وحديث: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". الأخذ بهما أحوط؛ لأن القاري يكون قد أدى صلاته بيقين دون شك إذا قرأ الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ ففي السنة من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه الصبح فلما انصرف قال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وأما قول السائل: ما حكم قراءة قل هو الله أحد في الركعة الأولى وفي الثانية سورة العاديات؟
فهذا لا ينبغي، والذي ينبغي أن تقرأ القرآن في الركعتين مرتباً، فإذا قرأت سورة فالأولى أن تقرأ بما بعدها لا بما قبلها، فإذا قرأ الإنسان (قل يا أيها الكافرون) في الركعة الأولى، فليقرأ في الركعة الثانية (إذا جاء نصر الله والفتح) أو (قل هو الله أحد) ولا يقرأ (أرأيت الذي يكذب بالدين) أو ما كان قبلها وهكذا.
وأما قوله: هل يقرأ في الركعة الأولى بسورة البقرة كلها، والثانية بسورة آل عمران؟
فجوابه: أنه لا يجوز لك أن تفعل هذا إذا كنت إماماً، أن تقرأ بسورة البقرة كاملة وآل عمران كاملة، بل ولا بسورة البقرة وحدها، اللهم إلا أن تكون الجماعة عدداً محصوراً ويوافقوا على ذلك فلا حرج، ووجه هذا أن النبي ﷺ زجر معاذاً – ﵁ – ووعظه موعظة عظيمة حينما أطال بأصحابه وقال: "أتريد يا معاذ أن تكون فتاناً". وليس للإمام أن يقرأ بأصحابه أكثر مما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، فإن صلاة الرسول ﷺ أتم الصلاة، وأحسنها، وأوفقها، وأرفقها بالخلق. والله الموفق.
стр. 4902
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فلا شك أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) ، وأن هذا النفي نفي للصحة لا نفي للكمال كما يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (٢) وأن ذلك واجب في كل صلاة، وفي كل ركعة من الركعات لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته حين ذكر له ما يفعل بالركعة من قراءة وغيرها قال: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (٣) .
وأنه لا فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد لعموم الحديث، وأما الأحاديث الواردة في إخراج المأموم من ذلك فلا يصح الاستدلال بها إما لضعفها، وإما لضعف دلالتها على ذلك (٤) .
كما أن ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الصلاة جهرية سمع فيها المأموم قراءة الإمام الفاتحة، أم سرية لعموم الحديث، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح فتفلتت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرءون
стр. 4903
وراء إمامكم" قال: قلنا يا رسول الله أي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". رواه أبو داود والترمذي (١) . وفي لفظ: "فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن". رواه أبو داود والنسائي (٢) .
لكن من جاء والإمام راكع فإنها تسقط عنه في هذه الركعة التي أدرك ركوعها لما في صحيح البخاري عن أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصاً ولا تعد" (٣) . وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ سمع صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر (أي يسعى عجلاً) يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف قال: "من الساعي"؟ قال أبو بكرة أنا. وعند الطبراني أنه قال للنبي ﷺ : خشيت أن تفوتني الركعة معك. وقوله ﷺ : "لا تعد" بفتح التاء وضم العين، وسكون الدال، من العود وهو يتضمن الدلالة على النهي عن السعي، وعن الركوع قبل الوصول إلى الصف، وعلى إدراك أبي بكرة للركعة. ووجه الدلالة منه على إدراكها ما يأتي:
١- أن النبي ﷺ لم يأمره بقضائها، ولو لم يدركها لأمره بقضائها، كما أمر المسيء في صلاته بإعادة صلاته حين لم يصلها بطمأنينة، ولم يتم ركوعها، ولا سجودها، ولو أمره بقضائها لنقل إلينا قطعاً لأنه من الشريعة، وقد تكفل الله بحفظها فلا يمكن أن يترك
стр. 4904
منها ثابت بدون نقل، فلما لم ينقل علم أنه لم يكن.
وهذه قاعدة هامة ينبغي مراعاتها.
٢- أن سعي أبي بكرة وركوعه قبل أن يصل إلى الصف دليل على أنه ليدرك الركعة بذلك، وقد صرح للنبي ﷺ بذلك في رواية الطبراني، وهو معلوم، وإن لم يصرح به إذ لا يمكن للعاقل أن يفعل مثل ذلك إلا لفائدة يحصل عليها وهي إدراك الركعة هنا، ولو لم يكن بينه وبين من فاته الركوع فرق في عدم الإدراك، لما كان يحسن أن يسعى ويركع قبل أن يصل إلى الصف.
٣- أنه لما كان يفهم من فعل أبي بكرة قصد إدراك الركعة ولم يبين له النبي ﷺ أنه لم يدركها مع قيام هذا المقتضى القوي للبيان كان دليلاً واضحاً على إقرار النبي ﷺ أبا بكرة لما قصده، وأنه قد أدرك الركعة، وهذا أقوى دلالة من الإقرار المجرد الذي لم يسبق بما يقتضي وجوب الإنكار، لو كان العمل مما يجب إنكاره.
هذا من حيث الدليل الأثري على إدراك الركعة إذا أدرك المأموم إمامه راكعاً، وأنه تسقط عنه الفاتحة في هذه الركعة حينئذ.
أما من حيث الدليل النظري فنقول: الفاتحة قرآن واجب حال القيام، وقد سقط القيام عنه حينئذ لوجوب متابعة الإمام، فسقط ما كان واجباً فيه؛ لسقوط محله، كما يسقط التشهد الأول عن المأموم إذا أدرك إمامه في الركعة الثانية من الرباعية، ويزيده في الركعة الأولى مع أنه لو تعمد ذلك في حال غير متابعة الإمام لبطلت صلاته. قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٩/٤/١٣٩٨هـ.
стр. 4905
٤٧١ وسئل فضيلة الشيخ: في حالة الصلاة الجهرية كالفجر مثلاً هل يلزم المأموم قراءة الفاتحة مع العلم بأن بعض الأئمة بعد انتهائه من قراءة الفاتحة يقرأ سورة أخرى بسرعة لا تتيح للمأموم قراءة الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة تنبني على خلاف العلماء – ﵏ – في وجوب قراءة الفاتحة، وذلك أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة:
فمنهم من قال: لا قراءة على المأموم مطلقاً لا في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية، لا الفاتحة ولا غيرها.
ومنهم من قال: بل يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في السرية والجهرية، ولا تسقط الفاتحة إلا في حق المسبوق الذي أدرك الإمام وهو راكع، وهذا القول أقرب إلى ظواهر النصوص، أعني أن الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد، وأنها واجبة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية إلا المسبوق إذا دخل مع الإمام وهو راكع أو قبل ركوعه في حال لا يتمكن فيها من قراءة الفاتحة، ففي هذه الحالة تسقط عنه.
وعلى هذا فإذا كنت خلف إمام يشرع في قراءة السورة بعد الفاتحة مباشرة، فاقرأ الفاتحة ولو كان إمامك يقرأ، وقد يحصل من ذلك مشقة في أنك تقرأ وإمامك يقرأ، ولاسيما إن كان الإمام من الذين يقرأون بواسطة مكبر الصوت، ولكن نقول: تحمل واصبر ومن صبر ظفر.
стр. 4906
٤٧٢ وسئل أيضاً: رجل يصلي الفريضة، قرأ الفاتحة ثم ركع دون أن يقرأ سورة معها ناسياً، فما حكم صلاته؟
فأجاب بقوله: لا شيء عليه، لأن قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة ليس بواجب، وإنما هو سنة، إذا أتى به الإنسان فهو أفضل، وإن لم يأت به فلا حرج عليه، ولا فرق في ذلك بين الصلاة الجهرية والسرية وبين المأموم والإمام، والمأموم في الصلاة الجهرية إنما يقرأ الفاتحة فقط ثم يستمع لقراءة الإمام.
٤٧٣ سئل فضيلة الشيخ: متى يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة مع قراءة الإمام للفاتحة أو عندما يقرأ في السورة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تكون قراءة الفاتحة للمأموم بعد قراءة الإمام لها؛ لأجل أن ينصت للقراءة المفروضة الركن؛ لأنه لو قرأ الفاتحة والإمام يقرأ الفاتحة لم ينصت للركن، وصار إنصاته لما بعد الفاتحة وهو التطوع، فالأفضل أن ينصت لقراءة الفاتحة؛ لأن الاستماع إلى القراءة التي هي ركن أهم من الاستماع إلى السنة، هذه من جهة، ومن جهة أخرى أن الإمام إذا قال: (ولا الضالين) وأنت لم تتابع فلن تقول "آمين" وحينئذ تخرج عن الجماعة فالأفضل هو هذا.
٤٧٤ وسئل حفظه الله: هل تجب قراءة الفاتحة في كل الركعات، أو يكفي لو قرأها في بعض الركعات؟
...
стр. 4907
فأجاب فضيلته بقوله: يجب أن يقرأ الفاتحة في كل الركعات؛ لأن النبي ﷺ علم المسيء في صلاتِه صلاتَه وقال له: "افعل ذلك في صلاتك كلها" (١) ، فما وجب في الركعة الأولى فإنه يجب في الركعات التي بعدها.
أما ما كان سنة في الركعة الأولى، كالاستفتاح والتعوذ فإنه لا يشرع في الركعات التي بعدها.
٤٧٥ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم قراءة الفاتحة في صلاة التراويح؟ وما حكم من تركها ؟ هل ينقص ثواب الصلاة أو تبطل؟ وكيف نقرأها مع الإمام وهو يقرأ القرآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة قد تقدم الكلام عليه، وبينا أن الراجح من كلام أهل العلم أنها ركن في كل صلاة سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً، وأنه إذا كان خلف الإمام الذي يجهر بالقراءة فإنه يقرأ الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ، لحديث عبادة بن الصامت – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٢) . وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما، وعام ليس في استثناء، وفي السنن أيضاً من حديث عبادة بن الصامت – ﵁ – أنهم صلوا مع النبي ﷺ صلاة الفجر وهي صلاة جهرية فلما انصرف قال: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم" قالوا:
стр. 4908
نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (١) .
وأما حديث أبي هريرة الذي في السنن أيضاً، وهو أنه ذكر أن النبي ﷺ قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به النبي ﷺ (٢) .
فالمراد بالقراءة التي انتهى الناس عنها هي قراءة غير الفاتحة لأنه لا يمكن أن ينتهوا عن قراءة سورة قال فيها رسول الله ﷺ "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
ولهذا كان الصواب أن قول من أدعى أنه منسوخ، أي أن القراءة خلف الإمام الذي يجهر منسوخة. قوله هذا ليس بصواب لأنه لا يمكن ادعاء النسخ مع إمكان الجمع، ومن المعلوم أنه إذا أمكن الجمع بطريق التخصيص فإنه لا يصار إلى النسخ.
٤٧٦ سئل فضيلة الشيخ: هل تصح الصلاة بدون قراءة الفاتحة؟ وهل يجوز للمأموم ترك قراءة سورة الفاتحة خلف الإمام؟ وهل يجوز للمنفرد والإمام ترك قراءة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الفريضة؟ وهل يجوز ترك الفاتحة في صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا السؤال أن الصلاة لا تصح بدون قراءة الفاتحة وذلك لقول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم
стр. 4909
يقرأ بفاتحة الكتاب". متفق عليه (١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁، ولقول النبي ﷺ : "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن، أو قال بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (٢) ، وخداج معناه الشيء الفاسد الذي لا نفع فيه، وهذا البيان من رسول الله ﷺ بيان للمجمل في قوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) . وعلى هذا فمن لم يقرأ بها فإنه لا صلاة له، وعليه إعادة الصلاة، فإن لم يفعل فإن ذمته لا تبرأ بذلك، وظاهر الأدلة وعمومها يدل على أنها ركن في حق الإمام والمأموم والمنفرد، وذلك لعدم التفصيل في هذا، ولو كان أحدهم يختلف عن الآخر لبينه النبي ﷺ .
وأما ما يذكر عن النبي ﷺ من قوله فيما ينسب إليه: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (٣) .
فإن هذا لا يصح عن النبي ﷺ ، ثم إن ظاهر الأدلة أنها تجب على المأموم حتى في الصلاة الجهرية وذلك لعدم التفصيل، ولأن أهل السنن رووا من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ صلى بهم صلاة الصبح، فلما انصرف سألهم من الذي يقرأ خلفه أو قال: "هل تقرأون خلف إمامكم؟ " قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٤) . فاستثنى النبي عليه
стр. 4910
الصلاة والسلام أم القرآن من النهي، مع أن الصلاة صلاة الفجر وهي صلاة جهرية، فدل هذا على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم حتى في الصلاة الجهرية، وفي هذه الحال يقرأ، ولو كان إمامه يقرأ فيكون هذا مخصصاً لعموم قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .
وأما قول السائل: هل يجوز ترك قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؟
فجوابه: أن صلاة الجنازة صلاة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فتدخل في عموم قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) ، فإذا صلى أحد على الجنازة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب فإن الصلاة لا تصح، ولا تبرأ بها الذمة، ولا تقوم بما يجب قيامه جهة أخينا الميت من حق، وقد ثبت في صحيح البخاري أن ابن عباس – ﵄ – قرأ سورة الفاتحة في صلاة الجنازة وقال: "لتعلموا أنها سنة أو ليعلموا أنها سنة" (٢) ، ومراده بالسنة هنا الطريقة، وليست السنة الاصطلاحية عند الفقهاء، وهي التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها؛ لأن السنة في عرف المتقدمين تطلق على طريقة النبي ﷺ سواء كانت واجبة أم مستحبة، كما في حديث أنس بن مالك – ﵁ – أنه قال (أي أنس) : "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً" (٣) والمراد بالسنة هنا السنة الواجبة.
...
стр. 4911
وعلى هذا فعلى المرء أن يتقي الله في نفسه، وأن يرجع فيما يتعبد به لله، أو يعامل به عباد الله إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ففيهما الكفاية، وفيهما الهدى والنور والشفاء.
٤٧٧ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم من ترك الفاتحة سهواً في بعض ركعات الصلاة؟ وما الحكم إذا أدرك الإمام راكعاً؟ وإذا تركها المصلي عمداً فما الحكم؟ وما الحكم في رجل صلى مع جماعة صلاة رباعية من أول الصلاة فلما سلم الإمام قام هذا الرجل وأتى بركعة خامسة فلما سأله الإمام قال: إنني في الركعة الثالثة لم أتمكن من قراءة الفاتحة فأتيت بهذه الركعة بدلاً عنها؟
فأجاب فضيلته بقوله: جواب المسألة الأولى: إذا ترك المأموم الفاتحة سهواً في بعض ركعات الصلاة، فإن قلنا، إنها سنة في حق المأموم كما هو المذهب فلا يعيد الركعة التي ترك منها الفاتحة، وإن قلنا، إنها ركن وهو الراجح وجبت إعادتها كما لو كان منفرداً أو إماماً.
وأما إذا أدرك الإمام راكعاً فإن قراءة الفاتحة تسقط عنه حينئذ؛ لأن محل قراءة الفاتحة القيام، وقد سقط عنه هنا من أجل متابعة الإمام فسقطت عنه الفاتحة لفوات محلها.
أما إذا تركها عمداً وهو إمام أو منفرد أو مأموم وقلنا بأنها ركن في حقه، فإنها تبطل الصلاة كلها لا الركعة فقط.
جواب المسألة الثانية: هذا صحيح، وخير من ذلك أنه لما
стр. 4912
قام وركع الإمام قبل أن يكمل قراءة الفاتحة أن يكمل الفاتحة ويتابع الإمام ولو رفع الإمام من الركوع.
٤٧٨ وسئل فضيلة الشيخ: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم في صلاة القيام والتهجد ؟ وهل تعتبر قراءة الإمام قراءة له؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح من أقوال أهل العلم أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، فإذا قال قائل: ما الدليل على قولك هذا؟
فالجواب: حديث عبادة بن الصامت: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) ، والنفي هنا للصحة.
وهناك قاعدة أصولية تقول: (إذا ورد النفي فالأصل أنه نفي للشيء بعينه، فإن لم يمكن ذلك فهو نفي للصحة، فإن لم يمكن ذلك فهي نفي للكمال) ، وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء، لكن التطبيق يختلف بناء على تحقيق المناط في هذه المسألة. ...
وحديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ليس فيه استثناء.
فإن قلت: هذا العموم معارض في القرآن بقوله: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فمادام أنني أقرأ فأنصت.
стр. 4913
فانصرف، فقال: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ " فقالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (١) .
وصلاة الفجر جهرية، إذن فهذا الحديث يرجع عموم قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، ويكون مخصصاً لقول الله : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) فيكون (وَإِذَا قُرِئَ) في غير الفاتحة، فالفاتحة لابد من قراءتها.
وبناء على هذا نقول: إن من صلى خلف الإمام في التراويح أو القيام، وجب عليه أن يقرأ الفاتحة ولو كان إمامه يقرأ.
وأما قول السائل: هل يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة؟
فجوابه: الصحيح أنه في الثلاثية والرباعية يقرأ في الركعتين الأوليين الفاتحة وسورة، وما بعد التشهد الأول يقتصر فيه على الفاتحة، ولا بأس في صلاة الظهر والعصر أن يزيد على الفاتحة أحياناً لا دائماً، فلو زاد على الفاتحة في الظهر والعصر في الثالثة والرابعة فإنه لا بأس به، والأفضل أن يكون الأكثر أن لا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة في الركعة التي بعد التشهد الأول. والله الموفق.
стр. 4914
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أشكركم على نشر العلم بين زملائكم، وأسأل الله تعالى أن يثيبكم على ذلك.
وأما ما ذكرتم من جهة قراءة الفاتحة فأفيدكم بأن العلماء مختلفون في وجوب قراءتها على المأموم.
فمن العلماء من قال لا تجب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقاً، لا في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية.
ومن العلماء من قال تجب قراءتها على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية.
ومن العلماء من قال تجب قراءتها على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، وهذا هو القول الراجح لعموم قول النبي ﵌: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". متفق عليه (١) ، وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال صلى رسول الله ﵌ الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرأون وراء إمامكم"، قالوا: أي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". رواه أبو داود
стр. 4915
والنسائي بمعناه (١) ، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، وهذا نص في أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة الفاتحة حتى في حق المأموم في الصلاة الجهرية، ولكنها تسقط عن المسبوق حين يدخل والإمام في الركوع، لحديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي ﵌ فقال: "زادك الله حرصاً ولا تعد". رواه البخاري (٢) ، ولم يأمره أن يقضي الركعة التي أدرك ركوعها ولم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فدل ذلك على أن الفاتحة تسقط عمن أدرك الإمام راكعاً، لأنه لم يدرك القيام الذي هو محل القراءة لكنها لا تسقط عنه في بقية الركعات.
كتب ذلك محمد الصالح العثيمين ليلة ١٧/٧/١٤١٥هـ.
стр. 4916
٤٧٩ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم التأمين خلف الإمام ؟
فأجاب بقوله: إذا كان المراد التأمين على قراءة الفاتحة فالتأمين على قراءة الفاتحة ثبت به النص، فقال النبي ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا"، وفي لفظ "إذا قرأ (ولا الضالين) فقولوا آمين" (١) ، والسنة فيه الجهر بالتأمين على الفاتحة، ومعنى "آمين" اللهم استجب، والله قال في الحديث القدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين) قال: مجدني عبدي، وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين، وإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخره قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (٢) . إذن يكون قول الإمام (اهدنا الصراط المستقيم) دعاء والمأموم مستمع فالمشروع في حقه أن يؤمن.
أما التأمين على دعاء القنوت فإنه أيضاً بالقياس على التأمين على قراءة الفاتحة يكون مشروعاً؛ لأن القانت يدعو لنفسه ولغيره، ولهذا جاء في الحديث "ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤم رجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم ... " (٣) . ...
стр. 4917
والمراد بالدعاء الدعاء الذي يؤمن عليه المأموم، فإن الإمام لا يخص به نفسه، أما الدعاء الذي لا يؤمن عليه المأموم فله أن يخص نفسه به، فيقول اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني.
٤٨٠ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الجهر بالتأمين؟ وهل ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التأمين سراً في الصلاة الجهرية؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجهر بالتأمين في الصلاة الجهرية سنة؛ لأنه تبع للقراءة، وقد وردت في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ : "أنه كان يجهر بهذا حتى إن المسجد يرتج من أصوات المأمومين بالجهر" (١) ؛ ولأن المأموم يؤمن على قراءة إمامه التي يجهر بها، فالدعاء مجهور به فناسب أن يكون التأمين مجهوراً به أيضاً، هذا من الناحية النظرية، ولكن مع هذا فلا ينبغي أن تكون هذه المسألة مثاراً للجدل، والحقد بين المسلمين، فإن ذلك ليس من طريق السلف الصالح، فالسلف الصالح يختلفون في أمور كهذه، ولا يضلل بعضهم بعضاً من أجل هذا، فإذا أمن الإنسان ورفع صوته بالتأمين في الصلاة الجهرية كان ذلك خيراً وأفضل.
стр. 4918
٤٨١ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم من يسخر بالذي يرفع يديه في صلاته، ويؤمن بجهر ، ويقرأ سورة الفاتحة خلف الإمام، ويصلي التراويح إحدى عشرة ركعة، وأن طلاق الثلاث واحدة، ويعامله معاملة عداوة، ولا يصلي خلفه، ويلقبه بأنه وهابي وأنه خارج عن أهل السنة والجماعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يسخر بمن يقوم بهذه الأعمال المشروعة لا يخلو من حالين:
إما أن يسخر به لكونه طبق الأمر المشروع، ولهذا على خطر عظيم؛ لأنه إذا سخر به من أجل اتباع المشروع كان ساخراً بالمشروع نفسه، والسخرية بشرع الله كفر – والعياذ بالله – كما قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) .
وأما إن كان يسخر به لسوء فهم عنده، ولعدم معرفة بالشرع عنده، فإنه لا يكفر، لكنه يكون قد أتى معصية حيث احتقر أخاه المسلم، وقد قال النبي ﷺ : "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (١) .
فتبين أن السخرية بمن يقوم بشرائع الله تنقسم إلى هذين القسمين:
إن سخر به من أجل تطبيق ما يراه شرعاً فهو كافر؛ لأن
стр. 4919
سخريته به سخرية بالشرع.
وإن سخر به معتقداً أنه ناقص الفهم، قليل العلم، حيث خالف رأي أئمة عنده، فهذا لا يكفر، لكنه يكون فاعلاً لمعصية عظيمة، عليه أن يتوب إلى الله ، ولا ينبغي أن يكون مثل هذا الخلاف سبباً للعداوة والبغضاء بين المسلمين، فإن هذه الأمور من الأمور الاجتهادية التي إذا بذل الإنسان فيها الجهد بقصد الوصول للحق من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ثم أخطأ فيها فإن له أجراً واحداً، وإن أصاب فإن له أجرين، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره عن رسول الله ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فحكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران" (١) .
وأما تلقيب من فعل هذه السنن وهذه الأمور المشروعة بأنه مبتدع، وأنه وهابي، وأنه خارج عن السنة والجماعة، فإن هذا منكر وذلك لأن الذي يفعل الأمور المشروعة التي ثبتت بها السنة أقرب إلى الحق ممن يعتمد على تقليد فلان وفلان ممن هم عرضة للخطأ، ومن العجب أن هؤلاء المقلدين يضللون من خالفهم في تقليدهم وهم يتناقضون، فإننا إذا أبحنا لمن يقلد واحداً من الأئمة الأربعة أن يقدح بمن يقلد الإمام الثاني، فإننا نبيح لمن يقلد الإمام أن يقدح بمن يقلدون الإمام الأول، وهكذا يعرف المسلمون كلهم لا يعرفون إلا بقدح بعضهم لبعض، ومثل هذا لا تأتي به الشريعة أبداً، وليس أبو حنيفة بأولى بالصواب من مالك، ولا مالك بأولى بالصواب من
стр. 4920
أبي حنيفة، ولا هذان بأولى بالصواب من الإمام أحمد، ولا الإمام أحمد بأولى بالصواب منهما ولا هؤلاء بأولى بالصواب من الشافعي، ولا الشافعي أولى بالصواب منهم، بل كلهم مجتهدون، والمصيب منهم من وافق الشريعة.
وأما قول السائل: بأن من فعل هذا كان وهابياً، فإني أبلغ السامعين جميعاً بأن الوهابية ليست مذهباً مستقلاً أو مذهباً خارجاً عن المذاهب الإسلامية، بل إنها حركة لتجديد ما اندثر من الحق، وخفي على كثير من الناس، فهم في عقيدتهم متبعون للسلف، وفي مذهبهم في الفروع مقلدون للإمام أحمد – ﵀ – ولا يعني ذلك أنه إذا تبين الصواب لا يدعون من قلدوه، بل هم إذا تبين لهم الصواب، ذهبوا إليه وإن كان مخالفاً لمن قلدوه؛ لأنهم يؤمنون بأن المقلد عرضة للخطأ، ولكن النصوص الشرعية ليس فيها خطأ.
وبهذا تبين أن هذه الدعوى التي يقصد بها التشويه لا حقيقة لها، وأن الوهابية ما هي إلا حركة لتجديد ما اندثر من علم السلف في شريعة الله ، وهي لا تخلو أن تكون دعوة سلفية محضة كما يعرف ذلك من تتبعها بعلم وإنصاف.
حرر في ٢٠/٤/١٤٠٧هـ.
٤٨٢ وسئل فضيلة الشيخ: إذا انتهى الإنسان من الفاتحة في الصلاة السرية هل يؤمن أم لا؟ وهل يجهر بالتأمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا انتهى من الفاتحة يقول: آمين في
стр. 4921
الصلاة السرية والجهرية، لكن لا يجهر بها في الصلاة السرية، ويجهر بها في الصلاة الجهرية.
٤٨٣ وسئل فضيلة الشيخ: كيف يمكننا الخشوع في الصلاة، وعند قراءة القرآن في الصلاة وخارجها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الخشوع هو لب الصلاة ومخها، ومعناه حضور القلب، وألا يتجول قلب المصلي يميناً وشمالاً، وإذا أحس الإنسان بشيء يصرفه عن الخشوع فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم كما أمر بذلك النبي ﷺ (١) ، ولا شك أن الشيطان حريص على إفساد جميع العبادات لاسيما الصلاة التي هي أفضل العبادات بعد الشهادتين، فيأتي المصلي ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا (٢) ، ويجعله يسترسل في الهواجس التي ليس منها فائدة والتي تزول عن رأسه بمجرد انتهائه من الصلاة.
فعلى الإنسان أن يحرص غاية الحرص على الإقبال على الله – – وإذا أحسن بشيء من هذه الهواجس والوساوس فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم سواء كان راكعاً، أو في التشهد، أو القعود، أو في غير ذلك من صلاته.
ومن أفضل الأسباب التي تعينه على الخشوع في صلاته أن يستحضر أنه واقف بين يدي الله وأنه يناجي ربه .
стр. 4922
٤٨٤ وسئل فضيلته الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: إني أصلي صلاة الظهر والعصر بصوت عالٍ حتى لا أخرج من جو الصلاة فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا غلط؛ لأن السنة في صلاة الظهر والعصر الإسرار، وكون الإنسان لا يخشع إلا بمخالفة السنة غلط. بل يمرن نفسه على موافقة السنة، ويحاول أن يخشع بقدر ما يستطيع.
٤٨٥ وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: عندما يصلي الإنسان لوحده في صلاة جهرية ، هل يجهر بالقراءة؟ أو هو مخير؟ وما حكم إقامة بعض الشباب صلاة التهجد جماعة في كل ليلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن الإنسان إذا صلى وحده في صلاة الليل فهو مخير بين أن يجهر بالقراءة، أو يسر بها، ولكن إذا كان معه أحد يصلي فلابد من الجهر، ودليل ذلك حديث حذيفة بن اليمان أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة، فقرأ النبي ﷺ وشرع في سورة البقرة، وكان لا تمر به آية رحمة إلا سأل، ولا آية عذاب إلا تعوذ، قال حذيفة: فظننت أنه يركع عند المائة آية فمضى حتى أتمها، ثم قرأ بعدها سورة النساء، وآل عمران ثم ركع (١) .
стр. 4923
وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يجهر بذلك، ولولا هذا ما علم حذيفة بما كان يقف له عند آية الرحمة، وآية العذاب، وآية تسبيح، وأنه كان ﷺ إذا مر بآية تسبيح سبح.
وهنا إشكالان في هذا الحديث:
الأول: هل تشرع صلاة التهجد جماعة أم لا؟
الجواب على هذا الإشكال أن يقال: لا تشرع صلاة التهجد على وجه الاستمرار، أما أحياناً فلا بأس، فإن النبي ﷺ صلى معه حذيفة بن اليمان كما في هذا الحديث، ومرة أخرى صلى معه العباس – ﵄ – ومرة ثالثة صلى معه عبد الله بن مسعود، ولكنه ﵊ لا يتخذ هذا دائماً، ولا يشرع ذلك إلا في أيام رمضان، فإذا كان أحياناً يصلي جماعة في التهجد فلا بأس، وهو من السنة.
وأما ما يفعله بعض الأخوة من الشباب الساكنين في مكان واحد من إقامة التهجد جماعة في كل ليلة هذا خلاف السنة.
الإشكال الثاني: في حديث حذيفة أن النبي ﷺ قرأ سورة النساء بعد سورة البقرة، ثم آل عمران، والذي بين أيدينا أن سورة آل عمران بعد البقرة، والنساء بعد آل عمران، فكيف يكون الأمر؟
الجواب: أن يقال استقر الأمر على أن تكون سورة آل عمران بعد البقرة، ولهذا تأتي الأحاديث في فضائل القرآن بجمع سورة البقرة وسورة آل عمران، لقوله ﷺ : "اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان، أو غمامتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما يوم
стр. 4924
القيامة" (١) . فكان الأمر على الترتيب الموجود الآن.
٤٨٦ وسئل فضيلة الشيخ: ما هي السكتات التي يسكتها الإمام في القراءة الجهرية ؟ وكذلك ما حكم قراءة الفاتحة خلف الإمام؟
فأجاب فضيلته بقوله: للاستفتاح، وهذه ثابتة في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال للنبي ﷺ : بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" (٢) .
والسكتة الثانية: بعد قراءة الفاتحة أخرجها أبو داود وغيره (٣) من أهل السنن، وقال الحافظ في الفتح إنها ثابتة، ولكنها سكتة
стр. 4925
ليست كما قاله بعض الفقهاء، إنها طويلة بحيث يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة بل هي سكتة يسيرة يتأمل الإمام فيها ما سيقرأ بعد الفاتحة، وينتظر شروع المأموم في قراءتها.
والسكتة الثالثة: وهي سكتة لا تكاد تذكر بعد القراءة التي بعد سورة الفاتحة قبل الركوع، لكنها سكتة يسيرة جداً ولهذا حذفت من بعض الأحاديث.
وأما قراءة المأموم خلف إمامه: فإن كان في صلاة سرية فإنه يقرأ الفاتحة وما تيسر حتى يركع الإمام، وإن كان في صلاة جهرية فإنه لابد من قراءة الفاتحة، ثم ينصت لقراءة إمامه لحديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ انصرف من صلاة الصبح فقال لهم: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم"، قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (١) ، وهذا القول هو مذهب الإمام الشافعي ﵀، وهو الذي يدل عليه حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرته آنفاً، إلا أن الفاتحة تسقط إذا جاء المأموم ودخل مع الإمام في حال لم يتمكن فيها من قراءة الفاتحة، كما لو أدرك الإمام راكعاً، أو أدركه قريباً من الركوع بحيث لم يتمكن من قراءة الفاتحة، فإنه في هذه الحال تسقط عنه لحديث أبي بكرة ﵁ حين دخل مع النبي ﷺ في الركوع واعتد بتلك الركعة ولم يأمره النبي ﷺ بقضائها حين قال له ﷺ : "زادك الله حرصاً ولا تعد" (٢) .
стр. 4926
٤٨٧ وسئل فضيلة الشيخ: يرى شيخ الإسلام ابن تيميه – ﵀ – أن قراءة الفاتحة لا تجب على المأموم في الصلاة الجهرية، ويميل إلى تضعيف حديث عبادة بن الصامت – ﵁ – "لعلكم تقرأون خلف إمامكم" فما تعليقكم على ذلك؟
فأجاب فضيلته: شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – كما قال السائل يرى أنها لا تجب على المأموم في الجهرية، ولا ريب أن شيخ الإسلام – ﵀ – له ثقله ولكلامه وزنه، ولكن فيما أرى أن الصواب مع الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – في هذه المسألة، والحديث وإن ضعفه شيخ الإسلام فقد صححه غيره، ويؤيده عموم الحديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب" وهو في الصحيحين (١) .
٤٨٨ وسئل فضيلة الشيخ: هناك بعض الأئمة يسكت سكتتين: سكتة قبل قراءة الفاتحة وسكتة بعد القراءة كلها فما هو تعليقكم على هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: تعليقي على هذا يفهم من جوابي الأول في موضع السكتات والذي ذكرته هو الأقرب، وفي بعض ألفاظ حديث سمرة بن جندب فإذا قال (ولا الضالين) (٢) .
стр. 4927
٤٨٩ وسئل فضيلة الشيخ: هل ورد أن النبي ﷺ يسكت بين الفاتحة والسورة بعدها؟
فأجاب فضيلته بقوله: السكتة بين قراءة الفاتحة وقراءة السورة لم ترد عن النبي ﷺ ، على حسب ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أن الإمام يسكت سكوتاً يتمكن به المأموم من قراءة الفاتحة، وإنما هو سكوت يسير يرتد به النفس من جهة، ويفتح الباب للمأموم من جهة أخرى، حتى يشرع في القراءة ويكمل ولو كان الإمام يقرأ، فهي سكتة يسيرة ليست طويلة.
٤٩٠ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم السكتة التي يفعلها بعض الأئمة بعد قراءة الفاتحة ؟ وهل يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية؟
فأجاب فضيلته بقوله: السكتة التي يسكتها الإمام بعد الفاتحة سكتة يسيرة، للتمييز بين قراءة الفاتحة التي هي ركن، وبين القراءة التي بعدها وهي نفل، ويشرع فيها المأموم في قراءة الفاتحة.
ويجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية لعموم قوله ﵊: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) . ولأن النبي ﷺ انصرف ذات يوم من صلاة الصبح فقال: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ " قالوا: نعم. قال: "لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ
стр. 4928
بها" (١) . وهذا نص في أن قراءة الفاتحة واجبة حتى في الصلاة الجهرية. والنفي هنا نفي للصحة ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ في حديث أبي هريرة: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج فهي خداج" (٢) . يعني فاسدة، فالنفي هنا نفي للصحة. و"من" في حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ.." اسم موصول، والاسم الموصول للعموم، في "لمن لم يقرأ" عام، يشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد، فإذا كانت الصلاة سرية فواضح أن المأموم سيقرأ، أما إذا كانت جهرية فهل يقرأ المأموم الفاتحة والإمام يقرأ؟ الجواب: نعم، ولكن لا يقرأ غيرها.
٤٩١ وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: إذا نسي المصلي قراءة سورة مع الفاتحة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي المصلي قراءة سورة مع الفاتحة فلا شيء عليه؛ لأن السورة التي بعد الفاتحة لا تجب قراءتها، فغاية أمره أن يكون قد ترك سنة، وترك السنة لا شيء فيه، ولا سجود عليه للسهو.
٤٩٢ سئل فضيلة الشيخ: هل يسن تطويل صلاة الفجر وخاصة القراءة ؟
...
стр. 4929
فأجاب فضيلته بقوله: نعم. السنة في صلاة الفجر أن تطول القراءة فيها وأن تكون من طوال المفصل وهي من (ق) إلى (عم) فيطيلها أي قراءتها، ويطيل كذلك الركوع والسجود أكثر من غيرها.
٤٩٣ سئل فضيلة الشيخ: كثير من الأئمة يداومون على قراءة بعض السور التي فيها سجدة وخاصة يوم الجمعة، هل ورد في ذلك شيء أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما قراءة السور التي فيها السجدة فلا بأس بها لقوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) .
أما قراءة السجدة في يوم الجمعة فالمشروع أن يقرأ الإنسان (آلم* تَنْزِيل) السجدة في الركعة الأولى، و (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَان) في الركعة الثانية، وليس المقصود بقراءة (آلم السجدة) السجدة التي فيه بل المقصود نفس السورة، فإن تيسر له أن يقرأ هذه السورة في الركعة الأولى، (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَان) في الثانية فهذا هو المطلوب والمشروع، وإلا فلا يتقصد أن يقرأ سورة فيها سجدة عوضاً عن آلم تنزيل السجدة.
٤٩٤ وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل فاتته ركعة من صلاة الفجر، هل يكمل جهراً أو سراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هو مخير، ولكن الأفضل أن يتمها
стр. 4930
سراً، لأنه قد يكون هناك أحد يقضي فيشوش عليه لو جهر.
٤٩٥ سئل فضيلة الشيخ: عن شخص له جدة حريصة على أداء الصلاة في وقتها، ولكن لتقدم سنها لا تقرأ قراءة صحيحة، فجميع الآيات تحرفها وذلك ليس من هواها، وأحياناً تقدم آية على آية، أو تحذف بعض الحروف، فكلما أراد أن يعلمها تأبى وتقول أنا أعرف، فتركها لعجزه عن إقناعها، فهل يأثم بذلك؟ وهل تأثم هي أيضاً؟ علماً بأنها ليس في سن الخرف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب عليه أن يعلم هذه المرأة باللطف واللين، وأنا أخشى أن قولها: أنا أعرف، وأنا أعلم أنها تقول ذلك؛ لأنه يؤذيها بالتوجيه والتعليم، فالواجب أن يعلمها باللطف، فيقول أذن الظهر مثلاً، ثم يقول صل الظهر، وإذا كانت تسنى كم صلت فليكن حولها حتى يعلمها أن هذه هي الركعة الأولى، وكذلك في الثانية والثالثة وهكذا.
ويتقي الله تعالى ما استطاع، وما عجز عنه فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
٤٩٦ وسئل فضيلة الشيخ: إذا فاتت الركعة الأولى أو الثانية مع الجماعة فهل يقرأ القاضي لصلاته سورة مع الفاتحة باعتبارها قضاء لما فاته أو يقتصر على قراءة الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن ما يقضيه المأموم من
стр. 4931
الصلاة بعد سلام إمامه هو آخر صلاته، وعلى هذا فلا يقرأ فيه إلا الفاتحة إذا كان الفائت ركعتين، أو ركعة في الرباعية أو ركعة في المغرب، أما الفجر فيقرأ الفاتحة وسورة؛ لأن كلتا الركعتين تقرأ فيهما الفاتحة وسورة.
٤٩٧ وسئل فضيلة الشيخ: إذا كان الإمام يصل القراءة بعد الفاتحة، فهل لي أن استمع إلى القراءة أو أقرأ الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإمام يصل القراءة بالفاتحة فاقرأ الفاتحة ولو كان يقرأ؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) . وفي حديث أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (٢) . وخداج يعني فاسدة، فقيل لأبي هريرة: "إذا كان الإمام يقرأ فكيف اقرأ"؟ قال: "اقرأ بها في نفسك".
فالإنسان إذا كان لم يقرأ، يقرأ في نفسه سراً، وفي السنن من حديث عبادة بن الصامت – ﵁ – أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه صلاة الصبح فلما انصرف، قال: "مالي أنازع القرآن، لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ " قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٣) .
стр. 4932
وعلى هذا فنقول: اقرأ القرآن ولو كان إمامك يقرأ، وإذا كانت السورة التي يقرأها الإمام قصيرة ولا تتمكن من قراءة الفاتحة فلا حرج أن تقرأها، ولو كان الإمام يقرأ الفاتحة.
٤٩٨ سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: ما حكم صلاة ركعتي سنة الفجر بالفاتحة في الركعتين بدون قراءة سورة أخرى مع الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج أن تقتصر على الفاتحة في ركعتي الفجر، لكن الأفضل أن تقرأ مع الفاتحة في الركعة الأولى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، وفي الركعة الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، أو في الأولى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) الآية في سورة البقرة، و (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) ، الآية في سورة آل عمران، فأحياناً بسورتي الإخلاص، وأحياناً بآية البقرة، وآية آل عمران.
٤٩٩ وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: عن رجل يصلي الفريضة قرا الفاتحة ثم ركع دون أن يقرأ سورة معها ناسياً فما حكم صلاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شيء عليه؛ لأن قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة ليس بواجب، وإنما هو سنة إذا أتى به الإنسان فهو أفضل، وإن لم يأت به فلا حرج عليه، ولا فرق في ذلك بين
стр. 4933
الصلاة الجهرية والسرية، وبين المأموم والإمام، والمأموم في الصلاة الجهرية لا يقرأ إلا الفاتحة فقط ثم يستمع لقراءة الإمام.
٥٠٠ وسئل فضيلة الشيخ: هل يجب تحريك اللسان بالقرآن في الصلاة أو يكفي بالقلب؟ وهل يجوز تكرار سورة واحدة بعد الفاتحة؟ وهل تجوز القراءة من أواسط السور في الركعة الأولى وفي الثانية بسورة قصيرة أو العكس؟
فأجاب فضيلته بقوله: القراءة لابد أن تكون باللسان فإذا قرأ الإنسان بقلبه في الصلاة فإن ذلك لا يجزئه، وكذلك أيضاً سائر الأذكار، لا تجزئ بالقلب، بل لابد أن يحرك الإنسان بها لسانه وشفتيه؛ لأنها أقوال، ولا تتحقق إلا بتحريك اللسان والشفتين.
ويجوز للإنسان أن يقرأ بعد الفاتحة سورتين، أو ثلاثاً، وله أن يقتصر على سورة واحدة، أو يقسم السورة إلى نصفين وكل ذلك جائز لعموم قوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل، الآية: ٢٠) ولقول النبي ﷺ : "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (١) .
والأولى أن يقرا الإنسان في صلاته ما ورد عن رسول الله ﷺ لأن المحافظة على ما كان يقرؤه رسول الله ﷺ أفضل، وأما مسألة الجواز فالأمر في هذا واسع والله الموفق.
ويجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الأولى من أواسط السور، وفي الركعة الثانية سورة قصيرة.
وأما أن يقرأ في الركعة الأولى سورة قصيرة وفي الركعة الثانية سورة أطول فهذا خلاف الأفضل؛ لأن هدي النبي ﷺ أن تكون القراءة في الركعة الأولى أطول منها في الركعة الثانية، إلا أن أهل العلم استثنوا ما إذا كان الفرق يسيراً، كما في سورة سبح والغاشية فإنه لا بأس به، فإن الرسول ﷺ كان يقرأ بسبح والغاشية في الجمعة والعيدين.
*
стр. 4934
صفة الركوع.
* صفة السجود.
* تقديم الركبتين على اليدين عند السجود.
* صفة الجلوس بين السجدتين.
стр. 4935
٥٠١ وسئل فضيلة الشيخ: جزاه الله تعالى خيراً -: عن حكم من ترك الركوع والطمأنينة عمداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الركوع ركن لابد منه، فمن لم يركع فإن صلاته باطلة، والطمأنينة في الأركان ركن لابد منه، فمن لم يطمئن لم يطمئن فيها، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع الرجل فصلى كما صلى أولاً، ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع الرجل فصلى كصلاته الأولى، ثم أتى فسلم على النبي ﷺ فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل"؛ وذلك لأنه كان لا يطمئن في صلاته.
فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي ﷺ : "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن رافعاً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (١) . فمن ترك الركوع، أو السجود، أو لم يطمئن في ذلك فلا صلاة له.
стр. 4936
٥٠٢ سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: قرأت في أحد الكتب عن كيفية صلاة النبي ﷺ بأن وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع بدعة ضلالة، فما الصواب جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله:
أولاً: أنا أتحرج من أن يكون مخالف السنة على وجه يسوغ فيه الاجتهاد مبتدعاً، فالذين يضعون أيديهم على صدورهم بعد الرفع من الركوع إنما يبنون قولهم هذا على دليل من السنة، فكوننا نقول: إن هذا مبتدع؛ لأنه خالف اجتهادنا، هذا ثقيل على الإنسان، ولا ينبغي للإنسان أن يطلق كلمة بدعة في مثل هذا؛ لأنه يؤدي إلى تبديع الناس بعضهم بعضاً في المسائل الاجتهادية التي يكون الحق فيها محتملاً في هذا القول أو ذاك، فيحصل به من الفرقة والتنافر ما لا يعلمه إلا الله.
فأقول: إن وصف من يضع يده بعد الركوع على صدره بأنه مبتدع، وأن عمله بدعة هذا ثقيل على الإنسان، ولا ينبغي أن يصف به إخوانه.
والصواب: أن وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع هو السنة، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن سهل بن سعد – ﵁ – قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (١) .
стр. 4937
ووجه الدلالة من الحديث: الاستقراء والتتبع؛ لأننا نقول: أي توضع اليد حال السجود؟.
فالجواب: على الأرض.
ونقول أين توضع حال الركوع؟
والجواب: على الركبتين.
ونقول أين توضع اليد حال الجلوس؟
والجواب: على الفخذين، فيبقى حال القيام قبل الركوع أو بعد الركوع داخلاً في قوله ﵁: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" فيكون الحديث دالاً على أن اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى في القيام قبل الركوع وبعد الركوع، وهذا هو الحق الذي تدل عليه سنة النبي ﷺ .
فصار الجواب على هذا السؤال مكوناً من فقرتين:
الفقرة الأولى: أنه لا ينبغي لنا أن نتساهل في إطلاق بدعة على عمل فيه مجال للاجتهاد.
الفقرة الثانية: أن الصواب أن وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الرفع من الركوع سنة وليس ببدعة، بدليل الحديث الذي ذكرناه وهو حديث سهل بن سعد – ﵁.
٥٠٣ وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: المروي عن النبي ﷺ أن طول ركوعه مثل أو مقارب لطول قيامه، وطول رفعه مقارب لركوعه، وطول سجوده مقارب لطول ركوعه، بمعنى أن طول
стр. 4938
الركوع أقصر قليلاً من القيام، والرفع من الركوع أقصر قليلاً من الركوع، والسجود أقصر قليلاً من الركوع فهل هذا صحيح؟
وإذا كانت السنة كذلك، فهل إذا قرأت بعد الفاتحة سورة الحجرات وسورة ق وسورة الملك وسورة القلم مثلاً، هل سيكون ركوعي قريباً من مدة هذا القيام؟ وماذا ستكون أذكار الرفع من الركوع، هل أقتصر على ذكر: ربنا ولك الحمد، ثم أكرر هذا الذكر عدة مرات إلى أن أتيقن أنه قارب زمن قيامي وطوله، أو أكرر ذكر: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه عدة مرات، أو أذكر أنواعاً أخرى خاصة بالرفع من الركوع وأجمعها في وقفة واحدة، وباختصار هل آتي بجميع أذكار الركوع، وأذكار الرفع منه، أو أقتصر على نوع واحد وأكرره حتى يكون ركوعي ورفعي منه متقارباً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال يشتمل على وهمين:
الوهم الأول: أنه ذكر أن الركوع أطول من القيام بعده، وأن القيام بعده أطول من السجود وهكذا. وهذا خطأ؛ فإن صلاة النبي ﷺ يكون الركوع والقيام منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين قريباً من السواء كما صح ذلك عنه ﷺ (١) ، فهذه الأركان الأربعة
стр. 4939
قريبة من السواء: الركوع والقيام منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، هذه قريبة من السواء وليست مقرونة بالقيام قبل الركوع، وهذا هو الوهم الثاني في سؤاله؛ حيث ظن أن القيام الذي قبل الركوع يكون مساوياً للركوع وليس الأمر كذلك؛ بل إن القيام قبل الركوع له سنة خاصة به ويكون أطول من الركوع.
والحاصل أننا نقول: إن من هدي الرسول ﷺ أن الركوع والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، أن هذه الأركان الأربعة متقاربة كما ثبت هذا عنه صلاة الله وسلامه عليه، وليست مساوية للقيام قبل الركوع، وحينئذ لا إشكال، ولكن إذا كان الرجل يطيل الركوع كما في صلاة الليل، فإنه ينبغي له أن يطيل القيام بعده بحيث يكون قريباً منه، وحينئذ يقول ما ورد في الحمد، "ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه (١) ملء السموات والأرض، وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد.." إلى آخر ما هو معروف.
ثم إن كان القيام يقصر عن الركوع، إما أن يكرر هذا الحمد مرة أخرى أو يأتي بما وردت به السنة أيضاً في هذا المقام، وكذلك في الجلوس بين السجدتين يدعو الله تعالى بما ورد، ثم يدعوه بما شاء من أدعية.
стр. 4940
٥٠٤ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الرفع من الركوع؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع سنة، كما دل على ذلك حديث سهل بن سعد – ﵁ – الذي رواه البخاري في صحيحه قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (١) ، فإذا تأملت هذا الحديث وهو أن الناس مأمورون بوضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى تبين لك: أن القيام بعد الركوع يشرع فيه هذا الفعل وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ لأن الحديث عام يخرج منه الركوع؛ لأن اليدين على الركبتين، ويخرج منه السجود؛ لأن اليدين على الأرض، ويخرج منه الجلوس؛ لأن اليدين على الفخذين أو على الركبتين، فيبقى ما عدا ذلك وهو: القيام قبل الركوع وبعد الركوع تكون اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى، إما على الذراع، وإما على الرسغ وهو المفصل الذي بين الكف وبين الذراع، والأفضل أن يكون وضعهما على الصدر؛ لأن حديث وائل بن حجر هو أحسن ما روى في ذلك، قال: "صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (٢) .