المسألة الثالثة: قول السائل: هل يصلي الوتر كصلاة المغرب؟
فهذا لا ينبغي، فإذا أوتر الإنسان بثلاث ركعات فإنه مخير بين أن يصليها بتسليمتين يعني يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي الثالثة وحدها، أو أن يسردها جميعاً بتشهد واحد عند السلام، وأما أن يسردها بتشهدين فتشبه صلاة المغرب فهذا قد روي فيه عن النبي ﷺ حديث في النهي عنه (١) . والله أعلم.
٧٩٠ وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: عندنا إمام يقنت في صلاة الفجر بصفة دائمة فهل نتابعه؟ وهل نؤمن على دعائه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من صلى خلف إمام يقنت في صلاة الفجر فليتابع الإمام في القنوت في صلاة الفجر ويؤمن على دعائه بالخير، وقد نص على ذلك الإمام أحمد – رحمه الله تعالى -.
٧٩١ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم القنوت في صلاة الفريضة؛ والصلاة خلف إمام يقنت في الفريضة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي نرى أن لا قنوت في الفرائض إلا
стр. 5357
في النوازل، لكن من صلى خلف إمام يقنت فليتابعه درءاً للفتنة، وتأليفاً للقلوب.
٧٩٢ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم القنوت في الفرائض؟ وما الحكم إذا نزل بالمسلمين نازلة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: القنوت في الفرائض ليس بمشروع ولا ينبغي فعله، لكن إن قنت الإمام فتابعه لأن الخلاف شر.
وإن نزل بالمسلمين نازلة فلا بأس بالقنوت حينئذ لسؤال الله تعالى رفعها. حرر في ٢٤/٧/١٤٠١هـ.
٧٩٣ سئل فضيلة الشيخ – حظفه الله ورعاه -: بعض المساجد تواظب على دعاء القنوت في صلاة الفجر، والبعض الآخر لا يأتي به على الإطلاق في صلاة الفجر، ما تعليقكم يا فضيلة الشيخ؟ جزاكم الله خيراً .
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح في هذه المسألة أنه لا قنوت في صلاة الفجر؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ لم يقنت في الفرائض إلا بسبب نوازل نزلت بالأمة الإسلامية، ثم ترك القنوت ﵊ فلم يقنت حتى توفاه الله .
لكن من ائتم بإمام يقنت في صلاة الفجر فلا ينفرد عنه، بل
стр. 5358
يتابعه ويقف، ويؤمن على دعائه، هكذا نص عليه الإمام أحمد – ﵀ – وإنما نص – ﵀ – على هذا؛ لأن الخلاف شر، والخروج عن الجماعة شر.
وانظر إلى كلام ابن مسعود – رضي لله عنه – لما كره إتمام عثمان بمنى كان يصلي خلفه أربعاً، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما هذا؟ يعني كيف يصلي أربعاً وأنت تنكر على عثمان؟ فقال – ﵁: "الخلاف شر" (١) ، وهذه قاعدة مهمة.
وهي أنه ينبغي للإنسان أن لا يخالف إخوانه ولا يشذ عنهم، ولقد كان الرسول ﵊ يرسل البعوث للدعوة إلى الله أو للجهاد في سبيل الله ويأمرهم أن يتطاوعوا؛ يعني يؤمر أميرين ويقول لهما: "تطاوعا ولا تختلفا" (٢) ، يعني فليطع بعضكم بعضاً، ولا تختلفوا؛ لأن الخلاف لا شك أنه شر، وتفريق للأمة وتمزيق لشملها، وهذا الدين الإسلام له عناية كبيرة بالاجتماع وعدم التفرق وعدم التباغض.
ولهذا نهى عن كل معاملة تكون سبباً للتعادي والتباغض؛ فنهى عن البيع على بيع المسلم، ونهى عن الخطبة على خطبة
стр. 5359
المسلم، ونهى عن السوم على سوم أخيه (١) ، ونهى عن أشياء كثيرة مما يدل على أن النبي ﷺ لا يريد من أمته أن تتفرق وتتمزق. قال الله : (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: ١٠٣) .
стр. 5360
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم ...
...
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد:
...
جـ١: أشكركم على التهنئة بعيد الفطر، وأسأل الله أن يجزيكم عنا خيراً، وأن يتقبل منا ومنكم ومن جميع المسلمين، وأن يعيده علينا جميعاً بخير.
جـ٢: تابعوا إمامكم في القنوت في صلاة الفجر، وأمنوا على دعائه بالخير. وفق الله الجميع لما فيه الخير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ١٩/١٠/١٤١٢هـ.
"
стр. 5361
قنوت فضيلة الشيخ في النوازل "
قال فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كنت إذا رفعت من الركوع قلت عند الرفع: سمع الله لمن حمده، وبعد الرفع: ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً، طيباً مباركاً فيه، ثم دعوت بما اخترته في صلاتي المغربي والفجر في الجماعة:
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا منان، يا بديع السموات والأرض، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، نسألك اللهم بذلك أن تنصر إخواننا المسلمين في الشيشان وفي البوسنة والهرسك، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اغفر لموتاهم، اللهم كن لأراملهم وذرياتهم، اللهم امنحهم رقاب أعدائهم، وأورثهم ديارهم، وأموالهم، وذرياتهم ونساءهم يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا منان، يا بديع السموات والأرض، يا قوي، يا قهار، يا عزيز، يا جبار، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، نسألك اللهم بذلك أن تنزل بعدوهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين،
стр. 5362
اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أهلك طاغيتهم وأفسد أمرهم، وفرق كلمتهم، وألق بينهم العداوة والبغضاء، اللهم شتت شملهم، واهزم جندهم، واجعلهم نكالاً للعالمين، اللهم كما سلطتهم بحكمتك على إخواننا في الشيشان فسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، ويذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويكسر شوكتهم، ويستبيح بيضتهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا منان، يا بديع السموات والأرض، يا قوي، يا قهار، يا عزيز، يا جبار، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، نسألك اللهم بذلك أن تنزل بالصرب المعتدين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أهلك طاغيتهم، وأفسد أمرهم، وفرق كلمتهم، واهزم جندهم، وسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، ويذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم.
اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزم كل عدو للمسلمين في كل مكان، اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وربما حذفت بعضه أو زدت عليه. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٤/٨/١٤١٥هـ.
*
стр. 5363
اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أهلك طاغيتهم وأفسد أمرهم، وفرق كلمتهم، وألق بينهم العداوة والبغضاء، اللهم شتت شملهم، واهزم جندهم، واجعلهم نكالاً للعالمين، اللهم كما سلطتهم بحكمتك على إخواننا في الشيشان فسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، ويذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويكسر شوكتهم، ويستبيح بيضتهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا منان، يا بديع السموات والأرض، يا قوي، يا قهار، يا عزيز، يا جبار، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، نسألك اللهم بذلك أن تنزل بالصرب المعتدين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أهلك طاغيتهم، وأفسد أمرهم، وفرق كلمتهم، واهزم جندهم، وسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، ويذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم.
اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزم كل عدو للمسلمين في كل مكان، اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وربما حذفت بعضه أو زدت عليه. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٤/٨/١٤١٥هـ.
*
стр. 5364
التروايح
* عدد ركعات التروايح
* دعاء ختم القرآن الكريم
* حمل المصحف لمتابعة الإمام
* ليلة القدر
* السنن الرواتب
стр. 5365
٧٩٤ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة التراويح ، وعدد ركعاتها؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة التراويح سنة سنها رسول الله ﷺ ، ففي الصحيحين عن عائشة – ﵂ – أن النبي ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" وذلك في رمضان (١) .
وأما عددها: فإحدى عشرة ركعة، لما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها سئلت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة" (٢) .
وإن صلاها ثلاث عشرة ركعة فلا بأس، لقول ابن عباس – ﵄ – "كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة" يعني من الليل. رواه البخاري (٣) .
والإحدى عشرة هي الثابتة عن عمر بن الخطاب – رضي الله
стр. 5366
عنه – كما في الموطأ بإسناد من أصح الأسانيد (١) . ...
وإن زاد على ذلك فلا بأس، لقول النبي ﷺ حين سئل عن صلاة الليل قال: "مثنى، مثنى" (٢) ولم يحدد.
وقد ورد عن السلف في ذلك أنواع، والأمر في ذلك واسع لكن الأفضل الاقتصار على ما جاء عن النبي ﷺ وهي الإحدى عشرة أو الثلاث عشرة.
ولم يصح أن النبي ﷺ كان يصلي هو أو أحد من الخلفاء ثلاثاً وعشرين بل الثابت عن عمر – ﵁ – إحدى عشرة، حيث أمر أبي كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (٣) . وهذا هو اللائق بمثل عمر – ﵁ – أن تكون سيرته في هذا سيرة رسول الله ﷺ .
ولا نعلم أن الصحابة ﵃ زادوا على ثلاث وعشرين ركعة، بل الظاهر خلاف ذلك، وقد سبق قول عائشة أن النبي ﷺ "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة".
وإما إجماع الصحابة ﵃ فلا ريب أنه حجة؛ لأن فيهم الخلفاء الراشدين الذين أمر النبي ﷺ باتباعهم، ولأنهم خير القرون من هذه الأمة.
...
стр. 5367
واعلم أن الخلاف في عدد ركعات التراويح ونحوها مما يسوغ فيه الاجتهاد لا ينبغي أن يكون مثاراً للخلاف والشقاق بين الأمة، خصوصاً وأن السلف اختلفوا في ذلك، وليس في المسألة دليل يمنع جريان الاجتهاد فيها، وما أحسن ما قال أحد أهل العلم لشخص خالفه في الاجتهاد في أمر سائغ: إنك بمخالفتك إياي قد وافقتني فكلانا يرى وجوب اتباع ما يرى أنه الحق حيث يسوغ الاجتهاد.
نسأل الله تعالى للجميع التوفيق لما يحب ويرضى.
قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في ١٨/٥/١٤٠٥هـ.
٧٩٥ وسئل فضيلة الشيخ: هل التراويح من القيام؟ وما هي السنة في قيام رمضان؟ وما أفضل عدد تصلى به ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التراويح من القيام.
السنة في قيام رمضان أن يؤدى جماعة في المساجد لفعل النبي ﷺ حين قام بأصحابه ثلاث ليال، ثم تخلف عنهم مخالفة أن تفرض عليهم.
والأفضل أن يقتصر على العدد الذي قام به النبي ﷺ ، فقد سئلت عائشة – ﵂ – كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة" (١) . وصح عنه ﷺ من حديث ابن عباس ﵄ أنه قام بثلاث عشرة ركعة (٢) ، فيكون العدد إما إحدى عشرة
стр. 5368
ركعة وإما ثلاث عشرة ركعة.
وإن زاد على هذا العدد فلا حرج، لكن المهم الطمأنينة وعدم السرعة حتى يتمكن المصلون خلفه من إتمام صلاتهم، فإن الإمام مؤتمن عليهم، فعليه أن يراعيهم، وأن لا يحرمهم من الطمأنينة التي يتمكنون بها من فعل الأتم الأكمل.
٧٩٦ سئل فضيلة الشيخ: بعض الناس في المسجد الحرام يصلون القيام دون التراويح بحجة المحافظة على السنة وعدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة فما رأي فضيلتكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على التراويح والقيام جميعاً، فيصلي مع الإمام الأول حتى ينصرف ويصلي مع الإمام الثاني حتى ينصرف؛ لأن تعدد الأئمة في مكان واحد يجعل ذلك كأن الإمامين إمام واحد، كأن الثاني ناب عن الأول في الصلاة الأخيرة، فالذي أرى في هذه المسألة أن يحافظ الإنسان على الصلاة مع الأول والثاني ليشمله قول الرسول ﵊: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" (١) .
стр. 5369
فإن قيل: المحافظة على الإمامين تستلزم أن يوتر الإنسان مرتين.
فنقول: يزول هذا المحظور بأن تنوي مع الإمام الأول إذا قام إلى الوتر أنك تريد الصلاة ركعتين، فإذا سلم من وتره قمت فأتيت بالركعة الثانية، وتجعل الوتر مع الإمام الأخير، فيشفع الإنسان مع الإمام الأول ويوتر مع الثاني لقول النبي ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (١) .
أما قولهم: السنة إحدى عشرة ركعة.
فنقول: نعم، إذا صليت وحدك فالسنة أن لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، أو كنت إماماً فالسنة أن لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، لكن إذا كنت مأموماً تابعاً لغيرك فصل كما يصلي هذا الإمام، ولو صلى ثلاثاً وعشرين، أو ثلاثاً وثلاثين، أو تسعاً وثلاثين هذا هو الأفضل وهو الموافق للشرع؛ لأن الشرع يحث على وحدة الأمة الإسلامية واتفاقها، وعدم تنافرها واختلافها، وعموم قوله ﷺ : "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" يشمل هذا. ولقد تابع الصحابة ﵃ أمير المؤمنين عثمان بن عفان – ﵁ – في إتمام الصلاة في منى مع إنكارهم ذلك (٢) ، كل هذا من أجل ائتلاف الكلمة وعدم التفرق.
стр. 5370
٧٩٧ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة التراويح؟ وكم عدد ركعاتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة التراويح سنة لا ينبغي تركها ودليل ذلك حديث عائشة – ﵂ – المتفق عليه، واللفظ لمسلم: "أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته أناس، ثم صلى في القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما اصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أنتفرض عليكم" (١) ، حيث علل النبي ﷺ تأخره عنها بخوف فرضيتها على هذه الأمة.
أما عدد ركعاتها فأفضله ما كان النبي ﷺ يحافظ عليه، وهي إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة. وقد ثبت في صحيح البخاري أن عائشة – ﵂ – سئلت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" (٢) . فهذا العدد هو أفضل ما تصلى به التراويح.
أو ثلاث عشرة ركعة كما يدل عليه حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى من الليل ثلاث عشرة ركعة (٣) .
ولكن لو صلاها الإنسان ثلاث وعشرين ركعة فإنه لا ينكر عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يحدد صلاة الليل بعدد معين، بل سئل كما
стр. 5371
في صحيح البخاري عن ابن عمر – ﵄ – عن صلاة الليل ما ترى فيها؟ فقال: "صلاة الليل مثنى، مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى" (١) ، فبين النبي ﷺ أنها مثنى مثنى، ولم يحدد العدد، ولو كان العدد واجباً بشيء معين لبينه رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فلا ينكر على من صلاها ثلاث وعشرين ركعة.
ولكن الذي ينكر ما يفعله بعض الأئمة – هدانا الله وإياهم – من السرعة العظيمة في الركوع، والقيام بعد الركوع، والسجود، والجلسة بين السجدتين، والتشهد، فإن بعض الأئمة يسرعون في هذه الأركان إسراعاً عظيماً يمنع كثيراً من المصلين خلفهم من القيام بواجب الطمأنينة، فضلاً عن القيام بالمستحب، وقد ذكر أهل العلم أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع بعض المأمومين، من فعل ما يسن، فكيف بمن أسرع سرعة تمنع بعض المأمومين أو أكثرهم من فعل ما يجب؟!! وهذه لا شك أنها محرمة، وأنها خلاف أداء الأمانة التي أؤتمن الإمام عليها، فإنه لو لم يكن إماماً لقلنا لا حرج أن تصلي صلاة تقتصر فيها على الواجب ولكن إذا كنت إماماً فإنه يجب عليك أن تراعي المأمومين، وأن تصلي فيهم أفضل صلاة، تمكنهم من مراعاة فعل الواجب والمستحب فيها.
وأرجو أن يفهم إخواني الأئمة أنه ليس المقصود سرد عدد الركعات، وإنما المقصود التطوع لله بفعل هذه العبادة، والخشوع فيها وأدائها على وجه الطمأنينة، وإن ركعتين يطمئن الإنسان فيها
стр. 5372
خير من عشرين لا يطمئن فيها، بل قد قال رسول الله ﷺ للذي لم يطمئن في صلاته: "ارجع فصل فإنك لم تصل" (١) .
٧٩٨ وسئل فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يوجد لدينا في القرية بعض الإخوة الملتزمين بشرع الله وهم حريصون على تطبيق السنة والأخذ بأعلى الكمال، وطرقت مسألة قيام رمضان وما هو الأفضل فيه، وهناك من يفتيهم بعدم جواز الزيادة على فعل النبي ﷺ سواء في العشرين الأول من شهر رمضان أو حتى في العشر الأواخر منه مستدلاً بحديث: "من أحدث في أمرنا ... " وقد ذكرت لبعضهم أن ما عليه مشايخنا الإطلاق في العدد بالذات في رمضان، فكان أو طلبوا مني ما هو الأفضل لمن يريد تطبيق السنة والأخذ بالكمال في هذا الموضوع، أفتونا مأجورين بشيء من التفصيل لنبلغ عنكم نفع الله بكم .
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
القوم الراجح في عدد الركعات في قيام رمضان أن يكون إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة – ﵂ – أنها سئلت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره
стр. 5373
على إحدى عشرة ركعة" (١) ، لكن قد ثبت أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، ففي صحيح مسلم (٢) من حديث عبد الله بن عباس – ﵄ – قال: "فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح" ١/٥٢٧، وفيه عن زيد بن خالد الجهني قال: "لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين، طويلتين، طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة"، ١/٥٣٢ (٣) .
ولا بأس بالزيادة على ذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب – ﵄ – أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل فقال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مثنى، مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" (٤) .
ولم يحدد له النبي ﷺ عدداً مع أن الحال تقتضي ذلك؛ لأن الرجل السائل لا يعلم عن صلاة الليل كمية ولا كيفية، فلما بين له
стр. 5374
النبي ﷺ الكيفية وسكت عن الكمية علم أن الأمر في العدد واسع ولهذا اختلف عمل السلف الصالح في ذلك.
والقول بأنه لا تجوز الزيادة عن العدد الذي كان النبي ﷺ يقوم به، وأن الزيادة عليه داخلة في قول النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) قول ضعيف لما علمت من حديث عبد الله بن عمر – ﵄ – وعمل السلف الصالح.
ولكن الأمر الذي ينبغي أن يهتم به التأني في صلاة التراويح، وأن لا يفعل ما يقوم به بعض الناس من الإسراع الذي قد يخل بواجب الطمانينة، أو يمنع بعض المأمومين منها. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٩/١/١٤١٢هـ.
٧٩٩ وسئل فضيلة الشيخ – رعاه الله تعالى -: ما هي الركعات المسنونة في التراويح؟ وما حقيقة أمر عمر ﵁ أنه جمع الناس أحد عشرة ركعة مع الوتر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: عدد الركعات في التراويح أمره واسع وليس فيه شيء واجب لا ثلاث وعشرون، ولا إحدى عشر ولا ثلاث عشرة ركعة، ولا تسع وثلاثون ركعة، الأمر فيه واسع فمن صلى التراويح ثلاثاً وعشرين لم ينكر عليه، ومن صلاها إحدى عشرة لم ينكر عليه، ومن صلاها ثلاث عشرة فلا ينكر عليه، ومن صلاها
стр. 5375
سبعة عشرة فلا ينكر عليه، ومن صلاها أكثر من ذلك فلا ينكر عليه؛ لأن رسول الله ﷺ حين سئل ما ترى في صلاة الليل؟ قال: " مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى" (١) لم يحددها بعدد، بل قال: "مثنى مثنى"، وما قال: لا تزيدوا عن العدد المعين ولكن لا شك أن ما واظب عليه النبي ﷺ من العدد أفضل من غيره، وقد سئلت عائشة – ﵂ – كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة" (٢) .
وصح عنه ﷺ أنه صلى من الليل ثلاث عشرة ركعة (٣) .
وأما عمر بن الخطاب – ﵁ – فالذي صح عنه أنه أمر تميماً الداري وأبي بن كعب أن يقوم للناس بإحدى عشرة ركعة، هكذا جاء بموطأ الإمام مالك (٤) وهذا هو الجدير بعمر، واللائق به – ﵁ – لأنه كان من أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله ﷺ .
وأما ما روي من حديث ابن عباس من أن النبي ﷺ صلاها ثلاثاً وعشرين فإنه حديث ضعيف (٥) ، كما ذكر ذلك صاحب الفتح، وأما ما ذكر عن عمر أنها ثلاث وعشرون ركعة فإنه حديث رواه
стр. 5376
يزيد بن رومان ولم ينسبه إلى عمر نفسه، وإنما نسبه إلى عهده فقال: "كان الناس يقومون في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة" (١) ، ومعلوم أن ما ثبت من قوله وفعله أقوى مما ثبت في عهده، على أن بعض أهل العلم أعلن حديث يزيد بن رومان بالانقطاع وقال: "يزيد بن رومان لم يدرك زمن عمر.
٨٠٠ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة التراويح؟ وما هي السنة في عدد ركعاتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة التراويح سنة سنها رسول الله ﷺ لأمته، فقد قام بأصحابه ثلاث ليال، ولكنه ﷺ ترك ذلك خوفاً من أن تفرض عليهم، ثم بقي المسلمون بعد ذلك في عهد أبي بكر – ﵁ – وصدراً من خلافة عمر – ﵁ – ثم جمعهم أمير المؤمنين عمر – ﵁ – على تميم الداري وأبي بن كعب، فصاروا يصلون جماعة إلى يومنا هذا ولله الحمد، وهي سنة في رمضان.
وأما عدد ركعاتها فهي إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة، هذه هي السنة في ذلك.
ولكن لو زاد على هذا فلا حرج ولا بأس به لأنه روي في ذلك عن السلف أنواع متعددة في الزيادة والنقص، ولم ينكر بعضهم على بعض فمن زاد فإنه لا ينكر عليه، ومن اقتصر على العدد الوارد فهو
стр. 5377
أفضل، وقد دلت السنة على أنه لا بأس بالزيادة حيث صح في البخاري وغيره من حديث ابن عمر – ﵄ – إن رجلاً سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل، فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى" (١) . ولم يحدد النبي ﷺ عدداً معيناً يقتصر عليه، ولكن المهم في صلاة التراويح الخشوع والطمأنينة في الركوع والسجود والرفع منهما، وأن لا يفعل ما يفعله بعض الناس من العجلة السريعة التي تمنع المصلين من فعل ما يسن، بل ربما تمنعهم من فعل ما يجب، حرصاً منه على أن يكون أول من يخرج من المساجد من أجل أن ينتبه الناس بكثرة، فإن هذا خلاف المشروع.
والواجب على الإمام أن يتقي الله تعالى فيمن وراءه، ولا يطيل إطالة تشق عليهم، خارجة عن النفس، ولا يخفف تخفيفاً يخل بما يجب أو بما يسن على من وراءه، ولهذا قال العلماء: إنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأموم فعل ما يسن. فكيف بمن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يجب؟! فإن هذه السرعة حرام في حق هذا الإمام.. فنسأل الله لنا ولإخواننا الاستقامة والسلامة.
٨٠١ سئل فضيلة الشيخ: هل لقيام رمضان عدد معين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس له عدد معين على سبيل الوجوب، فلو أن الإنسان قام الليل كله فلا حرج، ولو قام بعشرين
стр. 5378
ركعة، أو خمسين ركعة فلا حرج، ولكن العدد الأفضل ما كان النبي ﷺ يفعله وهو إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، فإن أم المؤمنين عائشة – ﵂ – سئلت: كيف كان النبي يصلي في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان أو غيره على إحدى عشرة ركعة" (١) ، ولكن يجب أن تكون هذه الركعات على الوجه المشروع، وينبغي أن يطيل فيها القراءة والركوع، والسجود، والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، خلاف ما يفعله الناس اليوم، يصليها بسرعة تمنع المأمومين أن يفعلوا ما ينبغي أن يفعلوه، وهذه الإمامة ولاية، والوالي يجب عليه أن يفعل ما هو أنفع. وكون الإمام لا يهتم إلا أن يخرج مبكراً هذا خطأ، بل الذي ينبغي أن يفعل ما كان النبي ﷺ يفعله، من إطالة القيام، والركوع، والسجود، حتى ينصرف.
٨٠٢ وسئل فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان خلف إمام يزيد على إحدى عشرة ركعة، فهل يوافق الإمام أو ينصرف أثناء القيام؟ وما توجيهكم لمن يكذب ويغتاب وهو صائم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن يوافق الإمام؛ لأنه إذا انصرف قبل تمام الإمام لم يحصل له أجر قيام الليل والرسول ﷺ إنما قال: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" (٢) . من أجل أن يحثنا على المحافظة على البقاء مع الإمام حتى ينصرف،
стр. 5379
وإذا كان الصحابة – ﵃ – تابعوا الإمام في الزيادة الواحدة، فما بالك فيما كان مشروعاً في صلوات منفرد بعضها من بعض؟ الصحابة – ﵃ – وافقوا إمامهم في أمر زائد عن المشروع في صلاة واحدة، وذلك حدث من أمير المؤمنين عثمان بن عفان – ﵁ – أتم الصلاة في منى في الحج، أي صلاها أربع ركعات، مع أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، وعثمان في أول خلافته، حتى مضى ثماني سنوات وهو يصلي ركعتين، ثم صلى أربعاً (١) ، وأنكر الصحابة عليه ذلك ومع هذا كانوا يتبعونه يصلون معه أربعاً، فإذا كان هذا هدي الصحابة وهو الحرص على متابعة الإمام، فما بالنا نحن إذا رأينا الإمام زائداً عن العدد الذي كان النبي ﷺ يحافظ عليه وهو إحدى عشرة ركعة، انصرفوا في أثناء الصلاة، كما نشاهد بعض الناس في المسجد الحرام ينصرفون قبل الإمام بحجة أن المشروع إحدى عشرة ركعة؟!
نقول إن متابعة الإمام أوجب في الشرع، والخلاف شر، والخلاف فيما يسوغ فيه الاجتهاد لا ينبغي أن يكون مثاراً للخلاف والشقاق بين الأمة، خصوصاً وأن السلف اختلفوا في ذلك وليس في المسألة دليل يمنع جريان الاجتهاد فيها.
يجب على الإنسان تجنب الكذب، والغيبة والنميمة، والقول المحرم، والفعل المحرم إذا كان صائماً؛ لأن النبي ﷺ ، قال: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل فليس لله حاجة
стр. 5380
في أن يدع طعام وشرابه" (١) . فعلى الصائم أن يحافظ على تجنب هذه المحرمات. وينبغي أن يشتغل بقراءة القرآن في رمضان، لأن قراءة القرآن في رمضان لها مزية حيث نزل في رمضان؛ ولأن النبي ﷺ كان يأتيه جبريل في رمضان فيدارسه القرآن، وكان النبي ﷺ حين يدارسه جبريل القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة، أي أنه ﷺ إذا قرأ القرآن تأثر به، ثم يتبين جوده صلوات الله وسلامه عليه.
وفي هذا الشهر ينبغي أن نكثر من الصدقة، والصدقة نوعان: صدقة واجبة، وهي الزكاة، وصدقة نافلة، وهي صدقة التطوع. فأكثر من الصدقة في هذا الشهر على الفقراء والمساكين والمدينين وغيرهم من ذوي الحاجات، فإن للصدقة في هذا الشهر مزية على غيره، أما الزكاة فهي صدقة واجبة وهي أفضل من الصدقة النافلة، لقول النبي ﷺ فيما رواه عن ربه : "ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه" (٢) . ولهذا يظن بعض الناس أن النافلة أفضل من الفريضة، وليس كذلك بل الفريضة أفضل من النافلة لهذا الحديث، ولولا أنها أفضل وأحب إلى الله ما فرضها الله على العباد. والله الموفق.
٨٠٣ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم جمع صلاة التراويح كلها أو بعضها مع الوتر في سلام واحد ؟
стр. 5381
فأجاب فضيلته بقوله: هذا عمل مفسد للصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى" (١) . فإذا جمعها بسلام واحد، لم تكن مثنى مثنى، وحينئذ تكون على خلاف ما أمر به الرسول ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) . ونص الإمام أحمد – ﵀: (على أن من قام إلى ثالثة في صلاة الليل فكأنما قام إلى ثالثة في صلاة الفجر) . أي أنه إن استمر بعد أن تذكر فإن صلاته تبطل كما لو كان ذلك في صلاة الفجر، ولهذا يلزمه إذا قام إلى الثالثة في صلاة التراويح ناسياً يلزمه أن يرجع ويتشهد، ويسجد للسهو بعد السلام، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
وهنا مسألة وهي: أن بعض الناس فهم من حديث عائشة ﵂ حين سئلت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً" (٣) . حيث ظن أن الأربع الأولى بسلام واحد، والأربع الثانية بسلام واحد، والثلاث الباقية بسلام واحد.
ولكن هذا الحديث يحتمل ما ذكر، ويحتمل أن مرادها أنه يصلي أربعاً ثم يجلس للاستراحة واستعادة النشاط، ثم يصلي أربعاً وهذا الاحتمال أقرب أي أنه يصلي ركعتين ركعتين، لكن الأربع
стр. 5382
الأولى يجلس بعدها ليستريح ويستعيد نشاطه، وكذلك الأربع الثانية يصلي ركعتين ركعتين ثم يجلس ليستريح ويستعيد نشاطه. ويؤيد هذا قوله ﵊: "صلاة الليل مثنى مثنى" (١) . فيكون في هذا جمع بين فعله وقوله ﷺ ، واحتمال أن تكون أربعاً بسلام واحد وارد لكنه مرجوح لما ذكرنا من أن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى".
وأما الوتر فإذا أوتر بثلاث فلها صفتان:
- الصفة الأولى: أن يسلم بركعتين ثم يأتي بالثالثة.
- الصفة الثانية: أن يسرد الثلاث جميعاً بتشهد واحد وسلام واحد.
٨٠٤ سئل فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أرجو التكرم بالإجابة عن هذا السؤال: رجل يصلي التراويح فقام إلى ثالثة فذكر أو ذكر فماذا يفعل؟ وما صحة قول من قال: إنه إذا رجع بطلت صلاته قياساً على من قام من التشهد الأول في صلاة الفريضة؟ أرجو تحرير الإجابة، وفقك الله .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إذا قام من يصلي التراويح إلى ثالثة فذكر أو ذكر وجب عليه الرجوع وسجود السهود، ويكون سجود السهو بعد السلام؛ لأنه عن زيادة، فإن لم يرجع بطلت صلاته إن كان عالماً؛ لأن النبي ﷺ قال: "
стр. 5383
صلاة الليل مثنى مثنى" (١) . فإذا زاد المصلي على ذلك فقد أتى بما ليس عليه أمر النبي ﷺ ، ونص الإمام أحمد – ﵀ – على أنه إذا قام المصلي في الليل إلى الثالثة فكما لو قام إلى ثالثة في الفجر، أي كما لو قام من يصلي الفجر إلى ثالثة، ومن المعلوم أن من قام إلى ثالثة في صلاة الفجر وجب عليه الرجوع لئلا يزيد على المفروض. وقد بين الفقهاء ﵏ هذا في باب صلاة التطوع.
وأما قياس هذا على من قام عن التشهد الأول، وقال إنه لا يرجع إذا استتم قائماً.
فلا وجه لقياسه؛ لأن القيام عن التشهد ترك لواجب جاءت السنة بجبره بسجود السهو وهو ترك لا يزيد الرجوع إليه إلا خللاً في الصلاة، لا حاجة إليه لأنه يجبر بسجود السهو، أما من قام إلى زيادة فهو استمرار في زائد غير مشروع. قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في ١٧/٩/١٤٠٩هـ.
٨٠٥ وسئل فضيلته: هناك من يصلي مع الإمام إحدى عشرة ركعة ثم يفارقه بحجة أن الرسول ﷺ ، كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ؟
فأجاب فضيلة الشيخ بقوله: هذا الفعل وهو مفارقة الإمام الذي يصلي التراويح أكثر من إحدى عشرة ركعة خلاف السنة، وحرمان لما يرجى من الأجر والثواب، وخلاف ما كان عليه السلف
стр. 5384
الصالح وذلك أن الذين صلوا مع النبي ﷺ ، لم ينصرفوا قبله، وكان الصحابة – ﵃ – يوافقون إمامهم حتى فيما زاد على ما يرونه مشروعاً، فإن عثمان – ﵁ – لما أتم الصلاة في منى أنكروا عليه، ولكن كانوا يتابعونه في الإتمام، ويقولون: إن الخلاف شر (١) ، وهو أيضاً حرمان لما يحصل من الثواب؛ لأن النبي ﷺ قال: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" (٢) .
والزيادة على إحدى عشرة ركعة ليست حراماً بل هي من الأمور الجائزة، ودليل ذلك أن النبي ﷺ سأله رجل عن صلاة الليل فقال: "مثنى، مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى" (٣) . ولم يحدد له النبي ﷺ عدداً، ولو كانت الزيادة على إحدى عشرة ركعة حراماً لبين ذلك النبي ﷺ ، فنصيحتي لإخواني هؤلاء أن يتابعوا الإمام حتى ينصرف.
٨٠٦ سئل فضيلة الشيخ: من صلى مع الإمام الأول صلاة التراويح ثم انصرف، وقال: لي قيام ليلة بنص الحديث: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، فإنني بدأت مع الإمام وانصرفت معه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما قوله: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة". فهذا صحيح ثبت عن النبي ﷺ حين
стр. 5385
طلب منه الصحابة أن ينفلهم بقية الليل، وقد قطع الصلاة لنصف الليل فقالوا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا، فقال: "إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" (١) ، ولكن هل الإمامان في مسجد واحد يعتبر كل واحد منهم مستقلاً، أو أن كل واحد منهما نائب عن الثاني؟
الذي يظهر الاحتمال الثاني – أن كل واحد منهما نائب عن الثاني مكمل له، وعلى هذا فإن كان المسجد يصلي فيه إمامان فإن هذين الإمامين يعتبران بمنزلة إمام واحد، فيبقى الإنسان حتى ينصرف الإمام الثاني، لأننا نعلم أن الثانية مكملة لصلاة الأول.
وعلى هذا فالذي أنصح به إخواني أن يتابعوا الأئمة هنا في الحرم حتى ينصرفوا نهائياً، وإن كان بعض الإخوة ينصرف إذا صلى إحدى عشرة ركعة، ويقول: إن هذا هو العدد الذي كان عليه الرسول ﷺ ، ونحن معه في أن العدد الذي فعله الرسول ﷺ واقتصر عليه هو الأفضل، ولا أحد يشك في هذا، ولكني أرى أنه لا مانع من الزيادة، لا على أساس الرغبة عن العدد الذي اختاره النبي ﷺ ، ولكن على أساس أن هذا من الخير الذي وسع فيه الشرع، حيث سئل ﷺ عن صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشيء أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى" (٢) .
وإذا كان هذا الأمر مما يسوغ فيه الزيادة فإن الأولى بالإنسان أن لا يخرج عن الجماعة بل يتابع، فالصحابة – ﵃ – لما
стр. 5386
أتم عثمان – ﵁ – الصلاة في منى، استرجع بعضهم لما بلغه ذلك (١) ، ومع هذا كانوا يصلون خلفه أربعاً فيزيدون ركعتين في صلاة لا تتجاوز الركعتين من أجل موافقة الجماعة، وائتلاف الكلمة، وعدم التفرق.
والموافقة شأنها عظيم جداً، لا يذهب أحدكم مذهباً ينفرد به عن الجماعة، ويحزب الأمة ويقول: أنت معي أو مع فلان، فهذا خطأ.
وعلى هذا فمادام الأمر سائغاً وليس فيه محظور شرعي، فإن موافقة الجماعة لا يظهر فيها ضغائن ولا أحقاد، فمادام الأمر واسعاً، والسلف الصالح روي عنهم في ذلك أولان متعددة كما قال الإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيميه – رحمهما الله – فليسعنا ما وسع السلف، وقد سبقنا من السلف من سبقنا فلا ينبغي أن نشذ، وأنا أكرر الدعاء إلى الائتلاف، وعدم الاختلاف فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولكن الإشكال الوارد وهو حقيقة إشكال إن كان هناك وتران في ليلة واحدة، فماذا يصنع المأموم؟
نقول: إذا كنت تريد أن تصلي مع الإمام الثاني التهجد، فإذا أوتر الإمام الأول، فأت بركعة لتكون مثنى مثنى، وإذا كنت لا تريد التهجد آخر الليل، فأوتر مع الإمام الأول، ثم إن قدر لك بعد ذلك أن تتهجد فاشفع الوتر مع الإمام الثاني.
стр. 5387
٨٠٧ وسئل فضيلة الشيخ: عن ثلاثة أشخاص في البادية هل تشرع في حقهم صلاة التراويح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، يجوز لمن لم يكن حولهم مسجد يصلون فيه أن يقيموا صلاة التراويح ولو كانوا اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة، بل لو كان واحداً فله أن يقوم بذلك؛ لأن التراويح هي قيام رمضان، وقد قال النبي ﷺ : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه" (١) .
٨٠٨ سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله -: هل يشرع للمرأة صلاة التراويح؟ وهل تقضيها إذا حاضت ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يشرع للمرأة أن تصلي صلاة التراويح إما في بيتها، وإما في المسجد.
وإذا أتاها الحيض فإنها لا تقضيها، وذلك لأن الصلاة لا تقتضى لا فرضها ولا نفلها بالنسبة للحائض فلا يشرع لها أن تقضيها إذا ظهرت. والله أعلم.
стр. 5388
رسالة
قال فضيلة الشيخ – حفظه الله ورعاه -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التراويح: قيام الليل جماعة في رمضان، ووقتها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وقد رغب النبي ﷺ في قيام رمضان حيث قال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (١) . وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قام ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" (٢) وذلك في رمضان.
والسنة أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين؛ لأن عائشة ﵂ سئلت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"، متفق عليه (٣) . وفي الموطأ عن محمد بن يوسف (وهو ثقة ثبت) عن السائب بن يزيد (وهو صحابي) أن عمر بن الخطاب – ﵁ – أمر أبي بن كعب وتميماً الداري
стр. 5389
أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (١) .
وإن زاد على إحدى عشرة ركعة فلا حرج؛ لأن النبي ﷺ سئل عن قيام الليل فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى". أخرجاه في الصحيحين (٢) . لكن المحافظة على العدد الذي جاءت به السنة مع التأني والتطويل الذي لا يشق على الناس أفضل وأكمل.
وأما ما يفعله بعض الناس من الإسراع المفرط فإنه خلاف المشروع، فإن أدى إلى الإخلال بواجب أو ركن كان مبطلاً للصلاة.
وكثير من الأئمة لا يتأنى في صلاة التراويح، وهذا خطأ منهم فإن الإمام لا يصلي لنفسه فقط، وإنما يصلي لنفسه ولغيره، فهو كالولي يجب عليه فعل الأصلح. وقد ذكر أهل العلم أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن فكيف بمن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يجب؟
وينبغي للناس أن يحرصوا على إقامة هذه التراويح، وأن لا يضيعوها بالذهاب من مسجد إلى مسجد فإن "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" (٣) وإن نام بعد على فراشه.
ولا بأس بحضور النساء صلاة التراويح إذا أمنت الفتنة بشرط أن يخرجن محتشمات غير متبرجات بزينة ولا متطيبات.
стр. 5390
٨٠٩ سئل فضيلة الشيخ: هل للختمة أصل من السنة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم أن للختمة عند انتهاء القرآن أصلاً من السنة، وغاية ما ورد في ذلك ما ذكر عن أنس بن مالك – ﵁ – "أنه كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله فدعا" (١) ، أما أن تكون في الصلاة فلا أعلم في ذلك سنة، ولكن من علم سنة في ذلك فإن الواجب عليه أن يعمل بمقتضى ذلك الدليل عنده إذا كان يدل على الوجوب أو يستحب له أن يعمل به إذا كان يدل على الاستحباب، ومن لم يعلم في ذلك سنة فلا يفعل؛ لأن العبادات مبناها على التوفيق.
٨١٠ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم دعاء ختم القرآن في قيام الليل في شهر رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم في ختمة القرآن في قيام الليل في شهر رمضان سنة عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه أيضاً، وغاية ما ورد في ذلك أن أنس بن مالك – ﵁: "كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعى" وهذا في غير الصلاة.
ثم إن في هذه الختمة مع كونها لم يثبت لها أصل من السنة فيها أن الناس ولاسيما النساء يكثرون في هذا المسجد المعين ويحصل بذلك من الاختلاط بين الرجال والنساء عند الخروج ما هو معلوم لمن شاهده.
...
стр. 5391
ولكن بعض أهل العلم قال إنه يستحب أن يختم القرآن بهذا الدعاء.
ولو أن الإمام جعل الختمة في القيام في آخر الليل وجعلها مكان القنوت من الوتر وقنت لم يكن في هذا بأس؛ لأن القنوت مشروع.
стр. 5392
رسالة
حول دعاء ختم القرآن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم....
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
كتابكم المؤرخ في ٢/١٠/١٣٩٨هـ ورديفه المؤرخ في ٦ منه قرأتهما كليهما، وفهمت ما فيهما، وإني لأشكر أخي على ما أبداه من النصح ومحبة الخير، وأسأل الله لي وله التوفيق لما فيه الخير والصلاح والإصلاح، ثم أقول له:
إنني حينما تكلمت على مسألة الدعاء عند ختم القرآن وبينت أنه لم يتبين لي فيها سنة عن النبي ﷺ وأن المسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق ليحكم عليها بما تستحق من تصويب أو تخطئة، إنما تكلمت به عرضاً لا قصداً، لأني لما ذكرت الإنكار على من يرفعونها فوق المنابر بمكبر الصوت كان من المعلوم أن الناس، أو الكثير سيفهمون أن أصل هذا الدعاء من السنن المطلوبة فيما أرى، فتحرجت من ذلك الفهم وذكرت أن المسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق.
ثم يا أخي تعلم أن المسالة ليست مما علم ثبوته بالضرورة من الدين حتى يكون التوقف فيها على النظر والتحقيق من الأمر الذي لا ينبغي، بل هي من المسائل التي لم يعلم لها أصل ثابت من سنة النبي ﷺ ،
стр. 5393
ولهذا كرهها من كرهها من أهل العلم، كمالك – ﵀ – إمام دار الهجرة، فالواجب النظر والتحقيق اتباعاً لقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩) . فإذا تبين الصواب للمرء وجب عليه اتباعه عملاً ودعوة؛ لأنه من تمام النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين، وعامتهم.
وأما ما ذكرت من أن الأدعية التي يدعى بها عند ختم القرآن أدعية نبوية.
فما كان منها كذلك فإنه لا يتوقف فيما ثبت منها عن النبي ﷺ أو كان من الأدعية المباحة غير الواردة، وإنما التوقف في اتخاذ ذلك الدعاء سنة رابتة عند ختم كتاب الله بدون سنة مأثورة، حتى إن بعض العوام يكاد يظن أنها واجبة، وإذا كان كثير من أهل العلم كرهوا المداومة على ما تسن قراءته من بعض السور المعينة في الصلاة خوفاً من أن يظن وجوبها، فما بالك في هذا الدعاء المعتاد عند ختم كتاب الله ؟!
وأما ما ذكرت من أن مشائخنا المرضيين كانوا يفعلونها.
فلنعم المشائخ من ذكرت، وإذا كانوا على سنة ماثورة فنرجو الله تعالى الذي بيده الفضل أن يتفضل علينا بالهداية إليها، ويوفقنا للعمل بها، والدعوة إليها فإنها لها طالبون، ولما تقتضيه إن شاء الله متبعون.
وأما ما ذكرت من اعتراض بعض الناس عليّ.
فإني أسأل الله تعالى أن يرزقني الصبر على ما يقولون، وأن يرزقني وإياكم الثبات على الحق، ويجعلنا ممن لا تأخذه في الله
стр. 5394
لومة لائم، وأن يبعدنا عن طريق من إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله.
ويا أخي إن كلام الناس في مثل ذلك ليس بغريب، فأنت تعلم كلامهم في شيخنا عبد الرحمن السعدي – ﵀ – وفي شيخه الشيخ صالح وفي غيرهما من أهل العلم والأئمة، بل كلامهم في أشرف الخلق، واعظمهم قدراً، وأعلمهم بالله، وأنصحهم لعباد الله سول الله محمد ﷺ حيث قال الكافرون: (هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ* أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (صّ، الآيتان: ٤-٥) . وقالوا: (أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) (الصافات: ٣٦) ، فكذبوه في أبين الأشياء، وأظهرها واستكبروا عن قوله، وأنكروا أن يتركوا آلهتهم التي اعتادوا عبادتها من أجله وكذلك قد فعل قوم هود حين قالوا له: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ* إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) (هود، الآيتان: ٥٣- ٥٤) .
وأما ما ذكرت من سماعك بعض الناس يقولون: هو يظن أنني نبي نتعطل لما يعلمنا برايه.
فهذا القول الذي يقولونه خطير جداً نسأل الله أن يعفو عنا وعنهم، وكان عليهم أن يقولوا بما قاله المؤمنون إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم: (أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور: ٥١) فأنا إن دعوتهم للأخذ برأيي مجرداً، - وأبرأ إلى الله تعالى أن أدعو الناس لذلك، وأسأل الله أن يعصمني منه – إن دعوتهم لذلك فلهم الحق كل الحق في رفضه، وأما إذا دعى الناس للتحاكم إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ فعلاً لما فعل، وتركاً
стр. 5395
لما ترك فإن عليهم قبول ذلك وإن خالف ما اعتادوه (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب: ٣٦) .
وأنت قد سمعت ما قلت في الخطبة من أن المسألة تحتاج إلى بحث وتحقيق، هل لها أصل من السنة أو لا أصل لها؟ وهذا واجب المؤمن في الأمور كلها إذا لم تكن معلومة.
وأما ما ذكرت في كتابك المردف من الاستدلال بقوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة".
فالحديث لا يدل على مثل مسألتنا، وإنما المراد به – والله أعلم – واحد من أمرين:
أحدهما: أن يراد بالسنة الطريقة الموصلة إلى أمر مشروع ثبت شرعه بكتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ كبناء المدارس لجمع الطلبة، وتصنيف السنة لتقريبها على طالبيها، ووضع الدواوين لرزق الجند ونحو ذلك من الوسائل الموصلة إلى أمر مشروع وهي كثيرة جداً.
الثاني: أن يراد بمن سن سنة حسنة: من سبق إلى العمل بها فيكون المراد بالسنة سنة العمل لا سنة التشريع كما جاء ذلك مبيناً في سياق الحديث، فعن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند النبي ﷺ في صدر النهار فجاء قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه