← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: عن حكم وضع مدخنة البخور، أمام المصلين في المسجد؟ فأجاب بقوله: لا حرج في ذلك، ولا يدخل هذا فيما ذكره بعض الفقهاء من كراهة استقبال النار، عللوا هذا بأنه يشبه المجوس في عبادتهم للنيران، فالمجوس لا يعبدون النار على هذا الوجه. وعلى هذا فلا حرج من وضع حامل البخور أمام المصلي، ولا من وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلي أيضاً لاسيما إذا كانت أمام المأمومين وحدهم دون الإمام. ٦٣٢ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضع المدفأة الكهربائية أمام المصلين أثناء تأديتهم للصلاة، وهل ورد في ذلك محذور شرعي؟ أثابكم الله ونفع المسلمين بكم وبعلمكم. فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن توضع الدفايات في قبلة المسجد أمام المصلين، ولا أعلم في ذلك محذوراً شرعياً. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١١/٨/١٤١٨هـ. ٦٣٣ سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: عن حديث "أمرت أن لا أكف ثوباً" هل هو صحيح؟ وما معناه؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث صحيح، والمراد أنه لا يكف الثوب في حال الصلاة، فإن الذي ينبغي للمصلي أن يبقي ثيابه

стр. 5112

على حالها، ولا يكفها رفعاً عن الأرض، ولا يكف أكمامه أيضاً؛ لأن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف شعراً، ولا ثوباً" (١) . والله أعلم. ٦٣٤ سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمصلي إذا مر في قراءة على ذكر الجنة والنار أن يسأل الله الجنة، ويتعوذ به من النار؟ وهل هناك فرق بين المأموم والمنفرد في ذلك. فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز ذلك، ولا فرق بين الإمام والمنفرد والمأموم، غير أن المأموم يشترط فيه أن لا يشغله ذلك عن الإنصات المأمور به. ٦٣٥ وسئل فضيلة الشيخ: ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة أنه صلى مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية وعيد إلا تعوذ، هل هذا في صلاة النافلة الجهرية والسرية؟ فأجاب فضيلته قائلاً : نعم ، ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة (٢) أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة.. ثم مضى وذكر

стр. 5113

تمام الحديث وفيه: "كان إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ" وهذا في صلاة الليل، لكن العلماء قالوا: إنه يجوز في الفريضة؛ لأن الأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، وما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل، لكن يعكر على هذا: أن الذين وصفوا صلاة النبي ﷺ لم يذكروا أنه يفعله في الفرض ولو كان يفعله لنقلوه، ولكن ليس هناك دليل على منعه في الفريضة لأن غاية ما فيه أنه دعاء وتسبيح وهذا لا ينافي الصلاة، ولا فرق في هذا بين الإمام والمنفرد، وإن كان في صلاة الجهر وأشغله فلينصت لإمامه إلا أن يسكت الإمام بحيث تمكن من ذلك فيكون حكمة كالإمام والمنفرد. ٦٣٦ وسئل فضيلته: هل يجوز للمصلي أن يحمد الله إذا عطس، ويتعوذ بالله إذا سمع نهيق الحمار؟ وهل هناك فرق في ذلك بين الفرض والنفل؟ فأجاب – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً – بقوله: أما حمده إذا عطس، وتعوذه عند سماع نهيق الحمار فهو جائز على اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه – ﵀ – ومكروه على المشهور من المذهب، والأصح اختيار شيخ الإسلام بالنسبة لحمده عند العطاس، أما بالنسبة لتعوذه عند سماع النهيق فالأولى أن لا يتعوذ، والفرق بينهما: أن الحمد عند العطاس جاءت به السنة، ولأنه

стр. 5114

مشروع بأمر يتعلق به نفسه، بخلاف نهيق الحمار فإنه لأمر خارج، ولا ينبغي أن يشغل نفسه بسماع ما هو خارج عن الصلاة. ولا فرق فيما تقدم بين الصلاة المكتوبة والنافلة. ٦٣٧ وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: إذا عطس المصلي هل يحمد الله ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم إذا عطس المصلي فإنه يقول: الحمد لله، كما صح ذلك في قصة معاوية بن الحكم ﵁ أنه دخل مع النبي ﷺ في صلاة فعطس رجل من القوم فقال: الحمد لله. فقال له معاوية: يرحمك الله. فرما الناس معاوية بأبصارهم منكرين عليه ما قال، فقال: واثكل أماه، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت، فلما انصرف من الصلاة دعاه النبي ﷺ قال معاوية: بأبي هو وأمي والله ما كهرني، ولا نهرني، وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن" (١) . ولم ينكر النبي ﷺ على العاطس الذي حمد الله؛ فدل ذلك على أن الإنسان إذا عطس في الصلاة حمد الله لوجود السبب القاضي بالحمد، ولكن لا يكون ذلك في كل ما يوجد سببه من الأذكار في الصلاة.

стр. 5115

٦٣٨ سئل فضيلة الشيخ: عن أركان الصلاة ؟ وحكم من ترك شيئاً منها؟ فأجاب فضيلته بقوله: من الأركان: الركن الأول: القيام مع القدرة: وهذا ركن في الفرض خاصة لقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: ٢٣٨) . ولقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١) . أما النافلة فتصح من القاعد وإن كان قادراً على القيام، لكن أجره نصف أجر القائم. الثاني من الأركان: تكبيرة الإحرام لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر" (٢) . ولابد أن يقول الله أكبر فلا يجزي أن يقول: الله أجل، أو الله أعظم وما أشبه ذلك، ولا يصح التكبير بمد هزة آل فلا يقول: "الله أكبر" لأنها تنقلب حينئذ استفهاماً، ولا يصح أن يمد الباء فيقول: "أكبار" لأنه حينئذ تكون جمعاً للكبر، والكبر هو الطبل فهو أكبار كأسباب جمع سبب وأكبار جمع كبر هكذا قال أهل العلم. وأما ما يقوله بعض الناس "الله وكبر" فيجعل الهمزة واواً، فهذا له مساغ في اللغة العربية فلا تبطل به الصلاة. ...

стр. 5116

الركن الثالث: قراءة الفاتحة لقول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) . ولكن إذا كان لا يعرفها فإنه يلزمه أن يتعلمها، فإن لم يتمكن من تعلمها قرأ ما يقوم مقامها من القرآن إن كان يعلمه، وإلا سبح الله وحمده وهلل. الركن الرابع: الركوع لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) ، ولقول النبي ﷺ للرجل الذي أساء في صلاته ولم يصلها على وجه التمام: "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً". الركن الخامس: الرفع من الركوع لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً". الركن السادس: السجود لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) . ولقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً". الركن السابع: الجلوس بين السجدتين لقول الرسول ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً". الركن الثامن: السجود الثاني لأنه لابد في كل ركعة من سجودين لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً". بعد قوله: "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً" (٢) . الركن التاسع: التشهد الأخير لقول ابن مسعود – ﵁: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" (٣) ، فدل هذا

стр. 5117

على أن التشهد فرض. الركن العاشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير على المشهور من مذهب الإمام أحمد – ﵀. الركن الحادي عشر: الترتيب بين الأركان فلو بدأ بالسجود قبل الركوع لم تصح صلاته؛ لأنه أخل بالترتيب، لقول النبي ﷺ في حديث المسيء في صلاته: "ثم اركع، ثم ارفع، ثم اسجد" إلخ فعلمه إياها مرتبة بـ "ثم". الثاني عشر: الطمأنينة في الأركان لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اركع حتى تطمئن، ثم ارفع حتى تطمئن، ثم اسجد حتى تطمئن" إلخ، والطمأنينة أن يسكن الإنسان في الركن حتى يرجع كل فقار إلى موضعه، قال العلماء: "وهي السكون وإن قل" فمن لم يطمئن في صلاته فلا صلاة له، ولو صلى ألف مرة، وبهذا نعرف خطأ ما نشاهده من كثير من المصلين من كونهم لا يطمئنون، ولاسيما في القيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، فإنك تراهم قبل أن يعتمد الإنسان قائماً إذا هو ساجد، وقبل أن يعتدل جالساً إذا هو ساجد، وهذا خطأ عظيم، فلو صلى الإنسان على هذا الوصف ألف صلاة لم تقبل منه؛ لأن النبي ﷺ قال للرجل الذي كان يخل بالطمأنينة فجاء فسلم على النبي ﷺ قال له النبي ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل"، وهذا يدل على أن من صلى صلاة أخل فيها بشيء من أركانها، أو واجباتها على وجه العمد فإنه لا صلاة له ولو كان جاهلاً في مسألة الأركان فإنه لا صلاة له. ...

стр. 5118

الركن الأخير وهو الثالث عشر: التسليم بأن يقول في منتهى صلاته السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، والصحيح أن التسليمتين كلتاهما ركن، وأنه لا يجوز أن يخل بواحدة منهما لا في الفرض ولا في النفل، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في الفرض والنافلة. وذهب آخرون إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في النافلة دون الفريضة فلابد فيها من التسليمتين. لكن الأحوط أن يسلم الإنسان التسليمتين كلتيهما. وإذا ترك الإنسان ركناً من هذه الأركان متعمداً فصلاته باطلة بمجرد تركه، أما إذا كان ناسياً فإنه يعود إليه، فلو نسي أن يركع ثم سجد حين أكمل قراءته، ثم ذكر وهو ساجد أنه لم يركع، فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع، ثم يكمل صلاته، ويجب عليه أن يرجع إلى الركن الذي تركه ما لم يصل إلى مكانه من الركعة الثانية فإن وصل إلى مكانه من الركعة الثانية، قامت الركعة الثانية مقام الركعة التي ترك الركن منها، فلو أنه لم يركع، ثم سجد وجلس بين السجدتين، وسجد الثانية، ثم ذكر فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع، ثم يستمر فيكمل صلاته، أما لو لم يذكر أنه لم يركع إلا بعد أن وصل إلى موضع الركوع من الركعة التالية، فإن الركعة هذه الثانية تقوم مقام الركعة التي ترك ركوعها، وهكذا لو نسى الإنسان السجدة الثانية ثم قام من السجدة الأولى، ولما قرأ ذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية ولم يجلس بين السجدتين، فيجب عليه حينئذ أن يرجع ويجلس بين

стр. 5119

السجدتين ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يكمل صلاته، بل لو لم يذكر أنه ترك السجدة الثانية والجلوس بين السجدتين إلا بعد أن ركع فإنه يجب عليه أن ينزل ويجلس، ويسجد ثم يستمر في صلاته. أما لو لم يذكر أنه ترك السجود من الركعة الأولى إلا بعد أن جلس بين السجدتين في الركعة الثانية فإن الركعة الثانية تقوم مقام الأولى وتكون هي ركعته الأولى. وفي كل هذه الأحوال يجب عليه أن يسجد سجود السهو لما حصل من الزيادة في الصلاة في هذه الأفعال، ويكون سجوده بعد السلام؛ لأن سجود السهو إذا كان سببه الزيادة فإن محله بعد السلام كما تدل على ذلك سنة الرسول ﷺ . ٦٣٩ وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -: ما قولكم حفظكم الله في رسم صور توضيحية لكيفية الصلاة، خصوصاً لبعض أفعال الصلاة التي قد لا تفهم بالشرح، وكذلك رسم بعض الأفعال الخاطئة مع توضيح الخطأ فيها، أفتونا جزاكم الله خيراً؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى بأساً برسم كيفية الصلاة بصور توضيحية بشرط أن لا تكون محرمة، لكن ترك ذلك أولى، ويكتفى بالتعليم العملي أمام الطالب.

стр. 5120

٦٤٠ وسئل فضيلته: ما حكم الصلاة بالبنطال؟ وما المقصود بأن النبي عليه الصلاة والسلام "نهى عن لبستين، ومنها أن يصلي في سروال ليس عليه شيء غيره" أخرجه ابن أبي شيبة جـ٨ ص٤٨٦؟ فأجاب فضيلة الشيخ قائلاً: الصلاة أعني صلاة الرجل بالبنطال لا بأس بها إذا تمكن من إقامة الصلاة من التجافي في موضعه، والاعتدال في السجود، والجلوس بشرط أن لا يكون ضيقاً يصف حجم البدن، ولعل الحديث المذكور في السؤال محمول على ذلك. ٦٤١ وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: صلى بنا الإمام، وفي الركعة الثانية تذكر أنه ليس على طهارة، فقطع صلاته وقدم المؤذن، وقال له: أعد الصلاة، فكبر وأعاد الصلاة من أولها، وعلى ذلك صلى الجماعة خمس ركعات؛ لأنهم صلوا مع الإمام ركعة ومع المؤذن أربع ركعات، إلا ثلاثة فقط صلوا الرباعية وخالفوا المؤذن، فجلسوا في الركعة الخامسة إلى أن سلم فسلموا معه، فما الحكم في هذه المسألة وفقكم الله تعالى؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل في هذه المسألة إذا تذكر الإمام أنه ليس على طهارة، أن يخلف من يصلي بهم بقية الصلاة

стр. 5121

بدون استئناف، فيقول مثلاً للمؤذن أو من ورائه ممن يمكن أن يصلي بالجماعة يقول: يا فلان تقدم أكمل الصلاة بهم ثم يكمل الصلاة بهم ويبني على ما فعل بهم الإمام الأول، إلا أنه في قراءة الفاتحة ينبغي أن يقرأها من أولها، ليكون الركن مبتدءاً من أوله هذا هو الأفضل. فإذا لم يفعل هذا وانصرف ولم يوكل أحداً يقوم مقامه، فللمأمومين أن يقدموا واحداً يقوم بهم، فإن لم يفعلوا أتموا فرادى، أما استئناف الصلاة فقد قال به بعض أهل العلم، لكن لا وجه له، لأن المأمومين معذورون، ولا يعلمون عن حدث الإمام، ولو علموا عن حدث الإمام ما صلوا وراءه، ولنبهوه قبل أن يصلي بهم. أما بالنسبة لهؤلاء الذين صلوا خمساً بناءاً على أن هذا هو الواجب عليهم، فليس عليهم شيء، ولا تلزمهم الإعادة، لأنهم معذورون بالجهل، ومجتهدون متأولون، وقد قال الله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) . والمتأول لاسيما الباني على أصل، ليس عليه شيء، ولهذا لم يأمر النبي ﵊ المرأة المستحاضة أن تقضي ما فاتها من الصلاة، بناء على أن الاستحاضة حيض، فليس عليهم شيء، لا إعادة، ولا حتى سجود سهو.

стр. 5122

٦٤٢ وسئل الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: عمن يصلي جالساً ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة جالساً إن كان عاجزاً عن القيام فلا حرج عليه، وإن كان قادراً لم تصح صلاته إلا أن يكون في تطوع غير فريضة. ٦٤٣ سئل فضيلة الشيخ: نأمل من فضيلتكم التكرم ببيان أركان الصلاة على وجه التفصيل ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأركان هي: الأعمال القولية، أو الفعلية التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولا تقوم إلا بها. فمن ذلك: القيام مع القدرة وهذا ركن في الفرض خاصة. ومن ذلك: تكبيرة الإحرام أن يقوم الإنسان عند الدخول في الصلاة "الله أكبر" ولا يمكن أن تنعقد الصلاة إلا بذلك، فلو نسى الإنسان تكبيرة الإحرام فصلاته غير صحيحة وغير منعقدة إطلاقاً؛ لأن تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها، قال النبي ﷺ لرجل علمه كيف يصلي قال: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر" (١) . فلابد من التكبير، وكان النبي ﷺ مداوماً على ذلك. ومن ذلك قراءة الفاتحة: فإن قراءة الفاتحة ركن لا تصح

стр. 5123

الصلاة إلا به لقوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن) . وهذا أمر مبهم، وقد بين النبي ﷺ هذا المبهم في قوله (مَا تَيَسَّرَ) بأنه الفاتحة فقال ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) . وقال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب أو بأم القرآن فهي خداج" (٢) . أي فاسدة غير صحيحة. فقراءة الفاتحة ركن على كل مصل: الإمام، والمأموم والمنفرد؛ لأن النصوص الواردة في ذلك عامة لم تستثن شيئاً، وإذا لم يستثن الله – تعالى – ورسوله ﷺ شيئاً فإن الواجب الحكم بالعموم؛ لأنه لو كان هناك مستثنى لبينه الله تعالى ورسوله ﷺ كما قال الله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) . ولم يرد عن النبي ﷺ حديث صحيح صريح في سقوط الفاتحة عن المأموم لا في السرية ولا في الجهرية. لكن الفرق بين السرية والجهرية: أن الجهرية لا تقرأ فيها إلا الفاتحة وتسكت وتسمع لقراءة إمامك. أما السرية فتقرأ الفاتحة وغيرها حتى يركع الإمام، لكن دلت السنة على أنه يستثنى من ذلك ما إذا جاء الإنسان والإمام راكع، فإنه إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه قراءة الفاتحة، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي بكرة – ﵁: أنه دخل والرسول ﷺ راكع في المسجد فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم

стр. 5124

دخل في الصف، فلما سلم النبي ﷺ قال: "أيكم الذي صنع هذا؟ " قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله قال: "زادك الله حرصاً ولا تعد" (١) ، فقال له: "زادك الله حرصاً ولا تعد" أي لا تعد لمثل هذا العمل فتركع قبل الدخول في الصف وتسرع، قال النبي ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار" (٢) . ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء الركعة التي أسرع لإدراكها، ولو كان لم يدركها لأمره الرسول ﷺ بقضائها؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه مبلغ والمبلغ يبلغ متى احتيج إلى التبليغ، فإذا كان الرسول ﵊ لم يقل له إنك لم تدرك الركعة علم أنه قد أدركها وفي هذا الحال تسقط عنه الفاتحة، وهناك تعليل مع الدليل وهو: أن الفاتحة إنما تجب مع القيام، والقيام في هذه الحال قد سقط من أجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط الذكر الواجب فيه. فصار الدليل والتعليل يدلان على أن من جاء والإمام راكع فإنه يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم ولا يقرأ، بل يركع مباشرة، ولكن إن كبر للركوع مرة ثانية فهو أفضل، وإن لم يكبر فلا حرج وتكفيه التكبيرة الأولى. ويجب أن يقرأ الإنسان الفاتحة وهو قائم، وأما ما يفعله بعض الناس إذا قام الإمام للركعة الثانية مثلاً تجده يجلس ولا يقوم

стр. 5125

مع الإمام وهو يقرأ الفاتحة فتجده يجلس إلى أن يصل نصف الفاتحة ثم يقوم وهو قادر على القيام. نقول لهذا الرجل: إن قراءتك للفاتحة غير صحيحة؛ لأن الفاتحة يجب أن تكون في حال القيام، وأنت قادر على القيام وقد قرأت بعضها وأنت قاعد، فلا تصح هذه القراءة. أما ما زاد على الفاتحة فهو سنة في الركعة الأولى والثانية، وأما في الركعة الثالثة في المغرب، أو في الثالثة والرابعة في الظهر والعصر والعشاء فليس بسنة، فالسنة الاقتصار فيما بعد الركعتين على الفاتحة، وإن قرأ أحياناً في العصر والظهر شيئاً زائداً على الفاتحة فلا بأس به، لكن الأصل الاقتصار على الفاتحة في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول إن كانت رباعية، أو الركعة الثالثة إن كانت ثلاثية. ومن أركان الصلاة: الركوع وهو الانحناء تعظيماً لله لأن تستحضر أنك واقف بين يدي الله فتنحني تعظيماً له . ولهذا قال الرسول ﵊: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" (١) . أي قولوا: "سبحان ربي العظيم"؛ لأن الركوع تعظيم بالفعل، وقول "سبحان ربي العظيم" تعظيم بالقول، فيجتمع التعظيمان، بالإضافة إلى التعظيم الأصلي وهو تعظيم القلب لله. فيجتمع في الركوع ثلاث تعظيمات:

стр. 5126

الأول: تعظيم القلب. الثاني: تعظيم الجوارح. الثالث: تعظيم اللسان. والواجب في الركوع الانحناء بحيث يتمكن الإنسان من مس ركبتيه بيديه، فالانحناء اليسير لا ينفع فلابد من أن تهصر ظهرك حتى تتمكن من مس ركبتيك بيديك. وقال بعض العلماء: إن الواجب أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام. والمؤدي متقارب، والمهم أنه لابد من هصر الظهر. ومما ينبغي في الركوع أن: يكون الإنسان مستوي الظهر لا محدوباً، وأن يكون رأسه محاذياً لظهره، وأن يضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع، وأن يجافي عضديه عن جنبيه ويقول سبحان ربي العظيم يكررها ويقول: "سبحانك اللهم وبحمد اللهم اغفر لي" (١) . ويقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (٢) . ومن أركان الصلاة: الرفع من الركوع لقوله ﵊: "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً" (٣) .

стр. 5127

ومن أركان الصلاة: السجود، قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) ، وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين" (١) . فالسجود لابد منه لأنه ركن لا تتم الصلاة إلا به. ويقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، وتأمل الحكمة أنك في الركوع تقول: "سبحان ربي العظيم"؛ لأن الهيئة هيئة تعظيم، وفي السجود تقول: "سبحان ربي الأعلى" لأن الهيئة هيئة نزول. فالإنسان نزل أعلى ما في جسده وهو الوجه إلى أسفل ما في جسده وهو القدمين، فترى في السجود أن الجبهة والقدمين في مكان واحد، وهذا غاية ما يكون من النزول، ولهذا تقول: "سبحان ربي الأعلى" أي أنزه ربي الأعلى الذي هو فوق كل شيء عن كل سفل ونزول، أما أنا فمنزل رأسي وأشرف أعضائي إلى محل القدمين ومداسها، فتقول سبحان ربي الأعلى تكررها ما شاء ثلاثاً، أو أكثر حسب الحال وتقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (٢) . وتقول: "سبوح قدوس ربك الملائكة والروح" (٣) وتكثر من الدعاء بما شئت من أمور الدين، ومن أمور

стр. 5128

الدنيا، لأن النبي ﷺ يقول: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (١) . وقال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء" (٢) . فأكثر من الدعاء بما شئت من سؤال الجنة، والتعوذ من النار، وسؤال علم نافع، وعمل صالح، وإيمان راسخ وهكذا، وما شئت من خير الدين والدنيا، لأن الدعاء عبادة ولو في أمور الدنيا قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) ، وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) . وعلى الإنسان أن لا يستبطئ الإجابة؛ لأن الله حكيم قد لا يجيب الدعوة بأول مرة، أو ثانية، أو ثالثة من أجل أن يعرف الناس شدة افتقارهم إلى الله، فيزدادوا دعاء، والله أحكم الحاكمين، حكمته بالغة لا نستطيع أن نصل إلى معرفتها، ولكن علينا أن نفعل ما أمرنا به من كثرة الدعاء. وصفة السجود أن يسجد على ركبتيه أولاً، ثم كفيه، ثم جبهته وأنفه. ولا يسجد على اليدين أولاً؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك فقال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك البعير" (٣) . وبروك البعير يكون على اليدين أولاً كما هو مشاهد، وإنما نهى الرسول عن ذلك لأن تشبه بني آدم بالحيوان، ولا سيما في

стр. 5129

الصلاة أمر غير مرغوب فيه، ولم يذكر الله تشبيه بني آدم بالحيوان إلا في مقام الذم، استمع إلى قول الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) (الأعراف: ١٧٥-١٧٦) ، وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ) (الجمعة: ٥) ، وقال الرسول ﷺ : "العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه" (١) ، وقال: "الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً" (٢) . فأنت ترى أن تشبيه بني آدم بالحيوان لم يكن إلا في مقام الذم، ولهذا نهى النبي ﷺ المصلي أن يبرك كما يبرك البعير فيقدم يديه، بل قدم الركبتين إلا إذا كان هناك عذر كرجل كبير يشق عليه أن ينزل على الركبتين أولاً فلا حرج، أو إنسان مريض، أو إنسان في ركبته أذى وما أشبه ذلك. ولابد أن يكون السجود على الأعضاء السبعة: الجبهة، والأنف والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين، كما قال الرسول ﵊: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على

стр. 5130

الجبهة وأشار بيده إلى أنفه، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين" (١) . ونسجد على الأعضاء السبعة في جميع السجود، فما دمنا ساجدين فلا يجوز أن نرفع شيئاً من هذه الأعضاء، بل لابد أن تبقى هذه الأعضاء مادمنا ساجدين. وفي حال السجود ينبغي للإنسان أن يضم قدميه بعضهما إلى بعض ولا يفرج. أما الركبتان فلم يرد فيهما شيء فتبقى على ما هي عليه. وأما اليدان فتكون على حذو المنكبين أي الكتفين، أو تقدمها قليلاً حتى تسجد بينهما، فلها صفتان كلتاهما وردتا عن الرسول ﵊. وينبغي أن تجافي عضديك عن جنبيك وأن ترفع ظهرك، إلا إذا كنت في الصف وخفت أن يتأذى جارك من مجافاة العضدين فلا تؤذي جارك؛ لأنه لا ينبغي أن تفعل سنة يتأذى بها أخوك المسلم وتشوش عليه. وقد رأيت بعض الأخوة الذين يحبون أن يطبقوا السنة يمتدون في حال السجود امتداداً طويلاً حتى تكاد تقول: إنهم مبطحون وهذا لا شك أنه خلاف السنة، وهذه الصفة كما أنها خلاف السنة ففيها إرهاق عظيم للبدن؛ لأن التحمل يكون على الجبهة والأنف في هذه الحال وتجد الإنسان يضجر من إطالة السجود. ...

стр. 5131

ففيها مخالفة السنة، وتعذيب البدن، فلهذا ينبغي أن يرشد من يفعل ذلك، وأن يبين له أن ذلك ليس بسنة. وينبغي في حال السجود أيضاً أن يكون الإنسان خاشعاً لله ، مستحضراً علو الله ، لأنك سوف تقول: "سبحان ربي الأعلى" أي تنزيهاً له بعلوه عن كل سفل ونزول، ونحن نعتقد بأن الله عال بذاته فوق جميع مخلوقاته كما قال الله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) . وإثبات علو الله في القرآن والسنة أكثر من أن يحصر. وقد تقدم الكلام على ذلك بحمد الله تعالى. ومن أركان الصلاة: الجلوس بين السجدتين، لقول النبي ﷺ : "ثم رافع حتى تطمئن جالساً". ومن أركان الصلاة: السجود الثاني؛ لأنه لابد في كل ركعة من سجودين. ومن الأركان: التشهد الأخير لقول ابن مسعود – ﵁: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" فدل هذا على أن التشهد فرض. ومن الأركان: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير على المشهور من مذهب الإمام أحمد – رحمه الله تعالى -. ومن الأركان: الترتيب بين الأركان، فلو بدأ بالسجود قبل الركوع لم تصح صلاته؛ لأنه أخل بالترتيب. ...

стр. 5132

ومن أركان الصلاة: الطمأنينة: أي الاستقرار والسكون في أركان الصلاة. يطمئن في القيام، وفي الركوع، وفي القيام بعد الركوع، وفي السجود وفي الجلوس بين السجدتين وفي بقية أركان الصلاة، وذلك لما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً جاء فدخل المسجد فصلى ثم سلم على النبي ﷺ فرد ﵇ وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" (١) أي لم تصل صلاة تجزئك، فرجع الرجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد عليه وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فرجع وصلى ولكنه كصلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي ﷺ عليه فرد عليه وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، وهذه هي الفائدة من كون النبي ﷺ لم يعلمه لأول مرة بل ردده حتى صلى ثلاث مرات من أجل أن يكون متشوقاً للعلم، مشتاقاً إليه حتى يأتيه العلم ويكون كالمطر النازل على أرض يابسة تقبل الماء، ولهذا أقسم بأنه لا يحسن غير هذا، وطلب من النبي ﷺ أن يعلمه، ومن المعلوم أن النبي ﷺ سيعلمه لكن فرق بين المطلوب والمجلوب، إذا كان هو الذي طلب أن يعلم صار أشد تمسكاً وحفظاً لما بلغ إليه، وتأمل قسمه بالذي بعث الرسول ﷺ بالحق، فقال: "والذي بعثك بالحق" ولم يقل والله. لأجل أن يكون معترفاً غاية الاعتراف بأنما يقوله النبي ﷺ حق.

стр. 5133

فقال له النبي ﵊: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء" أي توضأ وضوءً كاملاً "ثم استقبل القبلة فكبر" أي قل الله أكبر وهذه تكبيرة الإحرام "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وقد بينت السنة أنه لابد من قراءة الفاتحة "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" أي لا تسرع بل اطمئن واستقر "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً" أي إذا رفعت من الركوع اطمئن كما كنت في الركوع، ولهذا من السنة أن يكون الركوع والقيام من الركوع متساويين أو متقاربين "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" أي تطمئن وتستقر، "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً" وهذه الجلسة بين السجدتين "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" هذا هو السجود الثاني "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" أي افعل هذه الأركان: القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسجدة الثانية في جميع الصلاة. والشاهد من هذا قوله: "حتى تطمئن" وقوله فيما قبل: "إنك لم تصل". فدل هذا على أن من لا يطمئن في صلاته فلا صلاة له. ولا فرق في هذا بين الركوع، والقيام بعد الركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين كلها لابد أن يطمئن الإنسان فيها. قال بعض العلماء: إن الطمأنينة أن يستقر بقدر ما يقول الذكر الواجب في الركن، ففي الركوع بقدر ما تقول "سبحان ربي العظيم"، وفي السجود كذلك وهكذا، ولكن الذي يظهر من السنة أن الطمأنينة أمر فوق ذلك؛ لأن كون الطمأنينة بمقدار أن تقول "سبحان ربي العظيم" في الركوع لا يظهر أثر، لأن الإنسان إذا قال: "الله أكبر سبحان ربي العظيم" ثم يرفع أين الطمأنينة؟ ...

стр. 5134

الظاهر أنه لابد من استقرار بحيث يقال هذا الرجل مطمئناً، وعجباً لابن آدم كيف يلعب به الشيطان وهو واقف بين يدي الله ، يناجي الله، ويتقرب إليه بكلامه، وبالثناء عليه، وبالدعاء ثم كأنه ملحوق في صلاته كأنما كان عدواً لاحق له فتراه يهرب من الصلاة. أنت لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا يناجيك ويخاطبك لو بقيت معه ساعتين تكلمه لوجدت ذلك سهلاً، وتفرح أن هذا الملك يكلمك، فكيف وأنت تناجي ربك الذي خلقك، ورزقك، وأمدك، وأعدك، تناجيه وتهرب هذا الهروب. لكن الشيطان عدو للإنسان والعاقل الحازم المؤمن هو الذي يتخذ الشيطان عدواً كما قال الله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر: ٦) . فالواجب على الإنسان أن يطمئن في صلاته طمأنينة تظهر عليه في جميع أفعال الصلاة وكذلك أقوالها. ... ومن أركان الصلاة وهو الأخير: التسليم بأن يقول في منتهى صلاته: السلام عليكم ورحمة الله. والصحيح: أن التسليمتين كلتاهما ركن، ولا يجوز أن يخل بواحدة منهما لا في الفرض أو النفل. وذهب بعض العلماء: إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في الفرض والنافلة. ...

стр. 5135

وذهب بعض أهل العلم: إلى أن الركن التسليمة الأولى في النافلة فقط، دون الفريضة فلابد من التسليمتين. ٦٤٤ وسئل فضيلة الشيخ: لي أطفال لم يتجاوز أكبرهم ثلاثة أعوام، يقفون خلفي أثناء صلاتي بالمنزل، وذلك لأعلمهم كيفية الصلاة، ويكون ذلك بدون وضوء منهم، فهل يجوز ذلك؟ وماذا أفعل تجاه زوجتي التي تتهاون أحياناً في أداء الصلاة؟ فأجاب فضيلته بقوله: جواب الشق الأول من السؤال: أنه يجوز للإنسان أن يعلم أولاده الصلاة بالقول وبالفعل، ولهذا لما صنع المنبر للنبي ﷺ ، صعد عليه وجعل يصلي عليه، فإذا أراد السجود نزل وسجد على الأرض، ثم قال ﵊: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" (١) . وينبغي أيضاً أن يعلم هؤلاء الوضوء ماداموا يفقهون ويفهمون، لكن الذين في السن التي ذكرها السائل وهو أن أكبرهم له ثلاث سنوات لا أظنهم يعقلون كما ينبغي. والنبي ﵊ أمر أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع سنين، وأن نضربهم عليها لعشر (٢) . وأما جواب الشق الثاني وهو أن الزوجة لا تصلي: فإن الواجب على زوجها أن يأمرها بالصلاة ويؤدبها عليها، فإن أصرت

стр. 5136

إلا أن تدع الصلاة فإنها بذلك تكون كافرة والعياذ بالله، وحينئذ ينفسخ النكاح ولا تحل له مادامت قد تركت الصلاة لقول الله تعالى في المهاجرات: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن) (الممتحنة: ١٠) . فالمسلم لا يحل له أن يتزوج بكافرة مرتدة عن الإسلام، وإذا وقعت منها هذه الردة بعد النكاح فإن النكاح ينفسخ، ثم إن عادت إلى الإسلام قبل انتهاء العدة لهي زوجته وإلا فإنها تبين منه (١) . *

стр. 5137

رسائل في صفة الصلاة. * رسالة حول خمس مسائل.

стр. 5138

رسالة في صفة صلاة النبي ﷺ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه أجمعين، أما بعد: فنتكلم هذه الليلة عن صفة صلاة النبي ﷺ . أولاً: أعتقد أنك إذا قمت إلى الصلاة فإنما تقوم بين يدي الله ، الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، ويعلم ما توسوس به نفسك، وحينئذ حافظ على أن يكون قلبك مشغولاً بصلاتك، كما أن جسمك مشغولاً بصلاتك، جسمك متجه إلى القبلة، إلى الجهة التي أمرك الله ، فيكن قلبك أيضاً متجهاً إلى الله. أما أن يتجه الجسم إلى ما أمر الله بالتوجه إليه، ولكن القلب ضائع فهذا نقص كبير، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا غلب الوسواس – أي الهواجس – على أكثر الصلاة فإنها تبطل، والأمر شديد. فإذا أقبلت إلى الصلاة فاعتقد أنك مقبل إلى الله . وإذا وقفت تصلي فاعتقد أنك تناجي الله ، كما قال ذلك رسول الله ﷺ "إذا كان أحدكم في صلاة، فإنه يناجي ربه" (١) .

стр. 5139

وإذا وقفت في الصلاة فاعتقد أن الله قبل وجهك، ليس في الأرض التي أنت فيها، ولكنه قبل وجهك، وهو على عرشه ، وما ذلك على الله بعسير، لأن الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) في جميع صفاته، فهو فوق عرشه، وهو قبل وجه المصلي إذا صلى، وحينئذ تدخل وقلبك مملوء بتعظيم الله ، ومحبته، والتقرب إليه. فتكبر وتقول: "الله أكبر"، ومع هذا التكبير ترفع يديك إلى حذو منكبيك، أو إلى فروع أذنيك. والمنكب هو: الكتف وفروع الأذنين أعلاها، ثم تضع يدك اليمنى على يدك اليسرى، على الذراع كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد – ﵁ – قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (١) . ثم تخفض رأسك فلا ترفعه إلى السماء لأن النبي ﷺ نهى عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، واشتد قوله في ذلك حتى قال: "لينتهين – أي الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة – عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم" (٢) . ولهذا ذهب بعض من أهل العلم إلى تحريم رفع المصلي رأسه إلى السماء أو بصره إلى السماء، وهو قول وجيه جداً؛ لأنه لا

стр. 5140

وعيد على شيء إلا وهو محرم. فتخفض بصرك وتطأطيء رأسك، لكن كما قال العلماء: لا يضع ذقنه على صدره – أي لا يخفضه كثيراً – حتى يقع الذقن – وهو مجمع اللحيين – على الصدر بل يخفضه مع فاصل يسير عن صدره. أدعية الاستفتاح ويستفتح ويقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ، وهذا هو الاستفتاح الذي سأل أبو هريرة النبي ﷺ حين قال: يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... " إلى آخر الحديث، فذكر له الحديث (١) . وله أن يستفتح بغير ذلك وهو (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) (٢) . ويستفتح صلاة الليل بما كان الرسول ﷺ يستفتح به وهو (اللهم رب جبرائيل وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من

стр. 5141

تشاء إلى صراط مستقيم) (١) . ولكن لا يجمع بين هذه الاستفتاحات، بل يقول هذا مرة وهذا مرة، ليأتي بالسنة على جميع وجوهها. ثم يقول بعد الاستفتاح: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. ثم يقرأ الفاتحة، والفاتحة سبع آيات أولها (الحمد لله رب العالمين) ، وآخرها: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) . ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) ، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: (الرحمن الرحيم) ، قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: (مالك يوم الدين) ، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) ، قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم) ، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (٢) . فتبين بهذا الحديث أن أول الفاتحة: (الحمد لله رب العالمين) . أما البسملة فهي آية في كتاب الله، ولكنها ليست آية من كل سورة، بل هي آية مستقلة يؤتى بها في كل سورة سوى سورة براءة فإنها ليس فيها بسملة وليس فيها بدل، خلافاً لما يوجد في بعض المصاحف عند ابتداء براءة: "أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار،

стр. 5142

ومن غضب الجبار، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين"، وهذا خطأ ليس بصواب، فهي ليس فيها بسملة، وليس فيها شيء بديل عن البسملة. مسألة: حكم قراءة الفاتحة في الصلاة قال النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، ولم يعين ما يقرأ، فهل يجوز للإنسان أن يقرأ آية أو آيتين ثم يركع؟ الجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ قال: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (١) وبين في أحاديث أخرى أنه لابد من قراءة الفاتحة حيث قال ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (٢) . وفي حديث آخر قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (٣) ، والخداج الشيء الفاسد الذي لا ينفع. ولا تسقط الفاتحة إلا في صورة واحدة فقط وهي إذا جاء الإنسان إلى المسجد ووجد الإمام راكعاً فإنه في هذه الحال يكبر تكبيرة الإحرام ثم يركع، وتسقط عنه الفاتحة في هذه الصورة. فإذا قال قائل: ما الدليل؟ فالجواب: الدليل ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة – ﵁ – أنه دخل المسجد والنبي ﷺ راكع، فركع دون

стр. 5143

الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي ﷺ قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف"؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال له النبي ﷺ : "زادك الله حرصاً ولا تعد" (١) . ... فالشاهد قوله: "لا تعد" ولم يأمره النبي ﷺ أن يقضي الركعة التي أسرع إليها ليدرك ركوعها، ولو كان لم يدركها لبين له النبي ﷺ ذلك، لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة. وهذا القول هو مقتضى هذا الحديث من حيث الدلالة، كما أنه مقتضى النظر. لأن قراءة الفاتحة إنما تجب في حال القيام، والقيام في هذه الصورة قد سقط من أجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط ما وجب فيه وهو قراءة الفاتحة، هذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة. مسألة: إذا كان الإنسان مأموماً فهل يكتفي بقراءة الإمام؟ الجواب: في هذه المسألة خلاف بين العلماء، منهم من قال: إن قراءة الإمام تكفي عن قراءة المأموم مطلقاً في السرية والجهرية. ومنهم من قال: إنها لا تكفي عن قراءة المأموم لا في السرية ولا في الجهرية. ومنهم من قال: إنها تكفي عن قراءة المأموم في الجهرية دون السرية. ...

стр. 5144

والذي يظهر لي من الأدلة أن قراءة الإمام لا تسقط القراءة عن المأموم لا في السرية ولا في الجهرية، وأن الواجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية لعموم الأدلة الدالة على ذلك. فمنها: حديث عبادة بن الصامت ﵁: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) . وحديث أبي هريرة ﵁: "كل صلاة لا يقرا فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (٢) ، وهذا مطلق. ... فإن قال قائل: لماذا لا نختار القول الوسط في هذه المسألة؟ ونقول: إن الإمام يتحملها في الصلاة الجهرية لقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) . فإذا قرأ إمامي فأنا مأمور بالإنصات وقراءتي على خلاف هذا الأمر. فالجواب: أن هذا القول يجب المصير إليه لولا أن أهل السنن رووا من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه صلاة الفجر فلما انصرف قال: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم" قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٣) . وهذا الحديث نص في أن الإمام لا يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم في الصلاة الجهرية، ومادام الحديث قد دل على ذلك فإن

стр. 5145

الآية: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) تحمل على غير قراءة الفاتحة، وأن الإمام إذا كان يقرأ فإنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ سوى الفاتحة كالآيات أو السور التي يقرأها الإمام أو غيرها. ثم إذا انتهى من الفاتحة يقول: (آمين) لقوله ﷺ : "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه (١) . ومعناها: اللهم استجب، فهي اسم فعل أمر بمعنى استجب، ثم يقرأ بعد ذلك سورة ينبغي أن تكون في المغرب غالباً بقصار المفصل. ... وفي الفجر من طوال المفصل، وفي باقي الصلوات الخمس من أوساطه، والمفصل أوله (ق) وآخره (قل أعوذ برب الناس) وسمي مفصلاً لكثرة فواصله، وطوال المفصل من (ق) إلى (عم) ، وأوساطه من (عم) إلى (الضحى) ، وقصاره من (الضحى) إلى (الناس) ولا بأس بل من السنة أن يقرأ الإنسان أحياناً في المغرب بطوال المفصل فقد صح عن النبي ﷺ أن قرأ في المغرب بـ (الطور) و (المرسلات) (٢) .

стр. 5146

كيفية الركوع وبعد أن يقرأ السورة مع الفاتحة، ويرفع يديه مكبراً ليركع، فيرفع يديه إلى حذو منكبيه أو فروع أذنيه ثم يضع اليدين على الركبتين مفرجتي الأصابع، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويسوي ظهره برأسه ويهصر ظهره فلا يقوسه، قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك" (١) ويقول: (سبحان ربي العظيم) يكررها ثلاث مرات (٢) ، ويقول أيضاً: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) (٣) ويقول أيضاً: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) (٤) ، ويكثر من تعظيم الله في حال الركوع. ثم يرفع رأسه قائلاً: (سمع الله لمن حمده) رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ويضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في هذا القيام لقول سهل بن سعد: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (٥) ، وهذا

стр. 5147

عام يستثنى منه السجود، والجلوس، والركوع، لأن السجود توضع فيه اليد على الأرض، والجلوس على الفخذين، والركوع على الركبتين، فيبقى القيام الذي قبل الركوع والذي بعده داخلاً في عموم قوله: (في الصلاة) . ويقول بعد رفعه: (ربنا لك الحمد) ، أو (ربنا ولك الحمد) أو (اللهم ربنا لك الحمد) أو (اللهم ربنا ولك الحمد) ، فالصفات أربع مختلفة وهل يقولها في آن واحد؟ الجواب: يقول هذا مرة وهذا مرة. وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها: أن العبادات إذا وردت على وجوه متنوعة فإنها تفعل على هذه الوجوه، على هذا مرة وعلى هذا مرة. وفي ذلك ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: الإتيان بالسنة على جميع وجوهها. الفائدة الثانية: حفظ السنة، لأنه لو أهملت إحدى الصفتين لنسيت ولم تحفظ. الفائدة الثالثة: أن لا يكون فعل الإنسان لهذه السنة على سبيل العادة، لأن كثيراً من الناس إذا أخذ بسنة واحدة صار يفعلها على سبيل العادة ولا يستحضرها، لكن إذا كان يعود نفسه أن يقول هذا مرة وهذا مرة صار منتبهاً للسنة، قلنا بعد الرفع من الركوع يقول أحد هذه الوجوه، فمتى يقول ذلك؟ الجواب: يقول ذلك بعد أن يقوم؛ لأنه في حال القيام يقول: "سمع الله لمن حمده" إلا إذا كان مأموماً فإن المأموم لا يقول (سمع

стр. 5148

الله لمن حمده) ، لقول النبي ﷺ : "وإذا قال – أي الإمام – سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" (١) ويكون هذا في حال نهوضه من الركوع قبل أن يستتم قائماً، وبعد أن يقول (ربنا ولك الحمد) أو إحدى الصفات الأخرى، يقول (ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (٢) . كيفية السجود ثم يكبر للسجود بدون رفع اليدين، لقول ابن عمر: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" (٣) ، ويخر على الركبتين لا على يديه لقول النبي ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (٤) . والبعير عند بروكه يقدم اليدين فيخر البعير لوجهه، فنهى النبي ﷺ أن يخر الإنسان في سجوده على يديه؛ لأنه إذا فعل ذلك برك كما يبرك البعير. هذا ما يدل على الحديث خلافاً لمن قال: إنه يدل على أنك تقدم يديك ولا تخر على ركبتيك؛ لأن البعير عند البروك يخر على

стр. 5149

ركبتيه، لأن الرسول ﷺ لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) ؛ لأنه لو قال ذلك، قلنا: نعم، إذاً لا تبرك على الركبتين لأن البعير يبرك على ركبتيه لكنه قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير" فالنهي إذن عن الصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه الإنسان ويخر عليه، والأمر في هذا واضح جداً لمن تأمله، فلا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا وأن نقول: إن ركبتي البعير في يديه وإنه يبرك عليهما لأننا في غنى عن هذا الجدل، حيث إن النهي ظاهر في أنه نهي عن الصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه. ولهذا قال ابن القيم – ﵀ – في زاد المعاد: إن قوله في آخر الحديث: "وليضع يديه قبل ركبتيه" منقلب على الراوي؛ لأنه لا يتطابق مع أول الحديث، وإذا كان لا يتطابق مع أول الحديث فإننا نأخذ بالأصل لا بالمثال، فإن قوله: "وليضع يديه قبل ركبتيه" هذا على سبيل التمثيل والتفريغ، وحينئذ إذا أردنا أن نرده إلى أصل الحديث صار صوابه: "وليضع ركبتيه قبل يديه". فيخر على ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه، ويسجد على سبعة أعضاء، لقول النبي ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة – وأشار بيده إلى أنفه – ليبين أن الأنف من الجبهة، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين" (١) . فيسجد المصلي على هذه الأعضاء وينصب ذراعيه فلا يضعهما على الأرض (٢) ولا على ركبتيه بل ينصبهما ويجافي

стр. 5150

عضديه عن جنبيه (١) وبطنه عن فخذيه فيكون الظهر مرفوعاً ولا يمد ظهره – كما يفعله بعض الناس تجده يمد ظهره ويبالغ فيه، فلا يمد الظهر بل يرفع حتى يتجافى عن الفخذين ولهذا قال النبي ﷺ "اعتدلوا في السجود" (٢) . وهذا الامتداد الذي يفعله بعض الناس في السجود يظن أنه السنة، فهو مخالف للسنة وفيه مشقة على الإنسان شديدة؛ لأنه إذا امتد تحمل ثقل البدن على الجبهة، وتأثرت رقبته وشق ذلك عليه كثيراً وعلى كل حال فهذا ليس هو السنة. أذكار السجود وفي حال السجود يقول: "سبحان ربي الأعلى" (٣) يقولها ثلاث مرات: ... ويقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" ويقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (٤) .
следующие страницы →