هؤلاء. ولما ذكرت له أم سلمة رضى الله عنها كنيسة رأتها في أرض الحبشة وما فيها من الصور قال: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، أولئك شرار الخلق عند الله)) (١) . وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون من القبور مساجد)) (٢) . أخرجه الإمام أحمد بسند جيد. والمؤمن لا يرضى أن يسلك مسلك اليهود والنصارى ولا أن يكون من شرار الخلق. حرر في ٧/٤/١٤١٤ هـ.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم الصلاة في مسجد في قبلته قبر ؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أن يوضع في المسجد قبر، لا في قبلته ولا خلف المصلين، ولا عن إيمانهم، ولا عن شمائلهم، وإذا دفن أحد في المسجد ولو كان هو المؤسس له فإنه يجب أن ينبش هذا القبر وأن يدفن مع الناس، أما إذا كان القبر سابقاً على المسجد وني المسجد عليه فإنه يجب أن يهدم المسجد وأن يبعد عن القبر، لأن فتنة القبور في المساجد عظيمة جداً فربما يدعو إلى عبادة هذا المقبور ولو بعد زمن بعيد، وربما يدعو إلى الغلو فيه، وإلى التبرك به وهذا خطر عظيم على المسلمين، لكن إن كان القبر سابقاً وجب أن يهدم المسجد ويغير
стр. 4657
مكانه، وإن كان المسجد هو الأول فإنه يجب أن يخرج هذا الميت من قبره ويدفن مع المسلمين، والصلاة إلى القبر محرمة ولا تصح الصلاة إلى القبر لقوله ﷺ : ((لا تصلوا إلى القبور)) (١) . والله المستعان.
* * *
٢٩٤ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة في المقبرة والصلاة إلى القبر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ورد في ذلك حديث عن رسول الله ﷺ أخرجه الترمذي أن النبي ﷺ قال: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) (٢) . وروى مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) (٣) . وعلى هذا فإن الصلاة في المقرة لا تجوز، والصلاة إلى البر لا تجوز، لأن النبي ﷺ بين أن المقبرة ليست محلاً للصلاة، ونهى عن الصلاة إلى القبر، والحكمة من ذلك أن الصلاة في المقبرة، أو إلى القبر ذريعة إلى الشرك، وما كان ذريعة إلى الشرك كان محرماً، لأن الشارع قد سد كل طريق يوصل إلى الشرك، والشيطان يجري من أبن أدم مجرى الدم، فيبدأ به أولاُ في الذرائع والوسائل، ثم يبلغ به الغايات، فلو أن أحداً من الناس صلى صلاة فريضة أو صلاة تطوع في مقبرة أو على قبر فصلاته غير صحيحه
стр. 4658
أما الصلاة على الجنازة فلا بأس بها، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى على القبر في قصة المرأة أو الرجل الذي كان يقم المسجد فمات ليلاً فلم يخبر الصحابة النبي ﷺ بموته، فلما أصبح الصبح قال ﷺ : ((دلوني على قبره أو قبرها لصلى عليه)) (١) .
صلوات الله وسلامه عليه، فيستثنى من الصلاة في المقبرة الصلاة على القبر، وكذلك الصلاة على الجنازة قبل دفنها، لأن هذه صلاة خاصة تتعلق بالميت، فكما جازت الصلاة على القبر على الميت فإنها تجوز الصلاة عليه قبل الدفن.
* * *
٢٩٥ وسئل فضيلته: عن رجل قام ببناء مسجد وأوصى قبل موته بأن يدفن في المسجد، وبعد موته دفن ملاصقاً لجدار المسجد خلف المحراب فما حكم الوفاء بهذه الوصية؟ وما حكم الصلاة في هذا المسجد؟ وقد سألنا فضيلة الشيخ. . . فقال: لا تصلوا في المسجد ؟
فأجاب بقوله: هذه الوصية لا يلزم الوفاء بها أعني وصية باني المسجد أن يدفن فيه، بل ولا يجوز الوفاء بها، لأنها لما أوقف المسجد خرج من ملكه وليس له الحق بأن يدفن فيه، ودفنه فيه بمنزلة دفنه في أرض مغصوبة إن لم يكن أعظم، وعلى هذا فيجب على أولياء الميت من وصي أو غيره أن ينبشوه ويدفنوه في مقابر المسلمين.
وأما بالنسبة للصلاة في هذا المسجد فإن وجدتم غيره فهو أولى منه، وإن لم تجدوا غيره فلا تصلوا إلى القبر، لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور، ولكن اجعلوه عن اليمين، أو الشمال، ولا مانع من
стр. 4659
الصلاة في هذا المسجد، لأنه سابق على القبر، ووضع القبر فيه عدوان عليه، والعدوان عليه لا يستلزم بطلان الصلاة فيه ولا يحوله إلى مقبرة، لكن إذا خشي من فتنة في المستقبل بحيث تظن الأجيال المقبلة أن هذا المسجد بني على القبر فهجر المسجد هذا أولى، ويكون الآثم من حرم المسلمين الصلاة فيه وهم أولياء هذا الميت من وصى أو غيره.
لذا فإني أكرر نصيحتي لهم أن ينبشوا الميت من المسجد ويدفنوه مع المسلمين. وفق الله الجميع لما يجب ويرضى.
ملاحظة: إذا كنتم سألتم الشيخ العلامة. . . . . على وجه الاستفادة والأخذ بما يفتي فالتزموا بما أفتى به، لأنكم سألتموه معتقدين أن ما يقوله هو الحق الذي تدينون الله به، وإن كنتم سألتموه لمجرد استطلاع رأيه ومعرفة ما عنده فلا حرج بالعدول عما أجابكم به.
* * *
وسئل فضيلته: ورد في الحديث النهي عن الصلاة بين القبور، فما المراد بالصلاة بين القبور علماً بأن الناس يصلون على الجنازة بين القبور إذا فاتتهم في المساجد ؟
فأجاب بقوله: المراد بالصلاة بين القبور ما سوى الصلاة على الجنازة، أما الصلاة على الجنازة فلا بأس بها فقد صلى النبي ﷺ على قبر من مات وهو يقم المسجد، وأيضاً فإن النهي عن الصلاة بين القبور إنما هو لخوف الفتنة والشرك بأهل القبور، والصلاة على الجنازة أو القبر بعيد من ذلك كل البعد. حرر في ٣/١٢/١٤٠٢ هـ.
* * *
стр. 4660
وسئل فضيلة الشيخ: يوجد قبر خارج القرية، فنبتت على هذا القبر شجرة، فجاءت الإبل تأكل من هذه الشجرة وتدوس على هذا القبر، وحفاظاً على هذا القبر وضعوا عليه سوراً فهل هذا العمل جائز ؟
فأجاب بقوله: هذه الشجرة تقلع من أصلها، وإذا قلعناها من أصلها لم تأت الإبل وسلما من شرها، وبقي القبر على ما هو عليه، وأما البناء حفاظاً عليه فأخشى إن طال بالناس زمان أن يضلوا بهذا فيعتقدون أنه قبر ولي أو صالح ثم تعود مسألة القبور إلى هذه البلاد بعد أن طهرها الله منها على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
فالآن لابد أن تبلغ القاضي الموضوع، خصوصاً إذا كان البناء كأنه حجرة فهذا لابد أن يزال، والقبر ينقل إلى مكان آخر إن خيف عليه في مكانه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن الصلاة في البيت المغصوب ؟
فأجاب بقوله: البيت المغصوب هو الذي أخذ من مالكه قهراً بغير حق، وقد اختلف أهل العلم في صحة الصلاة فيه.
فمنهم من قال: إن الصلاة فيه صحيحه، لأن النهي إنما هو عن سكنى البيت وليس عن الصلاة، فالنهي لا يختص بهذه العبادة، وكل نهي لا يختص بالعبادة فإنه لا يبطلها، ولهذا إذا اغتاب الصائم أحداً فإن هذا الفعل محرم ولا يبطل به الصوم، لأنه لم يحرم من أجل الصوم ولو أنه أكل أن شرب لفسد صومه، لأن النهي يختص بالصوم فهنا
стр. 4661
الصلاة في المكان المغصوب ليس منهياً عنها لذاتها، بل لكونه استعمل هذا البيت الذي غصبه، ولهذا فالمكث في هذا البيت للصلاة أو غيرها يكون حراماً، وهذا رأي كثير من أهل العلم أن الصلاة في المكان المغصوب صحيحة، ولكنه آثم بمكثه واستيلائه على هذا بغير حق.
والقول الثاني لأهل العلم في هذه المسألة: أن صلاته تكون باطلة لأنها وقعت في مكان مغصوب، فكانت الصلاة التي تقع في زمان محرم فعلها فيه، فصلاة النفل المطلقة لو وقعت في وقت النهي تكون باطلة، وذلك لأن الزمن يحرم فيه إيقاع هذه الصلاة، فكذلك هذا المكان المغصوب لما كان يحرم المكث فيه مطلقاً فالمكث فيه للصلاة يكون مكثاً في مكان يحرم المكث فيه فتقع الصلاة محرمة باطلة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
لكن من حبس في مكان مغصوب ولم يتمكن من الخلاص منه وصلى فإنه صلاته صحيحة ولا إعادة عليه. ...
* * *
стр. 4662
سئل الشيخ: ما حكم الصلاة فوق سطح الحمام؟ وحكم الصلاة فوق سطح مجامع الفضلات النجسة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة فوق سطوح حماماتنا المعروفة لا بأس بها، لأن الحمامات عندنا لا تستقل ببناء خاص ويكون سطحها سطح جميع البيوت، والصلاة فوق سطح مجامع الفضلات النجسة لا بأس بها أيضاً لدخولها في عموم قوله ﷺ : ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (١) .
* * *
وسئل فضيلته: هل تجوز الصلاة إلى الحمام إذا كان بيننا وبينه جدار ؟
فأجاب بقوله: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً طهوراً)) . إلا أنه يستثنى من ذلك ما ثبت به النص من تحريم الصلاة فيه، والصلاة إلى الحمام ليس مما ورد فيه النهي، فإذا كان الحمام بينك وبينه جدار فإن ذلك لا يؤثر، أما إذا كان الجدار هو جدار الحمام فقد كره بعض أهل العلم الصلاة إليه، وقالوا لا ينبغي أن يصلي إلى الحمام، وعلى هذا فليتخذ الإنسان مكاناً آخر يصلي فيه.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة على الإسفلت المرشوش بالماء ؟
فأجاب قوله: يجوز للإنسان أن يسجد على كل شيء من الأرض، وعلى غير الأرض أيضاً، كفراش القطن والصوف، المهم فقط أن يمكن جبهته من الأرض، سواء سجد على فراش، أو ﵊ حصير، أو على الأرض، على رمل أو على غير الرمل.
* * *
وسئل فضيلته: عن الأماكن التي لا تصح فيها الصلاة ؟
فأجاب: الأصل جواز الصلاة في جميع الأماكن لقوله ﷺ : ((جعلت لي الأرض مسجداً)) (٢) ويستثنى من ذلك ما يلي:
أولاً: المقبرة: لقول النبي فيما رواه الترمذي: ((الأرض كلها
стр. 4663
مسجد إلا المقبرة والحمام)) (١) . ولقوله ﷺ : ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٢) . ولآن الصرة في المقبرة فد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبه بمن يعبد القبور، ويستثنى من ذلك الصلاة على الجنازة، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ في حديث المرأة التي كانت تقم المسجد أنها ماتت بليل فكرهوا أن يخبروا النبي ﷺ وفي الصباح سأل عنها فقاوا: إنها ماتت فقال: ((دلوني على قبرها)) (٣) فخرج الرسول ﷺ إلى البقيع ودلوه على قبرها فصلى عليها.
ثانياً: الحمام: ودليله قوله ﷺ : ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) . والحمام مكان المغتسل، والعلة في ذلك أن الحمام تكشف فيه العورات ولا يخلو من بعض النجاسة.
ثالثاً: الحش: وهو مكان فضاء الحاجة لأنه أولى من الحمام، ولا يخلو من النجاسة، ولأنه نجس خبيث، ولأنه مأوى الشياطين والشياطين خبيثة، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكاناً لعبادة الله .
رابعاً: أعطان الإبل: وهو عبارة عن المكان الذي تبيت فيه الإبل وتأوي إليه، والمكان الذي تبرك فيه عند صدورها من الماء، أن انتظار الماء وذلك لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة فيه فقال: ((لا تصلوا في أعطان الإبل)) (٤) والأصل في النهي التحريم، مع العلم أن
стр. 4664
أبوال الإبل وروثها طاهر.
والعلة في التحريم أن السنة وردت به، والواجب في النصوص الشرعية التسليم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١) .
وقال بعض العلماء: لأن أرواثها وأبوالها نجسة، وهذا مبنى على أن الأبوال والأرواث نجسة ولو من الحيوان الطاهر، والصحيح خلافه، ولكن هذه العلة باطلة، إذ لو كانت هذه هي العلة ما جازت الصلاة في مرابض الغنم، لأن القائلين بنجاسة أبوال الإبل وأرواثها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها.
وقيل: لأن الإبل شديدة النفورة وريما تنفر وهو يصلي فإذا نفرت ربما تصيبه بأذى، حتى وإن لم تصبه فإنه ينشغل قلبه إذا كانت هذه الإبل تهيج، ليكون النهي عنها لئلا ينشغل قلبه، لكن هذه العلة أيضاً فيها نظر، لأن مقتضاها ألا يكون النهي إلا والإبل موجودة، ثم قد تنتقض بمرابض الغنم، فالغنم تهيج وتشغل، فهل نقول إنها مثلها؟ لا.
وقال بعض أهل العلم: إنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل أو أعطانها لأنها خلقت من الشياطين، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح (٢) ، فإذا كانت مخلوقة من الشياطين فلا يبعد أن تصحبها الشياطين، وتكون هذه الأماكن مأوى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحكمة في النهي عن الصلاة في الحش، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أقرب ما يقال في
стр. 4665
الحكمة ومع ذلك فالحكمة هي التعبد لله بذلك.
خامساً المغصوب: وهو الذي أخذ من صاحبه قهراً بغير حق وقد اختلقف العلماء فيه:
فذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة غير صحيحة، وأن الإنسان منهي عن المقام في هذا المكان، لأنه ملك غيره، فإذا صلى فصلاته منهي عنها، والصلاة المنهي عنها لا تصح، لأنها مضادة للتعبد، فكيف تتعبد لله بمعصيته؟ وذهب بعضهم إلى أن الصلاة في المكان المغصوب صحيحة مع الإثم واستدلوا بقول النبي ﷺ : ((جعلت لي الأرض مسجداً)) (١) . فلا يوجد دليل على إخراج المغصوب من عموم هذا الحديث، وإنما مأمور بهذا وهذا هو الأرجح، ولأن الصلاة لم ينه عنها في المكان المغصوب بل نهي عن الغصب، والغصب أمر خارج.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة في غرفة فيها خمر ؟
فأجاب بقوله: يجوز للإنسان أن يصلي في غرفة فيها خمر، وذلك لأنه إذا صلى في هذه الغرفة ولم يخل بشيء من شروط الصلاة وأركانها وواجباتها ولم يوجد شيء من مبطلاتها فإن الصلاة تصح لتوفر أسباب الصحة وانتفاء مبطلها، ولكني أقول:
هل يمكن لمؤمن أن تكون في بيته خمرة وقد علم من الدين الإسلامي بالضرورة أن الخمر محرم حيث دل كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين على أن الخمر حرام، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا
стр. 4666
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (١) . وقال النبي ﷺ : ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) (٢) . وقال النبي ﷺ : ((ما أسكر كثيرة فقليله حرام)) (٣) . وعلى هذا فلا يحل لمسلم بل لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكون في بيته خمرة، كما أنه لا يحل له بيع الخمر، ولا شراؤه، ولا المعاونة فيه بأي نوع من أنواع المعاونة، ولا شريه، ومن شريه مستحلاً لشربه، أن استحل شربه وإن لم يشربه فإنه يكفر كفراً مخرجاً من الملة وإذا كان ممن عاش بين المسلمين، لأنه أنكر تحريم ما علم بالضرورة من دين الإسلام تحريمه.
ونصيحتي لأخواني المسلمين عموماً أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي أهليهم، وفي مجتمعهم، وأن يجتنبوا مثل هذه القاذورات التي لا تزيدهم من الله إلا بعداً، ولا تزيد في حياتهم إلا قلقاً وتعباً، ونقصاً في الدين والعقل والمال.
* * *
٣٠٤ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة في مسجد بني من مال حرام؟ وإذا كانت الأرض مغصوبة ؟
стр. 4667
فأجاب بقوله: الصلاة فيه جائزة ولا حرج فيها، لأن الذي بناه من مال حرام ريما يكون أراد في بنائه أن يتخلص من المال الحرام الذي اكتسبه، وحينئذ يكون بناؤه لهذا المسجد حلالاً إذا قصد به التخلص من المال الحرام، وإن كان التخلص من المال الحرام لا يتعين ببناء المساجد، بل إذا بذله الإنسان في مشروع خيري حصلت به البراءة.
أما إذا كانت أرض المسجد مغصوبة فهذا محل نزاع بين العلماء، فمن العلماء من قال: إن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة لا تصح ومنهم من قال: إنها صحيحة والإثم على الغاصب.
* * *
٣٠٥ وسئل الشيخ: هل ما قيل إنه يجب على المرأة أن تخلف السروال عند كل صلاة صحيح ؟
فأجاب فضيلته قائلاً: ليس صحيحاً أن المرأة يجب عليها أن تخلع السروال عند كل صلاة، مادام السروال طاهر فإنها تصلي به وهو أستر من غيره، أما إذا كان السروال نجساً فإنه يجب عليها أن تخلعه وتطهره، وإذا طهرته فلا بأس أن تصلي فيه.
وهنا مسألة بهذه المناسبة أود أن أذكر بها: وهي أن بعض الناس ينقض الوضوء قبل وقت الصلاة، ثم يستنجي بالماء فيغسل فرجه قبلاً كان أو دبراً، فإذا جاء وقت الصلاة فإن بعض الناس يظن أنه يجب عليه غسل فرجه مرة أخرى وإن لم يحصل بول أو غائط، ولكن هذا ليس بصحيح، بل إذا تبول الإنسان أو تغوط ثم غسل المحل واستنجى استنجاء شرعياً، ثم جاء الوقت فإنه لا يلزمه إعادة الاستنجاء، بل يتوضأ ولو كان الاستنجاء قبل ساعتين أو ثلاث، والوضوء هو غسل
стр. 4668
الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين.
* * *
٣٠٦ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة في الحذاء ؟
فأجاب بقوله: الصلاة في الحذاء من السنة، لأن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبي ﷺ كان يصل في نعليه (١) ، كما أنه أمر الناس أن يصلوا في نعالهم (٢) ، ولكن لا يصلي المرء فيهما إلا بعد التأكد من نظافتهما، فينظر فيهما فإن رأي فيهما أذى حكهما بالتراب حتى يزول ثم يصلي فيهما.
* * *
٣٠٧ سئل فضيلة الشيخ: ما الحكم فيمن يمشون بأحذيتهم على أرض المسجد الحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشي على أرض المسجد الحرام بالحذاء لا ينبغي، وذلك لأنه يفتح باباً للعامة الذين لا يقدرون المسجد فيأتون بأحذية وهي ملوثة بالمياه، وريما تكون ملوثة بالأقذار يدخلون بها المسجد الحرام فيلوثونه بها، والشيء المطلوب شرعاً إذا خيف أن يترتب عليه مفسدة فإنه يجب مراعاة هذه المفسدة وأن يترك، والقاعدة المقررة عند أهل العلم: ((أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد مع
стр. 4669
التساوي، أو مع ترجح المفاسد فإن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة)) ، وهذا النبي ﷺ أراد أن يهدم الكعبة وأن يجدد بناءها على قواعد إبراهيم، ولكن لما كان الناس حديثي عهد بكفر ترك هذا الأمر المطلوب خوفاً من المفسدة فقال لعائشة رضى الله عنها: ((لولا أن قومك حديثوا عهد لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين باباً يدخل منه الناس، وباباً يخرجون منه)) (١) .
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة بالنعال؟ وهل وجود السجاد في المساجد الآن يمنع من الصلاة في النعال ؟
فأجاب بقوله: الصلاة في النعال مشروعة، لأن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه كما رواه أنس بن مالك رضى الله عنه أخرجه البخاري ومسلم، وعن شداد بن أوس رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) (٢) . رواه أبو داود وله شواهد.
وأما السجاد فلا تمنع من الصلاة في النعال، لكن المهم الذي أغفله كثير من الناس هو تفقد النعال قبل دخول المسجد، وهذا خلاف ما أمر به النبي ﷺ فق قال: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأي في نعليه قذراً، أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما) (٣) . فلو عمل
стр. 4670
الناس بهذا الحديث لم يكن على السجاد ضرراً إذا صلى الناس عليها في نعالهم.
* * *
وسئل فضيلته: يحصل عند بعض الناس إشكال في الصلاة بالنعال ويحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك فما قولكم ؟
فأجاب قائلاً: لا ريب أن النبي ﷺ صلى في نعليه كما في صحيح البخاري أن أنس بن مالك رضى الله عنه سئل: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ فقال: نعم (١) .
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى سلفاً وخلفاً هل الصلاة فيهما من باب المشروعات فيكون مستحباً، أو من باب الرخص فيكون مباحاً، والظاهر أن ذلك من باب المشروعات فيكون مستحباً، ودليل ذلك من الأثر والنظر:
أما الأثر: فقوله ﷺ : ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) (٢) . أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه، قال الشوكاني في شرح المنتقي: ولا مطعن في إسناده.
ومخالفة اليهود أمر مطلوب شرعاً.
وأما النظر: فإن النعال والخفاف زينة الأقدام، وقد قال الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (٣) . ولا يعارض هذا المصلحة إلا أن القدمين في النعال ترتفع أطرافها عن الأرض،
стр. 4671
وأطراف القدمين مما أمرنا بالسجود عليه، لكن يجاب عن ذلك، بأن النعلين متصلان بالقدم وهما لباسه، فاتصالهما بالأرض اتصال لأطراف القدمين، ألا ترى أن الركبتين مما أمرنا بالسجود عليا وهما مستوران بالثياب، ولو لبس المصلي قفازين في يديه وسجد فيهما أجزأه السجود مع أن اليدين مستوران بالقفازين.
ولكن الصلاة بالنعلين غير واجبة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت النبي ﷺ يصلي حافياً ومنتعلاً (١) . أخرجه أبو داود وابن ماجه. ولحديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما)) (٢) . أخرجه أبو داود. قال العراقي: صحيح الإسناد. وعن أبي هريرة رضى الله عنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: ((إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه)) (٣) . رواه أبو داود وفي إسناده من اختلف فيه ويشبه أن يكون موقوفاً. وعن عبد الله بن السائب رضى الله عنه قال: رأيت النبي ﷺ يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره (٤) .
стр. 4672
وبهذا علم أن الصلاة بالنعال مشروعة كالصلاة في الخفين، إلا أن يكون في ذلك أذية لمن بجوارك من المصلين، مثل أن تكون النعال قاسية ففي هذه الحال يتجنب المصلي ما فيه أذية لإخوانه، لأن كف الأذى عن المسلمين واجب، لاسيما إذا كان ذلك الأذى يشغلهم عن كمال صلاتهم، لأن المفسدة في هذه الحال تتضاعف حيث تحصل الأذية والإشغال عن الخشوع في الصلاة.
وأما من قال: إن الصلاة في النعال حيث لا يكون المسجد مفروشاً فليس قوله بسديد، لأن الحكمة في الصلاة في النعل مخالفة اليهود، وكون النعلين من لباس القدمين، وهذه الحكمة لا تختلف باختلاف المكان، نعم لو كانت الحكمة وقاية الرجل من الأرض لكان قوله متجهاً. وأما قول من قال: إنك إذا صليت في نعليك أمامي فقد أهنتني أشد الإهانة.
فلا أدرى كيف كان ذلك إهانة له، ولقد كان رسول الله ﷺ يصلي في نعليه وأصحابه خلفه، أفيقال إن ذلك إهانة لهم؟
قد يقول قائل: إن ذلك كان معروفاً عندهم فكان مألوفاً بينهم لا يتأثرون به، ولا يتأذون به.
فيقال له: وليكن ذلك معروفاً عندنا ومألوفاً بيننا حتى لا نتأثر به ولا نتأذى به.
وأما قول من قال لمن صلى بنعليه: أأنت خير من الناس جميعاً، أو من فلان وفلان، لو كان خيراً لسبقوك إليه.
فيقال له: إن الشرع لا يوزن بما كان الناس عليه عموماً أو خصوصاً، وإنما الميزان كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ وكم من
стр. 4673
عمل قولي، أو فعلي عمله الناس وليس له أصل في الشرع، وكم من عمل قولي أو فعلي تركه الناس وهو ثابت في السنة، كما يعلم ذلك من استقرأ أحوال الناس، ومن ترك الصلاة بالنعلين من أهل العلم فإنما ذلك لقيام شبهة أو مراعاة مصلحة.
ومن المصالح التي يراعيها بعض أهل العلم ما يحصل من العامة من امتهان المساجد، حيث يدخلون المساجد دون نظر في نعالهم وخفافهم اقتداء بمن دخل المسجد في نعليه ممن هو محل قدوه عندهم، فيقتدون به في دخول المسجد بالنعلين دون النظر فيهما والصلاة فيهما فتجد العامي يدخل المسجد بنعليه الملوثتين بالأذى والقذر حتى يصل إلى الصف ثم يخلعهما ويصلي حافياً فلا هو الذي احترم المسجد، ولا هو الذي أتى بالسنة.
فمن ثم رأي بعض أهل العلم درء هذه المفسدة بترك هذه السنة، والأمر في هذا واسع – إن شاء الله – فإن لمثل هذه المراعاة أصلاً في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ :
أما في كتاب الله تعالى فقد نهى الله تعالى عن آلهة المشركين مع كونه مصلحة، لئلا يترتب عليه مفسده وهي سبهم لإلهنا جل وعلا فقال تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ) (١) .
وأما في سنة رسول الله ﷺ فشواهده كثيرة:
منها: أن النبي ﷺ قال لعائشة رضى الله عنه وهو يتحدث عن شأن الكعبة: ((لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر
стр. 4674
قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض)) (١) .
ومنها: أن النبي ﷺ ترك قتل قوم من المنافقين مع علمه بهم، مراعاة للمصلحة، وتشريعاً للأمة أن يحكموا بالظواهر، ويدعوا السرائر إلى عالمها جل وعلا. ومنها: ترك الصيام في السفر.
ومنها: إيثار النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم مع استحقاق جميع المقاتلين لها مراعاة للمصالح.
فعلى المرء أن يتأمل سيرة النبي ﷺ وهديه، ومراعاة للمصالح ويتبعه في ذلك ويعمل بسنته ما استطاع، التزاماً بالواجب، واغتناماً بالتطوع، حتى يكون بذلك عالماً ربانياً وداعياً مصلحاً.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير، والصلاح، والفلاح، والإصلاح، وأن لا يزيغ قلوبنا بع إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. في ١٠/٨/١٤٠٦ هـ.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التزام الإنسان مكان معين في المسجد الحرام لغير المعتكف ليصلي فيه طيلة شهر رمضان ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسجد الحرام كغيره من المساجد يكون لمن سبق، ولا يحل لأحد خارج المسجد أن يتحجر مكاناً له في المسجد.
أما إذا كان في نفس المسجد، ولكنه أحب أن يبتعد عن ضوضاء
стр. 4675
الناس، وجلس في مكان واسع فإذا قربت الصلاة جاء ليصلي في مكانه الذي احتجزه فهذا لا بأس به، لأن له الحق في أن يجلس في أي مكان في المسجد، ولكن إذا ذهب ليصلي في مكان آخر أوسع له ثم لحقته الصفوف فإنه يجب عليه أن يتقدم إلى مكانه، أو يتأخر لمكان أوسع، لأنه إذا وصلته الصفوف وكان في مكانه هذا فقد اتخذ لنفسه مكاناً آخر من المسجد، والإنسان لا يملك أن يتخذ مكانين له.
وإما التزام مكان معين لا يصلي إلا فيه فإن هذا منهي عنه بل ينبغي للإنسان أن يصلي حيث ما وجد المكان.
* * *
٣١١ سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم حجز المكان في المسجد ؟
فأجاب قائلاً: إن حجر الأماكن إذ كان الذي حجزها خرج من المسجد فهذا حرام عليه، ولا يجوز، لأنه ليس له حق في هذا المكان، فالمكان إنما يكون للأول فالأول، حتى إن بعض فقهاء الحنابلة يقول: إن الإنسان إذا حجز مكاناً وخرج من المسجد فإنه إذا رجع وصلى فيه فصلاته باطلة، لأنه قد غصب هذا المكان لأنه ليس من حقه أن يكون فيه وقد سبقه أحد أليه، والإنسان إنما يتقدم ببدنه لا بسجادته أو منديله أو عصاه، ولكن إذا كان الإنسان في المسجد ووضع هذا وهو في المسجد لكن يحب أن يكون في مكان آخر يسمع درساً، أو يتقي عن الشمس ونحو ذلك فهذا لا بأس به بشرط أن لا يتخطى الناس عند رجوعه إلى مكانه، فإن كان يلزم من رجوعه تخطي الناس وجب عليه أن يتقدم إلى مكانه إذا حاذاه الصف الذي يليه لئلا يؤذي الناس.
* * *
стр. 4676
سئل فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى: إذا ضاق المسجد فما حكم الصلاة في السوق وما يحيط بالمسجد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الصلاة في السوق أو في الساحات التي حول المسجد فإن هذا لا بأس به، حتى الذين يقولون إن الصلاة لا تصح في الطريق يستثنون من ذلك صلاة الجمعة وصلاة العيد إذا امتلأ المسجد وخرج الناس إلى الأسواق، والصحيح أنه يستثنى من ذلك كل ما دعت الحاجة إليه فإذا امتلأ المسجد فإنه لا بأس أن يصلوا في الأسواق.
* * *
٣١٣ وسئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين المسجد والمصلي؟ وما ضابط المسجد ؟
فأجاب بقوله: أما بالمعنى العام فكل الأرض مسجد لقوله ﷺ : ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (١) . وأما بالمعنى الخاص فالمسجد: ما أعد للصلاة فيه دائماً وجعل خاصاً بها سواء بني بالحجارة والطين والإسمنت أم لم يبن، وأما المصلى فهو ما اتخذه الإنسان ليصلي فيه، ولكن لم يجعله موضعاً للصلاة دائماً، إنما يصلي فيه إذا صادف الصلاة ولا يكون هذا مسجداً، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ كان يصلي في بيته النوافل، ولم يكن بيته مسجداً، وكذلك دعاه عتبان بن مالك إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى ولم يكن ذلك المكان مسجداً (٢) . فالمصلى ما أعد للصلاة فيه دون أن يعين مسجداً
стр. 4677
عاماً يصلي فيه الناس ويعرف أنه قد خصص لهذا الشيء.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: هل مساجد مكة فيها من الأجر كما في المسجد الحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قول السائل: هل مساجد مكة فيها من الأجر كما في المسجد الحرام جوابه: لا ليست مساجد مكة كالمسجد الحرام في الأجر، بل المضاعفة إنما تكون في المسجد الحرام نفسه القديم والزيادة لقول النبي ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة)) (١) . أخرجه مسلم. فخص الحكم بمسجد الكعبة، ومسجد الكعبة واحد، وكما أن التفضيل خاص في مسجد الرسول ﵊ فهو خاص بالمسجد الحرام أيضاً، ويدل لهذا أيضاً قوله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)) (٢) . ومعلوم أننا لو شددنا الرحال إلى مسجد من مساجد مكة غير المسجد الحرام لم يكن هذا مشروعاً بل كان منهياً عنه، فما يشد الرحل إليه هو الذي فيه المضاعفة، لكن الصلاة في مساجد مكة بل في الحرم كله أفضل من الصلاة في الحل، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ لما نزل الحديبية، والحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم كان يصلي في الحرم مع
стр. 4678
أنه نازل في الحل، وهذا يدل على أن الصلاة في الحرم أفضل، لكن لا يدل على حصول التضعيف الخاص في مسجد الكعبة.
فإن قيل: كيف تجيب عن قول الله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (١) . وقد أسرى به من مكة من بيت أم هاني؟
فالجواب: أنه ثبت في صحيح البخاري أنه أسرى به ﷺ من الحجر، قال: ((بينا أنا نائم في الحجر أتاني آت. . .)) (٢) إلخ الحديث، والحجر في المسجد الحرام، وعلى هذا فيكون الحديث الذي فيه أنه أسرى به ﷺ من بيت أم هاني - إن صحت الرواية - يراد ابتداء الإسراء ونهايته من الحجر، كأنه نبه وهو في بيت أم هاني، ثم قام فنام في الحجر فأسرى به من الحجر.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم هدم المساجد لصالح الشوارع؟ وهل يختلف الحكم فيما إذا كان يوجد مسجد آخر قريب منه يقوم مقامه ؟
فأجاب بقوله: هدم المساجد لمصلحة الشارع جائز إذا كان سيعمر بدله في مكان قريب منه بحيث لا يضر على أهل المسجد الأولين، وقد ذكر الإمام أحمد وغيره عن عمر رضى الله عنه أنه أذن في نقل مسجد الكوفة لمصلحة بيت المال، حيث إن بيت المال نقب وسرق، فأمر عمر رضى الله
стр. 4679
عنه بنقل المسجد (١) ، وجعل بيت المال في قبلته، معللاً ذلك بأنه ما زال في المسجد مصل، فيمتنع من هم بالسرقة منها بسبب وجود المصلين في المسجد، فصار المسجد في مكان سوق التمارين، وسوق التمارين في مكان المسجد، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حكم هذه المسألة في الفتاوى ص ٢١٥- ٢٣٨ مجلد ٣١ مجموعة ابن قاسم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إحضار الأولاد الصغار للمسجد إذا كانوا يشوشون على المصلين ؟
فأجاب بقوله: لا يجوز إحضار الأولاد للمسجد إذا كانوا يشوشون على المصلين، لأن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يصلون ويجهرون فقال: ((لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن أو قال في القراءة)) (٢) . وإذا كان التشويش منهياً عنه حتى في قراءة القرآن فما بالك بلعب الصبيان؟! .
أما إذا كانوا لا يشوشون فإحضارهم إلى المسجد خير، لأنه يمرنهم على حضور الجماعة ويرغبهم في المساجد فيألفونها.
* * *
٣١٧ سئل فضيلة الشيخ: حفظه الله تعالى -: عن حكم منع الصبيان من الجلوس في الصف الأول ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يمنع الصبيان من الصلاة في الصف
стр. 4680
الأول من المسجد إلا إذا حصل منهم أذية، أما ما داموا لا مؤدبين فإنه لا يجوز إخراجهم من الصف الأول لأن النبي ﷺ قال: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)) (١) . وهؤلاء سبقوا إلى ما لم يسبقهم إليه أحد، فكانوا أحق به من غيرهم.
فإذا قيل: قد قال النبي ﷺ : ((ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)) (٢) .
فالجواب: إن المراد بهذا الحديث حث أولي الأحلام والنهى على أن يتقدموا، نعم لو قال الرسول ﷺ : ((لا يليني إلا أولوا الأحلام والنهى)) .لكان هذا نهياً عن تقدم الصبيان للصف الأول، ولكنه إذا قال: ((ليليني أولوا الأحلام والنهى)) . فالمعنى حيث هؤلاء البالغين العقلاء على أن يتقدموا ليكونوا هم الذين يلون رسول الله ﷺ ، ولأننا لو أخرنا الصبيان عن الصف الأول سيكونون وحدهم في الصف الثاني، ويترتب على لعبهم ما لا يترتب لو كانوا في الصف الأول وفرقناهم وهذا أمر ظاهر. والله الموفق.
* * *
٣١٨ وسئل فضيلته: قال بعض الفقهاء إن من شروط الصلاة اجتناب النجاسة في البدن، والثوب، والبقعة، وهو شرط عدمي، فما الفرق بين الشرط الإيجابي والعدمي ؟
فأجاب بقوله: الفرق بين الشرط الإيجابي والعدمي أن الأول يجب فعله والثاني يجب اجتنابه، فإذا صلى الإنسان في ثوب نجس
стр. 4681
ناسياً، أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة، وليس عليه إعادة الصلاة، مثال ذلك: أصاب ثوبك بول ولم تغسله ثم صليت بعد ذلك ناسياً غسله، أو أنه أصابك فإن صلاتك صحيحه ولا إعادة عليك، لأنك معذور بالنسيان، قال تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) . وقد روى أهل السنة عن النبي ﷺ أنه كان يصلي بأصحابه ذات يوم فخلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم، فلما سلم سألهم، فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: ((إن جبريل أتاني وأخبرني أن فيهما أذى أو قذراً)) (٢) . فدل هذا على أن من صلى بنجاسة جاهلاً بها فإن صلاته لا تبطل، فإن علم بها أثناء الصلاة أزالها ومضى في صلاته ولا حرج عليه.فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن الإنسان إذا صلى بغير وضوء ناسياً فإن صلاته باطلة غير صحيحة، فكيف تقولون إنه إذا صلى بالنجاسة ناسياً غسلها تكون صلاته صحيحة فما الفرق إذاً؟
نقول: إن الوضوء شرط إيجابي أي أنه شرط وجودي والشرط الوجودي لابد من وجوده فإذا عدم عدمت الصحة، وأما اجتناب النجاسة فهو شرط عدمي، وقد قال أهل العلم: إنه يفرق بين ترك المأمور وفعل المحذور، فترك المأمور لا يعذر فيه الإنسان بالجهل أو النسيان، وفعل المحذور يعذر فيه الإنسان بالجهل أو النسيان، وهذه قاعدة مقررة عند أهل العلم دل عليها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
стр. 4682
فصل
قال فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -:من إقام الصلاة الطهارة، فإنها لا تقبل صلاة بغير طهور، قال النبي ﵊: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) (١) .
فلابد أن يقوم الإنسان بالطهارة على الوجه الذي أمر به، فإن أحدث حدثاً أصغر مثل البول، والغائط، والريح، والنوم، وأكل لحم الإبل فإنه يتوضأ.
وفروض الوضوء كما يلي: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، كما أمر الله بذلك في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (٢) . ومن الوجه: المضمضة والإستنشاق، ومن الرأس: الأذان، فلابد في الوضوء من غسل هذه الأعضاء الأربعة، غسل في ثلاثة،ومسح في واحد.
وأما الاستنجاء أو الاستجمار فهو: إزالة نجاسة ولا علاقة له بالوضوء، لو أن الإنسان بال أو تغوط واستنجى، ثم ذهب لشغله ثم دخل الوقت فإنه يتوضأ بتطهيره الأعضاء الأربعة، ولا حاجة إلى أن يستنجي، لأن الاستنجاء إزالة نجاسة، ومتى أزيلت فإنه لا يعاد الغسل مرة ثانية إلا إذا رجعت مرة ثانية.
стр. 4683
والصحيح: أنه لو نسي أن يستجمر استتجماراً شرعياً ثم توضأ فإن وضوءه صحيح، لأنه ليس هناك علاقة بين الاستنجاء وبين الوضوء.
أما إذا كان محدثاً حدثاً أكبر مثل الجنابة فعليه أن يغتسل، فيعم جميع بدنه بالماء لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) . ومن ذلك المضمضة والاستنشاق لأنهما داخلان في الوجه فيجب تطهيرهما كما يجب تطهير الجبهة والخد واللحية.
والغسل الواجب الذي يكفي هو أن تعم جميع بدنك بالماء سواء بدأت بالرأس، أو بالصدر، أو بالظهر، أو أسفل البدن،أو انغمست في بركة وخرجت منها بنية الغسل.
والوضوء قبل الغسل سنة وليس واجب، وإذا اغتسل فلا حاجة إلى الوضوء مرة ثانية لأنه لم يثبت عن النبي ﵊ أنه توضأ بعد اغتساله.
فإذا لم يجد الماء، أو كان مريضاً يخشى من استخدام الماء، أن كان برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء فإنه يتيمم لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (٢) .
فبين الله حال السفر والمرض أنه يتيمم فيهما، إذا لم يجد الماء في السفر.
أما خوف البرد فدليله قصة عمرو بن العاص رضى الله عنه قال:
стр. 4684
احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن أغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: ((يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟)) (١) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (٢) . فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً. فأقره النبي ﷺ على ذلك ولم يأمره بالإعادة، لأن من خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالباً أو قاطعاً، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء.
وأعلم أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء، ولا تنتقض إلا بما تنتقض به طهارة الماء، أو بزوال العذر المبيح للتيمم.
فمن تيمم لعدم وجود الماء ثم وجده فإنه لابد أن يتطهر بالماء، لأن الله تعالى إنما جعل التراب طهارة إذا عدم الماء، وفي الحديث الذي أخرجه أهل السنن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم أو قال: طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجده فليتق الله وليمس بشرته)) (٣) .
وفي صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل في قصة الرجل الذي اعتزل فلم يصل مع النبي ﷺ فسأله فقال: ((ما منعك أت تصلي معنا)) ؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء فقال: ((عليك بالصعيد
стр. 4685
فإنه يكفيك)) ، ثم حضر الماء فأعطى النبي ﷺ هذا الرجل ماء وقال: ((أفرغه على نفسك)) (١) أي اغتسل به، فدل هذا على أنه إذا وجد الماء بطل التيمم، أما إذا لم يحضر الماء، ولم يزل العذر فإنه يقوم مقام طهارة الماء ولا يبطل بخروج الوقت، فلو تيمم الإنسان وهو مسافر ولا ماء عنده لصلاة الظهر مثلاً وبقي لم يحدث إلى العشاء فإنه لا يلزمه إعادة التيمم، لأن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، لأنه طهارة شرعية كما قال الله في القرآن الكريم: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (٢) . فبين الله أن طهارة التيمم طهارة، وقال الرسول ﷺ : ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) بفتح الطاء أي أنها تطهر ((فإيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)) (٣) وفي حديث آخر: ((فعنده مسجده وطهوره)) (٤) يعني ليتطهر وليصل.
ومن المحافظة على الطهارة إزالة النجاسة من ثوبك، ومصلاك وبدنك، فلابد من الطهارة في هذه المواضع الثلاثة. ودليل هذا في الثوب أن النبي ﷺ : ((أمر الحائض إذا أصابها الحيض أن تغسله ثم تصلي فيه)) (٥) .
ولما صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعاله خلع نعليه فخلع الناس
стр. 4686
نعالهم فلما سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، قال: ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً)) (١) .
فدل هذا على أنه لابد من اجتناب النجاسة في الملبوس.
أما المكان: فدليله أن أعرابياً جاء فبال في طائفة المسجد أي في طرف منه، فصاح به الناس وزجروه ولكن الرسول ﷺ بحكمته نهاهم وقال: اتركوه فلما قضي بوله دعاه النبي ﷺ وقال له: ((إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر إنما هي للصلاة والتسبيح، وقراءة القرآن)) (٢) .
فدل هذا على أنه لابد من التنزه من البول وهكذا بقية النجاسات ولكن لو فرض أن الإنسان في البر وتنجس ثوبه وليس معه ما يغسله به فهل يتيمم من أجل صلاته في هذا الثوب.
стр. 4687
لا يتيمم، وكذلك لو أصاب بدنه نجاسه، رجله، أو يده، أو ساقه، أو ذراعه وليس عنده ما يغسله فإنه لا يتيمم، لأن التيمم إنما هو لطهارة الحدث فقط.
أما النجاسة فلا يتيمم لها لأن النجاسة عين قذرة، وتطهيرها بإزالتها، إن أمكن فذاك، وإن لم يمكن تبقى حتى يمكن إزالتها، والله أعلم
стр. 4688
استقبال القبلة
стр. 4689
سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -: يقع مشكلة بين بعض المصلين في المساجد حول الدفايات الكهربائية ووضعها أمام المصلين هل هذا حرام أو مكروه يتنزه عنه؟ وهل الصلاة أمام النار محرمة أو مروهة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً .
فأجاب بقوله: اختلف العلماء ورحمهم الله تعالى في الصلاة إلى النار: فمنهم من كرهها، ومنهم من لم يكرهها، والذين كرهوها عللوا ذلك بمشابهة عباد النار، والمعروف أن عبدة النار يعبدون النار ذات اللهب، أما ما ليس لهب فإن مقتضى التعليل أن لا تكره الصلاة إليها.
ثم إن الناس في حاجة إلى هذه الدفايات في أيام الشتاء للتدفئة فإن جعلوها خلفهم فاتت الفائدة منها أو قلت، وإن جعلوها عن إيمانهم أو شمائلهم لم ينتفع بها إلا القليل منهم وهم الذين يلونها فلم يبق إلا أن تكون أمامهم ليتم انتفاعهم بها، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم أن المكروه تبيحه الحاجة.
ثم إن الدفايات في الغالب لا تكون أمام الإمام وإنما تكون أمام المأمومين وهذا يخفف أمرها، لأن الإمام هو القدوة ولهذا كانت سترته سترة للمأموم. الله أعلم. في ٢٢/٦/١٤٠٩ هـ.
* * *
٣٢٠ وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -: ما حكم وضع مدخنه البخور أما المصلين في المسجد ؟
فأجاب بقوله: لا حرج في ذلك ولا يدخل هذا فيما ذكره بعض الفقهاء من كراهة استقبال النار، فإن الذين قالوا بكراهة استقبال النار
стр. 4690
عللوا هذا بأنه يشبه المجوس في عبادتهم للنيران، فالمجوس لا يعبدون النار على هذا الوجه، وعلى هذا فلا حرج من وضع حامل البخور أمام المصلي، ولا من وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلي أيضاً لاسيما إذا كانت أمام المأمومين وحدهم دون الإمام.
* * *
٣٢١ سئل فضلية الشيخ: عندما ذهبنا إلى المدينة دخلنا مسجد القبلتين قيل لنا ونحن في المسجد صولا هكذا أي إلى بيت المسجد، وصلوا ركعتين إلى الكعبة ما صحة هذا العمل؟ وما أصل تسمية مسجد القبلتين بهذا الاسم؟ وهل هو المسجد الموجود الآن ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من تزوير المزورين، ولهذا قال بعض العلماء: إن المزورين بعضهم يكون مشتقاً من الزور لأ من الزيارة.
يكذب على البسطاء من الناس ويقول هذا محل كذا، وهذا محل كذا وأحياناً يقول: هذا مبرك ناقة الرسول ﵊ حينما قدم المدينة وهكذا.
وهذه الأمور تحتاج إلى إثبات أولاً وقبل كل شيء، ثم إذا ثبتت فهل نحن نتخذها مزاراً؟
الجواب: لا، لأن الصاحبة الذين هم أشرف الخلق بعد الأنبياء لم يتخذوها مزاراً، فلم يبلغنا أن أحداً من الصحابة يذهب إلى ما يسمى مسجد القبلتين ليصلي فيه، وأنا لا أعلم أن هذا المسجد ذا قبلتين أو لا، وكلن حتى لو صح إنه كان ذا قبلتين فإنه لا يجوز أن يصلي فيه أحد إلى الشام.
* * *
стр. 4691
وسئل فضيلته: هل تصح صلاة العاجز بدون استقبال القبلة ؟
فأجاب بقوله: العاجز تصح صلاته بدون استقبال القبلة، ودليل ذلك قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) . وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (٢) . وقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٣) . فالعاجز لا يلزمه استقبال القبلة لعجزه، مثل أن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة، وليس عنده أحد يوجهه إلى القبلة فهنا يتجه حيث كان وجهه لأنه عاجز.
* * *
وسئل: هل يجب على المتنفل في السفر أن يتجه إلى القبلة عند افتتاح الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذهب بعض العلماء إلى الوجوب، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الأفضل أن يبتدئ الصلاة متجهاً إلى القبلة ثم يتجه حيث كان وجهه.
* * *
وسئل فضيلته: عن حكم صلاة من كان في الحرم ولم يستطع مشاهدة الكعبة واتجه كاتجاه المصلين، وبعد انقضاء الصلاة اتضح له أنه لم يتجه إلى عين الكعبة ؟
стр. 4692
فأجاب بقوله: الذي أرى أن هؤلاء يجب عليهم إعادة الصلاة إذا لم يتحروا التحري الكامل، والغالب أن الإنسان يمكنه أن يتحرى تحرياً كاملاً، ولو كان في مكان لا يشاهد الكعبة إذا قام الناس فإنه ربما تتبين له الكعبة، ولو قيل إنه في هذا الحال معذور لمشقة ذلكم عليه، ولا سيما إذا جاء والناس قد ابتدأوا الصلاة ومكانه في الصف بعيد فإنه في هذه الحال يصعب عليه جداً، بل قد يتعذر عليه أن يشاهد عين الكعبة فيكفي الاتجاه إلى جهة الكعبة في هذه الحال للمشقة.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: نشاهد بعض المصلين في الحرم لا يتجهون إلى عين الكعبة مع قدرتهم على ذلك فما حكم صلاتهم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاتهم باطلة، لأنه إذا أمكن مشاهدة الكعبة وجب عليه استقبال عينها قد وضعت الحكومة - جزاهم الله خيراً - أخيراً علامات على الاتجاه الصحيح، وذلك بمد خطين على الحصى فإذا اتجهت نحو هذا الاتجاه كان اتجاهك صحيحاً.
* * *
٣٢٦ وسئل فضيلته: عن حكم اتخاذ المحاريب في المساجد؟ وما الجواب عما روي من النهي عن مذابح كمذابح النصارى ؟
فأجاب بقوله: اختلف العلماء ﵏ _ في اتخاذ المحراب هل هو سنة، أو مستحب، أو مباح؟
والذي أرى أن اتخاذ المحاريب مباح، وهذا هـ المشهود من المذهب ولو قيل باستحبابه لغيره لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها تعليم الجاهل القبلة لكان حسناً.
стр. 4693
وأما ما روي عن النبي ﷺ : ((النهي عن مذابح كمذابح النصارى)) (١) أي: المحاريب، فهذا النهي وارد على ما إذا اتخذت محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا اتخذت محاريب متميزة للمسلمين فإن هذا لا ينهى
عنه.
* * *
٣٢٧ سئل فضيلة الشيخ: عد بعض أهل العلم المحاريب في المساجد من البدع ومن التشبه بالكافرين فهل هذا القول صحيح ؟
فأجاب بقوله: هذا القول فيما أرى غير صحيح، وذلك لأن الذين يتخذونه إنما يتخذونه علامة على القبلة ودليلاً على جهتها.
وما ورد عن النبي ﷺ عن اتخاذ مذابح كمذابح النصارى، فإن المراد به أن نتخذ محاريب كمحاريب النصارى، فإذا تميزت عنها زال الشبه.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: إذا تبين للمصلي أنه انحرف عن القبلة قليلاً فهل يعيد الصلاة ؟
فأجاب بقوله: الانحراف القليل لا يضر، وهذا في غير ما كان في المسجد الحرام، لأن المسجد الحرام قبلة المصل فيه هي عين الكعبة، ولهذا قال العلماء: من أمكنه مشاهدة الكعبة فإن الواجب أن يستقبل عينها، فإذا قدر أن المصلي في الحرم اتجه إلى جهتها لا إلى عينها فإنه يعيد الصلاة لأن صلاته لم تصح، قال (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (٢) .
стр. 4694
أما إذا كان الإنسان بعيداً عن الكعبة لا يمكنه مشاهدتها ولو في مكة فإن الواجب استقبال الجهة، ولا يضر الانحراف اليسير، ولهذا قال النبي ﵊ لأهل المدينة، ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) (١) ، لأن أهل المدينة يستقبلون الجنوب، فكل ما بين المشرق والمغرب فهو في حقهم قبله، كذلك مثلاً نقول للذين يصلون إلى الغرب نقول ما بين الجنوب والشمال قبله.
* * *
٣٢٩ وسئل فضيلته: عن مسجد تنحرف فيه القبلة عن اتجاهها الصحيح بجوالي ثلاث درجات حسب البوصلة المعدة لتحديد جهة الكعبة، وقد دأب الناس على الصلاة حسب اتجاه المسجد لعدم علم الكثيرين منهم بانحراف المسجد عن القبلة فهل هذا الأمر يؤثر على الصحة للصلاة؟ وهل يجب تعديل المسجد ؟
فأجاب بقوله: إذا كان الانحراف لا يخرج الإنسان عن الجهة فإن ذلك لا يضر، والاستقامة أولى بلا ريب، أما إذا كان هذا الانحراف يخرج الإنسان عن جهة القبلة، مثل أن يكون متجهاً إلى الجنوب، والقبلة شرقاً، أو إلى الشمال والقبلة شرقاً، أو إلى الشرق والقبلة جنوباً فلا ريب أنه يجب تعديل المسجد، أو يجب الاتجاه إلى جهة القبلة وإن خالف جهة المسجد.
* * *
стр. 4695
٣٣٠ سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى جماعة إلى غير القبلة فما الحكم في تلك الصلاة ؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكونوا في موضع لا يمكنهم العلم بالقبلة مثل أن يكونوا في سفر، وتكون السماء مغيمة، ولم يهتدوا إلى جهة القبلة فإنهم إذا صلوا بالتحري، ثم تبين أنهم على خلاف القبلة فلا شيء عليهم، لأنهم اتقوا الله ما استطاعوا، وقد قال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) . وقال النبي ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٢) . وقال الله تعالى في خصوص هذه المسألة: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (٣) .
الحال الثانية: أن يكونوا في موضع يمكنهم فيه السؤال عن القبلة ولكنهم فرطوا وأهملوا ففي هذه الحال يلزمهم قضاء الصلاة التي صلوها إلى غير القبلة سواء علموا بخطئهم قبل خروج وقت الصلاة أم بعده، لأنهم في هذه الحال مخطئون خاطئون، مخطئون في شأن القبلة، لأنهم لم يتعمدوا الانحراف عنها، لكنهم خاطئون في تهاونهم وإهمالهم السؤال عنها، إلا أنه ينبغي أن نعلم أن الانحراف اليسير عن جهة القبلة لا يضر، كما لو انحرف إلى جهة اليمين أو إلى جهة الشمال يسيراً لقول النبي ﷺ في أهل المدينة: ((ما بين المشرق والمغرب