← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

٥٠٢ سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: قرأت في أحد الكتب عن كيفية صلاة النبي ﷺ بأن وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع بدعة ضلالة، فما الصواب جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً؟ فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: أنا أتحرج من أن يكون مخالف السنة على وجه يسوغ فيه الاجتهاد مبتدعاً، فالذين يضعون أيديهم على صدورهم بعد الرفع من الركوع إنما يبنون قولهم هذا على دليل من السنة، فكوننا نقول: إن هذا مبتدع؛ لأنه خالف اجتهادنا، هذا ثقيل على الإنسان، ولا ينبغي للإنسان أن يطلق كلمة بدعة في مثل هذا؛ لأنه يؤدي إلى تبديع الناس بعضهم بعضاً في المسائل الاجتهادية التي يكون الحق فيها محتملاً في هذا القول أو ذاك، فيحصل به من الفرقة والتنافر ما لا يعلمه إلا الله. فأقول: إن وصف من يضع يده بعد الركوع على صدره بأنه مبتدع، وأن عمله بدعة هذا ثقيل على الإنسان، ولا ينبغي أن يصف به إخوانه. والصواب: أن وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع هو السنة، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن سهل بن سعد – ﵁ – قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (١) .

стр. 4937

ووجه الدلالة من الحديث: الاستقراء والتتبع؛ لأننا نقول: أي توضع اليد حال السجود؟. فالجواب: على الأرض. ونقول أين توضع حال الركوع؟ والجواب: على الركبتين. ونقول أين توضع اليد حال الجلوس؟ والجواب: على الفخذين، فيبقى حال القيام قبل الركوع أو بعد الركوع داخلاً في قوله ﵁: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" فيكون الحديث دالاً على أن اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى في القيام قبل الركوع وبعد الركوع، وهذا هو الحق الذي تدل عليه سنة النبي ﷺ . فصار الجواب على هذا السؤال مكوناً من فقرتين: الفقرة الأولى: أنه لا ينبغي لنا أن نتساهل في إطلاق بدعة على عمل فيه مجال للاجتهاد. الفقرة الثانية: أن الصواب أن وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الرفع من الركوع سنة وليس ببدعة، بدليل الحديث الذي ذكرناه وهو حديث سهل بن سعد – ﵁. ٥٠٣ وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: المروي عن النبي ﷺ أن طول ركوعه مثل أو مقارب لطول قيامه، وطول رفعه مقارب لركوعه، وطول سجوده مقارب لطول ركوعه، بمعنى أن طول

стр. 4938

الركوع أقصر قليلاً من القيام، والرفع من الركوع أقصر قليلاً من الركوع، والسجود أقصر قليلاً من الركوع فهل هذا صحيح؟ وإذا كانت السنة كذلك، فهل إذا قرأت بعد الفاتحة سورة الحجرات وسورة ق وسورة الملك وسورة القلم مثلاً، هل سيكون ركوعي قريباً من مدة هذا القيام؟ وماذا ستكون أذكار الرفع من الركوع، هل أقتصر على ذكر: ربنا ولك الحمد، ثم أكرر هذا الذكر عدة مرات إلى أن أتيقن أنه قارب زمن قيامي وطوله، أو أكرر ذكر: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه عدة مرات، أو أذكر أنواعاً أخرى خاصة بالرفع من الركوع وأجمعها في وقفة واحدة، وباختصار هل آتي بجميع أذكار الركوع، وأذكار الرفع منه، أو أقتصر على نوع واحد وأكرره حتى يكون ركوعي ورفعي منه متقارباً؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال يشتمل على وهمين: الوهم الأول: أنه ذكر أن الركوع أطول من القيام بعده، وأن القيام بعده أطول من السجود وهكذا. وهذا خطأ؛ فإن صلاة النبي ﷺ يكون الركوع والقيام منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين قريباً من السواء كما صح ذلك عنه ﷺ (١) ، فهذه الأركان الأربعة

стр. 4939

قريبة من السواء: الركوع والقيام منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، هذه قريبة من السواء وليست مقرونة بالقيام قبل الركوع، وهذا هو الوهم الثاني في سؤاله؛ حيث ظن أن القيام الذي قبل الركوع يكون مساوياً للركوع وليس الأمر كذلك؛ بل إن القيام قبل الركوع له سنة خاصة به ويكون أطول من الركوع. والحاصل أننا نقول: إن من هدي الرسول ﷺ أن الركوع والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، أن هذه الأركان الأربعة متقاربة كما ثبت هذا عنه صلاة الله وسلامه عليه، وليست مساوية للقيام قبل الركوع، وحينئذ لا إشكال، ولكن إذا كان الرجل يطيل الركوع كما في صلاة الليل، فإنه ينبغي له أن يطيل القيام بعده بحيث يكون قريباً منه، وحينئذ يقول ما ورد في الحمد، "ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه (١) ملء السموات والأرض، وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد.." إلى آخر ما هو معروف. ثم إن كان القيام يقصر عن الركوع، إما أن يكرر هذا الحمد مرة أخرى أو يأتي بما وردت به السنة أيضاً في هذا المقام، وكذلك في الجلوس بين السجدتين يدعو الله تعالى بما ورد، ثم يدعوه بما شاء من أدعية.

стр. 4940

٥٠٤ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الرفع من الركوع؟ فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع سنة، كما دل على ذلك حديث سهل بن سعد – ﵁ – الذي رواه البخاري في صحيحه قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (١) ، فإذا تأملت هذا الحديث وهو أن الناس مأمورون بوضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى تبين لك: أن القيام بعد الركوع يشرع فيه هذا الفعل وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ لأن الحديث عام يخرج منه الركوع؛ لأن اليدين على الركبتين، ويخرج منه السجود؛ لأن اليدين على الأرض، ويخرج منه الجلوس؛ لأن اليدين على الفخذين أو على الركبتين، فيبقى ما عدا ذلك وهو: القيام قبل الركوع وبعد الركوع تكون اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى، إما على الذراع، وإما على الرسغ وهو المفصل الذي بين الكف وبين الذراع، والأفضل أن يكون وضعهما على الصدر؛ لأن حديث وائل بن حجر هو أحسن ما روى في ذلك، قال: "صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (٢) .

стр. 4941

٥٠٥ سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: أين توضع اليد بعد الركوع؟ فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليدين بعد الركوع كوضعهما قبل الركوع، أي أن الإنسان إذا رفع من الركوع يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، ودليل ذلك حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح البخاري قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (١) . فسهل ﵁ لم يفصل بين ما قبل الركوع وبعده، وعلى هذا فيكون حديث سهل واضح الدلالة على أن اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى بعد الركوع كما توضع قبله؛ لأنه عام، لكن يستثنى منه حال الركوع، والسجود، والقعود؛ لأن السنة جاءت بصفة خاصة في وضع اليد في هذه الأحوال. ٥٠٦ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع ؟ فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع ليس فيه نص صحيح عن النبي ﷺ ، ولذلك رأى الإمام أحمد – ﵀ – أن المصلي يخير بينه وبين إرسالهما، ولكن الظاهر ترجيح وضعهما؛ لأن ظاهر حديث سهل بن سعد الذي رواه البخاري يدل على ذلك ولفظه: "كان الناس يؤمرون أن

стр. 4942

يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة (١) ، فإذا أخرج من هذا العموم حال الركوع، والسجود، والجلوس تعين أن يكون في القيام، وليس في الحديث تفريق بين القيام قبل الركوع وبعده. فإن قيل: إن حديث وائل بن حجر في صحيح مسلم يدل على عدم الوضع ولفظه: "أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر وركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد،سجد بين كفيه". فإنه ذكر الوضع قبل الركوع وسكت عنه بعده. فالجواب: أن نقول إن السكوت ليس ذكراً للعدم، فلا يكون هذا الظاهر الذي مستنده السكوت معارضاً للظاهر الذي مستنده العموم في حديث سهل، نعم لو صرح بإرسالهما كان مقدماً على ظاهر العموم في حديث سهل، وقد روى النسائي حديث وائل بن حجر بلفظ: "رأيت النبي ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله" (٢) ، وهو صحيح ولم يفرق فيه بين القيام قبل الركوع وبعده فيكون عاماً. والعموم يكون في العبادات، والمعاملات وغيرهما؛ لأنه من عوارض الألفاظ، فأي لفظ جاء بصيغة العموم في العبادات أو المعاملات، أو غيرهما، أخذ بعمومه ألا ترى أن

стр. 4943

قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (١) يعم كل صلاة وهو في العبادات، وأن قوله ﷺ "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" يعم كل شرط وهو في المعاملات وغيرها. وهذا ظاهر وأمثلته كثيرة لا يمكن حصرها. ٥٠٧ وسئل فضيلة الشيخ: عن المنفرد هل يقول سمع الله لمن حمده، أو يقول ربنا ولك الحمد؟ فأجاب فضيلته بقوله: الإمام والمنفرد يقولان: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد ولا يقول "سمع الله لمن حمده، لقول النبي ﷺ : "إذا قال – يعني الإمام – سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" (٢) . ٥٠٨ سئل فضيلة الشيخ: بعض الناس يزيد كلمة "والشكر" بعد قوله ربنا ولك الحمد فما رأي فضيلتكم؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن التقيد بالأذكار الواردة هو الأفضل، فإذا رفع الإنسان من الركوع فليقل: ربنا ولك الحمد، ولا يزد والشكر لعدم ورودها. ...

стр. 4944

وبهذه المناسبة فإن الصفات الواردة في هذا المكان أربع: ١- ١- ربنا ولك الحمد. ٢- ٢- ربنا لك الحمد. ٣- ٣- اللهم ربنا لك الحمد. ٤- ٤- اللهم ربنا ولك الحمد. فهذه الصفات الأربع تقولها لكن لا جميعاً، ولكن تقول هذه مرة وهذه مرة، ففي بعض الصلوات تقول: ربنا ولك الحمد، وفي بعض الصلوات تقول: ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا ولك الحمد. وأما الشكر فليست واردة فالأولى تركها. ٥٠٩ وسئل فضيلة الشيخ: عن معنى هذا الدعاء "أحق ما قال العبد "؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا الدعاء تابع لما قبله وهو "ربنا ولك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد" (١) فأحق خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك أحق ما قال العبد – أي: ما سبق من الثناء والحمد، أحق ما قال العبد – أي أصدقه وأثبته.

стр. 4945

٥١٠ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم رفع اليدين حذو المنكبين عند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام للركعة الثالثة؟ فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة سنة كما ثبت في حديث ابن عمر (١) – ﵄ – "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه – أي حذو منكبيه – إذا كبر للصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا قال سمع الله لمن حمده"، وكذلك في صحيح البخاري (٢) : "أن النبي ﷺ إذا قام للتشهد الأول رفع يديه إلى حذو منكبيه" وهذا الرفع سنة، إذا فعله الإنسان كان أكمل لصلاته، وإن لم يفعله لا تبطل صلاته، لكن يفوته أجر هذه السنة، والذي ينبغي للمرء المحافظة على هذه السنة؛ لأن فيه من اتباع سنة النبي ﷺ التي ندب إليها في قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣) . ولأن في هذا الرفع إشارة إلى تعظيم الله ، فإذا كان عبادة وتعظيماً لله فينبغي للمؤمن أن يحافظ عليه ولا يدعه. ٥١١ وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: إذا كان الإنسان يصلي

стр. 4946

وأراد السجود وما زال واقفاً، هل يكبر ثم يسجد؟ أو يسجد ثم يكبر؟ أو يكبر وهو نازل للسجود؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. فأجاب فضيلته بقوله: التكبير للانتقال في الصلاة من ركن إلى آخر، يكون فيما بين الركنين، فإذا أراد السجود فليكبر ما بين القيام والسجود، وإذا أراد القيام من السجود فليكبر ما بين السجود والقيام، هذا هو الأفضل. وإن قدر أنه ابتدأ التكبير قبل أن يهوي إلى السجود وكمله في حال الهبوط فلا بأس، وكذلك لو ابتدأ في حال الهبوط ولم يكمله إلا وهو ساجد فلا بأس. ٥١٢ سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول النبي ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليبدأ بيديه قبل ركبتيه" (١) ؟ فأجاب بقوله: هذا الحديث معناه أن الرسول ﷺ نهى أن يبرك الإنسان في سجوده كما يبرك البعير؛ لأن الله تعالى فضل بني آدم على الحيوانات، ولاسيما في العبادة التي هي من أجل العبادات وهي الصلاة، فتشبه الإنسان بالبهائم مخالف لمقصود الصلاة ومخالف للحقيقة التي عليها بنو آدم من التفضيل على البهائم والحيوانات، ولهذا لم يذكر الله تعالى مشابهة الإنسان للحيوان إلا

стр. 4947

في مقام الذم كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا) . وكما في قوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا) . وكما في قوله ﷺ : "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً" (١) . وكقوله ﷺ : "العائد في هبته كالكلب يقي ثم يعود في قيئه" (٢) . فالتشبيه بالحيوان في أداء العبادة يكون النهي عنه أشد وأعظم، والبعير إذا برك كما نشاهده يبدأ بيديه، فأول ما يثني يديه ويخر عليهما، ثم يتمم بروكه، فنهى النبي ﷺ الساجد أن يبرك كما يبرك البعير، وذلك بأن يقدم يديه قبل ركبتيه فإذا قدم يديه قبل ركبتيه في حال السجود فقد برك كما يبرك البعير وعلى هذا يكون المشروع: أن يبدأ بركبتيه قبل يديه، كما في حديث وائل بن حجر قال: "رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبته قبل يديه" (٣) ، وكما أن هذا هو الموافق للنزول باعتبار البدن فتنزل الأسافل أولاً بأول، كما ترتفع الأعالي أولاً بأول، ولهذا عند النهوض من السجود يبدأ بالجبهة والأنف، ثم باليدين، ثم بالركبتين، ففي

стр. 4948

النزول كذلك يبدأ بالأسفل الركبتين، ثم باليدين، ثم الجبهة، والأنف. وأما قوله في الحديث: "وليبدأ بيديه قبل ركبتيه" فهذا مما انقلب على الراوي، كما حقق ذلك ابن القيم – ﵀ – في زاد المعاد (١) ، وكما هو ظاهر من اللفظ، لأنه لو قدر أن الحديث ليس فيه انقلاب، لكن آخره مخالفاً لأوله؛ لأنه إذا بدأ بيديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، والنهي "لا يبرك كما يبرك البعير" مقدم على المثال لأن النهي محكم، والتمثيل قد يقع فيه الوهم من الراوي، وحينئذ نقول صواب الحديث: "وليبدأ بركبتيه قبل يديه" ليكون المثال مطابقاً للقاعدة، وهي: النهي عن البروك كما يبرك البعير. فإن قال قائل: إن البعير يبرك على ركبتيه؛ لأن ركبتيه في يديه فإذا وضع الإنسان ركبتيه قبل يديه فقد برك على ما يبرك عليه البعير. قلنا: نعم ركبتا البعير في يديه ولا إشكال في ذلك، ولكن الرسول ﷺ لم يقل: "فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير" حتى نقول إنك إذا بدأت بالركبتين عند السجود فقد بركت على ما يبرك عليه البعير، وهو الركبتان، وإنما قال ﷺ : "كما يبرك البعير" فالنهي عن الكيفية والصفة، وليس عن العضو المسجود عليه، وبهذا يتبين جلياً أن حديث أبي هريرة ﵁ في النهي عن بروك كبروك

стр. 4949

البعير موافق لحديث وائل بن حجر المروي عن النبي ﷺ أنه كان يبدأ بركبتيه قبل يديه. والله أعلم. ٥١٣ وسئل فضيلة الشيخ: عن كيفية الهوي للسجود ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يكون السجود على الركب أولاً، ثم على الكفين؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يسجد على كفيه، حيث قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" (١) ، هذا لفظ الحديث. لكن سنتكلم عليه، فالجملة الأولى "فلا يبرك كما يبرك البعير" والنهي عن صفة السجود؛ لأنه أتى بالكاف الدالة على التشبيه، وليس نهياً عن العضو الذي يسجد عليه، فلو كان النهي هنا عن العضو الذي يسجد عليه لقال (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) ، وحينئذ نقول: لا تبرك على الركبتين؛ لأن البعير يبرك على ركبتيه، لكن النبي ﷺ لم يقل: "لا يبرك على ما يبرك عليه"، لكن قال: "لا يبرك كما يبرك" فالنهي عن الكيفية والصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه. ولهذا جزم ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (٢) بأن آخر الحديث منقلب على الراوي، وآخر الحديث (وليضع يديه قبل

стр. 4950

ركبتيه) وقال: إن الصواب "وليضع ركبتيه قبل يديه"؛ لأنه لو وضع يديه قبل ركبتيه لبرك كما يبرك البعير، فإن البعير إذا برك يقدم يديه، ومن شهد البعير عند البروك تبين له هذا. فحينئذ يكون الصواب إذا أردنا أن يتطابق آخر الحديث وأوله "وليضع ركبتيه قبل يديه"؛ لأنه لو وضع اليدين قبل الركبتين كما قلت لبرك كما يبرك البعير. وحينئذ يكون أول الحديث وآخره متناقضان. وقد ألف بعض الأخوة رسالة سماها (فتح المعبود في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود) وأجاد فيه وأفاد. وعلى هذا فإن السنة التي أمر بها الرسول ﷺ في السجود أن يضع الإنسان ركبتيه قبل يديه.

стр. 4951

تقديم الركبتين على اليدين عند السجود رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من أخيكم محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم الشيخ:. حفظه الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأشكركم على عنايتكم بهذه الأمور، وحرصكم على إبلاغ النصيحة، وأسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق، وأن يجعلنا ممن رأى الحق حقاً واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه. وأقول: إن طريقكم هذا هو سبيل أهل العلم الناصحين، وقد فهمت ما ذكرتم في حكم المسألة (مسألة تقديم اليدين، أو الركبتين عند السجود) ودليلها. والحقيقة أن من تأمل حديث أبي هريرة (١) تبين له أن لا معارضة بينه وبين حديث وائل (٢) حتى يحتاج إلى ترجيح، فإن حديث أبي هريرة فيه النهي أن يبرك كما يبرك البعير، فهو نهي عن الهيئة، والبعير يقدم يديه فينحط مقدمه قبل مؤخره، وإذا قدم الساجد يديه كان باركاً كما يبرك البعير، حيث قدم يديه فانحط

стр. 4952

مقدمه قبل مؤخره، وبهذا نعرف توافق الحديثين ولله الحمد. نعم لو كان لفظ حديث أبي هريرة (فلا يبرك على ما يبرك عليه) لكان معارضاً لحديث وائل؛ لأن البعير يبرك على ركبتيه. وأما ما ذكرتم من أن دعوة القلب لا تقبل بلا دليل، فهذا حق، ولكن في هذا الحديث ما يدل عليها وهو أوله "فلا يبرك كما يبرك البعير" الموافق لحديث وائل. هذا ما نراه في المسألة، فإن كان خطأ فمنا، ونستغفر الله تعالى، وإن كان صواباً فمن الله، وله الفضل أولاً وأخراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في ١٠/٨/١٤٠٢هـ. ٥١٤ ...

стр. 4953

سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: ما القول الراجح في الهوي إلى الأرض بعد الركوع؟ فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح في الهوي إلى الأرض بعد الركوع: أن الإنسان يبدأ بركبتيه ثم يديه، وذلك لأن النبي ﷺ نهى عن البداءة باليدين حيث قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (١) فنهى أن يبرك الإنسان كما يبرك البعير، وبروك البعير كما هو معلوم لكل من شاهدها وهي تبرك أنها تقدم اليدين، وقد ظن بعض أهل العلم – ﵏ – من السابقين، ومن المعاصرين أن هذا نهي عن البروك على الركب، وقال: إن ركبة البعير في يديه، وإن نهي النبي ﷺ أن يبرك الإنسان كما يبرك البعير معناه: النهي أن يبرك على ركبتيه. ولكن من تأمل الحديث وجد أنه لا يدل على هذا، فالنبي ﷺ لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) ، فلو قال: (لا يبرك على ما يبرك عليه البعير) لقلنا: نعم، لا تبدأ بالركبتين قبل؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنه، ولكنه قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير". فجعل النهي منصباً على الهيئة، ولاشك أن البعير ينزل مقدم جسمه قبل مؤخره فيهبط على يديه وهذا شيء معلوم لمن شاهده وتأمله، وقد بحث ابن القيم – ﵀ – هذا في كتابه: "زاد المعاد" (٢) بحثاً وافياً شافياً، وبين أن آخر الحديث "وليضع يديه قبل ركبتيه"

стр. 4954

مناقض لأوله وحكم – ﵀ – بأنه منقلب على الراوي وأن الصواب: "وليضع ركبتيه قبل يديه" لأجل أن يوافق آخر الحديث أوله، لأن كلام الرسول ﷺ لا يتناقض، ومن المعلوم أن الإنسان منهي عن التشبه بالحيوان ولاسيما في أجل العبادات البدنية وهي الصلاة، ولهذا قال الرسول ﵊: "لا يبسط أحدكم ذراعية انبساط الكلب" (١) . ولم يرد فيما أعلم في النصوص تشبيه الإنسان بالحيوان إلا على سبيل الذم، كما قال الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٢) . وقال : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٣) . وقال النبي ﷺ في الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً (٤) . وقال في الذي يعود في هبته: "كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه" (٥) .

стр. 4955

فإذا كان كذلك فإننا نقول: إن البعير إذا برك يقدم يديه، فإذا كان كذلك كان الحديث كما قال ابن القيم فيه انقلاب على الراوي. وهذه المسألة وإن كنت أنا أعتقد أن هذا هو الصواب، وأنه ينهى أن يقدم الإنسان يديه قبل ركبتيه لحديث أبي هريرة هذا، فأنا لا أحب أن تكون مثل هذه المسألة مثاراً للجدل، أو العداوة، أو البغضاء أو التضليل وما أشبه ذلك، لا هذه ولا غيرها من مسائل الاجتهاد، فكل المسائل الاجتهادية التي يعذر فيها الإنسان باجتهاده يجب أن يعذر الإنسان أخاه فيها، فكما أنه هو ينتصر لما يرى أن النصوص دلت عليه، فكذلك أيضاً يجب عليك أن تعامله بمثل ما تحب أن يعاملك به، كما أنه لو انتقدك لرأيته مخطئاً عليك، فأنت إذا انتقدته تكون مخطئاً عليه، أما ما لا يقبل الاجتهاد فلا تسكت عنه وأنكره وبين الحق، والصحابة ﵃ كانوا يختلفون في مسائل أعظم من هذه، ومع ذلك فالقلوب واحدة، والهدف واحد، والتآلف موجود. والله الموفق. ٥١٥ سئل فضيلة الشيح: كيف يتم الجمع بين حديث وائل بن حجر – ﵁ – أن النبي ﷺ كان يقدم ركبتيه في السجود قبل يديه، وبين حديث أبي هريرة عندما قال النبي ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه". مع أن الحافظ ابن حجر رجح في بلوغ المرام حديث

стр. 4956

أبي هريرة وهو موقوف، والحافظ ابن القيم تكلم عليه من عشرة وجوه ما قولكم في ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: قولي في ذلك أنه ليس بينهما تعارض، وأن معناهما متفق، فحديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ يضع ركبتيه قبل يديه (١) يوافق حديث أبي هريرة تماماً؛ لأن حديث أبي هريرة يقول: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (٢) ، والبعير إذا برك يقدم يديه كما يعرفه من شاهده، فكان مطابقاً تماماً لحديث وائل بن حجر، لأن الرسول ﷺ نهى في حديث أبي هريرة أن يضع يديه قبل ركبتيه؛ لأنه إذا فعل ذلك صار كالبعير. وقد توهم بعض الناس فقال: إن ركبتي البعير في يديه، وصدق فإن ركبتي البعير في يديه، ولكن النبي ﵌ لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) ، بل قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير"، فإنه في الحقيقية نهي عن الهيئة والصفة، وكل من شاهد البعير عند بروكه يجد أنه يقدم يديه أولاً، وبذلك يتطابق حديث أبي هريرة – ﵁ – مع حديث وائل بن حجر، ويبقى النظر في قوله في آخر الحديث: "وليضع يديه قبل ركبتيه" (٣) . فإن هذا لا شك وهم من الراوي، وانقلاب عليه، إذ أنه لا يتطابق مع أول الحديث، وأول الحديث هو العمدة وهو الأساس، وآخره فرع عليه، وإذا كان فرعاً عليه وجب أن يكون

стр. 4957

الفرع مطابقاً للأصل، وحينئذ لا يطابق الأصل إلا إذا كان لفظه: "وليضع ركبتيه قبل يديه". ٥١٦ وسئل فضيلة الشيخ: لقد ظهر من بعض المصلين حركة جديدة في الصلاة ما كانت تفعل من قبل، فبعض الناس إذا أراد السجود نزل على يديه أولاً قبل ركبتيه، وذلك بوضع ظاهر أصابعه كأنه يعجن، وكذا إذا قام من السجدة الثانية، وأما البعض الآخر من هؤلاء المصلين فإنه إذا قام من جلسة الاستراحة وضع كذلك ظهر أصابع يديه يعتمد على يديه، ثم يرفع يديه ويضعهما على ركبتيه، ويعتمد على ركبتيه في القيام، فما حكم هذه الحركات الزائدة في الصلاة؟ فأجاب بقوله: المشروع للإنسان أن يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) . وقد ذكر مالك بن الحويرث – ﵁: "أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعداً" (٢) ، يعني يجلس في الركعة الأولى، ثم يقوم للثانية، ويجلس في الركعة الثالثة، ثم يقوم للرابعة، وهذه الجلسة سماها العلماء: جلسة الاستراحة، وروى مالك بن الحويرث – أيضاً – أن

стр. 4958

النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض ثم قام" (١) . ولكن هل هو على صفة العاجن أم لا؟ والجواب: هذا ينبني على صحة الحديث الوارد في ذلك، وقد أنكر النووي – رحمه لله – في المجموع صحة هذا الحديث، أي أنه يقوم كالعاجن (٢) ، وبعض المتأخرين صححه، وعلى كل حال فالذي يظهر من حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يجلس لأنه كبر وأخذه اللحم، فكان لا يستطيع النهوض من السجود إلى القيام مرة واحدة، فكان يجلس ثم إذا أراد أن ينهض ويقوم اعتمد على يديه ليكون ذلك أسهل له، هذا هو الظاهر من حال النبي ﷺ وعلى آله وسلم، ولهذا كان القول الراجح في هذه الجلسة – أعني الجلسة التي يسميها العلماء جلسة الاستراحة – أنه إن احتاج إليها لكبر، أو ثقل، أو مرض، أو ألم في ركبتيه أو ما أشبه ذلك فليجلس، ثم إذا احتاج أن يعتمد عند القيام على يديه فليعتمد على أي صفة كانت، سواء اعتمد على ظهور الأصابع، أي جميع أصابعه، أو على راحته، أو غير ذلك، المهم أنه إذا احتاج إلى الاعتماد فليعتمد، وإن لم يحتج فلا يعتمد. أما النزول للسجود فالصحيح أن الإنسان يبدأ بركبتيه قبل

стр. 4959

يديه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يضع الإنسان يديه قبل ركبتيه حيث قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (١) . ونحن نشاهد البعير إذا برك يقدم يديه، هذا شيء واضح، وقد فهم بعض العلماء أن المراد من ذلك أنه لا يقدم ركبتيه فقال: إن ركبتي البعير في يديه، فإذا قدم ركبتيه عند السجود فقد برك كما يبرك البعير، وهذا فهم فيه نظر، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) ، فلوا قال ذلك لقلنا: لا تبرك على الركبتين، بل قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير"، فالنهي عن الكيفية والهيئة، وعليه فيكون الرجل إذا قدم يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير. فإن قال قائل: يؤيد الفهم الثاني أن الحديث "وليضع يديه قبل ركبتيه" فالجواب عن هذا: أن هذه الجملة لا تصح، لأنها لا تتلاءم مع أول الحديث، بل هي منقلبة على الراوي وصوابها: "وليضع ركبتيه قبل يديه"، كما حقق ذلك ابن القيم – ﵀ – في زاد المعاد (٢) ، وعلى هذا فالسجود يكون على الركبتين، فإن احتاج الإنسان إلى أن يضع يديه قبل ركبتيه، كما لو كان يشق عليه النزول على الركبتين فلا بأس حينئذ بأن يضع اليدين قبل الركبتين.

стр. 4960

٥١٧ سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: انتشر في الآونة الأخيرة فرش المساجد الجديدة أو المجددة بنوع من الإسفنج الأبيض المتين، يوضع تحت السجاد الموضوع للصلاة مما يجعل المصلي يمشي على أرض لينة جداً، وأيضاً تمنع المصلي من ثبوت جبهته وأنفه وركبتيه في سجوده، فنرجو من فضيلتكم بيان الحكم في هذا الأمر، حيث أصبح ينتشر بين المساجد وقد يرفع السجاد الأول ويجدد مع وضع هذا الإسفنج الجديد؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإسفنج خفيفاً ينكبس عند السجود عليه فلا بأس، لكن تركه أولى لئلا يتباهى الناس بذلك. حرر في: ٢٧/٤/١٤١٤هـ. ٥١٨ وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: عن امرأة تعاني من ألم في المفاصل، وتصلي وهي جالسة، هل يجب عليها عند السجود أن تضع شيئاً تسجد عليه مثل وسادة أو غيرها؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١) . فإذا كانت هذه المرأة لا تستطيع القيام، قلنا لها: صلي جالسة وتكون في حال القيام متربعة، كما صح ذلك عن النبي ﷺ (٢) ، ثم تومئ بالركوع وهي متربعة، ثم إن استطاعت السجود

стр. 4961

سجدت وإلا أومأت برأسها أكثر من إيماء الركوع، وليس في السنة أن تضع وسادة أو شيئاً تسجد عليه، بل هذا إلى الكراهة أقرب؛ لأنه من التنطع والتشدد في دين الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" (١) . ٥١٩ سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: إذا سجد المصلي وجعل عمامته وقاية بينه وبين الأرض فما حكم صلاته؟ فأجاب فضيلته بقوله: صلاة ذلك المصلي صحيحة، ولكن لا ينبغي أن يتخذ العمامة وقاية بينه وبين الأرض إلا من حاجة، مثل: أن تكون الأرض صلبة جداً، أو فيه حجارة تؤذيه، أو شوك ففي هذه الحال لا بأس أن يتقي الأرض بما هو متصل به من عمامة، أو ثوب لقول أنس بن مالك ﵁: "كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه" (٢) . فهذا دليل على أن الأولى أن تباشر الجبهة مكان السجود، وأنه لا بأس أن يتقي الإنسان الأرض بشيء متصل به من ثوب، أو عمامة إذا كان محتاجاً لذلك لحرارة الأرض، أو لبرودتها، أو لشدتها، إلا أنه يجب أن يلاحظ أنه لابد أن يضع أنفه

стр. 4962

على الأرض في هذه الحال، لحديث ابن عباس – ﵄ – أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين" (١) . ٥٢٠ وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى-: عمن يلبس نظارات كبيرة جداً، لا تمكنه من السجود كاملاً على الأعضاء السبعة فقد تحول دون الأنف، كما أن البعض قد يلبس عقالاً سميكاً لا تتمكن جبهته من السجود، ويقولون إن مجرد ملامسة النظارة والعقال للأرض كافيان عن ملامسة الأنف أو الجبهة للأرض لأنهما ملتصقان بهما، فما قولكم – وفقكم الله تعالى-؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما العقال: فإن كان نازلاً إلى الجبهة فإن السجود عليه كاف، لكنه مكروه للحيلولة دون اتصال جبهته بمكان السجود. وأما إذا كان العقال ليس على الجبهة كما هو الغالب، ولكنه على أسفل الرأس، أو على المنحنى من الجبهة وارتفعت الجبهة على الأرض فإن ذلك لا يجزئه، لأن الجبهة لم تمس الأرض ولا ما اتصل بالأرض. أما بالنسبة للنظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض فإن السجود لا يجزئ، وذلك لأن الذي يحمل الوجه

стр. 4963

هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود. ٥٢١ سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: لقد رأينا بعض المصلين – هدانا الله وإياهم – إذا سجدوا رفعوا جباههم عن الأرض حتى تلامس الأرض أوقد لا تلامسها، وإذا نصحوا عللوا ذلك بعلل واهية (كإفساد الشماغ وغير ذلك) فما صحة صلاتهم؟ وما هي نصيحتكم لهم؟ نفع الله بعلمكم وجزاكم الله خيراً. فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، ومن ابتعهم بإحسان إلى يوم الدين. يجب عليهم أن يمكنوا جباههم من الأرض، وإذا كانوا لا يسجدون إلا بمجرد الملامسة فإن سجودهم غير صحيح، وإذا كان السجود غير صحيح صارت الصلاة غير صحيحة أيضاً، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد. حرر في ٢٣/٥/١٤١٧هـ. ٥٢٢ وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً-: عن حكم الامتداد الزائد أثناء السجود ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الامتداد الزائد أثناء السجود خلاف السنة، فإن الواصفين لصلاته ﷺ لم يقل أحد منهم أنه كان يمد ظهره

стр. 4964

في السجود، كما قالوا أنه يمد ظهره حال الركوع (١) ، وإنما المشروع في حال السجود أن يرفع الإنسان بطنه عن فخذيه ويعلو بذلك، لا أن يمده كما يفعله بعض الناس. ٥٢٣ وسئل فضيلة الشيخ: هل ورد أن العلامة التي يحدثها السجود في الجبهة من علامات الصالحين؟ فأجاب فضيلته بقوله: ليس هذا من علامات الصالحين، وإنما هو النور الذي يكون في الوجه، وانشراح الصدر، وحسن الخلق وما أشبه ذلك، أما الأثر الذي يسببه السجود في الوجه فقد تظهر في وجوه من لا يصلون إلا الفرائض لرقة الجلد، وقد لا تظهر في وجه من يصلي كثيراً ويطيل السجود. ٥٢٤ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة على النبي ﷺ في السجود ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم، تجوز الصلاة على النبي ﷺ في السجود لأنها دعاء، والسجود من مواضع الدعاء.

стр. 4965

٥٢٥ سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله وعفا عنه -: هل يجوز أن يسجد المسلم على ظهر أخيه عند الزحام؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يسجد على ظهر أخيه إذا كان زحام. القول الثاني: قال بعض العلماء إنه يومئ إيماء. القول الثالث: أنه ينتظر حتى يرفع من السجود ثم يسجد. فهذه ثلاثة أقوال، والمشهور من المذهب أنه يسجد على ظهر أخيه أو رجله. ولننظر ما الراجح من هذه الأقوال: إذا قلنا: إنه يسجد على ظهره ففيه مشكلة وهي: التصرف في الغير، والتشويش عليه، ثم إن السجود لا يتم في الواقع؛ لأنه إذا سجد عليه لا يكون على هيئة الساجد لأن الظهر مرتفع. وإذا قلنا: إنه يومئ، فإن الإيماء له أصل في الشرع وهو: أن العاجز عن السجود يومئ، وهذا في الحقيقة عاجز عن السجود؛ لأن السجود إنما يكون على الأرض وهنا لم يمكن. وإذا قلنا: إنه ينتظر فله وجه؛ لأنه تخلف عن الإمام لعذر، فهو كالنائم، فإنه يوجد بعض الناس ينام وهو يصلي إذا سجد السجدة الأولى بقي، فيقوم الإمام ويجلس بين السجدتين ويسجد للثانية وهو على نومه فماذا يصنع إذا استيقظ؟ نقول: يقوم من السجود ويجلس بين السجدتين، ويسجد الثانية، ويلحق الإمام؛ لأنه تخلف لعذر، هذا إن كان نومه غير

стр. 4966

عميق، فإن كان نومه عميقاً بطلت صلاته، واستأنفها من جديد. والله الموفق. ٥٢٦ وسئل فضيلة الشيخ: في ليلة السابع والعشرين من رمضان ازداد الزحام في المسجد الحرام فلم أتمكن من الركوع والسجود في الصلاة، فما الحكم؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) ، وقال رسول الله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) ، وهذا الرجل يفعل ما هو بديل عن السجود وهو الإيماء، وكذلك يومئ عند الركوع إن لم يستطع الركوع. وهذا هو القول الراجح. وقال بعض العلماء: ينتظر حتى يقوم الناس فيركع ويسجد، وهذا وإن كان فيه تحقيق للركوع والسجود، لكن فيه تخلف عن الإمام. وقال بعض العلماء: ينتظر حتى يقوم الناس فيركع ويسجد، وهذا وإن كان فيه تحقيق للركوع والسجود، لكن فيه تخلف عن الإمام. وقال بعض العلماء: يسجد على ظهر من أمامه، وهذا وإن كان فيه حصول الركوع، والسجود، ومتابعة الإمام، لكن فيه تصرف في الغير وتشويش عليه، فكيف تجعل ظهر إنسان مصلى لك، وقد يشوش ذلك عليه جداً، ثم قد يكون في الأمر فتنة. ...

стр. 4967

فالقول الأخير أضعف الأقوال، والراجح عندي الأول لما سبق من الدليل. ٥٢٧ سئل فضيلة الشيخ: يحصل مع الزحام الشديد في مكة وغيرها ألا يتمكن المصلي من السجود على الأرض، فما الحكم في ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا تمكن أن يسجد ولو على غير الصفة المشروعة التي هي تفريج الذراعين، فإنه يسجد على أي حال كانت، فإن لم يتمكن فإنه يجلس ويومئ بالسجود. ويرى بعض العلماء أنه ينتظر حتى يقوم الإمام من السجود فيتسع المكان ثم يسجد. ويرى آخرون أن يسجد على ظهر إنسان. ولكن القول الأول أقرب إلى الصواب أنه يومئ بالسجود إيماءً؛ لأنه عاجز عنه في هذه الحال، ومن عجز عن السجود أومأ به. ٥٢٨ وسئل فضيلة الشيخ: هل ورد حديث صحيح في تحريك السبابة بين السجدتين في الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم، ورد الحديث الذي في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا قعد في الصلاة وذكر أنه يشير بإصبعه (١) ، وفي لفظ، إذا قعد في

стр. 4968

التشهد (١) . فاللفظ الأول عام، والثاني خاص، والقاعدة أن ذكر الخاص بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، ومثال ذلك أن يقول رجل لآخر: أكرم طلبة العلم، ويقول له: أكرم محمداً، ومحمد من طلبة العلم، فهذا لا يقتضي أنه لا يكرم بقية طلبة العلم، وقد نص علماء الأصول على هذا، وذكره الشيخ الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان. لكن لو قال: أكرم الطلبة، ثم قال: لا تكرم من ينام في الدرس، فهذا يقتضي التخصيص؛ لأنه ذكر بحكم يخالف الحكم العام. ثم في هذا حديث خاص، رواه الإمام أحمد في مسنده (٢) بسند قال فيه صاحب الفتح الرباني: سنده حسن (٣) ، وقال بعض المحدثين على زاد المعاد (٤) : سنده صحيح. "أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس بين السجدتين قبض أصابعه وأشار بالسبابة". ومن قال لا يحركها، فنقول له: فماذا يصنع باليد اليمنى؟ إذا قلت يبسطها على الفخذ فنطالبك بالدليل. ولم يرد في الأحاديث أنه كان يبسط يده اليمنى على فخذه، ولو كان يبسطها لبينه الصحابة كما بينوا أنه كان يبسط يده اليسرى على الفخذ اليسرى. فهذه ثلاثة أدلة.

стр. 4969

٥٢٩ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تحريك السبابة حال الدعاء بين السجدتين في الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه سنة، لحديث وائل بن حجر (١) في مسند الإمام أحمد، وقد صححه من المتقدمين ابن خزيمة، وابن حبان (٢) ، ومن المتأخرين الساعاتي في مسند الإمام أحمد فقد قال عنه: إن سنده جيد، قاله في الفتح الرباني (٣) ، والأرناؤوط في زاد المعاد (٤) . وفيه التصريح بأن وضع اليد اليمنى بين السجدتين كوضعها في التشهد سواء، ولي سلف من أهل العلم وهو ابن القيم – رحمه الله تعالى – في زاد المعاد فقد صرح أن وضع اليدين بين السجدتين كوضعهما في التشهدين. ثم يقال: إنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه وضع يده اليمنى على فخذه مبسوطة. أما اليسرى فالسنة في هذا صريحة أنها تبسط على الفخذ أو تلقم الركبة، كل ذلك جائز، وهم صفتان. لكن يبقى النظر، متى يشير بإصبع اليمنى. ...

стр. 4970

والجواب: الذي بلغني من السنة أنه يشار بها عند الدعاء، فيحركها الإنسان إلى فوق كلما دعا، والمناسبة في ذلك أن الدعاء موجه إلى الله ؛ والإشارة إلى العلو إشارة إلى الله ، هذا ما تبين لي في هذه المسألة، والله أعلم. ٥٣٠ وسئل فضيلة الشيخ: عن دليل مشروعية قبض أصابع اليد اليمنى والإشارة بالسبابة بين السجدتين؟ فأجاب فضيلته بقوله: دليل ذلك عموم حديث ابن عمر – ﵄ – فإن في بعض ألفاظه: "إذا قعد في الصلاة أو قعد يدعو" (١) ، وكذلك حديث وائل بن حجر الذي رواه الإمام أحمد في مسنده (٢) ، وجوده صاحب الفتح الرباني قال: إسناده جيد، وكذلك نقول، إذا قلنا لا يقبض بين السجدتين فماذا يصنع باليمنى؟ فإن بسطها فما الدليل؟ لأن البسط ورد في اليسرى، واليمنى ما فيها إلا عموم حديث ابن عمر، وهذا الحديث بخصوصه حديث وائل بن حجر فيؤخذ به، وهذا الحديث وإن كان بعض أهل العلم ضعفه، فيؤخذ به لقوته بشاهد، وهو عموم حديث ابن عمر ﵄ في بعض ألفاظه.

стр. 4971

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه الشيخ المكرم الفاضل:. حفظه الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإليكم إيضاح ما حصل فيه الإشكال في كيفية وضع اليد اليمنى بين السجدتين، فقد دلت السنة على أن وضعها بين السجدتين كوضعها في التشهدين، وأن المصلي يرفع أصبعه يدعو بها، ففي صحيح مسلم ١/٤٠٨-٤٠٩ (١) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب – ﵄ – قال: "كان (يعني النبي ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى". وفي رواية له: "أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها"، فقوله: "إذا قعد في الصلاة" عام أو مطلق يتناول كل قعود حتى ما بين السجدتين، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند ٤/٣١٧ من حديث وائل بن حجر ﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ كبر فرفع يديه حين كبر – فذكر الحديث وفيه – فسجد فوضع

стр. 4972

يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه (وفي رواية) عقد ثلاثين وحلق واحدة، وأشار بإصبعه السبابة". قال في الفتح الرباني ٣/١٤٧: وسنده جيد. وقال الأرناؤوطان في التعليق على زاد المعاد ١/٢٣٨: وسنده صحيح. وقد رواه بنحوه أبو داود ١/٢١٩ والنسائي ٣/٣٠. وأما ما ورد في بعض ألفاظ حديث ابن عمر في صحيح مسلم: "أن النبي ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بالسبابة" (١) فإن ذلك لا يقتضي تقييد المطلق؛ لأن ذكر بعض أفراد المطلق بحكم يوافق حكم المطلق غير مقتض للتقييد عند جمهور الأصوليين وهو الحق. وأما ما ادعاه بعضهم من أن حديث وائل بن حجر شاذ، فغير صحيح؛ لأن الشاذ عند أهل العلم بالحديث ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه، وأين المخالفة في حديث وائل؟! فإنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يبسط يده اليمنى على فخذه اليمنى بين السجدتين، فيكون مؤيداً لحديث وائل وشاهداً له. ...

стр. 4973

ولهذا ذهب ابن القيم – ﵀ – إلى أن ما بين السجدتين كالتشهدين في وضع اليد اليمنى. (زاد المعاد ١/٢٣٨- تحقيق الأرناؤوطين) . وفي قول ابن عمر – ﵄: "ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها" دليل على أن السبابة ترفع عند الدعاء، وهو يؤيد حديث وائل بن حجر في المسند ٤/٣١٨ "فرأيته يحركها يدعو بها". وعلى هذا يشرع تحريكها عند كل جملة دعائية إشارة على علو من يدعوه وهو الله تعالى، وهذا التحريك أمر زائد على مطلق الإشارة التي جاءت في حديث ابن عمر – ﵄ – فإن هذه الإشارة تكون في جميع الجلوس لا حال الدعاء فقط، فيرفعها كأنه يشير إلى شيء، لكن تكون محنية شيئاً يسيراً كما في سنن النسائي ٣/٣٢ (١) . هذا وأرجو أن يكون فيما كتبته إيضاح للإشكال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في ٢/٨/١٤١١هـ.

стр. 4974

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتابكم الكريم وصل وسرنا صحتكم، والحمد لله على ذلك، تهنئتكم بعيد الفطر لكم منا مثلها ونسأل الله أن يتقبل من الجميع. تذكرون أنكم تصفحتم (رسالة في الوضوء، والغسل، والصلاة) وأنه لفت نظركم كيفية وضع اليد اليمنى بين السجدتين. فيا محب إن الذي في الرسالة هو مقتضى ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ كما رواه مسلم (١) ص٤٠٨ تحقيق محمد فؤاد من حديث ابن عمر – ﵄ – قال: "كان (يعني النبي ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى". وفي رواية: "وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها"، وظاهرة أن رفعها للدعاء بها، وهو رفع فوق مطلق الإشارة التي جاءت في الرواية الأولى، وفي حديث ابن الزبير (٢) ، وعلى هذا فتكون السبابة مرفوعة رفع إشارة، فإذا ذكر الجملة الدعائية رفعها زيادة، إشارة إلى علو من دعاه وهو الله تعالى، ويؤيد

стр. 4975

ذلك حديث وائل بن حجر (١) ، "ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها"، وفي حديث ابن الزبير عند الدارمي: "رأيت النبي ﷺ يدعو هكذا في الصلاة وأشار ابن عيينة بإصبعه". رواه الدارمي (٢) . ولم يرد التفريق بين جلوس التشهد، والجلوس بين السجدتين فيما أعلم، ويدل على أنه لا فرق بين الجلستين ما رواه الإمام أحمد في المسند ص٣١٧ ج٤ من حديث وائل بن حجر قال: "رأيت النبي ﷺ كبر فرفع يديه حين كبر" فذكر الحديث، وفيه: "وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع ذارعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته، ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه". وفي رواية: "عقد ثلاثين، وحلق واحدة، وأشار بإصبعه السبابة" وذكر الحديث في الفتح الرباني ترتيب المسند ص١٤٧ ج٣ وقال: سنده جيد. وقد رواه بنحوه أبو داود (٣) وقال فيه: "وقبض اثنتين وحلق حلقة" يعني حلق الإبهام مع الوسطى، وبهذا تبين أن لا فرق بين جلستي التشهد والجلوس بين السجدتين، فأما تقييد الجلوس في بعض روايات حديث ابن عمر بالجلوس للتشهد، فلا ينافي الإطلاق لأن ذكر بعض أفراد المطلق بحكم يطابق حكم المطلق لا يستلزم تقييده، وإن كان قد يقتضيه إذا لم يقم دليل على الإطلاق.
следующие страницы →