← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

وسئل فضيلته: هل تصح صلاة العاجز بدون استقبال القبلة ؟ فأجاب بقوله: العاجز تصح صلاته بدون استقبال القبلة، ودليل ذلك قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) . وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (٢) . وقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٣) . فالعاجز لا يلزمه استقبال القبلة لعجزه، مثل أن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة، وليس عنده أحد يوجهه إلى القبلة فهنا يتجه حيث كان وجهه لأنه عاجز. * * * وسئل: هل يجب على المتنفل في السفر أن يتجه إلى القبلة عند افتتاح الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ذهب بعض العلماء إلى الوجوب، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الأفضل أن يبتدئ الصلاة متجهاً إلى القبلة ثم يتجه حيث كان وجهه. * * * وسئل فضيلته: عن حكم صلاة من كان في الحرم ولم يستطع مشاهدة الكعبة واتجه كاتجاه المصلين، وبعد انقضاء الصلاة اتضح له أنه لم يتجه إلى عين الكعبة ؟

стр. 4692

فأجاب بقوله: الذي أرى أن هؤلاء يجب عليهم إعادة الصلاة إذا لم يتحروا التحري الكامل، والغالب أن الإنسان يمكنه أن يتحرى تحرياً كاملاً، ولو كان في مكان لا يشاهد الكعبة إذا قام الناس فإنه ربما تتبين له الكعبة، ولو قيل إنه في هذا الحال معذور لمشقة ذلكم عليه، ولا سيما إذا جاء والناس قد ابتدأوا الصلاة ومكانه في الصف بعيد فإنه في هذه الحال يصعب عليه جداً، بل قد يتعذر عليه أن يشاهد عين الكعبة فيكفي الاتجاه إلى جهة الكعبة في هذه الحال للمشقة. * * * وسئل فضيلة الشيخ: نشاهد بعض المصلين في الحرم لا يتجهون إلى عين الكعبة مع قدرتهم على ذلك فما حكم صلاتهم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: صلاتهم باطلة، لأنه إذا أمكن مشاهدة الكعبة وجب عليه استقبال عينها قد وضعت الحكومة - جزاهم الله خيراً - أخيراً علامات على الاتجاه الصحيح، وذلك بمد خطين على الحصى فإذا اتجهت نحو هذا الاتجاه كان اتجاهك صحيحاً. * * * ٣٢٦ وسئل فضيلته: عن حكم اتخاذ المحاريب في المساجد؟ وما الجواب عما روي من النهي عن مذابح كمذابح النصارى ؟ فأجاب بقوله: اختلف العلماء ﵏ _ في اتخاذ المحراب هل هو سنة، أو مستحب، أو مباح؟ والذي أرى أن اتخاذ المحاريب مباح، وهذا هـ المشهود من المذهب ولو قيل باستحبابه لغيره لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها تعليم الجاهل القبلة لكان حسناً.

стр. 4693

وأما ما روي عن النبي ﷺ : ((النهي عن مذابح كمذابح النصارى)) (١) أي: المحاريب، فهذا النهي وارد على ما إذا اتخذت محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا اتخذت محاريب متميزة للمسلمين فإن هذا لا ينهى عنه. * * * ٣٢٧ سئل فضيلة الشيخ: عد بعض أهل العلم المحاريب في المساجد من البدع ومن التشبه بالكافرين فهل هذا القول صحيح ؟ فأجاب بقوله: هذا القول فيما أرى غير صحيح، وذلك لأن الذين يتخذونه إنما يتخذونه علامة على القبلة ودليلاً على جهتها. وما ورد عن النبي ﷺ عن اتخاذ مذابح كمذابح النصارى، فإن المراد به أن نتخذ محاريب كمحاريب النصارى، فإذا تميزت عنها زال الشبه. * * * وسئل فضيلة الشيخ: إذا تبين للمصلي أنه انحرف عن القبلة قليلاً فهل يعيد الصلاة ؟ فأجاب بقوله: الانحراف القليل لا يضر، وهذا في غير ما كان في المسجد الحرام، لأن المسجد الحرام قبلة المصل فيه هي عين الكعبة، ولهذا قال العلماء: من أمكنه مشاهدة الكعبة فإن الواجب أن يستقبل عينها، فإذا قدر أن المصلي في الحرم اتجه إلى جهتها لا إلى عينها فإنه يعيد الصلاة لأن صلاته لم تصح، قال (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (٢) .

стр. 4694

أما إذا كان الإنسان بعيداً عن الكعبة لا يمكنه مشاهدتها ولو في مكة فإن الواجب استقبال الجهة، ولا يضر الانحراف اليسير، ولهذا قال النبي ﵊ لأهل المدينة، ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) (١) ، لأن أهل المدينة يستقبلون الجنوب، فكل ما بين المشرق والمغرب فهو في حقهم قبله، كذلك مثلاً نقول للذين يصلون إلى الغرب نقول ما بين الجنوب والشمال قبله. * * * ٣٢٩ وسئل فضيلته: عن مسجد تنحرف فيه القبلة عن اتجاهها الصحيح بجوالي ثلاث درجات حسب البوصلة المعدة لتحديد جهة الكعبة، وقد دأب الناس على الصلاة حسب اتجاه المسجد لعدم علم الكثيرين منهم بانحراف المسجد عن القبلة فهل هذا الأمر يؤثر على الصحة للصلاة؟ وهل يجب تعديل المسجد ؟ فأجاب بقوله: إذا كان الانحراف لا يخرج الإنسان عن الجهة فإن ذلك لا يضر، والاستقامة أولى بلا ريب، أما إذا كان هذا الانحراف يخرج الإنسان عن جهة القبلة، مثل أن يكون متجهاً إلى الجنوب، والقبلة شرقاً، أو إلى الشمال والقبلة شرقاً، أو إلى الشرق والقبلة جنوباً فلا ريب أنه يجب تعديل المسجد، أو يجب الاتجاه إلى جهة القبلة وإن خالف جهة المسجد. * * *

стр. 4695

٣٣٠ سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى جماعة إلى غير القبلة فما الحكم في تلك الصلاة ؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة لا تخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكونوا في موضع لا يمكنهم العلم بالقبلة مثل أن يكونوا في سفر، وتكون السماء مغيمة، ولم يهتدوا إلى جهة القبلة فإنهم إذا صلوا بالتحري، ثم تبين أنهم على خلاف القبلة فلا شيء عليهم، لأنهم اتقوا الله ما استطاعوا، وقد قال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) . وقال النبي ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٢) . وقال الله تعالى في خصوص هذه المسألة: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (٣) . الحال الثانية: أن يكونوا في موضع يمكنهم فيه السؤال عن القبلة ولكنهم فرطوا وأهملوا ففي هذه الحال يلزمهم قضاء الصلاة التي صلوها إلى غير القبلة سواء علموا بخطئهم قبل خروج وقت الصلاة أم بعده، لأنهم في هذه الحال مخطئون خاطئون، مخطئون في شأن القبلة، لأنهم لم يتعمدوا الانحراف عنها، لكنهم خاطئون في تهاونهم وإهمالهم السؤال عنها، إلا أنه ينبغي أن نعلم أن الانحراف اليسير عن جهة القبلة لا يضر، كما لو انحرف إلى جهة اليمين أو إلى جهة الشمال يسيراً لقول النبي ﷺ في أهل المدينة: ((ما بين المشرق والمغرب

стр. 4696

قبلة)) (١) . فالذين يكونون شمالاً عن الكعبة نقول لهم ما بين المشرق والمغرب قبلة، وكذلك من يكونون جنوباً عنها، ومن كانوا شرقاً عنها، أو غرباً نقول لهم: ما بين الشمال والجنوب قبلة، فالانحراف اليسير لا يؤثر ولا يضر. وهاهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي: أن من كان في المسجد الحرام يشاهد الكعبة فإنه يجب أن يتجه إلى عين الكعبة لا إلى جهتها، لأنه إذا انحرف عن عين الكعبة لم يكن متجهاً إلى القبلة، وأرى كثيراً من الناس في المسجد الحرام لا يتجهون إلى عبن الكعبة تجد الصف مستطيلاً طويلاً، وتعلم علم اليقين أن كثيراً منهم لم يكن متجهاً إلى عين الكعبة، وهذا خطأ عظيم يجب على المسلمين أن ينتبهوا له، وأن يتلافوه لأنهم إذا صلوا على هذه الحال صلوا إلى غير القبلة. * * * وسئل حفظه الله: عن امرأة صلت إلى غير القبلة، وبعد مضي مدة تبين لها أنها صلت على خلاف القبلة فهل صلاتها صحيحة أو تعيد الصلاة ؟ فأجاب بقوله: إذا صلى إنسان إلى غير القبلة وهو يظنها قبلة فإن كان في البلد فعيه إعادة الصلاة،لأنه يستطيع أن يسأل أهل البيت، أو يبحث عن مسجد ليعلم قبلتها، وإن كان في السفر فإن كان مجتهد وهذا هو الذي أداه إليه الاجتهاد وليس عنده أحد يسأله فإنه لا يجب عليه الإعادة. * * *

стр. 4697

وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك طريقة لمعرفة اتجاه القبلة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم هناك طريقة لمعرفة القبلة، إن كان الإنسان في البر وذلك بمشاهدة الشمس، والقمر، والنجوم، فإنها تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، فإذا كان الإنسان غرباً عن مكة اتجه شرقاً، وإذا كان عنها شرقاً اتجه إلى الغرب، وإذا كان عنها شمالاً اتجه إلى الجنوب، وإذا كان عنها جنوباً اتجه إلى الشمال، هذه من أكبر العلامات. وإذا صلى الإنسان بالتحري، ثم تبين له خطأ فعله، فإنه لا إعادة عليه إذا كان في مكان لا يستطيع فيه سؤال الناس. وقد يسر الله في زماننا هذا ما يعرف به جهة القبلة بواسطة دلائل القبلة (البوصلة) ، فإذا أراد الإنسان أن يسافر إلى جهة ما، فليأخذ معه هذه الآلة حتى يكون على بصيرة من أمره، والله الموفق. * * * وسئل فضيلته عمن كان في سفر ولم تتبين له جهة القبلة فماذا يعمل ؟ فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في سفر ولم يتبين جهة القبلة فإنه يتحرى أي الجهات أقرب إلى القبلة فيتجه إليها، وإذا فعل ذلك واتقى الله ما استطاع فإنها لا تجب عليه الإعادة لو أخطأ لقول الله تعلى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (١) . قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٢) . ولقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ

стр. 4698

وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (١) . ولقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢) . والله الموفق. * * * وسئل فضيلته: عن جماعة حددوا القبلة بالبوصلة وعملوا بموجبها إلا شخصاً واحد خالف في ذلك وينحرف فما الحكم ؟ فأجاب بقوله: هذا الرجل الذي يخالف إخوانه بالاتجاه إلى القبلة لا أظن أنه يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد أن الصواب معه فيكون مأجوراً على عمله، لكنه مخطئ في فعله، وذلك لأنه خالف جماعته وشذ عنهم، وإذا كانت البواصل - جمع بوصلة - تؤيد وتؤكد ما قام عليه الجماعة فقد وقع في محذورين: الأول: أن يكون غير متجه إلى القبلة، وهذا يخل بصلاته وبما يبطلها إذا كان الانحراف عن جهة القبلة. الثاني: مخالفته للجماعة، وإذا كان الرسول رأي يوماً وهو يصلي بالناس رجلاً بادياً صدره فقال: ((عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) (٣) . فيتفرقوا وتتفرق كلمتهم، فإذا كان هذا تقدم يسيراً فكيف بمن خالف الجماعة واتجه إلى ناحية هو مخطئ فيها؟!

стр. 4699

فعلى هذا الرجل أن يتقي الله ، وأن لا يخالف ما أيدته هذه الدلائل – دلائل القبلة – لأن هذه الدلائل أصبحت قوية الدلالة لقوة العلم ودقته، فإذ أصبحت تشير إلى جهة فإن الصواب غالباً فيها إن لم يكن المؤكد، ولا أرى لهذا الرجل أن يخالف أصحابه، وإذا قدر أن يكون إماماً فليتجه إلى جهة المسجد لا إلى ما يظنه هو، والله أعلم * * *

стр. 4700

فصل في شرح حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ((أن النبي ﷺ كان يسبح في راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه)) (١) ، وكان أبن عمر يفعله. وفي رواية: ((كان يوتر على بعيره)) ، وللبخاري ومسلم ((غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)) ، وللبخاري ((الفرائض)) . القبلة هل الكعبة، وكان النبي ﷺ أول ما قدم المدينة يستقبل بين المقدس، لأنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر بخلافه، ثم بعد ذلك كان يكره موافقة أهل الكتاب، ويأمر بمخالفتهم، فكان يستقبل بين المقدس لمدة ستة عشر شهراً، وأو سبعة عشر شهراً إلا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتشوف إلى أن يأمره الله تعالى باستقبال الكعبة كما قال الله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (٢) . ولكن ما الذي يستقبل؟ قال أهل العلم: إذا كان بإمكانك مشاهدة الكعبة فالواجب استقبال عينها، وإذا كان لا يمكنك فالواجب استقبال جهتها. ونحن نشاهد مع الأسف أن كثيراً من المصلين في المسجد الحرام لا يتجهون إلى عين الكعبة، وهذا خطر عظيم، لأنه يقتضي أن

стр. 4701

تبطل صلاتهم، أما من كان لا يمكنه مشاهدة الكعبة فالواجب استقبال الجهة، والجهات الأربع: شمال، وجنوب، وشرق، وغرب. قال النبي ﷺ لأهل المدينة: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) (١) . لأن المدينة تقع شمالاً عن مكة، فإذا وقع الشمال عن مكة فإن جهة القبلة تكون ما بين المشرق والمغرب، وعلى هذا فلو انحرفت ولكنك لم تخرج عن مسامته الجهة فإن ذلك لا يضر، لأن الجهة واسعة، وكلما أبعدت عن الكعبة اتسعت الجهة وكلما قربت ضاقت الجهة. فإذا كان البلد يقع شرقاً عن مكة فنقول: ما بين الشمال والجنوب قبلة. وإذا لم يقع غرباً نقول: ما بين الشمال والجنوب قبلة، وهذا من تيسير الله، لأن إصابة عين الكعبة مع البعد متعذر أو متعسر، وإذا كان متعذراً أو متعسراً فإن الله قد يسر لعباده، وجعل الواجب استقبال الجهة. وقد استثنى بعض العلماء – ﵏ – مسجد الرسول ﷺ وقال: إن قبلته مبنية على إصابة العين، وذلك لأن النبي ﷺ كان يصلي قيه، ولكن في هذا نظر لأننا لو قلنا كل مسجد صلى فيه الرسول ﷺ أو كان مكان صلى فيه الرسول ﷺ فهو استقبال عين، لقلنا إن مسجد قباء أيضاً قبلته إلى عين الكعبة، ولقنا إن بيت عتبان بن مالك الذي صلى فيه الرسول ﵊ تكون قبلته عين الكعبة، وكذلك نقول في بيت أنس بن مالك وغير ذلك. ولكن الصواب أن مسجد الرسول ﵊ وغيره من

стр. 4702

مساجد المدينة سواء صلى فيه الرسول ﷺ أم لم يصل، كلها قبلتها جهة الكعبة لا عين الكعبة. واستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إلا في ثلاث مواضع: الأول: العجز: مثاله أن يكون الإنسان مريضاً ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة بنفسه، وليس عنده من يوجهه إلى القبلة فهذا يتجه حيث كان وجهه ودليل ذلك قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (١) . وقوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (٢) .وقول النبي ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٣) . الثاني: الخوف: إذا كان الإنسان في شدة الخوف وهو هارب من عدوه مثلاً واتجاه سيره في حال فراره معاكس للقبلة، كأن يكون عدوه لحقه من جهة القبلة ففي هذه الحال نقول: إن استقبال القبلة ساقط عن هذا الخائف لقول الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ٢٣٨ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (٤) ويمكن أن ندخل هذا في النصوص الدالة على إسقاط الاستقبال في حال العجز، لأن الخائف عاجز عن استقبال القبلة إذ لو وقف لاستقبال القبلة لأدركه عدوه الذي كان فاراً منه.

стр. 4703

الثالث: النافلة في السفر: فإنه لا يشترط فيها استقبال القبلة بل يصلي الإنسان إلى جهة سيره، ودليل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، ويوتر عليها، ولكنه لا يصلي عليها الفريضة. والحكمة من هذا: تيسير النافلة على العباد. فإذا قال قائل: إذا كان السفر في قطار فهل يسقط استقبال القبلة في هذا القطار، أو نقول إن القطار كالبناء لا يشق على الإنسان أن يستقبل القبلة؟ فالجواب: إن صعب الاستقبال يتنفل إلى جهة سيره،وإن لم يصعب وجب عليه استقبال القبلة لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. كيف يستدل الإنسان على القبلة؟ الجواب: نقول إذا كان في البلد يستدل عليها بالمساجد، فإن مساجد المسلمين كلها متجهة إلى القبلة، وإن كان في السفر يستدل بالشمس والقمر، لأن الشمس والقمر يشرقان من المشرق ويغربان في المغرب، فإذا كانت المنطقة التي هو فيها شمالاً عن مكة فإنه إذا أراد استقبال القبلة يجعل الشمس أو مشرق الشمس على يساره، وإذا كان جنوباً يجعل مشرق الشمس عن يمينه، وإذا كان غرباً يجعل مشرق الشمس أمامه، وإذا كان شرقاً يجعله خلفه، ويستدل عليها في الليل بالنجوم، فيستدل عليها بالقطب، والقطب: يقول العلماء إنه نجم خفي لا يراه إلا حديد البصر في ليلة ليس فيها قمر، ولكن هناك نجم بين

стр. 4704

بجانب القطب، وهو نجم الجدي فإنه يجم واضح ومداره قريب من مدار القطب، ويمكن أن يستدل به على القبلة، فمثلاً إذا كنت شرقي مكة فإن الجدي يكون خلف أذنك اليمنى فتجعله خلف أذنك اليمنى، وإذا كنت شمالاً فإن الجدي يكون خلفك وهكذا تفعل في أي جهة. وهنا مسألة: إذا قال سائل إنه استأجر بيتاً وصلى فيه لمدة عشر أيام وبعدها تبين له أنه صلى إلى غير القبلة؟ فالجواب: يعيد الصلاة لأنه ترك مأموراً، والقاعدة: ((أن تارك المأمور لا يأثم بتركه إذا كان جاهلاً، لكن يجب عليه إعادة الصلاة)) حينئذ نقول: يلزم إعادة الصلاة لأنه مفرط بعدم السؤال. * * *

стр. 4705

فصل في شرح حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال: بينما الناس في قباء في صلاة الصبح إذ الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة (١) . قوله: بينما الناس في قباء (قباء) مكان معروف عند المدينة فيه المسجد الذي قال الله فيه: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (٢) . كان الناس يصلون فيه صلاة الصبح فجاءهم رجل خارج من المدينة وقال لهم: ((إن النبي ﷺ أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها فكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)) . (وجوههم إلى الشام) : فإذا كانت وجوههم إلى الشام صارت ظهورهم إلى الكعبة (فاستداروا إلى الكعبة)) ، أي: صارت وجوههم إلى الكعبة، وظهورهم إلى الشام، وصار إمامهم في موضع المأمومين منهم يعني حتى الإمام تنحى عن مكانه، أو المأمومين تنحوا عن أمكنتهم، أو الجميع تنحى عن مكانه. في هذا الحديث دليل على مسألتين: الأولى: وهي من أهم ما دل عليه الحديث أن القرآن كلام الله عز

стр. 4706

وجل تكلم به حقيقة يؤخذ ذلك من: (أنزل عليه الليلة قرآن) والنزول لا يكون إلا من أعلى والله تعالى فوق كل شيء. الثانية: إثبات علو الله ويؤخذ من قوله: ((أنزل عليه الليلة قرآن)) فالنزول لا يكون إلا من أعلى. الثالثة: أن القرآن يتحدد نزوله (الليلة) يعني لا فيما مضى فيكون دليلاً على أن القرآن يتحدد نزوله، والقرآن نفسه دل على أن الله يتكلم بالقرآن بعد وقوع الحوادث قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي) (١) قال: ((قد سمع)) وسمع فعل ماض يدل على أن هذا الخبر بعد وقوع المخبر عنه، والآيات في هذا كثيرة. الرابعة: قبول خبر الواحد، لأن الصحابة تحولوا بخير الصحابي وهو وجل واحد، ولكن العلماء يقولون هذا في الأمور الدينية فالأخبار الدينية يكفي فيها رجل واحد، فإذا قال لك إنسان قد غربت الشمس وهو ثقة فخذ بخبره وأفطر إذا كنت صائماً ن وصل المغرب، لأن خبر الواحد في الأمور الدينية مقبول. الخامسة: دقة تعبير الصحابة رضى الله عنهم ويؤخذ من قوله (وقد أمر أن يستقبل الكعبة) لو قال (أمر أن يستقبل القبلة) لقالوا نحن على قبلة فلم يحصل التحديد فلما قال ((أن يستقبل الكعبة)) صار هذا أدق مما لو قال القبلة. ونحن الآن نقول في عبارتنا وكتبنا استقبال القبلة، ولا نقول استقبال الكعبة، لأن القبلة الآن تقررت وتحددت بأنها الاتجاه إلى الكعبة.

стр. 4707

السادسة: جواز الحركة لمصلحة الصلاة، وتؤخذ من كون الصحابة تحركوا وصار أقدمهم آخرهم، ,هي حركة واجبة، لأنه لابد من استقبال القبلة. وتنقسم الحركات في الصلاة إلى خمسة أقسام: ١ - واجبة. ٢ - مستحبة. ٣ - محرمة. ٤ - مكروهة. ٥ - مباحة. فتكون الحركة واجبة: إذا توقف عليها فعل واجب، أو اجتناب محرم مثل المسألة التي معنا وهي إذا أخبر الإنسان بأن القبلة عن يمينه مثلاً فحينئذ يجب أن يتحرك ليكون مستقبل القبلة. ومثل إذا وصف الإنسان وحده خلف الصف ثم تبين أن في الصف فرجه، فالحركة هنا واجبة من أجل أن يدخل في الصف. كذلك إذا توقف عليها اجتناب محرم صارت واجبة، مثل رجل وهو يصلي رأي في غترته نجاسة، هنا يجب أن يتحرك لإلقاء الغترة التي فيها النجاسة، ومن ذلك الحديث الذي ورد عن النبي ﷺ أن جبريل أتاه وهو يصلي بالناس فاخبره أن في نعليه قذراً فخلع نعليه (١) ، فهذا الخلع واجب. وتكون الحركة مستحبة إذا توقف عليها فعل مستحب، مثال ذلك أقام الجماعة ثلاثة رجال فوقف رجلان أحدهما عن يمين الإمام،

стр. 4708

والثاني عن شماله فهنا يدفعهما الإمام ليكونا خلفه فهذا الدفع مستحب، لأن تقدم الإمام مع الاثنين، وما زاد سنة وليس بواجب، أن يتوقف على الحركة المستحبة اجتناب مكروه مثل الإنسان أمامه شيء مشغل له كالنقوش مثلاً فهنا نقول: يستحب لك أن تزيل هذا المشغل لأنك بإزالته تتخلص من مكروه، ومن ذلك أيضاً لو أصيب الإنسان بحكة وشغلته فيستحب أن يحكها لترد وهذا يقع كثيراً. وتكون الحركة حراماً إذا كثرت، متوالية، من غير ضرورة، فهنا ثلاث قيود: إذا كثرت، متوالية، من غير ضرورة. والكثرة: قال بعض العلماء: تكون بثلاث حركات، فإذا تحرك المصلي ثلاث حركات متوالية لغير ضرورة فهذه حركة كثيرة تبطل الصلاة، وقال بعض العلماء ليس لنا أن نحدد، لأن التحديد أمر توقيفي يحتاج إلى دليل، ولكن الحركة الكثيرة ما عده الناس كثيراً، بحيث إذا شوهد المصلي شوهد وكأنه لا يصلي لكثرة حركته. المتوالية: يعني التي يلي بعضها بعضاً. لغير ضرورة: احترازاً من الضرورة. مثال هذا الرجل نراه يتحرك كثيراً مرة يصلح الثوب، ومرة يصلح الطافية، ومرة يخرج القلم، ومرة يكتب ما تفطن له في الصلاة فهذه حركة كثيرة متوالية لغير ضرورة. وإذا كان الإنسان يصلي فسمع جلبة وراءه فإذا هي سبع يرد أن يأكله فهرب وهو يصلي، فهذه حركة كثيرة لكنها لضرورة ولذلكم لا تبطل صلاته. الحركة المكروهة: هي الحركة اليسيرة لغير حاجة ولا ضرورة، وما أكثرها عند الناس اليوم إلى حد أنني رأيت بعض الناس ينظر في الساعة وهو يصلي لأنه حريص على ضبط وقته ويخشى أن تزيد

стр. 4709

الصلاة دقيقة واحدة، أو لأنه عابث وهذا هو الظاهر لأنه عابث، وإلا فتجد الرجل يضيع أوقاتاً لا نهاية لها لكن الشيطان يأمر الإنسان بأن يتحرك في صلاته. الحركة المباحة: هي الحركة اليسيرة لحاجة، أو الكثيرة لضرورة. هذه حركة البدن. وبقي علينا حركة أخرى هي لب الصلاة وهي: حركة القلب: القلب إذا كان متجهاً إلى الله ، ويشعر المصلي بأنه بين يدي الله، ويشعر بأنه بين يدي من يعلم ما توسوس به نفسه، وعنده رغبة صادقة في التقرب إلى الله بهذه الصلاة، وعنده خوف من الله فسوق يكون قلبه حاضراً خاشعاً لله، وهذا أكمل ما يكون، أما إذا كان على خلاف ذلك فسوف يجول قلبه، وتجول القلب حركة مخلة جاء في الحديث: ((إن الرجل ينصرف من صلاته ما كتب له إلا نصفها، أو ربعها، أو عشرها، أن أقل من ذلك)) (١) . فحركة القلب مخلة بالصلاة لكن هل هي مخلة بصحتها بمعنى أن الإنسان إذا كثرت هواجيسه في صلاته بطلت؟ الجواب: لا، لأن من نعمة الله علينا – ولله الحمد – أن ما حدث الإنسان به نفسه لا يؤاخذ به، وقال النبي ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم)) (٢) . فحديث النفس لا يبطل الصلاة لكنه ينقص الصلاة ويخل بكمالها.

стр. 4710

المسألة السابعة: أن للأمة الإسلامية قبلة سابقة، وقبلة لاحقة. نسمع تعبيراً عن المسجد الأقصى: (إنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين) وهذا التعبير يحتاج إلى فهم إذا قلنا ثالث الحرمين فإنه ربما يفهم السامع أن المسجد الأقصى له حرم، أو أنه حرم، وليس كذلك فإن المسلمين أجمعوا على أنه لا حرم إلا في مكة والمدينة، واختلفوا في وادي وج وهو واد في الطائف، والصحيح أنه ليس بحرم، أما المسجد الأقصى فليس بحرم، لكنه مسجد معظم تشد الرحال إليه، وأما أولى القبلتين فإنه قد يفهم السامع أن هناك قبلتين باقيتين، وأن أولاهما المسجد الأقصى فيظن السامع أن الاتجاه إلى المسجد الأقصى ليس بمنسوخ من أنه منسوخ، والذي ينبغي أن يتجنب الإنسان كل عبارة فيها إبهام، ونقول في المسجد الأقصى إنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها وكفى به شرفاً أن تشد الرحال إليه. * * * سئل فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى: ما توجيهكم لمن يصلي في المسجد الحرام إلى جهة الكعبة لا إلى عينها وهم كثير ؟ فأجاب بقوله: نعم نجد كثيراً من المصلين في المسجد الحرام يخطئون كثيراً في استقبال القبلة، لأن الذي يمكنه مشاهدة الكعبة يجب عليه أن يستقبل عين الكعبة لا جهتها، وكثير من المصلين تشاهدهم في المسجد الحرام يستقبلون جهة الكعبة ويصلون إلى غير القبلة، وصلاتهم حينئذ لا تصح، ولهذا يجب أن ينتبهوا لهذا الأمر وينبههم أهل العلم في هذا، لكن يستثنى من استقبال القبلة: أولاً: العاجز عن استقبال القبلة، فالإنسان المريض الذي لا

стр. 4711

يستطيع أن يتحرك وليس عنده من يوجهه إلى القبلة فإنه يصلي ولو كانت القبلة خلف ظهره، أو على يمينه، أو على يساره لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (١) . ثانياً: المسافر إذا تنفل، فإن المسافر إذا تنفل يجوز أن يستقبل جهة سيره، وإن كانت القبلة على يمينه، أو يساره، أو خلف ظهره، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي النافلة في سفره حيثما توجهت راحلته (٢) ، ولكن الأفضل أن يفتتح الصلاة باستقبال القبلة فيكبر إلى القبلة ثم يتجه جهة سيره، وإن صلى على جهة سيرة من أول صلاته فر حرج عليه، لأن استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام إنما للاستحباب، هذا في النافلة، أما في الفريضة فلا تصح إلا إلى القبلة في السفر والحضر، وعلى هذا فمن كان في الطائرة وأراد أن يتنفل فإنه يتنقل وهو على كرسيه إلى أي جهة كان استقبال الطائرة، أما إذا أراد أن يصلي الفريضة وكانت الطائرة لا تصل إلى المطار قبل خروج الوقت فإنه يصلي في الطائرة ويتجه إلى القبلة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، لأن تأخير الصلاة عن وقتها محرم ولا يجوز، مثال ذلك لنفرض أنك متجه بعد دخول وقت صلاة العصر إلى جهة المشرق من جهة المغرب وأنت تخشى إذا أخرجت الصلاة أن تغيب الشمس قبل أن تصل إلى المطار فنقول لك صلى الصلاة على وقتها واتجه إلى القبلة إن استطعت، وإذا لم تستطع فعلى حسب ما تستطيع لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (٣) .

стр. 4712

ثالثاً: إذا اشتبهت القبلة على الإنسان كإنسان في البر والسماء مغيمة، أو في الليل ولا يعرف منازل النجوم، واشتبهت عليه القبلة فإنه يتحرى ويصلي، وإذا تبين له بعد ذلك أنه إلى غير القبلة فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (١) . ولقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) . * * *

стр. 4713

فصل وقال فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين: من شروط صحة الصلاة استقبال القبلة ولا تصح الصلاة إلا به، لأن الله تعالى أمر به وكرر الأمر به في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) (١) أي جهته. وكان النبي ﵊ أول ما قدم المدينة يصلي إلى بيت المقدس، فيجعل الكعبة خلف ظهره والشام قبل وجهه، ولكنه بعد ذلك ترقب أن الله يشرع له خلاف ذلك، فجعل يقلب وجهه في السماء ينتظر متى ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال الكعبة كما قال الله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (٢) . فأمره الله أن يستقبل شطر المسجد الحرام أي جهته، إلا أنه يستثنى من ذلك ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إذا كان عاجزاً كمريض وجهه إلى غير القبلة ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة فإن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال لقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (٣) . وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (٤) . وقول النبي ﷺ ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا

стр. 4714

منه ما استطعتم)) (١) . المسألة الثانية: إذا كان في شدة الخوف كإنسان هارب من عدو، أو هارب من سبع، أو هارب من سيل يغرقه، فهنا يصلي حيث كان وجهه، ودليله قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ٢٣٩) (٢) . فإن قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ) عام يشمل أي خوف وقوله: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ٢٣٩) يدل على أن أي ذكر تركه الإنسان من أجل الخوف فلا حرج عليه فيه ومن ذلك استقبال القبلة. ويدل عليه أيضاً ما سبق من الآيتين الكريمتين، والحديث النبوي في أن الوجوب معلق بالاستطاعة. المسألة الثالثة: في النافلة في السفر سواء كان على طائرة أو على سيارة، أو على بغير فإنه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل مثل الوتر، وصلاة الليل، والضحى وما أشبه ذلك. والمسافر ينبغي له أن يتنفل بجميع النوافل كالمقيم تماماً إلا في الرواتب كراتبة الظهر، والمغرب، والعشاء فالسنة تركها. فإذا أراد أن يتنفل وهو مسافر فليتنفل حيث كان وجهه ذلك هو الثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ . فهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة. أما الجاهل فيجب عليه أن يستقبل القبلة، لكن إذا اجتهد وتحرى ثم تبين له الخطأ بعد الاجتهاد فإنه لا إعادة عليه، ولا نقول: إنه يسقط

стр. 4715

عنه الاستقبال بل يجب عليه الاستقبال ويتحرى بقدر استطاعته، فإذا تحرى بقدر استطاعته ثم تبين له الخطأ فإنه لا يعيد صلاته، ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة كانوا يصلون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء فجاءهم رجل فقال: إن النبي ﷺ أنزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها فاستداروا (١) ، بعد أن كانت الكعبة وراءهم جعلوها أمامهم، فاستداروا واستمروا على صلاتهم وهذا في عهد النبي ﷺ ولم يكون إنكار له فيكون ذلك مشروعاً، يعني أن الإنسان إذا أخطأ في القبلة جاهلاً فإنه ليس عليه إعادة، ولكن إذا تبين له ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقبل القبلة، فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به في المواضع الثلاثة، وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري. وهنا مسألة: يحب على من تزل على شخص ضيفاً، وأراد أن يتنفل أن يسأل عن القبلة فإذا أخبره اتجه إليها، لأن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ومنعه الحياء وهو في غير محله عن السؤال عن القبلة، بل أسال عن القبلة حتى يخبرك صاحب البيت. أحياناً بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ويتجه بناء على ظنه إلى جهة ما، ويتبين أنها ليست القبلة، وفي هذه الحال يجب عليه أن يعيد الصلاة، لأنه استند إلى غير مستند شرعي، والمستند إلى غير مستند شرعي لا تقبل عبادته لقول النبي ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢) . أخرجه مسلم. * * *

стр. 4716

وسئل فضيلته: عن جماعة مسجد يصلون وفي قبلة المسجد دورة مياه فهل تصح الصلاة ؟ فأجاب بقوله: الصلاة صحيحة، لعموم قول النبي ﷺ ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (١) . ولكن قد يكون في الحمام رائحة كريهة تؤثر على المصلي وتشوش عليه، فإذا تجنب استقباله من أجل هذا فهو أفضل،لأن كل شيء يؤثر على المصلي فالمشروع للمصلي أن يبتعد عنه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى ذات يوم بخميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف من صلاته قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بإنبجانية أبي جهم)) (٢) ، لأنه ﷺ نظر إليها نظرة، وكان في هذا انشغال في الصلاة، ومن ثم أم النبي ﷺ بأن تعطى هذه الخميصة لأبي جهم، وتؤخذ أنبجانيته. ويستفاد من هذا الحديث أن كل شيء يلهي المصلي عن صلاته ويشغله فإنه ينبغي اجتنابه. * * *

стр. 4717

فائدة (١) استشكل قول الأصحاب ﵏ في المجتهدين في القبلة إذا اختلفا جهة، حيث قالوا: لا يصح اقتداء أحدهما بالآخر. ووجهة: أن اختلافهما في الاجتهاد إلى القبلة كاختلافهما في الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وقد نصوا على أن هذا غير مانع من الإقتداء، فله أن يصلي خلف آكل حلم إبل لا يرى الوضوء منه، وإن كان هو ممن يرى نقض الوضوء به. وهذا التفريق في الحكم بين المسألتين قد يكون خفياً في بادي الأمر، ولذلك قال الموفق ﵀: إن قياس المذهب صحة الاقتداء. ولكن عند التأمل تجد الصواب عدم صحة اقتداء أحدهما بالآخر، وذلك أن الجميع متفقون على اشتراط القبلة في هذه المسألة، لكن أحدهما يقول: هذه هي، والثاني يخالفه، وكل واحد منهما يعتقد أن الثاني إلى غير القبلة فصلاة الآخر عنده باطلة، فكيف يصح اقتداء أحدهما بالآخر؟ فإنه إن كان الصواب مع المأموم فصلاة الإمام باطلة، فيكون مقتدياً بمن يرى أنه لم يستقبل القبلة. وإن كان الصواب مع الإمام فصلاة المأموم باطلة! فكيف ينوي الإمامة بمن صلاته باطلة. ونظير ذلك إذا سمعا صوتاً من أحدهما لا بعينه، فإن صلاة كل واحد بالنسبة إليه صحيحة،ولا يصح أن يقتدي أحدهما بالآخر، وقد خالف الموفق في هذا وقال: إنه لا سواء بينهما، بل بينهما فرق، وهو

стр. 4718

أن من باب المحدث في الأخيرة لزمه الإعادة، ومن بان أنه هو المخطئ للقبلة فلا إعادة عليه فصلاته صحيحة بكل حال، بخلاف مسألة الحدث. ولكن هذا الفرق غير مؤثر هنا، فإن ذلك إنما يؤثر بالنسبة إلى صلاة الواحد بنفسه، أما بالنسبة إلى الجماعة بينهما فلا فرق فإن كل واحد منهما يعتقد أن الآخر مخطئ أو محدث يقيناً ولا فرق بينهما. والله أعلم.

стр. 4719

النية

стр. 4720

سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم التلفظ بالنية في الصلاة وغيرها ؟ فأجاب بقوله: التلفظ بالنية لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ، وعهد السلف الصالح، فهو مما أحدثه الناس، ولا داعي له، لأن النية محلها القلب، والله تعالى عليم بما في قلوب عباده، ولست تريد أن تقوم بين يدي من لا يعلم حتى تقول أتكلم بما أنوي ليعلم به، وإنما تريد أن تقف بين يدي من يعلم ما توسوس به نفسك، ويعلم متقلبك، وماضيك، وحاضرك، فالتكلم بالنية من الأمور التي لم تكن معروفة عند السلف الصالح، ولو كانت خيراً لسبقونا إليه، فلا ينبغي للإنسان أن يتكلم بنيته لا في الصلاة ولا في غيرها من العبادات لا سراً ولا جهراً. * * * وسئل فضيلته: عن التلفظ بالنية ؟ فأجاب بقوله: قال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١) . والنية محلها القلب ولا يحتاج إلى نطق، وأنت إذا قمت تتوضأ فهذه هي النية، ولا يمكن لإنسان عاقل غير مكره على عمل أن يفعل ذلك العمل إلا وهو ناو له، ولهذا قال بعض أهل العلم: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من التكليف ما لا يطاق. ولم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه - رضوان الله عليهم - أنهم كانوا يتلفظون بالنية، والذين تسمعهم يتلفظون بالنية تجد ذلك إما جلاهً منهم، أو تقليداً لمن قال بذلك من أهل العلم، حيث قالوا إنه

стр. 4721

ينبغي أن يتلفظ بالنية من أجل أن يطابق القلب اللسان، ولكننا نقول إن قولهم هذا ليس بصحيح، فلو كان أمراً مشروعاً لبينه الرسول صلي الله عليه وسلم للأمة، إما بقوله وإما بفعله. والله الموفق. * * * وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل مع الإمام بنية صلاة الوتر ثم تذكر وهو يصلي أنه لم يصل العشاء فقلب النية عشاء فهل يصح ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يصح، لأن من القواعد: ((إن الانتقال من معين إلى معين لا يصح)) مثل أن يدخل إنسان في صلاة العصر ثم ذكر أنه صلى الظهر بلا وضوء،ففي أثناء الصلاة قلب العصر إلى ظهر فلا يصح، لأن العبادة المعينة لابد أن ينويها من أولها قبل أن يدخل فيها، لأنه لو نوى من أثنائها لزم أن يكون الجزء السابق على النية الجديدة خالياً من نية الصلاة التي انتقل إليها، وقد قال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١) . ففي المثال السابق لا تصح لا الظهر ولا العصر، العصر لا تصح، لأنه أبطلها بانتقاله إلى الظهر، ولا تصح الظهر لأنه لم ينوها من أولها. وهناك انتقال من مطلق إلى معين، ولا يصح أيضاً مثل: رجل قام يصل تطوعاً، ثم ذكر أنه لم يصل الفجر فنواها عند صلاة الفجر فلا يصح تطوعاً، لأنه انتقل من مطلق إلى معين، والمعين لابد أن ينويه من أوله. وهناك انتقال من معين إلى مطلق فيصح مثل: رجل دخل يصلي بنية الفجر ثم بدا له أن يجعلها سنة مطلقة - ليست السنة الراتبة لأن

стр. 4722

الراتبة معينة - فيصح لأن نية الصلاة المعينة تتضمن في الواقع نيتين: نية مطلق الصلاة، ونية التعيين، فإذا ألغي نية التعيين بقي مطلق الصلاة، فهذا الرجل الذي حول نيته الفريضة التي هي الفجر إلى نفل مطلق عمله صحصح، لأن نية الصلاة المفروضة تشتمل على تعيين وإطلاق فإذا ألفي التعيين بقي الإطلاق، وبناء على ذلك ننظر إلى المسألة التي سأل عنها السائل، فالسائل دخل مع الإمام بنية الوتر ثم ذكر أنه لم يصل العشاء فحول النية إلى صلاة العشاء فلا تصح، وعلى السائل أن يعيد صلاة العشاء وكذلك الوتر إن أحب إعادته لكن يعيده شفعاً. * * * وسئل فضيلته: عن حكم صلاة الفريضة خلف المتنفل كمن صلى العشاء مع الذين يصلون التراويح ؟ فأجاب بقوله: لا بأس أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح، وقد نص على ذلك الإمام أحمد ﵀، فإن كان مسافراً وأدرك الإمام من أول الصلاة سلم معه، وإلا أتم ما بقي إذا سلم الإمام. * * * وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة الفرض خلف من يصلي نافلة ؟ فأجاب بقوله: يجوز أن يصلي الإنسان فرضاً خلف من يصلي نافلة، ويدل لذلك حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه أنه كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة (١) ، فتكون

стр. 4723

له نافلة فريضة، وهذا وقع في عهد النبي ﷺ . فإن قال قائل: لعل النبي ﷺ لم يعلم به. فالجواب على ذلك من وجهين: الأول: أن نقول يبعد أن النبي ﷺ لم يعلم به، لسيما وأنه قد شكى إليه في الإطالة حين صلى بهم ذات ليلة فأطال، ثم دعاه النبي ﷺ ووعظه والقصة معروفه، فيبعد أن النبي ﷺ لم يعلم بحال معاذ رضى الله عنه. الوجه الثاني: إنه على فرض أن يكون النبي ﷺ لم يعلم بصنيع معاذ هذا، فإن الله قد علم به ولم ينزل وحي من الله تعالى بإنكار هذا العمل، ولهذا نقول: كل ما يجرى في عهد النبي ﷺ فإنه حجة بإقرار الله له، والله لا يقر أحداً على باطل، وإن خفي على النبي ﷺ بدليل قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ١٠٨) (١) . فلما كان هؤلاء القوم يبيتون ما لا يرضى الله ، والناس لا يعلمون به، بينه الله ولم يقرهم عليه، فدل هذا على أن ما وقع في عهد الرسول ﵊ فهو حجة، وإن لم نعلم أن النبي ﷺ علم به فهو حجة بإقرار الله له، ولهذا استدل جابر رضى الله عنه على جواز العزل بإقرار الله له حيث قال رضى الله عنه: ((كنا نعزل والقرآن ينزل)) (٢) ، فالمهم أن فعل هذا حجة بكل تقدير، وهو يصلي نافلة وأصحابه يصلون وراءه فريضة، إذن فإذا صلى

стр. 4724

شخص وراء رجل يصلي نافلة وهو يصلي فريضة فلا حرج في ذلك، ولهذا نص الإمام احمد ﵀ على أن الرجل إذا دخل المسجد في رمضان وهم يصلون التراويح فإنه يصلي خلف الإمام بنية العشاء، فإذا سلم الإمام من الصلاة التي هي التراويح أتي بما عليه من صلات العشاء وهذا فرض خلف نافلة. * * * ٣٤٣ وسئل فضيلته: إذا صلى شخص صلاة الظهر خلف إمام يصلي العصر فهل صلاته صحيحة ؟ فأجاب بقوله: إذا صلى شخص صلاة الظهر خلف إمام يصلي العصر فلا حرج في ذلك وصلاته صحيحه على القول الراجح لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١) . ولم يثبت عن رسول الله ﷺ ما يدل على وجوب اتحاد نيتي الإمام والمأموم، فيكون لكل واحد منهما نيته كما يدل عليه الحديث: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) . * * * ٣٤٤ سئل فضيلة الشيخ: عن الرجل يصلي وحده فيدخل معه آخر ويكون إماماً له فهل تصح صلاتهما ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم تصح صلاتهما، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة فقام النبي ﷺ يصلي في الليل ثم جاء ابن عباس فدخل معه ومضى في

стр. 4725

صلاته (١) ، وهذا في صلاة الليل، وما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل، ولا دليل على التفريق بين الفرض والنفل في هذه المسألة، بل روى الإمام أحمد عن جابر رضى الله عنه قال: قام النبي ﷺ يصلي المغرب فجئت فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه (٢) . الحديث، وهذا في الفرض، وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك لا يصح لا في الفرض ولا في النفل وهو المشهور من المذهب، وقيل: يصح في النفل دون الفرض. حرر في ٢٤/٢/١٣٨٧ هـ. * * * ٣٤٥ وسئل فضيلته: إذا رأي إنسان رجلاً يصلي لوحده فهل يأتم به؟ وهل يسأله هل يصلي فريضة أو نافلة؟ وكيف يجيب ؟ فأجاب بقوله: يجوز أن تدخل مع رجل يصلي وحده وتنوي أن يكون إماماً لك، ولا حاجة أن تسأله ماذا يصلي بل تدخل على نية التي تريد، ثم إن كانت صلاته موافقة لصلاتك فذاك، وإلا فأكمل صلاتك على حسب ما نويت، فإذا تبين أنه يصلي العشاء،وأنت قد نويت المغرب ودخلت معه في أول ركعة فإذا قام للرابعة فأجلس وتشهد وسلم، ثم أدخل معه فيما بقي من صلاة العشاء إن كان يجوز لك أن تجمع. وأما سؤال المصلي إذا سألته عن شيء وهو يصلي فلا بأس إن يجيبك بالإشارة. * * *

стр. 4726

وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عما يدركه المسبوق من الصلاة هل هو أولها أو آخرها ؟ فأجاب بقوله: الصحيح أن ما أدرك من صلاته فهو أولها، وما يقضيه فهو آخرها، فإذا أدرك ركعتين من الظهر وأمكنه أن يقرأ مع الإمام الفاتحة وسورة قرأ وإذا سلم الإمام، وقام يقضي يقتصر على الفاتحة فقط لأن ما يقضيه هو آخر صلاته لقول الرسول صلى الله ﵊: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموه)) (١) . * * * سئل فضيلة الشيخ: عن تغيير النية في الصلاة ؟ فأجاب بقوله: تغيير النية إما أن يكون من معين لمعين، أو من مطلق لمعين، فهذا لا يصح، وإذا كان من معين لمطلق فلا بأس، مثال ذلك. من معين لمعين، أراد أن ينتقل من سنة الضحى إلى راتبة الفجر التي يريد أن يقضيها، كبر بنية أن يصلي ركعتي الضحى، ثم ذكر أنه لم يصل راتبة الفجر فحولها إلى راتبة الفجر فهنا لا يصح، لأن راتبة الفجر ركعتان ينويهما من أول الصلاة. كذلك أيضاً رجل دخل في صلاة العصر وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يصلي الظهر فنواها الظهر، هذا أيضاً لا يصح، لأن المعين لابد أن تكون نيتهمن أول الأمر. وأما من مطلق لمعين، فمثل أن يكون شخص يصلي صلاة مطلقة

стр. 4727

نوافل - ثم ذكر أنه لم يصل الفجر، أن لم يصل سنة الفجر فحول هذه النية إلى صلاة الفجر أو إلى سنة الفجر، فهذا أيضاً لا يصح. أما الانتقال من معين لمطلق، فمثل أن يبدأ الصلاة على أنها راتبة الفجر، وفي أثناء الصلاة تبين أنه قد صلاها فهنا يتحول من النية الأولى إلى نية الصلاة فقط. ومثال آخر: إنسان شرع في صلاة فريضة وحده ثم حضر جماعة، فأراد أن يحول الفريضة إلى نافلة ليقصر فيها على الركعتين، فهذا جائز لأنه حول من معين إلى مطلق. هذه القاعدة، من معين لمعين لا يصح، ومن مطلق لمعين لا يصح، من معين لمطلق يصح. * * * وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز تغيير النية من معين إلى معين ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز تغيير النية من معين إلى معين، أو من مطلق إلى ميعن، وإنما يجوز تغيير النية من معين إلى مطلق. مثال الأول: من معين إلى ميعن، تغير النية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ففي هذه الحالة تبطل صلاة الظهر، لأنه تحول عنها، ولا تنعقد صلاة العصر، لأنه لم ينوها من أولها وحينئذ يلزمه قضاء الصلاتين. ومثال الثاني: من مطلق إلى معين، أن يشرع في صلاة نفل مطلق ثم يحول النية إلى نفل معين فيحولها إلى الراتبة، يعنى أن رجلاً دخل في الصلاة بنية مطلقة، ثم أراد أن يحولها إلى راتبة الظهر مثلاً فلا تجزئه عن الراتبة، لأنه لم ينوها من أولها.

стр. 4728

ومثال الثالث: من معين إلى مطلق أن ينوي راتبة المغرب ثم بدا له أن يجعلها سنة مطلقة فهذا صحيح لا تبطل به الصلاة، وذلك لأنه نية الصلاة المعينة متضمنة لنية مطلق الصلاة، فإذا ألغى التعيين بقي مطلق الصلاة لكن لا يجزئه ذلك عن الراتبة لأنه تحول عنها. * * * سئل فضيلة الشيخ: إذا قطع الإنسان النية في أثناء الصلاة فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا قطع المصلي النية في أثناء الصلاة بطلت الصلاة لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١) . وهذا قد نوى القطع فانقطعت. * * * وسئل الشيخ: إذا سمع المصلي طارقاً يطرق الباب فتردد، هل يقطع الصلاة فهل تبطل الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ذهب بعض أهل العلم إلى بطلان الصلاة وإن لم يعزم على القطع، وقال بعض أهل العلم لا تبطل الصلاة بالتردد،لأن الأصل بقاء النية، والتردد لا يبطلها، وهذا القول هو الصحيح فما دام أنه لم يعزم على القطع فهو في الصلاة. وسئل فضيلة الشيخ: هل يصح أن ينتفل المنفرد إلى إمامة في صلاة الفرض ؟

стр. 4729

فأجاب بقوله: نعم يصح أن ينتفل من انفراد إلى إمامه في الفرض والنفل، ودليل ذلك أن النبي ﷺ قام ذات ليلة يصلي وقام ابن عباس فوقف عن يساره، فأخذ النبي ﷺ برأسه من وراءه فجعله عن يمينه (١) ، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل. وهنا مسألة: إذا كان المأموم مسافراً والإمام مقيماً فهل للمسافر أن ينفرد إذا صلى ركعتين ثم يسلم؟ فالجواب: ليس للمأموم المسافر إذا اقتدى بمقيم أن ينفرد إذا صلى ركعتين، لأن المأموم المسافر إذا اقتدى بإمام مقيم وجب عليه الإتمام لقول النبي ﷺ : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) (٢) . وقوله: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (٣) . * * * وسئل فضيلة الشيخ: هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام ؟ فأجاب بقوله: لا تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، لأن صلاة المأموم صحيحه، والأصل بقاء الصحة، ولا يمكن أن تبطل إلا بدليل صحيح، فالإمام بطلت صلاته بمقتضى الدليل الصحيح، ولكن المأموم دخل بأمر الله فلا يمكن أن تفسد صلاته إلا بأمر الله، القاعدة: ((أن من دخل في عبادة حسب ما أمر به فإننا لا نبطلها إلا بدليل)) ويستثنى

стр. 4730

من ذلك ما يقوم به مقام المأموم مثل السترة، فالسترة للإمام ستره لمن خلفه، فإذا مرت امرأة بين الإمام وسترته بطلت صلاة الإمام وبطلت صلاة المأموم، لأن هذه السترة مشتركة،ولهذا لا نأمر المأموم أن يتخذ سترة، بل لو اتخذ سترة لعد متنطعاً مبتدعاً. * * * سئل فضيلته: إذا أخر الإنسان صلاة الظهر إلى صلاة العصر ودخل المسجد فهل يصلي معهم العصر بنية الظهر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لم يتبين في السؤال سبب تأخير صلاة الظهر إلى العصر، فإن كان السبب عذراً شرعياً فإن له حكماً، وإن كان السبب غير شرعي فإن صلاة الظهر لا تجزئ إذا أخرها عن وقتها بدون عذر شرعي،وعليه أن يتوب إلى الله مما وقع منه، ولا تنفعه الصلاة حينئذ، لأنه تعمد تأخيرها عن وقتها. أما إذا كان السبب شرعياً وأتى إلى المسجد وهم يصلون العصر فهو بالخيار إن شاء صلى معهم بنية العصر، فإذا فرغوا صلى الظهر، ويسقط الترتيب حينئذ لئلا تفوت الجماعة، وإن شاء صلى معهم العصر بنية الظهر، ولا يضر اختلاف النية لأن النبي ﷺ قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا)) (١) . فبين النبي ﷺ معنى الاختلاف عليه ولهذا جاءت ((لا تختلفوا عليه)) ولم يقل ((لا تختلفوا عنه)) بل بال ((عليه)) مما يدل على أن المراد المخالفة في الأفعال وقد فسر ذلك في نفس الحديث فقال: ((فإذا كبر فكبروا)) وإذا ركع فأركعوا. .)) إلخ، أما النية فإنها عمل باطن لا يظهر فيها الاختلاف على
следующие страницы →