هذا قول بلا علم, وأما صحة الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور فإن كان القبر سابقًا على المسجد بأن بني المسجد على القبر فإن الصلاة فيه لا تصح, ويجوز هدم المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: " «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا» وأما إذا كان المسجد سابقًا على القبر بأن كان المسجد قائمًا مبنيًّا ثم دفن فيه أحد فإنه يجب أن ينبش القبر، وأن يدفن فيما يدفن فيه الناس.
والصلاة في هذا المسجد السابق على القبر صحيحة إلا إذا كان القبر تجاه المصلين، فإن الصلاة إلى القبور لا تصح -كما في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي - أن النبي ﷺ قال: " «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» .
стр. 526
(٣١٢) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن حكم التبرك بالقبور والطواف حولها بقصد قضاء حاجة أو تقرب وعن حكم الحلف بغير الله ؟
فأجاب بقوله: التبرك بالقبور حرام ونوع من الشرك وذلك لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانًا ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك فيكون من هذه الناحية بدعة أيضًا, وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركًا أكبر إذا دعاه لجلب المنفعة أو دفع المضرة. وكذلك يكون من الشرك الأكبر إذا تعبد لصاحب القبر بركوع أو سجود أو ذبح تقربًا له وتعظيمًا له قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ , والمشرك شركًا أكبر كافر مخلد في النار والجنة عليه حرام لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
وأما الحلف بغير الله فإن كان الحالف يعتقد أن للمحلوف به منزلة مثل الله تعالى فهو مشرك شركًا أكبر وإن كان يعتقد ذلك ولكن كان في قلبه
стр. 527
من تعظيم المحلوف به ما حمله على أن يحلف به دون أن يعتقد أن له منزلة مثل منزلة الله فهو مشرك شركًا أصغر؛ لقول النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» .
ويجب الإنكار على من تبرك بالقبور أو دعا المقبور أو حلف بغير الله, وأن يبين له أنه لن ينجيه من عذاب الله قوله: هذا شيء أخذنا عليه, فإن هذه الحجة هي حجة المشركين الذين كذبوا الرسل وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فقال لهم الرسول: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ولا يحل لأحد أن يحتج لباطله بكونه وجد عليه آباءه أو بكونه عادة له ونحو ذلك ولو احتج بهذا فحجته داحضة عند الله تعالى لا تنفعه ولا تغني عنه شيئًا. وعلى الذين ابتلوا بمثل هذا أن يتوبوا إلى الله, وأن يتبعوا الحق أينما كان وممن كان ومتى كان, وأن لا يمنعهم من قبوله عادات قومهم أو لوم عوامهم, فإن المؤمن حقًا هو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يصده عن دين الله عائق.
وفق الله الجميع لما فيه رضاه وحمانا عما فيه سخطه وعقوبته.
стр. 528
التصوير
стр. 529
(٣١٣) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير؟ وحكم اقتناء الصور؟ وحكم الصور التي تمثل الوجه وأعلى الجسم ؟
فأجاب-حفظه الله- بقوله: التصوير نوعان:
أحدهما: تصوير باليد.
والثاني: تصوير بالآلة.
فأما التصوير باليد فحرام بل هو كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ ، لعن فاعله، ولا فرق بين أن يكون للصورة ظل أو تكون مجرد رسم على القول الراجح لعموم الحديث، وإذا كان التصوير هذا من الكبائر، فتمكين الإنسان غيره أن يصور نفسه إعانة على الإثم والعدوان فلا يحل.
وأما التصوير بالآلة وهي (الكاميرا) التي تنطبع الصورة بواسطتها من غير أن يكون للمصور فيها أثر بتخطيط الصورة وملامحها فهذه موضع خلاف بين المتأخرين فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها, فمن نظر إلى لفظ الحديث منع؛ لأن التقاط الصورة بالآلة داخل في التصوير, ولولا عمل الإنسان بالآلة بالتحريك والترتيب وتحميض الصورة لم تلتقط الصورة، ومن نظر إلى المعنى والعلة أجازها؛ لأن العلة هي مضاهاة خلق الله، والتقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله, بل هو نقل للصورة التي خلقها الله تعالى نفسها فهو ناقل لخلق الله لا مضاه له، قالوا: ويوضح ذلك أنه لو قلد شخص كتابة شخص لكانت كتابة الثاني غير كتابة الأول
стр. 530
بل هي مشابهة لها ولو نقل كتابته بالصورة الفوتوغرافية لكانت الصورة هي كتابة الأول وإن كان عمل نقلها من الثاني, فهكذا نقل الصورة بالآلة الفوتغرافية (الكاميرا) الصورة فيه هي تصوير الله نقل بواسطة آلة التصوير.
والاحتياط الامتناع من ذلك؛ لأنه من المتشابهات ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، لكن لو احتاج إلى ذلك لأغراض معينة كإثبات الشخصية فلا بأس به؛ لأن الحاجة ترفع الشبهة لأن المفسدة لم تتحقق في المشتبه فكانت الحاجة رافعة لها.
وأما اقتناء الصور فعلى نوعين:
النوع الأول: أن تكون الصورة مجسمة أي ذات جسم فاقتناؤها حرام, وقد نقل ابن العربي الإجماع عليه, نقله عنه في فتح الباري ص ٣٨٨ ج١٠ط. السلفية قال: "وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات كما سأذكره في باب من صور صورة" وقد أحال في الباب المذكور على كتاب الأدب, وذكره في كتاب الأدب في باب الانبساط إلى الناس ص ٥٢٧ من المجلد المذكور على حديث عائشة ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله ﷺ ، إذا دخل يتقمعن منه فيسر بهن إلي فيلعبن معي» .
قال في شرحه: "واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ وخصه بعضهم بالصغار".
وإن المؤسف أن بعض قومنا الآن، صاروا يقتنون هذه الصور
следующие страницы →