← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

كيفية الركوع وبعد أن يقرأ السورة مع الفاتحة، ويرفع يديه مكبراً ليركع، فيرفع يديه إلى حذو منكبيه أو فروع أذنيه ثم يضع اليدين على الركبتين مفرجتي الأصابع، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويسوي ظهره برأسه ويهصر ظهره فلا يقوسه، قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك" (١) ويقول: (سبحان ربي العظيم) يكررها ثلاث مرات (٢) ، ويقول أيضاً: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) (٣) ويقول أيضاً: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) (٤) ، ويكثر من تعظيم الله في حال الركوع. ثم يرفع رأسه قائلاً: (سمع الله لمن حمده) رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ويضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في هذا القيام لقول سهل بن سعد: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (٥) ، وهذا

стр. 5147

عام يستثنى منه السجود، والجلوس، والركوع، لأن السجود توضع فيه اليد على الأرض، والجلوس على الفخذين، والركوع على الركبتين، فيبقى القيام الذي قبل الركوع والذي بعده داخلاً في عموم قوله: (في الصلاة) . ويقول بعد رفعه: (ربنا لك الحمد) ، أو (ربنا ولك الحمد) أو (اللهم ربنا لك الحمد) أو (اللهم ربنا ولك الحمد) ، فالصفات أربع مختلفة وهل يقولها في آن واحد؟ الجواب: يقول هذا مرة وهذا مرة. وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها: أن العبادات إذا وردت على وجوه متنوعة فإنها تفعل على هذه الوجوه، على هذا مرة وعلى هذا مرة. وفي ذلك ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: الإتيان بالسنة على جميع وجوهها. الفائدة الثانية: حفظ السنة، لأنه لو أهملت إحدى الصفتين لنسيت ولم تحفظ. الفائدة الثالثة: أن لا يكون فعل الإنسان لهذه السنة على سبيل العادة، لأن كثيراً من الناس إذا أخذ بسنة واحدة صار يفعلها على سبيل العادة ولا يستحضرها، لكن إذا كان يعود نفسه أن يقول هذا مرة وهذا مرة صار منتبهاً للسنة، قلنا بعد الرفع من الركوع يقول أحد هذه الوجوه، فمتى يقول ذلك؟ الجواب: يقول ذلك بعد أن يقوم؛ لأنه في حال القيام يقول: "سمع الله لمن حمده" إلا إذا كان مأموماً فإن المأموم لا يقول (سمع

стр. 5148

الله لمن حمده) ، لقول النبي ﷺ : "وإذا قال – أي الإمام – سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" (١) ويكون هذا في حال نهوضه من الركوع قبل أن يستتم قائماً، وبعد أن يقول (ربنا ولك الحمد) أو إحدى الصفات الأخرى، يقول (ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (٢) . كيفية السجود ثم يكبر للسجود بدون رفع اليدين، لقول ابن عمر: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" (٣) ، ويخر على الركبتين لا على يديه لقول النبي ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (٤) . والبعير عند بروكه يقدم اليدين فيخر البعير لوجهه، فنهى النبي ﷺ أن يخر الإنسان في سجوده على يديه؛ لأنه إذا فعل ذلك برك كما يبرك البعير. هذا ما يدل على الحديث خلافاً لمن قال: إنه يدل على أنك تقدم يديك ولا تخر على ركبتيك؛ لأن البعير عند البروك يخر على

стр. 5149

ركبتيه، لأن الرسول ﷺ لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) ؛ لأنه لو قال ذلك، قلنا: نعم، إذاً لا تبرك على الركبتين لأن البعير يبرك على ركبتيه لكنه قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير" فالنهي إذن عن الصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه الإنسان ويخر عليه، والأمر في هذا واضح جداً لمن تأمله، فلا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا وأن نقول: إن ركبتي البعير في يديه وإنه يبرك عليهما لأننا في غنى عن هذا الجدل، حيث إن النهي ظاهر في أنه نهي عن الصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه. ولهذا قال ابن القيم – ﵀ – في زاد المعاد: إن قوله في آخر الحديث: "وليضع يديه قبل ركبتيه" منقلب على الراوي؛ لأنه لا يتطابق مع أول الحديث، وإذا كان لا يتطابق مع أول الحديث فإننا نأخذ بالأصل لا بالمثال، فإن قوله: "وليضع يديه قبل ركبتيه" هذا على سبيل التمثيل والتفريغ، وحينئذ إذا أردنا أن نرده إلى أصل الحديث صار صوابه: "وليضع ركبتيه قبل يديه". فيخر على ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه، ويسجد على سبعة أعضاء، لقول النبي ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة – وأشار بيده إلى أنفه – ليبين أن الأنف من الجبهة، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين" (١) . فيسجد المصلي على هذه الأعضاء وينصب ذراعيه فلا يضعهما على الأرض (٢) ولا على ركبتيه بل ينصبهما ويجافي

стр. 5150

عضديه عن جنبيه (١) وبطنه عن فخذيه فيكون الظهر مرفوعاً ولا يمد ظهره – كما يفعله بعض الناس تجده يمد ظهره ويبالغ فيه، فلا يمد الظهر بل يرفع حتى يتجافى عن الفخذين ولهذا قال النبي ﷺ "اعتدلوا في السجود" (٢) . وهذا الامتداد الذي يفعله بعض الناس في السجود يظن أنه السنة، فهو مخالف للسنة وفيه مشقة على الإنسان شديدة؛ لأنه إذا امتد تحمل ثقل البدن على الجبهة، وتأثرت رقبته وشق ذلك عليه كثيراً وعلى كل حال فهذا ليس هو السنة. أذكار السجود وفي حال السجود يقول: "سبحان ربي الأعلى" (٣) يقولها ثلاث مرات: ... ويقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" ويقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (٤) .

стр. 5151

ويكثر في السجود من الدعاء لقول النبي ﷺ : "ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (١) . أي حري أن يستجاب لكم. لماذا كان حرياً أن يستجاب لنا؟ الجواب: لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد كما قال النبي ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٢) . ولكن لاحظ إذا كنت مع الإمام فالمشروع في حقك متابعة الإمام، لا تمكث في السجود لتدعو لأن الرسول ﷺ يقول: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر ... " إلى أخر الحديث (٣) . فأمرنا أن نتابع الإمام وأن لا نتأخر عنه. الرفع من السجود ثم ينهض من السجود مكبراً ويجلس بين السجدتين، مفترشاً، والافتراش هو: أن يجعل الرجل اليسرى فراشاً له وينصب الرجل اليمنى من الجانب الأيمن، هذا هو الافتراش. أما اليدان فيضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى أو على رأس

стр. 5152

الركبة، واليد اليسرى على الفخذ اليسرى، أو يلقمها الركبة كلتاها صفتان واردتان عن النبي ﷺ ، لكن اليد اليمنى يضم منها الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام أو تحلق الإبهام مع الوسطى، وأما السبابة فإنها تبقى مفتوحة غير مضمومة ويحركها عند الدعاء فقط لا تحريكاً دائماً ولا سكوناً دائماً ولكن يحركها يدعو بها، فمثلاً إذا قال: رب اغفر لي يحركها، وارحمني يحركها، واجبرني يحركها، وعند كل جملة دعائية يحركها (١) . أما اليد اليسرى فإنها مبسوطة على الفخذ أو ملقمة الركبة – ولم يرد عن النبي ﷺ فيما أعلم أن اليد اليمنى تكون مبسوطة لا بين السجدتين ولا في التشهدين بل في سياق حديث وائل بن حجر – ﵁ – عند الإمام أحمد النص على أن هذه حال اليد اليمنى بين السجدتين وعليه مشى في زاد المعاد (٢) ، وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر – ﵄: "كان إذا قعد في الصلاة". وفي بعضها: إذا قعد في التشهد (٣) ، وتقييد ذلك بالتشهد لا يعني أنه لا يعم جميع جلسات الصلاة. لأن الراجح من أقوال الأصوليين أنه إذا ذكر العموم، ثم ذكر بعض أفراده بحكم يطابقه فإن ذلك لا يقتضي التخصيص، كما نص على هذا أهل الأصول، وهذا هو قول جمهورهم.

стр. 5153

الأذكار بين السجدتين وفي هذا الجلوس يقول: "اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني" (١) ، سواء كان إماماً، أو مأموماً، أو منفرداً. هل الإمام يقول رب اغفر لي؟ الجواب: نعم. فإن قال قائل: كيف يفرد الإمام الضمير وقد روي عن النبي ﷺ في الرجل إذا كان إماماً وخص نفسه بالدعاء فقد خان المأمومين (٢) ؟ والجواب: نقول هذا في دعاء يؤمن عليه المأمومون، فإن الإمام إذا أفرده يكون قد خان المأمومين، مثل دعاء القنوت علمه النبي ﷺ الحسن بن علي – ﵁ – بصيغة الإفراد: اللهم اهدني فيمن هديت (٣) ، فلو قال الإمام: اللهم اهدني فيمن هديت لكان هذا خيانة؛ لأن المأموم سيقول: آمين. والإمام دعا لنفسه وترك المأمومين إذاً فلابد أن يقول: اللهم اهدنا فيمن هديت فلا

стр. 5154

يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين في دعاء يؤمن عليه المأموم. لو قال قائل: دع الإمام يقول: اللهم اهدني فيمن هديت ونقول للمأموم: قل: وأنا مثلك هل يصلح أم لا؟ الجواب: لا يصلح، لأن المشروع في حق المأموم أن يقول: آمين إذاً لابد من صيغة تكون شاملة للإمام والمأموم. ثم يسجد السجدة الثانية وكيفية السجود الثاني كالأول ويقال فيه ما يقال في السجود الأول. جلسة الاستراحة ثم ينهض إلى الركعة الثانية مكبراً معتمداً على ركبتيه قائماً بدون جلوس، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀. وقيل: بل يجلس ثم يقوم معتمداً على يديه كما هو المشهور من مذهب الشافعي، وهذه الجلسة مشهورة عند العلماء بجلسة الاستراحة، وقد اختلف العلماء – ﵏ – في مشروعيتها. * فمنهم من يرى أنها مستحبة مطلقاً. * ومنهم من يرى أنها غير مستحبة مطلقاً. * ومنهم من يفصل ويقول: إن احتجت إليها لضعف أو كبر أو مرض أو ما أشبه ذلك فإنك تجلس ثم تنهض، وأما إذا لم تحتج إليها فلا تجلس، واستدل لذلك بأن هذه الجلسة ليس لها داء، وليس لها تكبير عند الانتقال منها بل التكبير واحد من السجود إلى القيام. فلما لم يكن لها تكبير قبلها ولا بعدها، وليس فيها ذكر دل على أنها

стр. 5155

غير مقصودة في ذاتها، لأن كل مقصود في ذاته في الصلاة لابد فيه من ذكر مشروع وتكبير سابق وتكبير لاحق. وقالوا أيضاً في حديث مالك بن الحويرث (١) أنه ﷺ يعتمد على يديه، والاعتماد على اليدين لا يكون غالباً إلا من حاجة وثقل بالجسم لا يتمكن معه من النهوض بدون اعتماد. فلهذا نقول: إن احتجت إليها فلا تكلف نفسك في النهوض من السجود إلى القيام مباشرة، وإن لم تحتج فالأولى أن تنهض من السجود إلى القيام مباشرة. وهذا هو ما اختاره صاحب المغني ابن قدامة المعروف بالموفق – ﵀ – وهو اختيار ابن القيم – ﵀ – في زاد المعاد (٢) . ويقول صاحب المغني: إن هذا هو الذي تجتمع فيه الأدلة التي فيها إثبات هذه الجلسة ونفيها. والتفصيل هذا عندي أرجح من الإطلاق وإن كان رجحانه عندي ليس بذاك الرجحان القوي. فالمراتب عندي ثلاث: أولاً: مشروعية هذه الجلسة عند الحاجة إليها وهذا لا إشكال فيه. يليه ثانياً: مشروعيتها مطلقاً وليس بعيداً عنه في الرجحان. ثالثاً: أنها لا تشرع مطلقاً وهذا عندي ضعيف لأن الأحاديث

стр. 5156

فيها ثابتة، لكن هل هي ثابتة عند الحاجة أو مطلقاً.. هذا هو محل البحث. والذي يترجح عندي يسيراً أنها تشرع للحاجة فقط. ثم في الركعة الثانية يفعل كما يفعل في الركعة الأولى، لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" متفق عليه. إلا الاستفتاح فلا يستفتح، قال ابن القيم – ﵀ – في الزاد: وكان رسول الله ﷺ يصلي الثانية كالأولى سواء إلا في أربعة أشياء: السكوت، والاستفتاح، وتكبيرة الإحرام، وتطويلها أي القراءة، وأما التعوذ ففيه خلاف بين العلماء. * منهم من يرى أنه يتعوذ في كل ركعة. * ومنهم من يرى أنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى. فإذا صلى الركعة الثانية جلس للتشهد. كيفية الجلوس للتشهد الأول يجلس للتشهد كجلوسه بين السجدتين في كيفية الرجلين وفي كيفية اليدين ويقرأ التشهد. التشهد الأول: التشهد ورد على صفات متعددة وقولنا فيه كقولنا في دعاء الاستفتاح، أي أن الإنسان ينبغي له أن يقول مرة تشهد ابن عباس (١) ، ولفظه: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله،

стр. 5157

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله". رواه مسلم. ومرة تشهد ابن مسعود ولفظه: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". متفق عليه، ومرة بما ورد عن النبي ﷺ من غير هاتين الصفتين. فيقول: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (١) . فإن كان في ثنائية أتم التشهد، وإن كان في ثلاثية أو رباعية قام بعد التشهد الأول وصلى بقية الصلاة، وتكون الصلاة بعد هذا التشهد بالفاتحة فقط لا يقرأ مع الفاتحة سورة أخرى، وإن قرأ أحياناً فلا بأس لوروده في ظاهر حديث أبي سعيد الخدري – ﵁ (٢) . ويرفع يديه إذا قام من هذا التشهد إلى حذو منكبيه أو على فروع أذنيه.

стр. 5158

التشهد الثاني: ثم يجلس للتشهد الثاني، وهذا التشهد يختلف عن التشهد الأول في كيفية الجلوس؛ لأنه يجلس متوركاً، والتورك له ثلاث صفات: الصفة الأولى: أن ينصب الرجل اليمنى ويخرج الرجل اليسرى من تحت الساق ويجلس بأليتيه على الأرض (١) . الصفة الثانية: أن يفرش رجليه جميعاً ويخرجهما من الجانب الأيمن وتكون الرجل اليسرى تحت الساق اليمنى (٢) . الصفة الثالثة: أن يفرش الرجل اليمنى ويجعل الرجل اليسرى بين الفخذ والساق (٣) . فهذه ثلاث صفات للتورك ينبغي له أن يفعل هذا تارة، وأن يفعل هذا تارة أخرى. ثم يقرأ التشهد الأخير ويضيف على ما قاله في التشهد الأول: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (٤) .

стр. 5159

ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال (١) . والتعوذ بالله من هذه الأربع في التشهد الأخير أمر به النبي ﷺ كما ثبت ذلك في صحيح مسلم. وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب التعوذ من هذه الأربع في التشهد الأخير. وقالوا: لأن النبي ﷺ أمر بها. وكثير من الناس اليوم لا يبالي بها، تجده إذا صلى على النبي ﷺ سلم، مع أن الرسول ﷺ أمر بأن يستعيذ بالله من هذه الأربع. وكان طاووس – ﵀ – وهو من التابعين يأمر من لم يتعوذ بالله من هذه الأربع أن يعيد الصلاة كما أمر ابنه بذلك. فالذي ينبغي لك أن لا تدع التعوذ بالله من هذه الأربع لما في النجاة منها من السعادة في الدنيا والآخرة. ثم يدعو بما أحب من خير الدنيا والآخرة. السلام ثم تسلم عن يمينك السلام عليكم ورحمة الله، وعن يسارك السلام عليكم ورحمة الله، وبهذا تنتهي الصلاة.

стр. 5160

أفضلية الدعاء في الصلاة وينبغي للإنسان إذا كان يحب أن يدعو الله أن يجعل الدعاء قبل أن يسلم، يعني بعد أن يكمل التشهد وما أمر به النبي صلى الله عليه سلم من التعوذ يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة. مسألة: هل يصح أن يدعو بشيء يتعلق بالدنيا؟ فيقول مثلاً: اللهم ارزقني زوجة صالحة، أو داراً واسعة أو ما أشبه ذلك؟ والجواب: نعم يصح؛ لأن الرسول ﷺ قال في حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" (١) . والإنسان مفتقر إلى ربه في حوائج دينه ودنياه. ومن قال من أهل العلم إنه لا يدعو بأمر يتعلق بالدنيا، فقوله ضعيف؛ لأنه يخالف عموم قول الرسول ﷺ : "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء". فأنت إذا كنت تريد الدعاء فادع الله قبل أن تسلم. وبهذا نعرف أن ما اعتاده كثير من الناس اليوم كلما سلم من التطوع ذهب يدعو الله حتى يجعله من الأمور الراتبة والسنن اللازمة لهذا أمر لا دليل عليه، والسنة إنما جاءت بالدعاء قبل السلام.

стр. 5161

فصل في التسبيح خلف الصلوات التسبيح أدبار الصلوات قال رسول الله ﷺ فيه: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، محيت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (١) . والأذكار خلف الصلوات (٢) وردت على أنواع متنوعة منها (سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، فيكون المجموع تسعة وتسعين، وتختم بالمائة بوحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) . ومنها سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ثلاثاً وثلاثين، الحمد لله، الحمد لله، ثلاثاً وثلاثين، الله أكبر، الله أكبر أربعاً وثلاثين) فيكون الجميع مائة. (ومنها سبحان الله عشر مرات والحمد لله عشر مرات والله أكبر عشر مرات) فالجميع ثلاثون. (ومنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر خمسة وعشرين مرة) فيكون الجميع مائة، فإذا سبحت وذكرت مرة

стр. 5162

بهذا ومرة بهذا، فهذا خير، وإن اقتصرت على نوع واحد منها فلا بأس. وأعلم أن بعض العبادات يرد على وجوه متنوعة، والأفضل أن تأتي بهذا الوجه تارة وبهذا الوجه تارة أخرى، لأجل أن تحصل على سنته كلها. فإن قلت ما الحكمة من أن هذه العبادات تأتي على وجوه متنوعة؟ لماذا لا تكون نوعاً واحداً؟ والجواب عن ذلك: أن فيه فائدتين. الفائدة الأولى: حتى لا يتبلد الذهن والحس فتكون مجرد عادة، يسبح الإنسان ولا يدري كم سبح؛ لأنه أخذ على العادة، فإذا تنوعت انتبه. فأتى هذه المرة بهذا النوع والمرة الأخرى بالنوع الثاني وهكذا. والفائدة الثانية: تحقق الاتباع لرسول الله؛ لأنك تسبح من أجل موافقته ﷺ . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. نسأل الله أن يجعلنا مخلصين لوجهه الكريم محققين المتابعة لرسوله الأمين ﷺ ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 5163

٦٤٥ وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله ورعاه – عن صفة الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: معرفة صفة الصلاة كمعرفة صفة غيرها من العبادات من أهم ما يكون ذلك؛ لأن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ والمتابعة لا تمكن إلا بمعرفة كيفية عبادة الرسول ﷺ حتى يتبعه الإنسان فيها، فمعرفة صفة الصلاة مهم جداً، وإني أحث نفسي، وإخواني المسلمين على أن يتلقوا صفة صلاة النبي ﷺ من الكتب الصحيحة: من كتب الحديث المعتبرة حتى يقيموها على حسب ما أقامها رسول الله ﷺ الذي هو قدوتنا، وإمامنا، وأسوتنا – صلوات الله وسلامه عليه – وجعلنا من أتباعه بإخلاص. فصفة الصلاة: أن يقوم الإنسان بشروطها السابقة التي تسبقها كالطهارة من الحدث والخبث، واستقبال القبلة وغيرها من الشروط؛ لأن شروط الصلاة تتقدم عليها، ثم يكبر فيقول: "الله أكبر" رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ثم يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره (١) ثم يستفتح بما ورد عن النبي ﷺ من الاستفتاح. يستفتح بأي نوع ورد، إما بقول "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبرد" (٢) . أو بقول: "

стр. 5164

سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك" (١) . أو بغيرهما مما ورد عن النبي ﷺ ، ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقرأ الفاتحة، ويقف على كل آية منها، فيقول كل آية ويقف. ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، والأفضل أن يقرا سورة تامة تكون في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره غالباً، وفي الباقي من أوساطه، ثم يرفع يديه مكبراً للركوع فيقول: "الله أكبر" ويضع يديه مفرجة الأصابع على ركبتيه، ويمد ظهره مستوياً مع رأسه لا يرفع ولا يصوبه ويقول: "سبحان ربي العظيم" ويكررها ثلاثاً وهو أدنى الكمال، وإن زاد فلا بأس، ثم يرفع رأسه قائلاً: "سمع الله لمن حمده" ويرفع يديه كذلك، كما رفعها عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع ثم يقول بعد قيامه" "ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً، طيباً مباركاً فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد"، ثم يسجد مكبراً ولا يرفع يديه حال السجود، ولا يرفع يديه إذا هوى إلى السجود، قال ابن عمر – ﵄: "وكان لا يفعل ذلك أي الرفع في السجود (٢) . ويسجد على ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، يسجد على أعضاء سبعة: الجبهة والأنف وهما عضو واحد، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع ظهره ولا يمده، ويجعل يديه حذاء وجهه، أو حذاء منكبيه، مضمومتي الأصابع، مبسوطة، ورؤوس

стр. 5165

الأصابع نحو القبلة، ويقول "سبحان ربي الأعلى" أدنى الكمال ثلاث، ويزيد ما شاء، ولكن ليغلب في السجود جانب الدعاء لقول النبي ﷺ : "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (١) . ثم يرفع من السجود مكبراً، ولا يرفع يديه (٢) ، ويجلس مفترشاً رجله اليسرى ناصباً، رجله اليمنى، ويضع يديه على فخذيه أو على أعلى ركبتيه، وتكون اليمنى مضمومة الأصابع الثلاثة الخنصر والبنصر والإبهام، وإن شاء حلق الإبهام مع الوسطى، وأما السبابة فتبقى مفتوحة ويحركها عند الدعاء ويقول: "رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وعافني، وارزقني" وكلما دعا حرك إصبعه نحو السماء إشارة إلى علو المدعو، وهو الله . أما اليد اليسرى فإنها تبقى على الفخذ أو على طرف الركبة مبسوطة أصابعها، متجهاً بها إلى القبلة، ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى فيما يقال وما يفعل، ثم يرفع من السجود إلى القيام مكبراً، ولا يرفع يديه عند هذا القيام؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ في حديث صحيح. ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر، لكن تكون قراءته دون قراءته في الركعة الأولى، ويصلي الركعة الثانية كما صلاها في الركعة الأولى ثم يجلس للتشهد، ويجلس للتشهد كجلوسه للدعاء بين

стр. 5166

السجدتين، أي يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى على صفة ما سبق في الجلوس بين السجدتين، ويقرأ التشهد "التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله" (١) وإن كان في ثنائية كالفجر والنوافل فإنه يكمل: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". ثم إن أحب أطال في الدعاء ما شاء، ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله. أما إذا كان في ثلاثية أو رباعية فإنه بعد أن يقول في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً عبده ورسوله" يقوم فيصلي ما بقي من صلاته مقتصراً على قراءة الفاتحة، أما الركوع، والسجود فكما سبق في الركعتين الأوليين، ثم يجلس للتشهد الثاني وهو الأخير، ولكن يكون جلوسه توركاً، والتورك له ثلاثة صفات (٢) :

стр. 5167

أما أن ينصب رجله اليمنى ويخرج اليسرى من تحت ساقها. وإما أن يفرش الرجل اليمنى واليسرى من تحت ساقها أي من تحت الساق اليمنى، وإما أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين ساقه اليمنى وفخذها، كل ذلك ورد عن النبي ﷺ ، ثم إذا أكمل التشهد سلم عن يمينه وعن يساره كما سبق. وهنا مسألة يكثر السؤال عنها وهي: وضع الرجلين في الصلاة، فأقول: وضع الرجلين في حال القيام طبيعي بمعنى أنه لا يلصق بعضهما ببعض، ولا يباعد ما بينهما، كما روي ذلك عن ابن عمر – ﵄ – ذكره في شرح السنة "أنه كان ﵁ لا يباعد بين رجليه ولا يقارب بينهما" (١) هذا في حال القيام، وفي حال الركوع، أما في حال الجلوس: فقد عرفت فيما سبق. وأما في حال السجود فمن الأفضل أن يلصق إحدى القدمين بالأخرى، وأن لا يفرق بينهما كما يدل على ذلك حديث عائشة – ﵂ – حين وقعت يدها على قدم النبي ﷺ منصوبتين وهو ساجد (٢) ، ومعلوم أن اليد الواحدة لا تقع على قدمين منصوبتين إلا وبعضهما قد ضم إلى بعض، وكذلك جاء صريحاً في صحيح ابن خزيمة (٣) – ﵀ – أنه يلصق إحدى القدمين بالأخرى في حال السجود. ...

стр. 5168

هذه هي صفة الصلاة الواردة عن النبي ﷺ ، فليجتهد الإنسان باتباعها ما استطاع؛ لأن ذلك أكمل في عبادته، وأقوى في إيمانه، وأشد في اتباعه لرسول الله ﷺ . الأذكار بعد الصلاة: ينبغي على الإنسان إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله بما ورد عن النبي ﷺ لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) ، ومن ذلك أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله) ويقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (١) ، ثم يذكر الله بما ورد عن النبي ﷺ ، ثم يسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميع، كل ذلك جائز. ويجوز أيضاً صفة أخرى: أن يسبح عشراً، ويكبر عشراً، ويحمد عشراً. ويجوز أيضاً صفة أخرى: أن يقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمساً وعشرين مرة فتتم مائة. فالمهم أن كل ما ورد عن النبي ﷺ من الأذكار بعد الصلاة فليقله إما على سبيل البدل، أو على سبيل الجمع؛ لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلاً عن بعض، وبعضها يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى

стр. 5169

لقوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) واتباعاً لسنة رسول الله ﷺ ، وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي ﷺ (١) فعلى المصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر، اقتداء بالصحابة في عهد سول الله ﷺ ، بل اقتداء بالرسول ﷺ ؛ لأنه كان يرفع صوته بذلك كما قال ابن عباس: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ إلا بالتكبير" (٢) . وقول بعض أهل العلم: إنه يسن الإسرار بهذا الذكر، وأن جهر النبي ﷺ كان للتعليم، فيه نظر، فإن الأصل فيما فعله الرسول ﷺ أن يكون مشروعاً في أصله ووصفه، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه - وهو رفع الصوت به - مشروعاً لكان يكفي ما علمه النبي ﷺ لأمته، فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله، فلا حاجة لأن يعلمهم برفع الصوت، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين، ولا يحافظ عليه الرسول ﵊ كلما سلم رفع صوته بالذكر. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٦٤٦ وسئل فضيلته - حفظه الله ورعاه -: كيف كانت صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام؟ ...

стр. 5170

فأجاب بقوله: إذا توضأ الإنسان وارتفع حدثه فإنه يصلي على الصفة التالية: يستقبل القبلة، ويكبر تكبيرة الإحرام، ومع هذه التكبيرة يرفع يديه حتى تكون حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه. كل ذلك ثبت به الحديث عن النبي ﷺ ، ثم بعد هذا يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره، ثم يستفتح بالاستفتاح الوارد عن النبي ﷺ ، وبأي استفتاح استفتح مما صح عن النبي ﷺ فإنه يجزئه. وأصح ما ورد في ذلك: حديث أبي هريرة – ﵁ – الثابت في الصحيحين قال: كان النبي ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنيهة، فقلت: يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبرد" (١) . هذا أصح حديث ورد في هذا الاستفتاح. وإن استفتح بغيره مما ثبت عن النبي ﷺ فلا حرج، ومنه قول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" (٢) . ثم بعد ذلك يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقرأ البسملة،

стр. 5171

ثم يقرأ الفاتحة ثم يقرأ بعدها سورة؛ وهذه السورة تكون طويلة في الفجر، وتكون قصيرة في المغرب، وتكون بين ذلك فيما عداهما، ثم بعد هذا يرفع يديه إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه ويكبر للركوع، فيركع ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع، ويمد ظهره مستوياً، مساوياً رأسه ظهره، قالت عائشة – ﵂: "كان النبي ﷺ إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك" (١) . ويقول في هذا الركوع: "سبحان ربي العظيم"؛ لأن النبي ﷺ لما نزل قول الله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الواقعة: ٧٤) . قال: "اجعلوها في ركوعكم" (٢) . ويقول أيضاً، "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (٣) ، ويقول أيضاً: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (٤) ، ثم يرفع رأسه قائلاً: "سمع الله لمن حمده" رافعاً يديه حتى يكونا حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه، وبعد قيامه وانتصابه يقول: "ربنا ولك الحمد"، وإذا كان مأموماً يقول في رفعه: "ربنا ولك الحمد" ولا يقول: "سمع الله لمن حمده" لقول النبي ﷺ : "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: "ربنا ولك الحمد" (٥) ، ثم يقول: "

стр. 5172

ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (١) . وفي هذا القيام يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره كما وضعهما قبل الركوع. وأما من قال: إنه يرسلهما. فإنه ليس له حجة من سنة الرسول ﷺ ، بل السنة أن يضعهما كما وضعهما قبل الركوع؛ لأنه ثبت في صحيح البخاري في حديث سهل بن سعد – ﵁ قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (٢) ، وهذا في جميع الحالات، ويستثنى منه ما استثنته السنة وذلك حال السجود، فإن اليدين توضعان على الأرض، وحال الجلوس فإنهما توضعان على الفخذين، وحال الركوع توضعان الركبتين. ويبقى ما سوى هذه الأحوال الثلاثة على العموم في حديث سهل بن سعد – ﵁. ويجوز للإنسان أن يقول: ربنا ولك الحمد، وأن يقول: ربنا لك الحمد دون واو، وأن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد – كل هذه الصفات الأربع جاءت بها السنة عن النبي ﷺ . ...

стр. 5173

ثم يكبر ساجداً أي: يكبر من القيام ساجداً على سبعة أعظم، ولا يرفع يديه؛ لقول ابن عمر – ﵄ – حين ذكر المواضع التي رفع فيها ﷺ يديه قال: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" (١) . يسجد على سبعة أعظم، على الجبهة والأنف، وعلى الكفين، وعلى الركبتين، وعلى أطراف القدمين، وفي حال هويه إلى الأرض للسجود يقدم ركبتيه ثم رجليه، لقول النبي ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (٢) . فنهى النبي ﷺ الساجد أن يبرك كما يبرك البعير. أي على صفة بروك البعير، وبروك البعير يقدم يديه قبل رجليه، وهنا لم يقل الرسول ﷺ : (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) حتى نقول: إن ذلك نهي عن تقديم الركبتين، ولكنه قال: "كما يبرك البعير"؛ فالنهي عن الصفة، وليس عن العضو المسجود عليه، ولهذا ينبغي أن يتنبه لهذا حتى يكون هذا الحديث وهو حديث أبي هريرة – ﵁ – موافقاً لحديث وائل بن حجر (٣) الدال على أن الركبتين تقدمان حال السجود. ومن كان عاجزاً أو في ركبتيه وجع أو ما أشبه ذلك فلا حرج عليه أن يقدم يديه قبل ركبتيه، وفي السجود ينبغي أن يجعل يديه إما حذو منكبيه، وإما أن يقدمهما حتى تكون الجبهة والأنف بينهما،

стр. 5174

وأما بالنسبة إلى ظهره فإنه لا يمده ولكنه يرفعه عن فخذه، ويرفع فخذيه عن ساقيه، ويضم قديمه بعضهما إلى بعض، ولا يفرق بينهما. وأما من قال من أهل العلم: إنه يفرق بينهما (بين القدمين) حال السجود بمقدار شبر فإني لا أعلم في ذلك سنة، فالظاهر من حديث عائشة – ﵂ – حين فقدت النبي ﷺ ذات ليلة فخرجت فوجدته ساجداً قالت: "فوقعت يدي على قدميه" (١) ، ومن المعلوم أن اليد الواحدة لا تقع على القدمين إلا إذا كان بعضهما مضموماً إلى بعض. وقد جاء ذلك أيضاً في صحيح ابن خزيمة – ﵀: أن النبي ﷺ يضم إحدى رجليه إلى الأخرى في حال السجود (٢) . ويقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" (٣) ، ويقول أيضاً: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (٤) . ويقول أيضاً: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (٥) كل هذا مما جاءت به السنة. وإذا أطال الركوع والسجود، فإنه يكثر في الركوع من الثناء وتعظيم الله ، ويكثر في السجود من الدعاء، كما قال النبي ﷺ فيما صح عنه ﵊: "ألا وإني نهيت أن أقرأ

стр. 5175

القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" (١) . أي حري أن يستجاب لكم إذا دعوتم الله في حال السجود، ولهذا ورد في الحديث عن النبي ﷺ : "أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٢) . والدعاء هنا وفي غيره من الأماكن التي يشرع فيها في الصلاة، ينبغي أن يحافظ الإنسان فيه على الوارد، فإذا فعل الوارد فله أن يدعو بما أحب؛ يدعو لنفسه، ويدعو لوالديه في الفريضة وفي النفل أيضاً، ويدعو لمن أحب من المسلمين، ويدعو أيضاً بما شاء من أمور الدنيا والدين والآخرة. ولا تبطل الصلاة إذا دعا بشيء يتعلق بأمر الدنيا؛ لعموم قول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود حين ذكر التشهد قال: "ليتخير في الدعاء ما شاء" (٣) . وبعد السجدة يقوم مكبراً، ولا يرفع يديه، ويجلس بين السجدتين مفترشاً جالساً على رجله اليسرى، ناصباً رجله اليمنى، فينصب الرجل اليمنى ويجعل بطون أصابعها إلى الأرض. ... أما اليدان فإنه يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويقبض منها الأصابع الثلاثة: الخنصر والبنصر والوسطى، فيضع الإبهام عليها ويشير بالسبابة كلما دعا فيقول مثلاً: رب اغفر لي فيرفع إصبعه،

стр. 5176

وارحمني فيرفع إصبعه، هكذا كلما دعا يحركها إشارة إلى علو البارئ جل وعلا الذي دعاه. أما يده اليسرى فإن فيها صفتين: الصفة الأولى: أن يلقمها ركبته. والصفة الثانية: أن يضعها مبسوطة على فخذه، كل من تلك الصفتين جائزة. ويقول في هذا الجلوس: "رب اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني (١) . ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يكمل صلاته على صفة الركعة الأولى التي سبق ذكرها، إلا أنه لا يستفتح فيها؛ لأن الاستفتاح محله أول ركعة، ولهذا يسمى استفتاحاً؛ لأنه تستفتح به الصلاة. وأما التعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الركعة الثانية وفي الركعة الثالثة والرابعة فإن العلماء اختلفوا فيه: ... فمنهم من يرى أنه يتعوذ بناء على أن قراءة الصلاة كل ركعة مستقلة عن الأخرى. ومنهم من يرى: أنه يكفيه التعوذ الأول؛ لأن الصلاة قراءة واحدة في جميع الركعات. وعلى كل حال فإني لا أعلم في ذلك سنة تفصل بين القولين ولكن إذا تعوذ في الركعة الثانية والثالثة والرابعة فلا حرج عليه، وإن ترك فلا حرج عليه. ثم يجلس للتشهد بعد الركعتين فيجلس مفترشاً كما يجلس

стр. 5177

بين السجدتين ويقرأ التحيات، إن قرأ التحيات بما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ (١) ولفظه: "التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، أو بما ورد عن ابن عباس – ﵄ – قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" (٢) ، فكل ذلك جائز؛ لأن الصواب من أقوال أهل العلم أن ما وردت به السنة مختلفاً، فإنه يفعل هذا مرة وهذا مرة؛ ليأتي الإنسان بالسنة على وجهيها أو وجوهها. فإذا قال قائل: ما الحكمة في أن ترد السنة مختلفة في بعض الأمور في صفاتها؟ نقول: من الحكمة – والله أعلم – أن لا يحصل الملل للمتعبد؛ لأنه إذا بقي على شيء واحد قد يلحقه الملل في ذلك. ومنها: أنه يكون أخف في بعض الأحيان؛ لأن بعض الصفات الواردة في العبادات تكون أخف من بعض في بعض الأحيان، فيكون في ذلك مراعاة التخفيف على العباد، وأضرب

стр. 5178

لهذا مثلاً بالتخفيف، لقد ورد أن الإنسان يحمد، ويكبر، ويهلل دبر الصلاة حتى يبلغ تسعاً وتسعين ويختم بقوله: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وورد أيضاً صفة أخرى وهو أن يسبح عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً (١) ، ولا ريب أن هذه الصفة الأخيرة أخف على المكلف من الصفة الأولى. ومن الحكم أيضاً: تنويع العبادات، فإنه أحضر لقلبه؛ لأن الإنسان إذا اتخذ عبادة واحدة دائمة فقد يفعلها بصفة اعتيادية لا يحس بها؛ لأنها عادته، لكن إذا كان يراعي الصفات المختلفة الواردة فإنه بذلك يكون أحضر لقلبه وأجمع. هذه بعض الحكم من حكم اختلاف الصفات في بعض العبادات. ترجع إلى صفة الصلاة.. فإذا تشهد المصلي بما رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ فحسن، وإذا تشهد بما رواه ابن عباس فحسن، ولكن الذي ينبغي أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة، ليأتي بالسنة على وجهيها. ثم إذا كان في صلاة ثلاثية أو رباعية فإنه ينهض بعد التشهد الأول ليكمل صلاته، وإن كان في ثنائية وهي الصلاة الثنائية مفروضة كانت كالفجر والصلاة المقصورة للمسافر فإنه يتم التشهد. وكذلك السنن، فإن الإنسان يقتصر فيها على ركعتين

стр. 5179

ويسلم من ركعتين، لاسيما في صلاة الليل، فإن الواجب أن يقتصر فيها الإنسان على ركعتين؛ لأن النبي ﷺ سئل عن صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى" (١) . وقال الإمام أحمد – ﵀: إنه إذا قام إلى الثالثة ليلاً فكأنما قال إلى ثالثة في الفجر، يعني: أنه إن لم يرجع فإن صلاته تبطل. وبهذا نعرف أنه إذا أخطأ الإمام في التراويح، وقام إلى الثالثة فإنه يجب عليه أن يرجع متى ذكر؛ قبل القراءة، أو في أثناء القراءة، أو في الركوع، أو بعد الركوع، يجب أن يرجع ويجلس ويقرأ التشهد ويكمل، ويسلم، ثم يسجد سجدتين للسهو بعد السلام، وإن تعمد المضي في الثالثة عامداً وكملها رابعة فإن صلاته تبطل لمخالفة قول النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، وهذا في غير الوتر، أما في الوتر فقد صح عن النبي ﷺ أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرها (٢) ، وأوتر بسبع ولم يجلس إلا في آخرها (٣) ، وأوتر بتسع فجلس في الثامنة فتشهد، ثم قام فأتى بالتاسعة ثم سلم (٤) .

стр. 5180

وينبغي للمرء أن لا يترك الدعاء الذي أمر به النبي ﷺ في التشهد الأخير؛ حيث أمر ﵊ أن يتعوذ الإنسان في التشهد الأخير من أربع فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (١) . وقد ذهب بعض أصحاب الإمام أحمد ﵀ إلى وجوب التعوذ بالله من هذه الأربع؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، ولأن التعوذ منها أمر مهم لا ينبغي للإنسان أن يدعه، ويجلس في التشهد الأخير متوركاً. * إما أن ينصب رجله اليمنى ويخرج اليسرى من تحت ساقها. * وإما أن يفرش الرجل اليمنى ويخرج اليسرى من تحت ساق اليمنى. * وإما أن يفرش اليمنى ويدخل رجله اليسرى بين ساقه اليمنى وفخذها. ثم بعد أن يكمل التشهد الأخير، يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله.

стр. 5181

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رسالة من محمد الصالح العثيمين إلى الشيخ المكرم الفاضل حفظه الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإنه يسرني ما تقومون به من كتابات قيمة من الرسائل وما فوقها، أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلنا وإياكم ممن دعا إلى الله على بصيرة. ثم إنه وقع في يدي رسالة ألفتموها بعنوان: "........." وهي رسالة مفيدة إلا أنه استوقفني فيها مسائل: الأولى: أن من ألفاظ التسوية للصف: "استقيموا" فهل ثبتت هذه عندكم بسنة، أو أثر، فإني أحب أن أتبين. الثانية: قبض أصابع اليد اليمنى، والإشارة بالسبابة في الجلوس بين السجدتين كما في التشهدين، قلتم: إنه من الحركات الجديدة، وأن عمل المسلمين المتوارث على عدم الإشارة والتحريك بين السجدتين، وأن نسبة القول بالتحريك بين السجدتين إلى ابن القيم غلط عليه. أ. هـ. مع أن حديث وائل بن حجر (١) الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/٣١٧ من طريق عبد الرزاق صريح في ذلك وسياقه: "

стр. 5182

رأيت النبي ﷺ كبر فرفع يديه حين كبر - يعني استفتح الصلاة - ورفع يديه حين كبر، ورفع يديه حين قال سمع الله لمن حمده، وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذاء أذنيه". وأخرجه من حديث عبد الصمد قال: حدثنا زائدة، قال: حدثنا عاصم بن كليب، ثم تم السند إلى وائل أنه قال: "لأنظرن إلى رسول الله ﷺ كيف يصلي" قال: "فنظرت إليه قام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، ثم قال: لما أراد أن يركع رفع يديه مثلها، ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه فرفع يديه مثلها، ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى، فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه، فحلق حلقة ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها" (١) . وهذا صريح في أن هذه القعدة هي القعدة التي بين السجدتين؛ لأنه قال: "ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها ثم سجد، ثم قعد فافترش رجله اليسرى" إلخ، وهل هذه القعدة إلا قعدة ما بين السجدتين؟! وأخرجه أيضاً من حديث أسود بن عامر قال: حدثنا زهير بن معاوية عن عاصم بن كليب به. ولفظه: أن وائل بن حجر قال: "

стр. 5183

قلت: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ كيف يصلي" وذكر الحديث، وفيه قال بعد ذكر الرفع من الركوع: "ثم سجد فوضع يديه حذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على ركبته اليسرى (فخذه في صفة عاصم) ثم وضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثلاثاً، وحلق حلقة، ثم رأيته يقولك هكذا"، وأشار زهير بسبابته الأولى وقبض إصبعين، وحلق الإبهام على السبابة الثانية. وظاهر هذا اللفظ أو صريحه كسابقيه في أن القبض والإشارة بين السجدتين كما في التشهدين، وعلى هذا فلا يصح توهيم عبد الرزاق بذكر السجود بعد هذه القعدة؛ لأن ذكره زيادة لا تنافي ما رواه غيره، بل توافقه كما علم. ولم أعلم من السنة حديثاً واحداً فيه أن النبي ﷺ كان يبسط يده اليمنى حين يجلس بين السجدتين، ولا وجدت ذلك عن الصحابة. وما رواه مسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ "كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بالسبابة" (١) . فإنه لا ينافي حديث وائل ولا يبطله، لاختلاف الموضعين، على أن حديث ابن عمر ﵄ قد رواه مسلم بلفظ

стр. 5184

الإطلاق: "أن النبي ﷺ "كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها". وفي لفظ آخر: "وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى". فقد روى مسلم هذا الحديث بثلاثة ألفاظ: اثنان مطلقان، والثالث مقيد بالتشهد، ولا منافاة أيضاً لدخول المقيد في المطلق، ولم يرد في السنة التفريق بين الجلوس بين السجدتين والتشهدين. وأما ما ذكر فضيلتكم من أن القبض والتحريك ليس عليه عمل المسلمين المتوارث. فقد راجعت ما تيسر لي من كتب الآثار فلم أجد عن الصحابة والتابعين ما يقتضي التفريق بين جلسات الصلاة، ثم لو فرض أن هناك آثاراً صحيحة عنهم فالأخذ بما دلت عليه السنة. وقد قال البناء في ترتيب مسند الإمام أحمد ٣/١٤٩ عن حديث وائل بن حجر: سنده جيد، وقال الأرناؤوط في حاشية زاد المعاد ١/٢٣٨: سنده صحيح. وأما قول فضيلتكم: إن نسبة القول بالتحري بين السجدتين إلى ابن القيم غلط عليه. فإن كلام ابن القيم ﵀ لا غبار عليه في ذلك، والنسبة إليه صحيحة وهذا نص عبارته: قال ١/٣٢٢: ثم كان يكبر ويخر ساجداً ولا يرفع يديه، وساق كلاماً كثيراً ثم قال ١/٣٣٨: فصل: ثم كان ﷺ يرفع رأسه مكبراً غير رافع يديه، ويرفع من السجود رأسه

стр. 5185

قبل يديه، ثم يجلس مفترشاً: يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى، وذكر النسائي عن ابن عمر ﵄ قال: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى، ولم يحفظ عنه في هذا الموضع جلسة غير هذه، وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل مرفقه على فخذه، وطرف يده على ركبته، ويقبض ثنتين من أصابعه ويحلق حلقة، ثم يرفع إصبعه يدعو بها، ويحركها هكذا قال وائل بن حجر عنه - إلى أن قال ٢٣٩: ثم كان يقول (بين السجدتين) رب اغفر لي إلخ وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود، وهكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث أهـ المقصود منه. - والمقوس عليه هو هكذا في الأصل وهو محذوف في طبعة أخرى -. وهذا صريح في إثباته القبض والتحريك بين السجدتين؛ فإن قوله: "وكان يضع يديه على فخذيه"، إلخ إما أن يكون حاكماً به مستدلاً عليه بحديث وائل كما هو الظاهر من عبارته هنا، وفي كثير من عباراته كما قال هنا "ثم كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي" إلخ، هكذا ذكره ابن عباس (١) ﵄، وذكر حذيفة أنه كان يقول: "رب اغفر لي رب اغفر لي" (٢) . وإما أن يكون حاكياً له عن وائل مخبراً به عنه. فإن كان حاكماً به مستدلاً عليه بقول وائل فنسبة القول به إليه واضحة. وإن كان حاكياً مخبراً فمن البعيد أن يجزم به عن وائل، ثم
следующие страницы →