← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

ثانياً الطهارة لها: ومن إقامة الصلاة أن يقوم الإنسان بما يجب لها من الطهارة، ويدل لذلك الكتاب، والسنة، والإجماع. فمن الكتاب قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٦) (١) . ومن السنة قال النبي ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) (٢) ، وقال ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) (٣) . وقد بين الله تعالى في الآية الكرمية أن الطهارة نوعان: أصل، وبدل، فالأصل طهارة الماء، والبدل طهارة التيمم، وبين الله – – أن طهارة الماء تنقسم إلى قسمين: كبرى، وصغرى، أما طهارة التيمم فهي على صفة واحدة في الكبرى والصغرى. الطهارة الصغرى بالماء تطهير أربعة أعضاء فقط هي: أولاً: الوجه وحده طولاً من منحنى الجبهة، إلى أسفل اللحية، وعرضاً من الأذن إلى الأذن.

стр. 4762

ثانياً: اليد وقد حددها الله – – فقال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (١) و (إلى) هنا بمعنى (مع) مثل قوله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) (٢) أي مع أموالكم،ولا شك أن المرفق داخل في الغسل كما بينت ذلك السنة فإن أبا هريرة – رضى الله عنه – توضأً فغسل يديه حتى أشرع في العضد، وغسل رجليه حتى أشرع في الساق، قال رأيت النبي ﷺ يفعل هكذا (٣) . وهنا أقف لأنبه على مسألة يفعلها بعض الناس، إذا جاء يغسل يده لا يغسل إلا الذراع، خصوصاً إذا جعلها تحت البزبوز – أي صنبور الماء – تجده يغسل الذراع ويدع الكف وهذا خطأ عظيم، لأنه إذا غسل الذراع فقط دون الكف، فإنه لا يصدق عليه أنه غسل يده، لأنه قال (وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) . ثالثاً: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) ، ومسح الرأس يعم جميع الرأس، ولا يمسح بعضه إلا إذا كان عليه عمامة، فإنه يمسح العمامة وما خرج من الرأس، وحينئذ يكون مسح على بعض الرأس مع مسح العمامة. رابعاً: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) والكعبان هما العظمان النائتان أسف الساق، ويدخل الكعبان في الغسل مع الأرجل، وفي الآية الكريمة (وَأَرْجُلَكُمْ) قراءتان الأولى بالكسر (وَأَرْجُلَكُمْ) والثانية بالنصب (وَأَرْجُلَكُمْ) وعلى هذه القراءة تكون الأرجل معطوفة على (

стр. 4763

وُجُوهَكُمْ) ولا إشكال. أما على القراءة الأولى وهي الكسر (وَأَرْجُلَكُمْ) فإنها تكون معطوفة على الرأس (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) . كيف يتطهر الجنب؟ قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يبين شيئاً أكثر من قوله (فَاطَّهَّرُوا) . إذن فالجنب يغسل جميع جسمه، ولو كان غير مرتب. فإن قال قائل: إن النبي ﷺ كان في اغتساله يبدأ فيتوضأ، ثم يحثو على رأيه الماء ثلاثاً، ثم يغسل بقية بدنه، أفلا يمكن أن يقال: إن الآية مجملة والسنة قد فصلت ذلك، فيحمل المجمل على الفصل. فيجاب على ذلك: بأنه قد ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن الحصين في قصة نقص الماء عليهم، حتى وجدوا الماء مع امرأة مشركة، وجئ به إلى النبي ﷺ ومعه الصحابة، فاستقوا وسقوا الإبل، وكان في الصحابة رجل، رآه انبي ﷺ معتزلاً لم يصل مع القوم، فقال النبي ﷺ : ((ما منعك أن تصلي معنا؟ فقال يا رسول الله: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك)) ولما جاء الماء وبقي منه بقية قال ﷺ للرجل: ((خذ هذا فإفرغه على نفسك)) (١) . ولم يقل له أفعل كذا وكذا في اغتسالك، فدل هذا على أن الجنب لا يلزمه الترتيب في الغسل.

стр. 4764

كيف يتيمم مع عدم الماء؟ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١) . فإذا لم يجد الإنسان الماء فإنه يتيمم. وكيفيته: أن يضرب التراب بيديه، أو الأرض، وإن لم يكن تراباً ويمسح وجهه كاملاً ويديه الكفين فقط، لأن اليد إذا أطلقت يراد بها الكف فقط، قال تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (٢) . ومعلوم أن السارق إنما يقطع من مفصل الكف. ولا يختلف كيفية التيمم سواء بالنسبة للحدث الأصغر أو الأكبر، ولهذا قال : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) . بعد ذكر الطهارتين الصغرى والكبرى. وفي قوله تعالى: (مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) دليل على أن التيمم مطهر وليس مبيحاً كما ذهب إليه بعض العلماء، والفرق بين القولين أن الذين قالوا إنه مبيح يقولون: إنه مقيد بالزمن والنوع، أي إذا تيمم الإنسان للصلاة وخرج الوقت بطل

стр. 4765

التيمم، وإذا تيمم الإنسان للنافلة، فلا يصلي الفريضة، لأن نوع الفرائض أعلى من نوع النوافل، ولكن الصحيح أن التيمم مطهر، وعلى هذا إذا تيممت للنافلة فصل به الفريضة، وإذا تيممت للصلاة وخرج وقتها ولم يحدث، فإن التيمم لا يبطل، لهذا يمكن للإنسان أن يصلي بالتيمم الواحد جميع الصلوات الخمس إذا لم يحدث. لكن هذا التطهير مخصوص بما إذا لم يجد الماء فإذا وجد الماء فإنه لابد أن يستعمله، فإن كان تيممه عن جنابة، ثم وجد الماء وجب عليه أن يغتسل، والدليل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي ذكرناه آنفاً فإن هذا الرجل قد تيمم عن الجنابة، ومع ذلك أمره الرسول ﷺ أن يغتسل لما وجد الماء، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجب فليتق الله ولمسه بشرته)) (١) . فعلى هذا نقول: إذا وجد الماء،أو برئ من المرض، وجب عليه إعادة الطهارة، لو أن مريضاً صار عليه الجنابة، وقال له الأطباء بأن الغسل يضرك، فإنه يتيمم، فإذا شفاه الله – – من المرض، وجب عليه أن يغتسل، لأن هذه الطهارة مؤقتة. فإذا قدر أن رجلاً لم يجد ماء ولا تراباً ن مثل أن يكون محبوساً، أو مأسوراً على سرير وما أشبه ذلك، فإننا نقول له ﷺ على حسب حالك، لأن الوقت من أهم شروط الصلاة. وهنا مسألة يجب التنبيه لها، ولاسيما بالنسبة للمرضى حيث إن

стр. 4766

كثيراً من المرضى لا يستطيعون الوضوء، وليس عندهم تراب، ولا يستطيعون التيمم، وربما على ثيابهم نجاسة، فنجد الواحد منهم يقول: أصبر حتى يعافيني الله – – وأتوضأ وأغسل ثيابي وما أشبه ذلك. نقول لهذا: إن تأخير الصلاة حرام عليك، وما يدريك فلعلك تموت من هذا المرض قبل أن تصلي؟ فالواجب أن تصلي على حسب حالك، ولو كان عليك نجاسة لا تستطيع إزالتها، ولو لم يكن عندك ماء تتوضأ به، ولا يمكن أن تتيمم. المحافظة على ستر العورة في الصلاة: الواجب على الإنسان عند الصلاة أن يلبس ثيابه لقوله تعالى (: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (١) . وذكر ابن عبد البر – ﵀ – أن العلماء أجمعوا على فساد من صلى عرياناً وهو قادر على ستر عورته، وعورة الرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك الأنثى غير البالغة، أما المرأة الحرة البالغة فكلها عورة في الصلاة إلا وجهها، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابه – إلا إذا كان حولها رجال أجانب، فلا يحل لها كشف الوجه ووجب عليها أن تغطيه. وعورة الصبي من سبع سنين إلى عشر سنين الفرجان فقط، وتصح إمامته الصبيان مثله، وكذلك تصح إمامته لرجال بالغين، ففي صحيح البخاري أن عمر بن سلمة الجرمي أم قومه وهو ابن ست، أو

стр. 4767

ابن سبع سنين (١) ، لأنه كان أقرأهم. وتسمى هذه العورة بالعورة المخففة. ويجب أن تستر العورة بثوب طاهر مباح، لا يصف البشرة، فإذا كان الثوب نجساً، فلا يجوز أن تستر به العورة، ولو صلى به الإنسان فصلاته باطلة، لأن النبي ﷺ صلى بأصحابه ذات يوم وكان ﵊ يلبس نعليه في الصلاة، فجاءه جبريل فأخبره أن في نعليه أذى، فخلعهما، وخلع الصحابة نعالهم، فلما انصرف من صلاته قال: ((ما شأنكم)) ؟ قالوا: رأيناك خلعت نعالك فخلعنا نعالنا، فقال: ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها أذى فخلعتها)) (٢) . وهذا يدل على أنه لا يجوز للإنسان إن يلبس شيئاً نجساً، ولكن لو أن أحداً صلى بثوب نجس وهو لا يدري أنه نجس، فصلاته صحيحه، مثل أن لا يعلم بالنجاسة إلا بعد أن صلى فصلاته صحيحة، ودليل ذلك قوله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (٣) . وكذلك الحديث السابق، لأن النبي ﷺ لم يستأنف الصلاة. ولو علم الإنسان بالنجاسة وهو يصلي، فإن كان يمكن أن يخلعه مع بقاء العورة مستور فليفعل، أما إذا كان لا يمكن أن يخلعه إلا بانكشاف العورة، فيجب عليه أن ينصرف من صلاته، وأن يلبس ثوباً آخر. ومن شروط الساتر أن يكون الثوب مباحاً، فيحرم على

стр. 4768

الرجل أن يلبس ثوب حرير، فإن الحرير محرم على الرجال، فإذا صلى الإنسان بثوب حرير فإن صلاته لا تصح، لأنه غير مأذون في لبسه، وكذلك لا تصح الصلاة في ثوب مغصوب أو مسروق، أو ثوب فيه تصاوير. ومن الشروط أيضاً أن لا يصف البشرة، أي لا يكون خفيفاً بحيث يرى من ورائه لون الجلد، وهنا أنبه على مسألة خطيرة يفعلها بعض الناس في أيام الصيف، يلبس ثوباً خفيفاً وسروالاً قصيراً إلى نصف الفخذ يرى من ورائه لون الجلد،فإذا صلى الإنسان على هذا الوجه فصلاته باطلة، لأنه لم يتم الستر، ولا يتم الستر إلا بثوب صفيق. ثالثاً استقبال القبلة: ومن إقامة الصلاة استقبال القبلة لقول الله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١) . قال أهل العلم: فمن أمكنه مشاهدة الكعبة، وجب عليه أن يتجه إلى نفس الكعبة، ومن لا يمكنه وجب عليه أن يتجه إلى جهتها، فالبعيد عن الكعبة ولو كان في مكة فرضه أن يتجه إلى جهة الكعبة، لأنه لا يمكنه مشاهدتها. وهنا أنبه على ما نشاهده في المسجد الحرام: نشاهد كثيراً من المصلين في المصابيح – أي في الجانب المسقوف بل ويصلون أحياناً في الصحن – أي الجانب المكشوف – فتجدهم يتجهون إلى غير

стр. 4769

عين الكعبة، وهذا يقتضي أن تكون صلاتهم باطلة، لأنه لابد أن يتجهوا إلى عين الكعبة – أي إلى البناية نفسها. . وهنا سؤال هل يصح الاتجاه إلى الحجر. قال العلماء: الحجر ليس كله من الكعبة بل الذي من الكعبة مقدار ستة أذرع ونصف تقريباً، الزائد ليس من الكعبة، فإذا اتجهت إلى طرف الحجر مما يلي البناية القائمة، فإن اتجاهك صحيح وسليم. هذا الحجر يسميه كثير من العوام حجر إسماعيل، ولكن هذه التسمية خطأ ليس لها أصل، فإن إسماعيل لم يعلم عن هذا الحجر، لأن سبب هذا الحجر أن قريشاً لما بنت الكعبة، وكانت في الأول على قواعد إبراهيم ممتدة نحو الشمال، فلما جمعت نفقة الكعبة وأرادت البناء، قصرت النفقة فصارت لا تكفي لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فقالوا نبني ما تحتمله النفقة، والباقي نجعله خارجاً ونحجر عليه حتى لا يطوف أحد من دونه، ومن هنا سمى حجراً، لأن قريشاً حجرته حين قصرت بها النفقة، ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة – رضى الله عنها -: لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس، وباباً يخرجون منه)) (١) . ولكن الرسول ﷺ توفي وهي على ما كانت عليه، لها باب مرتفع من جانب واحد، ولها هذا الحجر. والحمد لله الذي كان الأمر على ما كان عليه، لأنه لو بنيت الكعبة على ما أراده النبي ﷺ – لولا المانع – لكان في هذا مشقة عظيمة على

стр. 4770

الناس، لاسيما في مثل زماننا هذه، أزمان الجهل والغشم وعدم المبالاة بعاد الله، ولو كانت الكعبة كما أراد النبي ﷺ لها بابان يدخل منه الناس وباب يخرجون منه لتقاتل الناس عند الخروج والدخول. ولكن ما أراده النبي ﵊ من كون الكعبة يكون لها بابان أحدهما للدخول والآخر للخروج، فإنه قد تحقق في الواقع، فالحجر الآن له بابان، أحدهما للدخول والآخر للخروج، مع أنه مكشوف واسع، وهذا من نعمة الله. واستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ولكن بشروط: الأول: أن يكون الإنسان قادراً عليها، فإن كان عاجزاً لم يجب عليه استقبال القبلة، مثل أن يكون مريضاً وليس عنده من يوجهه إلى القبلة، فنقول له: اتجه حيثما كان وجهك؟ الثاني: إذا كان الإنسان خائفاً لو استقبل القبلة، مثل أن يكون هارباً من عدون، أو هارباً من سيل، أو هارباً من نار، فحان وقت الصلاة وهو هارب على وجهه، ففي هذه الحال نقول: صلى على حسب حالك، وأتجه حيثما كان وجهك، والسبب في ذلك أنه يعتبر عاجزاً عن القبلة في هذه الحال. الثالث: أن يكون في تطوع في سفر، فإن كان متطوعاً في سفر، فإنه يصلي حيث كان وجهه، ولا يجب عليه استقبال القبلة. وبناء على ذلك فإن كنت في السيارة وأردت أن تطوع، فلك أن تصلي حيث كان وجهك، ولا حرج عليك سواء كنت راكباً أو سائقاً، إلا أن السائق يخشى إذا اشتغل بالصلاة أن يغفل عن واجب الانتباه في القيادة، ويكون معرضاً نفسه ومن معه للخطر.

стр. 4771

وإذا كان الإنسان في الطائرة، وحان وقت الفريضة، فإن أمكن أن يأتي بالفريضة مستقبلاً القبلة، يقوم في القيام، ويركع في الركوع، ويسجد في السجود، فليصل في الطائرة ولا حرج، أما إذا كان لا يمكنه الاستقبال، ولا يمكن القيام، والركوع، ولا السجود، فإنه يصلي الفريضة، إلا إذا خاف الوقت، فإذا لم يخف فوات الوقت، فلينظر حتى يهبط ويصلي الفريضة على الأرض. وأما النافلة، فله أن يصليها على الطائرة، لأن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به. وإذا كان الإنسان في بلد وهو لا يعرف القبلة فليسأل، ولا يجتهد كما قال بعض العلماء، لأن الاجتهاد إنما يصار إليه عند الحاجة إليه. وإن صلى الإنسان باجتهاده ثم تبين الخطأ فإن المعروف عند أهل العلم أنه يعيد، قالوا: لأن الحضر ليس محلاً للاجتهاد، بخلاف ما إذا كان في السفر واجتهد متحرياً القبلة وتبين الخطأ فإنه لا يعيد لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (١) . رابعاً: الطمأنينة: ومن إقامة الصلاة أن يأتي بها الإنسان مطمئناً في القيام، والقعود والركوع والسجود. ومعنى الطمأنينة: التأني بحيث يستقر كل فقار في مفصله، فإن أسرع في الصلاة على وجه لا طمأنينة فيها، فإن صلاته باطلة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ للرجل الذي صلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ وكان الرجل لا يطمئن في صلاته قال له: ((أرجع فصل فإنك لم تصل)) . فرجع

стр. 4772

الرجل وصلى ثم رجع إلى النبي ﵊، فسلم عليه فقال له: ((أرجع فصل فإنك لم تصل)) فرجع فصلى ثم جاء النبي ﷺ فقال له: ((أرجع فصل فإنك لم تصل)) . فرجع الرجل فصلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال له النبي ﷺ : ((إذا قمت للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم أركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) (١) . والشاهد من ذلك أن النبي ﷺ كان يقول له في كل ركن: ((حتى تطمئن)) إذن لابد من الطمأنينة. ونحن نشاهد كثيراً من الناس لا يطمئنون، ولاسيما في القيام بعد الركوع، أو في الجلوس بين السجدتين، هؤلاء لو صلوا ألف مرة على وجه لا طمأنينة فيه، فإنه لا صلاة لهم، ولذلك من حقهم علينا إذا رأيناهم أن نبين لهم، لأنهم قد يكونون على جهل، فنبين لهم الحق. ثم إن الواجب في حال الصلاة أن يتدبر الإنسان أن الرسول ﷺ لم ينف الصلاة في قوله: ((لم تصل)) إلا لأنتقاء واجب فيها، لأن الشئ لا يمكن أن ينفى إلا بانتفاء واجب فيه، فلا ينفى لانتفاء مستحب)) اللهم إلا بدليل يدل على ذلك.

стр. 4773

وقول النبي ﷺ في الحديث: ((أقرأ ما تيسر معك من القرآن)) ليس معناه أن يقرأ الإنسان آية أو آيتين، ثم يركع، لأن النبي ﷺ قال: ((أقرأ ما تيسر معك من القرآن)) وبين في أحاديث أخرى أنه لابد من قراءة الفاتحة حيث قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)) (١) . وفي حديث آخر: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) (٢) . والخداج: الشيء الفاسد الذي لا نفع فيه. ولا تسقط الفاتحة إلا في صورة واحدة فقط، وهي ما إذا جاء الإنسان إلى المسجد ووجد الإمام راكعاً، فإنه في هذه الحال يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يركع وتسقط عنه الفاتحة في هذه الصورة.ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة – رضى الله عنه - أنه دخل المسجد والنبي ﷺ راكع، فأسرع ثم ركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما أنصرف النبي ﷺ سأل من الذي فعل ذلك؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي ﷺ : (زادك الله حرصاً ولا تعد)) (٣) . والشاهد قوله: (لا تعد) ولم يأمره النبي ﷺ أن يقضي الركعة التي أسرع إليها ليدرك ركوعها، ولو كان لم يدركها لبين له النبي ﷺ ذلك، لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة. ولهذا لما صلى الرجل الذي لا يطمئن قال له: ((أرجع فصل فإنك

стр. 4774

لم تصل)) (١) . وهذا القول هو مقتضى الحديث من حيث الدلالة كما أنه مقتضى النظر من حيث القياس، لأن قراءة الفاتحة إنما تجب في حال القيام، والقيام في هذه الصورة قد سقط من أجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط ماوجب فيه، وهو قراءة الفاتحة، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة. أما إذا كان الإنسان مأموماً فهل يكتفي بقراءة الإمام؟ الجواب: إن فيه خلافاً بين العلماء فمنهم من قال: إن قراءة الإمام تكفي عن قراءة المأموم مطلقاً، في السرية والجهرية، ومنهم من قال: إنها لا تكفي عن قراءة المأموم،لا في السرية ولا في الجهرية، ومنهم من قال: إنها تكفي عن قراءة المأموم، في الجهرية والسرية. والذي يظهر لي من الأدلة أن قراءة الإمام لا تسقط القراءة عن المأموم لا في السرية ولا في الجهرية، وأن الواجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية، لعموم الأدلة الدالة على ذلك التي ذكرناها آنفاً، مثل حديث ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)) (٢) وهذا مطلق. فإن قال قائل: لماذا لا نختار القول الوسط في هذه المسألة ونقول إن الإمام يتحملها في الصلاة الجهرية لقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤) (٣) . فإذا قرأ الإمام فأنا مأمور بالإنصات وقراءتي على خلاف هذا الأمر؟

стр. 4775

فالجواب: أن هذا القول يجب المصير إليه، لولا أن أهل السنن رووا من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما انصرف قال: ((لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: ((لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) (١) . وهذا الحديث نص في أن الإمام لا يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم في الصلاة الجهرية، ومادام الحديث قد دل على ذلك فإن الآية المشار إلها تحمل على غير قراءة الفاتحة، وإن الإمام إذا كان يقرأ فإنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ سوى الفاتحة، كالآيات أو السور التي يقرؤها الإمام أو غيرها. خامساً: صلاة الجماعة: ومن إقامة الصلاة إن يصليها الإنسان في جماعة، فإن الجماعة واجبة على الرجال في الحضر وفي السفر، لأن الأدلة الدالى على وجوبها لم تقيد ذلك في الحضر، بل إن الله أمر بإقامة الجماعة في حال القتال فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) (٢) . ومعلوم أن الرسول ﷺ كان قتاله خارج المدينة في سفر، ولم يسقط الله الجماعة عنهم في حال القتال، فدل هذا على

стр. 4776

وجوب الجماعة على المسافر كما تجب على المقيم. وما نشاهده كثيراً من وجود أناس مسافرين عند المساجد في الأسواق فإذا قلت له: هيا للصلاة قال لك إنه مسافر. يظن أن الجماعة تسقط عن المسافر، هذا خطأ، بل الواجب أن يصلي المسافر وغير المسافر مع جماعة المسلمين. حال المأموم مع الإمام حال المأموم مع إمامه تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول: مسابقة. الثاني: تخلف. الثالث. موافقة. الرابع. متابعة. القسم الأول: المسابقة: وهي أن يصل المأموم إلى الركن قبل أن يصل إليه الإمام مثل أن يركع قبل ركوع الإمام، أو يسجد قبل سجود الإمام، أو يرفع من الركوع قبل رفع الإمام، أو يرفع من السجود قبل رفع الإمام. وهذا الذي يسبق الإمام قد عرض نفسه للعقوبة التي حذر منها النبي ﷺ وهي: ((أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يحول صورته صورة حمار)) (١) . وظاهر الحديث أنه حسا يعني أن يكون رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار.

стр. 4777

وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بذلك التحويل المعنوي بأن يجعل رأسه رأس حمار أي رأساً بليداً، لأن الحمار من أبلد الحيوانات، ولهذا وصف الله اليهود الذين حملوا التوارة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً. ووصف النبي ﷺ الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب بأنه مثل الحمار يحمل أسفاراً. وعلى كل حال فالحديث دال على أن مسابقة الإمام محرمة بل يوشك أن تكون من كبائر الذنوب. ولكن هل تبطل الصلاة بذلك أو لا؟ الصحيح أنه إذا تعمد السبق فإن صلاته تبطل سواء سبقه بركن أو سبقه إلى الركن، فإذا تعمد السبق مع علمه بالنهي فإن صلاته تبطل، لأنه أتى محظوراً من محظورات العبادات على وجه يختص بها، والقاعدة أن من فعل محظوراً من محظورات العبادة على وجه يختص بها فإنها تبطل. القسم الثاني: التخلف: يعني أن يتأخر عن إمامه، مثل أن يركع الإمام ويبقى المأموم قائماً إلى أن يقرب الإمام من الرفع من الركوع، أو يسجد الإمام ويبقى المأموم قائماً إلى أن يقرب الإمام من الرفع من السجود أو يقوم الإمام من السجود ويبقى المأموم ساجداً حتى ربما ينتصف الإمام بقراءة الفاتحة أو يكلمها. وحكم التخلف أنه حرام، لأنه خلاف أمر النبي ﷺ في قوله: ((إذا

стр. 4778

ركع فأركعوا، وإذا سجد فأسجدوا)) (١) . فإن الفاء في قوله ((فأركعوا)) وقوله: ((فاسجدوا)) تدل على التعقيب، أي على أن فعل المأموم يقع عقب فعل الإمام لأن قوله: ((فاركعوا فاسجدوا)) جواب الشرط، وجواب الشرط يلي المشروط مباشرة ولا يجوز أن يتخلف عنه. القسم الثالث: الموافق: بمعنى أن يشرع المأموم مع الإمام في أفعاله يركع معه، ويسجد معه ويقوم معه، وهذا أقل أحواله أن يكون مكروهاً، وتحتمل أن يكون محرماً لقول النبي ﷺ : ((لا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد)) (٢) . والأصل في النهي والتحريم، إلا الموافقة في تكبيرة الإحرام فإن أهل العلم يقولون إنه إذا وافقه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته فتكون باطلة، بل يجب أن ينتظر حتى يكمل الإمام تكبيرة الإحرام، ولا يجوز أن يشرع في تكبيرة الإحرام قبل أن يكمل الإمام تكبيرة الإحرام، ويستثنى أيضاً التسليم فإن بعض أهل العلم يقول إذا سلم الإمام التسليمة الأولى وهي التي على اليمين فللمأموم أن يسلم التسليمة الأولى وإن لم يسلم الإمام التسليمة الثانية، ثم يتابع التسليمة الثانية. القسم الرابع: المتابعة: بأن يفعل المأموم ما فعله الإمام بعد الأمام مباشرة، بدون تخلف، وهذا هو الموافق للسنة ولأمر النبي ﷺ ، وهو الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، لأن صفة المؤمن إذا أمر الله ورسوله بأمر أن يقول سمعنا وأطعنا.

стр. 4779

كما قال الله تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (١) . كما قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (٢) . بيان كيف يأتم مفترض بمتنفل: هناك مسألة يسأل عنها الناس كثيراً وهي إذا جاء شخص والإمام يصلي صلاة التراويح، وهذا الشخص لم يصل صلاة العشاء فهل يدخل مع الإمام بنية صلاة العشاء أو يصلي وحده؟ والجواب: على ذلك أن نقول إنه يدخل مع الإمام بنية صلاة العشاء فإذا دخل معه في أول ركعة وسلم الإمام فإن كان مسافراً سلم معه، لأن المسافر يصلي العشاء ركعتين، وإن كان مقيماً فإنه إذا سلم الإمام وقد صلى معه ركعتين يقوم فيأتي بما تبقى أي بالركعتين الباقيتين، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على هذه المسألة. فإن قال قائل: كيف يأتم مفترض بمتنفل؟ الفرض أعلى من النفل. قلنا: هذا لا يؤثر إنما الذي يؤثر هو الاختلاف على الإمام في الأفعال كالموافقة، والتأخر والمسابقة. وأما الاختلاف في النية فلا يؤثر. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن معاذ بن جبل – رضى الله عنه – أنه كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه

стр. 4780

فيصلي بهم تلك الصلاة (١) فهي له نافلة ولهم فريضة وهذا في عهد النبي ﷺ وما فعل في عهد النبي ﷺ وأره الله فهو حجة. ولا يقول قائل من الناس لعل النبي ﷺ لم يعلم به؟ فإننا نجيب على ذلك بأنه على فرض بأن النبي ﷺ لم يعلم به فإن الله قد علم به فإذا لم ينكره الله علم أنه موافق لشريعة الله. ودل على أن إقرار الله للشئ حجة أن الصحابة – رضى الله عنهم – استدلوا على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل. ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) (٢) . فإن هؤلاء الذين يبيتون ما لا يرضى من القول يستخفون من الناس ولا يظهرون للناس ولا يعلم بهم الناس ولما كانوا يخفون المنكر فضحهم الله فقال تعالى (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ١٠٨) . سادساً: الخشوع في الصلاة: ومن إقامة الصلاة أن يكون الإنسان فيها خاشعاً لله تعالى بظاهره وباطنه، فالخشوع في الباطن حضور القلب، والخشوع في الظاهر السكون وعدم الحركة. أقسام الحركة في الصلاة: وهنا نبين أن الحركة في الصلاة تنقسم إلى خمسة أقسام:

стр. 4781

أولاً: الحركة الواجبة: وتجب الحركة إذا كان يتوقف عليها صحة الصلاة، أي إذا كان ترك الحركة مبطلاً للصلاة، فإن الحركة تكون حينئذ واجبة. مثال: رجل كان يصلي إلى غير القبلة فجاءه آخر فقال: إن القبلة على يمينك، فهنا يجب أن ينحرف إلى اليمين، لأنه لو بقي على اتجاهه الأول، لكانت صلاته باطلة، فيجب أن يتجه إلى اليمين. مثال آخر: رجل ذكر أن في غترته نجاسة فيجب عليه أن يتحرك لخلع الغترة، ونظير ذلك ما فعله الرسول ﷺ حين جاءه جبريل فأخبره أن في نعليه أذى فخلعهما (١) . ثانياً: الحركة المستحبة: وهي الحركة التي يتوقف عليها فعل مستحب. مثال: أن يتقدم الإنسان إلى الصف الذي أمامه إذا انفرج فهذه حركة مستحبة، لأن فيه وصلاً للصف وسداً للفرج وتقدماً إلى المكان الفاضل. مثال آخر: كذلك أيضاً لو أن الصف قرب بعضه من بعض فإنك تقرب إلى الصف وهذه الحركة نعتبرها مستحبة،لأنه يتوقف عليها فعل مستحب. ثالثاً: الحركة المكروهة: وهي الحركة اليسيرة بلا حاجة، هي مكروهة لأنها عبث مناف للخشوع، كما نشاهده في كثير من الناس ينظر إلى الساعة وهو يصلي، أو يصلح غترته، أو يذكره الشيطان وهو في

стр. 4782

صلاته أمراً نسيه فيخرج القلم ويكتب الذي نسيه لئلا يضيعه بعد ذلك، وأمثلتها كثيرة. رابعاً: الحركة المحرمة: وهي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة. فقولنا (الحركة الكثيرة) خرج به الحركة اليسيرة، فإنها من المكروهات. وقولنا (المتوالية) خرج به الحركة المتفرقة، فلو تحرك الإنسان في الركعة الأولى حركة يسيرة، وفي الثانية حركة يسيره، وكذلك الثالثة والرابعة لو جمعنا هذه الحركات لوجدناها كثيرة لكن لتفرقها صارت يسيرة، فر تأخذ حكم الحركة الكثيرة. وقولنا (لغير ضرورة) احترازاً من الحركة التي للضرورة، مثل أن يكون الإنسان في حالة أهبة للقتال، يحتاج إلى حركة كثيرة في حمل السلاح وتوجيهه إلى العدو، وما أشبه ذلك. وقد قال الله ﵎: (فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (١) وهذا أمر لابد منه للمجاهد في سبيل الله. ومن ذاك لو أن عدواً لحقه وهو هارب منه، فإن هذه الحركة الكثيرة مغتفرة، لأنها للضرورة. وكذلك أيضاً لو هاجمته حية وهو يصلي، وحاول مدافعتها عن نفسه فإن هذه الحركة وإن كثرت فلا بأس بها، لأنها ضرورة.

стр. 4783

خامساً: الحركة المباحة: وهي الحركة اليسيرة للحاجة أو الحركة الكثيرة للضرورة. مثال: لو كانت الأم عندها صبي ويصيح، فإذا حملته سكت، فلا خرج عليها حينئذ أن تحمله حال القيام، وتضعه في حال السجود، فهذه الحركة يسيره ولحاجة فهي مباحة ويدل لذلك أن النبي كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها (١) . والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. تم بحمد الله تعالى المجلد الثاني عشر ويليه بمشية الله المجلد الثالث عشر

стр. 4784

باب صفة الصلاة *

стр. 4785

آداب الخروج إلى المسجد * القيام للصلاة. * أحكام الصفوف.

стр. 4786

آداب الخروج إلى المسجد ٣٥٨ سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى - عن حكم الإسراع في المشي إلى الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إسراع الإنسان في مشيه إلى الصلاة منهي عنه؛ لأن النبي ﵊ أمرنا أن نمشي وعلينا السكينة والوقار ونهانا أن نسرع، إلا أن بعض أهل العلم قال: لا بأس أن يسرع سرعة لا تقبح إذا خاف أن تفوته الركعة مثل إن دخل والإمام راكع فأسرع سرعة ليست قبيحة كما يصنع بعض الناس تجده يأتي يركض شديداً، فإن هذا منهي عنه، مع أن الإتيان بالسكينة والوقار مع عدم الإسراع أفضل حتى وإن خاف أن تفوته الركعة لعموم الحديث. ٣٥٩ وسئل: هل يجوز الإسراع لإدراك الركعة مع الإمام في صلاة الجماعة؟ أفتونا حفظكم الله ورعاكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخلت والإمام راكع فلا تسرع، ولا تدخل في الصلاة قبل أن تصل إلى الصف الأول؛ لأن النبي قال لأبي بكرة ﵁ حين فعل ذلك:"زادك الله حرصاً ولا تعد" (١) . ٣٦٠ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الركوع دون الصف، ثم

стр. 4787

المشي إليه، مع العلم بأنه قد ثبت عن ابن مسعود ﵁ فعله، فعن زيد بن وهب قال: دخلت المسجد أنا وابن مسعود فأدركنا الإمام وهو راكع، فركعنا ثم مشينا حتى استوينا في الصف، فلما قضى الإمام الصلاة قمت لأقضي، فقال عبد الله: قد أدركت الصلاة" (١) . وعن ابن الزبير ﵁ الأمر به على منبر الجمعة، وأخبر أنه السنة، فعن عطاء بن رباح أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر يقول للناس: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعاً حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة. قال عطاء: وقد رأيته هو يفعل ذلك (٢) . وأيضاً قول النبي ﷺ في حديث أبي بكرة: "زادك الله حرصاً ولا تعد" ليس بقاطع في أن المراد هو الركوع دون الصف؛ بل يحتمل أن المراد هو المجيء إلى المسجد مسرعاً؟ فأجاب فضيلته بقوله: الصواب أنه لا يركع قبل أن يصل إلى الصف؛ لأن الحديث عام "لا تعد" ولا يخصص منه إلا الركوع المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً فإنه يركع لقوله ﵊: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (٣) .

стр. 4788

وأما فعل ابن مسعود ﵁ فلا يحتج به لأنه خالف الحديث، وذلك أن كل من خالف النص مهما كانت منزلته في الدين فإنه يعتذر عنه، ولا يحتج بقوله، ولا يعارض به سنة الرسول ﷺ . وأما حديث ابن الزبير فيحتاج إلى النظر في صحته وسياقه حتى يعرف هل صح عنه أم لا؟ وهل المراد بسياقه في قوله: "أثر السنة" هذه السنة أو مجموع الهيئة التي يقوم بها الإنسان. وأما قول السائل: إن حديث أبي بكرة ليس بقاطع. فيقال نعم هو ليس بقاطع؛ ولكن ليس من شرط الاستدلال بالنص أن تكون دلالته قاطعة بل يكتفي بالظاهر، فإذا وجد نص آخر يخالفه - أي يقتضي ما يخالف ظاهره - فحينئذ نؤول الظاهر. ٣٦١ سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: بعض الناس إذا بدأت صلاة التراويح أو القيام انتظر حتى إذا ركع الإمام دخل في الصلاة وركع معه، فهل فعله صحيح ؟ وكذلك إذا انتهى الإمام من ركعته وقام للثانية فإن بعض الناس يجلس، حتى إذا قارب الإمام الركوع قام وركع معه، فهل يجوز ذلك؟

стр. 4789

فأجاب فضيلته بقوله: أما تأخير الإنسان الدخول مع الإمام حتى يكبر للركوع، فهذا تصرف ليس بسليم، بل إنني أتوقف، هل تصح ركعته هذه أو لا تصح؟ لأنه تعمد التأخير الذي لا يتمكن معه من قراءة الفاتحة – وقراءة الفاتحة ركن، فلا تسقط عن الإمام ولا المأموم ولا المنفرد – فكونه يبقى حتى يركع الإمام ثم يقوم فيركع معه هذا خطأ بلا شك، وخطر على صلاته، أو على الأقل على ركعته ألا يكون أدركها. وأما التكبير مع الإمام جالساً فإذا قارب الركوع قام فركع، فلا بأس به؛ لأن التراويح نافلة، وقد كان النبي ﷺ حين كبر وثقل يفعله، فيبدؤها جالساً، ويقرأ، فإذا قارب الركوع، قام وقرأ ما تيسر من القرآن ثم ركع (١) . وكذلك إذا ركع مع الإمام، ثم قام الإمام إلى الثانية، وجلس هو، فإذا قارب الإمام الركوع في الركعة الثانية قام فركع معه، كل هذا لا بأس به.

стр. 4790

٣٦٢ وسئل فضيلته: ما حكم التكبير دون الصف والركوع ثم المشي إلى الصف لإدراك الركوع ؟ فأجاب فضيلته بقوله: التكبير قبل الدخول إلى الصف ثم المشي نهى عنه النبي ﷺ ، فإن أبا بكرة الثقفي ﵁ دخل المسجد، والنبي ﷺ راكع فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما انصرف النبي ﷺ من صلاته سأل من الذي فعل ذلك؟ فقال أبو بكرة أنا، فقال النبي ﷺ : "زادك الله حرصاً، ولا تعد" (١) . و (تَعُد) بضم العين، من العود، أي: لا تعد إلى ما فعلت، وهذا اللفظ "لا تعد" يغني عن قول ولا (تعد) ، وعن قول ولا (تعد) ولذلك الرواية الصحيحة التي في الصحيحين (ولا تعد) بضم العين، وإنما قلت إنها تغني عنهما؛ لأنه إذا نهاه عن العود وسكت عن أمره بالإعادة دل على أن الإعادة غير واجبة، وإذا نهاه عن العود دخل فيه النهي عن العدو، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نورد هاتين الروايتين الخارجتين عن الصحيحين وهي (لا تعِدْ) و (لا تَّعْدُ) هذا إن صحت الرواية. والحاصل أن الذي يفعل ذلك ينهى عنه، ويقال له: امش وعليك السكينة حتى تصل إلى الصف، فما أدركت فصل، وما لم تدرك فأتمه. وإذا قال قائل: إذا وصلت إلى الصف وكبرت تكبيرة

стр. 4791

الإحرام، وركعت ورفع الإمام، وأنا لا أدري هل أدركت الإمام في الركوع، أو رفع قبل أن أدركه، فماذا أصنع؟ الجواب: فنقول إن كان يغلب على ظنه أنه أدركه فقد أدركه، ثم إن كانت هذه أول ركعة، فإن الإمام يتحمل عنه سجود السهو؛ لأنه سيسلم مع الإمام، وإن كانت هذه الركعة الثانية أو ما بعدها، فإنه يسجد إذا قضى الصلاة سجدتين بعد السلام؛ لأن القاعدة في الشك إذا كان فيه غلبة الظن، أن يبنى عليه - أي على غلبة الظن - ويسجد بعد السلام. وإذا كان لم يغلب على ظنه أنه أدرك الإمام، ولا أنه لم يدركه وتردد فإنه يلغي هذه الركعة، ليبني على اليقين ويسجد قبل السلام. ٣٦٣ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول إن الله مع الصابرين لمن دخل والإمام راكع لينبه الإمام ؟ فأجاب بقوله: هذا لا ينبغي أن يفعل، سواء قال: اصبر إن الله مع الصابرين، أو تنحنح، أو ضرب بقدميه وما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم بها الإمام أنه داخل. والواجب عليه في هذه الحال أن يأتي بهدوء وطمأنينة وبدون إسراع لقول النبي، ﵊: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (١) .

стр. 4792

فهذا الحديث يوجب أن تأتي مطمئناً، وتقف في الصف وتدخل مع الإمام وما أدركت فصل وما فاتك فاقض. هذا ما أمر به النبي ﵊، وأما هذا التشويش والإزعاج للإمام والمأمومين وإحداث أمر ما كان في عهد الصحابة فهذا لا ينبغي. ٣٦٤ وسئل فضيلته - حفظه الله تعالى -: ما حكم قراءة القرآن في المسجد بصوت مرتفع مما يسبب التشويش على المصلين ؟ فأجاب بقوله: حكم قراءة الرجل في المسجد في الحال التي يشوش بها على غيره من المصلين، أو الدارسين، أو قارئ القرآن، حكم ذلك حرام؛ لوقوعه فيما نهى عنه النبي ﷺ ، فقد روى مالك في الموطأ (١) عن البياضي (هو فروة بن عمرو) أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بض بالقرآن".وروى نحوه أبو داود (٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ٣٦٥ سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: بعض الناس عندما يدخل المسجد والإمام راكع يقول: إن الله مع الصابرين، فما حكم هذا القول ؟

стр. 4793

فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا أصل له ولم يكن في عهد الصحابة ولا من هديهم، وفيه أيضاً تشويش على المصلين الذين مع الإمام، والتشويش على المصلين منهي عنه؛ لأنه يؤذيهم كما خرج النبي ﷺ ذات ليلة على أصحابه وهم يصلون ويرفعون أصواتهم بالقراءة فنهاهم عن ذلك، وقال: "لا يجهرن بعضكم على بعض في القرآن" (١) . وفي حديث آخر: "لا يؤذين بعضكم بعضاً في القرآن" (٢) ، وهذا يدل على أن كل ما يشوش على المأمومين في صلاتهم فإنه منهي عنه لما في ذلك من الإيذاء والحيلولة بين المصلي وبين صلاته. أما بالنسبة للإمام فإن الفقهاء ﵏ يقولون: إذا أحس الإمام بداخل في الصلاة فإنه ينبغي انتظاره ما لم يشق على المأمومين، فإن شق عليهم فلا ينتظر؛ ولا سيما إذا كانت الركعة الأخيرة؛ لأن الركعة الأخيرة بها تدرك الجماعة، لقول النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٣) .

стр. 4794

٣٦٦ سئل فضيلة الشيخ: عما يفعله بعض الناس إذا دخلوا المسجد قرب وقت الإقامة وقفوا ينتظرون قدوم الإمام وتركوا تحية المسجد فما حكم هذا العمل؟ فأجاب بقوله: إذا كانت المدة قصيرة بحيث لا يفوت فعل تحية المسجد فلا حرج عليهم، وأما إذا كانوا لا يدرون متى يأتي الإمام فالأفضل أن يصلوا تحية المسجد ثم إن جاء الإمام وأقيمت الصلاة وأنت في الركعة الأولى فاقطعها، وإن كنت في الركعة الثانية فأتمها خفيفة. ٣٦٧ وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله ورعاه -: ما رأيكم فيما يفعله بعض المصلين من الاشتغال بالسواليف والكلام حتى تقام الصلاة؟ فأجاب بقوله: إذا دخل هؤلاء المسجد صلوا تحية المسجد، أو صلوا الراتبة إن كانت الصلاة مما لها راتبة قبلها، فإذا فعلوا ذلك فالأفضل أن يشتغلوا بالقرآن أو يشتغلوا بالتسبيح؛ لأنهم لا يزالون في صلاة ما انتظروا الصلاة، فإن تشاغلوا بكلام آخر نظرنا، إن كان مما يحرم، فإن تحدثهم به وهم في المسجد وفي انتظار الصلاة يكون أشد إثماً، وإن كان من الأمور المباحة، فلا بأس بذلك ما لم يشوشوا على غيرهم، فإن شوشوا على غيرهم فإنه لا يحل لهم التشويش على المصلين.

стр. 4795

٣٦٨ وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -: عن قول بعض الناس عند قول المؤذن: "قد قامت الصلاة" "أقامها الله وأدامها"؟ فأجاب بقوله: قوله عند إقامة الصلاة "أقامها الله وأدامها" قد ورد فيه حديث، ولكن في صحته نظر (١) ، فمن قالها لا ينكر عليه، ومن تركها لا ينكر عليه. ٣٦٩ وسئل فضيلة الشيخ: هل ورد في السنة وقت محدد للقيام للصلاة عند الإقامة ؟ فأجاب بقوله: لم ترد السنة محددة لموضع القيام؛ إلا أن النبي ﷺ قال: "لا تقوموا حتى تروني" (٢) فمتى قام الإنسان في أول الإقامة، أو في أثنائها، أو عند انتهائها فكل ذلك جائز. ٣٧٠ سئل الشيخ - وفقه الله تعالى -: ما درجة حديث: "صلاة بسواك تفضل سبعين صلاة بغير سواك"؟ ...

стр. 4796

فأجاب بقوله: هذا الحديث ضعيف (١) ، والصلاة بالسواك أفضل؛ لأن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". متفق عليه (٢) . فينبغي للإنسان أن يستاك عند كل صلاة وعند الوضوء أيضاً، ومحله في الوضوء عند المضمضة، وينبغي أيضاً أن يغسل السواك وينظفه لقول عائشة – ﵂ – حين حضر أخوها إلى النبي ﷺ وهو قد نزل به الموت صلوات الله وسلامه عليه ومع عبد الرحمن بن أبي بكر أخي عائشة سواك يستن به فأبده رسول الله ﷺ بصره – أي جعل ينظر إليه – قالت: فعرفت أنه يحب السواك – وهو في سياق الموت صلوات الله وسلامه عليه – فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، قالت: فأخذته فقضمته فطيبته ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به (٣) ، وفي هذا دليل على أنه ينبغي العناية بالسواك لا كما يفعله كثير من الناس اليوم تجده يستاك بسواكه ولا يغسله فتبقى الأوساخ متراكمة في هذا السواك فلا يزيده التسوك إلا تلويثاً. والله أعلم.

стр. 4797

٣٧١ سئل فضيلة الشيخ: عن بعض المصلين الذين يصطحبون معهم أطفالهم إلى بيوت الله مما يترتب عليه إحداث الفوضى، وإشغال المصلين عن صلاتهم، وإحداث الخلل بين الصفوف، وذلك بخروج الأطفال من الصف بعد وقوفهم فيه خاصة في رمضان حيث تأتي المرأة بأطفالها، فما حكم ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الأطفال مميزين، ولا يحدث منهم تشويش على المصلين فإنه لا يجوز إخراجهم من المساجد أو إقامتهم من أماكنهم التي سبقوا إليها، ولكن يفرق بينهم في الصف إذا خيف لعبهم. وإذا كان يحدث من الأطفال صياح وركض في المسجد، وحركات تشوش على المصلين، فإنه لا يحل لأوليائهم إحضارهم في المساجد، فإن أحضروهم في هذه الحال أمروا بالخروج بهم، وتبقى أمهاتهم معهم في البيوت وبيت المرأة خير لها من حضورها إلى المسجد. فإن لم يعرف أولياؤهم أخرجوا من المسجد لكن بالرفق واللين لا بالزجر والمطاردة والملاحقة التي تزعجهم ولا يزيد الأمر بها إلا شدة وفوضى. والله الموفق. حرر في ٢٢ شعبان سنة ١٤١٣هـ.

стр. 4798

٣٧٢ سئل فضيلة الشيخ: يلاحظ من بعض الرجال في المسجد الحرام أنهم يصفون خلف صفوف النساء في الصلاة المفروضة، فهل تقبل صلاتهم؟ وهل من توجيه لهم؟ فأجاب بقوله: إذا صلى الرجال خلف النساء فإن أهل العلم يقولون لا بأس، لكن هذا خلاف السنة؛ لأن السنة أن تكون النساء خلف الرجال، إلا أنه كما هو مشاهد في المسجد الحرام يكون هناك زحام وضيق فتأتي النساء وتصف، ويأتي رجال بعدهن فيصفون وراءهن، ولكن ينبغي للمصلي أن يحترز عن هذا بقدر ما يستطيع؛ لأنه ربما يحصل من ذلك فتنة للرجال فليتجنب الإنسان الصلاة خلف النساء وإن كان هذا جائزاً حسب ما قرره الفقهاء، لكننا نقول ينبغي للإنسان أن يتجنب هذا بقدر المستطاع. وينبغي للنساء أيضاً ألا يصلين في موطن يكون قريباً من الرجال. ٣٧٣ وسئل فضيلته: كثير من المصلين في المسجد الحرام يتساهلون في تسوية الصفوف والتراص، وقد قرأت قوله ﵊: "لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم" فما توجيهكم؟ فأجاب بقوله: الواقع أن الصفوف في المسجد الحرام غير منتظمة على الوجه الشرعي وهذا مما يؤسف له. والمشروع أن يكمل الصف الأول فالأول كما أمر بذلك النبي ﷺ حيث قال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا:

стр. 4799

وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يتراصون ويكملون الأول فالأول" (١) . ولكن نشاهد في هذا المسجد مع أنه افضل مسجد على وجه الأرض أن الناس يصلون أوزاعاً قل أن تجد صفاً تاماً، وهذا لاشك أنه من الخطأ، وأن الذي يجب تسوية الصف، ولهذا قال النبي ﷺ في حديثه الذي أخرجه البخاري وغيره، قال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (٢) . أي بين وجهة نظركم حتى تتفرقوا وتتنازعوا وتفشلوا. وفي هذا المسجد أيضاً ملاحظة شاهدتها أن الناس في صلاة الجنازة يصف الواحد منفرداً خلف الصف وهذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (٣) . وشاهدت أيضاً أناساً يصلون أمام الإمام – أعني بين الإمام وبين الكعبة – وهذا أيضاً حرام ولا يجوز، وصلاتهم غير صحيحة، والمشكل أنهم يصلون صلاة فريضة من فرائض الإسلام أمام الإمام، وقد نص العلماء – ﵏ – على أن الصلاة أمام الإمام غير صحيحة فإذا كانت غير صحيحة لم تكن مقبولة فلينتبهوا لذلك. ...

стр. 4800

وهنا مسألة: يسأل كثير من الناس أين الصف الأول في المسجد الحرام؟ والجواب: الأول ما كان خلف الإمام ونمشي حتى ندور كل الكعبة، أما من كان على يمين الإمام أو يساره فإن له حكم الصلاة على يمين الإمام وعلى يساره. ٣٧٤ وسئل الشيخ - غفر الله له -: هل يأثم المصلي في المسجد الحرام إذا صلى في الصف وفي الصف الذي أمامه فرجة مع العلم أن هذه الفرجة ربما تكون كبيرة؟ فأجاب بقوله: الحقيقة أن هذه من الأمور المؤسفة في هذا المسجد الحرام وهي تقطع الصفوف وعدم وصلها، والسنة وصل الصفوف بعضها ببعض هذا هو السنة، ولكن إذا انقطع الصف الذي أمامك فإن كانت الفرجة قليلة بحيث تسدها إذا تقدمت إليها فتقدم وسدها وسييسر الله ﵎ للصف الذي انقطع بسبب تقدمه من يسده، أما إذا كانت الفرجة كبيرة لا تسدها إذا تقدمت فإنك تبقى في صفك لأنك لو تقدمت لم يحصل سد الصف المتقدم ويكون الصف الذي تركه منقطعاً فيحصل مضرة على الصف الذي تركت بدون فائدة للصف الذي تقدمت إليه. فحاصل الجواب أنه إذا كانت الفرجة التي ظهرت في الصف الذي أمامك تنسد بتقدمك إليه فتقدم إليه وسدها، وإذا كانت الفرجة كبيرة فإنك تبقى في الصف الذي أنت فيه حتى لا ينقطع.
следующие страницы →