وعلى هذا فأنت إذا صليت على نبيك فمعنى ذلك أثنى الله عليك بها عند الملا الأعلى عشر مرات، وهذه نعمة كبيرة تدل على فضيلة الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة.
стр. 5322
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فضيلة شيخنا العلامة: محمد الصالح العثيمين حفظه الله ورعاه.. ما قولكم فيمن يقول في دعائه في القنوت في رمضان أو غيره: يا من لا تراه العيون أو يخصص [في الدنيا العيون] ولا تخالطه الظنون ولا يخشى الدوائر ولا تغيره الحوادث، ويقول: يا سامع الصوت ويا سابق الفوت ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت، ويقول: يا من يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد قطر الأمطار وعدد ورق الأشجار وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار.
آفتونا مأجورين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب: هذه أسجاع غير واردة عن النبي ﷺ ، وفيما ورد عنه من الأدعية ما هو خير منها من غير تكلف.
والجملة الأولى: يا من لا تراه العيون إن أراد في الآخرة أو مطلقاً فخطأ مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من أن الله تعالى يرى في الآخرة. وإن أراد في الدنيا فإن
стр. 5323
الله تعالى يثنى عليه بالصفات على الكمال والإثبات لا بالصفات السلبية. والتفصيل في الصفات السلبية بغير ما ورد من ديدن أهل التعطيل.
فعليك بالوارد، ودع عنك الجمل الشوارد.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٢/٨/١٤١٧هـ.
стр. 5324
فصل
في شرح دعاء القنوت
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، واصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
فإننا نسمع دعاء القنوت المشهور الذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي بن أبي طالب – ﵄ – وهذا بيان لمعاني هذا الدعاء والله الموفق:
"اللهم اهدنا" ما المراد بالهداية هنا؟
هل المعنى لدنا على الحق فيمن دللت؟ أو أن المعنى دلنا على الحق ووفقنا لسلوكه؟
الجواب الثاني: أن المعنى دلنا على الحق ووفقنا لسلوك الحق وذلك؛ لأن الهداية التامة النافعة هي التي يجمع الله فيها للعبد بين العلم والعمل؛ لأن الهداية بدون عمل لا تنفع بل هي ضرر؛ لأن الإنسان إذا لم يعمل بما علم صار علمه وبالاً عليه.
مثال الهداية العلمية بدون العمل: قوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ
стр. 5325
فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (فصلت: ١٧) . ومعنى هديناهم:
أي بينا لهم الطريق وأبلغناهم العلم، ولكنهم – والعياذ بالله – استحبوا العمى على الهدى.
ومن الهداية التي هي العلم وبيان الحق قول الله ﵎ للنبي ﷺ : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: ٥٢) . ومعنى تهدي:
أي تدل وتبين، وتعلم الناس الصراط المستقيم.
وأما الهداية التي بمعنى التوفيق، فمثل قول المصلي (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: ٦) .
فعندما نقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) هل أنت تسأل الله علماً بلا عمل، أو عملاً بلا علم، أو علماً وعملاً؟
الجواب: ينبغي للإنسان إذا دعا الله بقول: "أهدنا الصراط المستقيم" أن يستحضر أنه يسأل ربه العلم والعمل.
فالعلم الذي هو الإرشاد، والعمل هو التوفيق، وهذا فيما أظن – والعلم عند الله – أنه يغيب عن بال كثير من الناس عندما يقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) .
وقوله تعالى للرسول ﷺ : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
هذه هداية إرشاد وبيان. لكن قوله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) (القصص: ٥٦) . فهذه الهداية هداية التوفيق للعمل، فالرسول ﷺ لا يستطيع أن يوفق أحداً للعمل الصالح أبداً ولو كان يستطيع ذلك لاستطاع أن يهدي عمه أبا طالب، وقد حاول معه حتى
стр. 5326
قال له عند وفاته: "يا عم قل: "لا إله إلا الله" كلمة أحاج لك بها عند الله" ولكن قد سبقت له من الله الكلمة بأنه من أهل النار – والعياذ بالله -. فلم يقل لا إله إلا الله وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب (١) . ولكن الله أذن لرسوله ﷺ أن يشفع له، لا لأنه عمه، لكن لأنه قام بسعي مشكور في الدفاع عن النبي ﷺ وعن الإسلام. فشفع النبي ﷺ فيه فكان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، وإنه لأهون أهل النار عذاباً. قال النبي ﷺ : "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (٢) .
إذا قلنا في دعاء القنوت: اللهم اهدنا فيمن هديت، فإننا نسأل الله تعالى الهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل.
وقوله: "فيمن هديت" ما الذي جاء بها هنا يعني لو اقتصر الإنسان وقال: "اللهم اهدنا" حصل المقصود؟
الجواب: ليكون ذلك من باب التوسل بنعم الله على من هداه أن ينعم علينا نحن أيضاً بالهداية، يعني أننا نسألك الهداية فإن ذلك من مقتضى رحمتك وحكمتك ومن سابق فضلك فإنك قد هديت أناس آخرين. وهذا فيه نوع من التوسل بفعل الله تعالى وهو هدايته من هدى.
"وعافنا فيمن عافيت".
...
стр. 5327
هل المعافاة من أمراض البدن، أو من أمراض القلوب، أو من الأمراض البدنية والقلبية؟
فالجواب: من الاثنين أي عافنا من أمراض القلوب، وأمراض البدن.
وما الذي يتبادر إلى أذهانكم إذا دعوتم الله بهذا الدعاء: "وعافنا فيمن عافيت"؟ الظاهر: أن المتبادر أنه العافية من أمراض البدن، لكن ينبغي لك يا أخي أن تستحضر أن الله يعافيك من أمراض البدن وأمراض القلب؛ لأن أمراض القلوب هي المصائب، ولذلك نقول في دعاء القنوت: "ولا تجعل مصيبتنا في ديننا".
وأمراض القلوب تعود إلى شيئين:
١- أمراض الشهوات ومنشؤها الهوى، فإن الإنسان يعرف الحق لكن لا يريده، فله هوى مخالف لما جاء به النبي ﷺ .
٢- أمراض الشبهات ومنشؤها الجهل، فإن الإنسان الجاهل يفعل الباطل ويظنه حق، وهذا مرض خطير.
فأنت تسأل الله العافية من أمراض الأبدان وأمراض القلوب التي هي أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات.
وعندما نقول أمراض الشهوات فلا تظن أننا نزيد أمراض الشهوة الجنسية – وهي شهوة النكاح – ولكننا نريد كل ما يريده الإنسان مما يخالف الحق، فإنها شهوة – بمعنى: إرادة: اشتهى أن يبتدع في دين الله أو اشتهى أن يحرف نصوص الكتاب والسنة لهواه، أو اشتهى أن يسرق، أو أن يشرب الخمر، أو يزني، وما أشبه ذلك.
"وتولنا فيمن توليت":
стр. 5328
معناه: أي كن ولياً لنا بالولاية الخاصة للمؤمنين كما قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) (البقرة: ٢٥٧) . وقوله جل وعلا: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) (المائدة: ٥٥) . فتسأل الله تعالى الولاية الخاصة التي تقتضي العناية بمن تولاه الله .
أما الولاية العامة: فهي تشمل كل أحد، فالله ولي كل أحد، كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام: ٦١) . وهذا عام لكل أحد ثم قال: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) (الأنعام: ٦٢) . أي: الولاية العامة.
لكن عندما نقول: "اللهم اجعلنا من أوليائك"، أو "اللهم تولنا" فإننا نريد بها الولاية الخاصة، والولاية الخاصة تقتضي التوفيق، والنصرة، والصد عن كل ما يغضب الله .
"وبارك لنا فيما أعطيت":
البركة يقول العلماء: إنها هي الخير الكثير الثابت، ويعيدون ذلك إلى اشتقاق هذه الكلمة، فإنها من البركة وهي مجمع الماء مكان واسع ماؤه كثير ثابت.
فالبركة هي الخيرات الكثيرة الثابتة.
والمعنى أي انزل لي البركة فيما أعطيتني.
"فيما أعطيت":
أي من كل شيء أعطى الله (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النحل: ٥٣) . فتسأل الله البركة فيه؛ لأن الله إذا لم يبارك
стр. 5329
لك فيما أعطاك حرمت خيراً كثيراً.
ما أكثر الناس الذين عندهم المال الكثير وهم في عداد الفقراء؛ لأنهم لا ينتفعون بمالهم، تجد عندهم من الأموال ما لا يحصى، لكن يقصر على أهله في النفقة، وعلى نفسه ولا ينتفع بماله، والغالب أن من كان هذه حاله وبخل بما يجب عليه، أن يسلط على أمواله آفات تذهبها.
كثير من الناس عنده أولاد لكن أولاده لم ينفعوه، عندهم عقوق واستكبار على الأب، حتى إنه – أي الولد – يجلس إلى صديقه الساعات الطويلة يتحدث إليه ويأنس به ويفضي إليه بأسراره، لكنه إذا جلس عند أبيه، وإذا هو كالطير المحبوس في الققص – والعياذ بالله – لا يأنس بأبيه، ولا يتحدث إليه، ولا يفضي إليه بشيء من أسراره، ويستثقل حتى رؤية أبيه، فهؤلاء لم يبارك لهم في أولادهم.
تجد بعض الناس أعطاه الله علماً كثيراً لكنه بمنزلة الأمي لا يظهر أثر العلم عليه في عباداته، ولا في أخلاقه، ولا في سلوكه، ولا في معاملته مع الناس، بل قد يكسبه العلم استكباراً على عباد الله وعلواً عليهم واحتقاراً لهم، وما علم هذا أن الذي من عليه بالعلم هو الله، وأن الله لو شاء لجعله مثل هؤلاء الجهال. تجده قد أعطاه الله علماً، ولكن لم يتنفع الناس بعلمه، لا بتدريس، ولا بتوجيه، ولا بتأليف، بل هو منحصر على نفسه لم يبارك الله له في العلم، وهذا بلا شك حرمان عظيم، مع أن العلم من أبرك ما يعطيه الله للعبد؛ لأن العلم إذا علمته غيرك، ونشرته بين الناس أجرت على ذلك من عدة وجوه:
...
стр. 5330
أولاً: أن في نشرك للعلم نشراً لدين الله ، فتكون من المجاهدين في سبيل الله؛ فالمجاهد في سبيل الله يفتح البلاد بلداً بلداً حتى ينشر فيها الدين، وأنت تفتح القلوب بالعلم حتى تنشر فيها شريعة الله .
ثانياً: من بركة نشر العلم وتعليمه، أن فيه حفظاً لشريعة الله وحماية لها، لأنه لولا العلم لم تحفظ الشريعة، فالشريعة لا تحفظ إلا برجالها رجال العلم، ولا يمكن حماية الشريعة إلا برجال العلم، فإذا نشرت العلم، وانتفع الناس بعلمك، حصل في هذا حماية لشريعة الله، وحفظ لها.
ثالثاً: فيه أنك تحسن إلى هذا الذي علمته؛ لأنك تبصره بدين الله ، فإذا عبد الله على بصيرة؛ كان لك من الأجر مثل أجره؛ لأنك أنت الذي دللته على الخير، والدال على الخير كفاعل الخير. فالعلم في نشره خير وبركة لناشره ولمن نشر إليه.
رابعاً: أن في نشر العلم وتعليمه زيادة له، فعلم العالم يزيد إذا علم الناس؛ لأنه استذكار لما حفظ وانفتاح لما لم يحفظ كما قال القائل:
يزيد بكثرة الإنفاق منه
وينقص إن به كفاً شددتا
أي إذا أمسكته ولم تعلمه نقص.
"وقنا شر ما قضيت":
الله يقضي بالخير ويقضي بالشر.
أما قضاؤه بالخير فهو: خير محض في القضاء والمقضي.
стр. 5331
مثال: القضاء للناس بالرزق الواسع والأمن والطمأنينة والهداية والنصر إلخ.
فهذا الخير في القضاء والمقضي.
وأما قضاؤه بالشر فهو خير في القضاء، شر في المقضي.
مثال ذلك: القحط وامتناع المطر، فهذا شر لكن قضاء الله به خير.
قال الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١) .
فلهذا القضاء غاية حميدة، وهي: الرجوع إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته، فصار المقضي شراً، وصار القضاء خيراً.
"وقنا شر ما قضيت":
"ما" هنا اسم موصول، والمعنى أي شر الذي قضيته، فإن الله تعالى يقضي بالشر لحمة بالغة حميدة.
"إنك تقضي ولا يقضى عليك":
فالله تعالى يقضي على كل شيء؛ لأن له الحكم التام الشامل.
"ولا يقضى عليك":
فلا يقضي عليه أحد. فالعباد لا يحكمون على الله، والله يحكم عليهم، العباد يسألون عما عملوا، وهو سبحانه (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الانبياء: ٢٣) .
"إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت":
وهذا كالتعليل لقولنا فيما سبق: "وتولنا فيمن توليت" فإذا
стр. 5332
تولى الله سبحانه الإنسان فإنه لا يذل، وإذا عادى الله الإنسان فإنه لا يعز – ومعنى ذلك – أننا نطلب العز من الله سبحانه، ونتقي من الذل بالله فلا يمكن أن يذل أحد والله تعالى وليه، فالمهم هو تحقيق هذه الولاية، وبماذا تكون هذه الولاية؟
الجواب: هذه الولاية تكون بوصفين بينهما الله في كتابه فقال :) أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٢- ٦٣) وصفان أحدهما في القلب والثاني في الجوارح. (الذين آمنوا) هذه في القلب (وكانوا يتقون) هذه في الجوارح، فإذا صلح القلب والجوارح نال الإنسان الولاية بهذين الوصفين.
وليست الولاية فيمن يدعيها من أولئك القوم الذين يسلكون طرق الرهبان وأهل البدع الذين يبتدعون في شرع الله ما ليس منه ويقولون نحن الأولياء.
فولاية الله التي بها العز هي مجموعة في هذين الوصفين الإيمان والتقوى.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه أخذاً من هذه الآية: (الذين آمنوا وكانوا يتقون) :
"من كان مؤمناً تقياً، كان لله ولياً". وصدق – ﵀ – لأن هذا ما دل عليه القرآن.
"ولا يعز من عاديت":
يعني أن من كان عدواً لله فإنه لا يعز، بل حاله الذل والخسران والفشل، قال الله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ
стр. 5333
وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨) . فكل الكافرين في ذلك وهم أذلة. ولهذا لو كان عند المسلمين عز الإسلام، وعز الدين، وعز الولاية ما كان هؤلاء الكفار على هذا الوضع الذي نحن فيه الآن؛ حتى إننا ننظر إليهم من طرف خفي؛ ننظر إليهم من طريق الذل لنا والعز لهم؛ لأن أكثر المسلمين اليوم مع الأسف لم يعتزوا بدينهم ولم يأخذوا بتعاليم الدين، وركنوا إلى مادة الدنيا وزخارفها، ولهذا أصيبوا بالذل، فصار الآن الكفار في نفوسهم أعز منهم. لكننا نؤمن بأن الكفار أعداء الله، وأن الله كتب الذل على كل عدو له.
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) (المجادلة: ٢٠) وهذا خبر مؤكد ثم قال: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة: ٢١) .
فمن عادى الله فهو ذليل لا يمكن أن يكون عزيزاً أبداً لكن قد يكون عزيزاً في نظر من لا يرى العزة إلا في مصل ما كان عليه هذا الكافر، وأما من نظر إلى أن العزة لا تكون إلا بولاية الله والاستقامة على دينه فإنه لا يرى هؤلاء إلا أذل خلق الله.
"تباركت ربنا وتعاليت":
هذا ثناء على الله بأمرين:
أحدهما: التبارك والتاء هنا للمبالغة؛ لأن الله هو أهل البركة.
تباركت: أي كثرت خيراتك وعمت ووسعت الخلق؛ لأن البركة كما قلنا فيما سبق هي الخير الكثير الدائم.
وقوله: "ربنا":
...
стр. 5334
أي يا ربنا فهو منادى حذفت منه ياء النداء لكثرة الاستعمال، وللتبرك بالبداءة باسم الله تعالى.
وقوله: "وتعاليت":
من العلو الذاتي والوصفي. فالله سبحانه عليٌّ بذاته وعليٌّ بصفاته، فعلو الذات معناه: أن الله تعالى فوق كل شيء، وعلو الصفات معناه: أن الله تعالى موصوف بكل صفات عليا، فليس في صفاته نقص بوجه من الوجوه (١) .
"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" هذا من باب التوسل برضاء الله أن يعيذك من سخطه.
"وبمعافاتك من عقوبتك". أي أن يعافيك الله من كل بلية في الدين والدنيا.
"وبك منك" في هذا غاية اللجوء إلى الله، فلا يمكن أن تستعيذ من الله إلا بالله، إذ لا أحد يعيذك من الله إلا الله، فالإنسان يقر بقلبه ولسانه أنه لا مرجع له إلا ربه .
"لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" أي لا ندركه، ولا نبلغه. فلا يمكن أن تحصي الثناء على الله أبداً؛ لأن أفعال الله غير محصورة وكل فعل من أفعال الله فهو كمال، وأقواله كذلك غير محصورة، وكذلك ما يدفعه عن عبادة غير محصورة، فالثناء على الله لا يمكن أن يصل الإنسان فيه إلى غاية ما يجب لله من الثناء مهما بلغ من الثناء على الله تعالى، وغاية الإنسان أن يعترف
стр. 5335
بالنقص والتقصير فيقول: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". وفي هذا من الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهر معلوم.
"اللهم صل على محمد" أي: أثني عليه في الملأ الأعلى.
"وعلى آل محمد" إذا ذكر الآل وحده فالمراد جميع أتباعه على دينه، وإذا ذكر معه غيره صار المراد بالآل المؤمنين من أهل بيته وغيرهم بحسب السياق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 5336
٧٨١ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء الأقرب أنه غير مشروع؛ لأن الأحاديث (١) الواردة في ذلك ضعيفة حتى قال شيخ الإسلام – ﵀: إنها لا تقوم بها الحجة، وإذا لم نتأكد أو يغلب على ظننا أن هذا الشيء مشروع فإن الأولى تركه؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الظن إلا إذا كان الظن غالباً.
فالذي أرى في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء أنه ليس بسنة والنبي ﷺ كما هو معروف دعا في خطبة الجمعة بالاستسقاء ورفع يديه ولم يرد أنه مسح بهما وجهه، وكذلك في عدة أحاديث جاءت عن النبي ﷺ أنه دعا ورفع يديه ولم يثبت أنه مسح وجهه.
٧٨٢ سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: ما رأي المذاهب الأربعة في القنوت ؟
فأجاب فضيلته بقوله: رأي المذاهب الأربعة في القنوت كما يلي:
١- المالكية قالوا لا قنوت إلا في صلاة الفجر خاصة؛ فلا قنوت في الوتر ولا غيره من الصلوات.
стр. 5337
٢- الشافعية قالوا: لا قنوت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان ولا قنوت في غيره من الصلوات، إلا في صلاة الفجر على كل حال، وفي غيرها من الفرائض إن نزلت بالمسلمين نازلة من نوائب الدهر.
٣- الحنفية قالوا: يقنت في الوتر، ولا يقنت في غيره من الصلوات إلا في النوازل وشدائد الدهر في الفجر خاصة يقنت الإمام ويؤمن من خلفه ولا يقنت المنفرد.
٤- الحنابلة قالوا: يقنت في الوتر ولا يقنت في غيره إلا في النوازل وشدائد الدهر غير الطاعون فيقنت الإمام أو نائبه في الصلوات الخمس غير الجمعة.
وقال الإمام أحمد نفسه لا يصح عن النبي ﷺ في قنوت الوتر قبل الركوع أو بعده شيء.
هذه أقوال أهل المذاهب الأربعة.
والراجح أنه لا يقنت في الفرائض إلا لأمر نزل بالمسلمين، أما الوتر فلم يصح عن النبي ﷺ أنه قنت في الوتر لكن في السنن أنه علم الحسن بن علي كلمات يقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره، وقد صححه بعض أهل العلم (١) ، فإن قنت فحسن، وإن ترك القنوت فحسن أيضاً والله الموفق. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٧/٣/١٣٩٨هـ.
стр. 5338
٧٨٣ وسئل فضيلة الشيخ: هل تشرع قراءة الفاتحة في آخر الدعاء أو في البداية؟ وهل هذا من البدع ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن قراءة الفاتحة بين يدي الدعاء، أو في خاتمة الدعاء من البدع؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يفتتح بقراءة الفاتحة، أو يختم دعاءه بالفاتحة، وكل أمر تعبدي لم يرد عن النبي ﷺ فإن إحداثه بدعة.
وبهذه المناسبة: فقد ثبت عن النبي ﷺ أن الفاتحة رقية (١) ، اي يقرأ بها على المريض يستشفى بها، وهذا واقع مجرب. فإن قراءة الفاتحة على المريض من أقرب العلاج للشفاء.
٧٨٤ سئل فضيلة الشيخ - وفقه الله وعفا عنه -: ما كيفية الجلسة للتشهد في صلاة الوتر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإنسان في صلاة الوتر يجلس مفترشاً؛ لأن الأصل في جلسات الصلاة الافتراش، إلا إذا قام دليل على خلاف ذلك، وعلى هذا فنقول يجلس للتشهد في الوتر مفترشاً، ولا تورك إلا في صلاة يكون لها تشهدان فيكون التورك في التشهد الأخير للفرق بينه وبين التشهد الأول هكذا جاءت السنة، والله أعلم.
стр. 5339
٧٨٥ سئل فضيلة الشيخ: هل زيادة ركعة بعد تسليم الإمام من الوتر إذا كان المأموم يريد التهجد بعده له أصل من السنة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم له أصل من السنة، وذلك قوله ﷺ حين كان يصلي بأهل مكة وهو مسافر كان يقول لهم: "يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر" (١) . فهؤلاء الذين يصلون خلف الإمام وهو يوتر نقول إنهم نووا التهجد بعد هذا، صلوا مع الإمام، فإذا سلم فأتموا بركعة ليكون آخر صلاتكم في الليل وتراً.
٧٨٦ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة قيام الليل جماعة في غير رمضان ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الشفع والوتر والتهجد تجوز فيه الجماعة أحياناً لا دائماً، ودليل ذلك أن النبي ﷺ صلى جماعة ببعض أصحابه، فمرة صلى معه عبد الله بن عباس – ﵄ (٢) -، ومرة صلى معه عبد الله بن مسعود – ﵁ (٣) -، ومرة صلى معه حذيفة بن اليمان (٤) – ﵁.
لكن هذا ليس راتباً أي لا يفعله كل ليلة، ولكن أحياناً: فإذا
стр. 5340
قام الإنسان بتهجد وقد نزل به ضيف وصلى معه هذا الضيف جاء في تهجده ووتره فلا بأس به، أما دائماً، فلا.
وهذا في غير رمضان؛ أما في رمضان فإنه تسن فيه الجماعة من أوله إلى آخره من التراويح ومنها الوتر.
٧٨٧ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة الوتر؟ وهل يجب القنوت فيه؟ وهل يمسح وجهه بعد انتهاء الدعاء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة الوتر سنة مؤكدة، قال النبي ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (١) .
ووقتها: من صلاة العشاء ولو كانت مجموعة إلى المغرب جمع تقديم إلى طلوع الفجر. ولكن يجعله الإنسان آخر صلاته من الليل، ثم إن كان ممن يقوم في آخر الليل، فليؤخر الوتر إلى آخر الليل حتى ينتهي من التهجد، وإن كان ممن لا يقوم، فإنه يوتر قبل أن ينام؛ لأن النبي ﷺ أوصى أبا هريرة – ﵁ – أن يوتر قبل أن ينام (٢) . قال العلماء: وسبب ذلك أن أبا هريرة – ﵁ – كان يسهر أول ليلة في حفظ أحاديث النبي ﷺ .
وأما القنوت في الوتر فليس بواجب، والذي ينبغي للإنسان أن لا يداوم عليه؛ بل يقنت أحياناً، ويترك أحياناً.
وأما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء فمن العلماء من قال: إنه
стр. 5341
بدعة؛ لأن الأحاديث الواردة فيه ضعيفة (١) ، كشيخ الإسلام بن تيميه – ﵀ – فإنه يقول للداعي إذا انتهى من دائه ولو كان رافعاً يديه لا يمسح بيديه؛ لأن الأحاديث الواردة بهذا ضعيفة. والأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي ﵊ في دعائه أنه إذا رفع يديه فإنه لا يمسح بها وجهه ﷺ .
ومن العلماء من قال: إن المسح سنة بناء على أن الأحاديث الضعيفة إذا تكاثرت قوى بعضها بعضاً.
والذي أراه أن مسح الوجه بعد الدعاء ليس بسنة؛ لكن من مسح فلا ينكر عليه، ومن ترك فلا ينكر عليه.
стр. 5342
فصل
في صلاة الوتر (١)
قال فضيلة الشيخ – جزاه الله عن والمسلمين خير الجزاء -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فإن الوتر سنة سنة الرسول ﷺ وأكده، حتى ذهب العلماء إلى أن الوتر واجب.
قال الإمام أحمد بن حنبل – ﵀: "من ترك الوتر فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة".
والوتر ركعة يختم بها الإنسان صلاة الليل، قال النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى" (٢) .
وأدنى الوتر ركعة، ويوتر بثلاث، وإذا أوتر بثلاث فإن شاء جعلها بسلامين، وإن شاء جعلها بسلام واحد وبتشهد واحد.
فإن كان بسلامين فيصلي ركعتين ويسلم، ثم يصلي الثالثة
стр. 5343
ويسلم، أو بثلاث معاً، فيصلي ثلاثاً فرداً بتشهد واحد وسلام واحد، وبهذا تخرج عن مشابهة المغرب؛ لأن المغرب ثلاث، لكن بتشهدين.
ويوتر بخمس، وإذا أوتر بخمس سردها ولم يجلس إلا مرة واحدة ويسلم. فتكون الخمس بسلام واحد وتشهد واحد.
ويوتر كذلك بسبع ويسردها وتكون بسلام واحد وتشهد واحد.
ويوتر بتسع ويسردها، لكن بتشهد بعد الثامنة ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويسلم.
ويوتر بإحدى عشرة ركعة ويسلم من كل ركعتين.
فإذا أخر الوتر إلى آخر الليل بناء على أنه سيقوم ولكنه لم يقم فطلع الفجر عليه قبل أن يوتر فماذا يصنع؟ ...
يقضيه، ولكن شفعاً، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث قضاه أربعاً، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس قضاه ستاً وهكذا؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ من حديث عائشة – ﵂ – "أنه ذا غلبه نوم، أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة" (١) .
ووجه ذلك أن الوتر إنما تختم به صلاة الليل. وصلاة الليل قد انتهت، فيقضي الإنسان ورده الذي كان يصليه في الليل ولا يوتر؛ لأن زمن الوتر انقضى.
وإذا كان يظن أن لا يقوم من آخر الليل فأوتر في أوله، ثم
стр. 5344
قدر له القيام من آخر الليل فقام فماذا يصنع؟
قال بعض العلماء: إنه ينقض وتره الأول فيصلي أول ما يصلي إذا استقيظ ركعة واحدة، لتكون مع الركعة التي في أول الليل شفعاً، ثم يصلي ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة، ويسمى هذا عند أهل العلم نقض الوتر، ولكن هذا القول ضعيف جداً؛ لأنه لا يمكن أن تبنى ركعة على الأخرى وبينهما هذه المدة الطويلة أو النوم أيضاً.
والقول الصحيح إنه إذا أوتر في أول الليل ثم قدر له أن يقوم في آخره فإنه يصلي ركعتين ركعتين حتى يطلع الفجر.
فإن قلت: هذا ينافي قول النبي ﷺ "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (١) .
فالجواب: أن النبي ﷺ لم يقل لا تصلوا بعد الوتر، فلو قال "لا تصلوا بعد الوتر" ما صلينا، ولكن قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً".
وهذا الرجل حين أوتر من أول الليل يعتقد أن هذا آخر صلاة الليل فقد امتثل ما أمر به النبي ﷺ لكن قدر له أن يصلي فصلى، ولذلك لو أوترت ثم أتيت المسجد فإنك تصلي تحية المسجد ولا ينافي هذا قول الرسول ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" لأن هناك فرقاً بين العبارتين، وهناك فرق بين أن يقول لا تصلوا بعد الوتر وبين أن يقول: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً".
...
стр. 5345
ولا يجب أن يقرأ الناس في الوتر بـ (سبح) و (قل يا أيها الكافرون) ولكن يقرأ ما تيسر، ولكن صحيح أن (سبح) و (قل يا أيها الكافرون) أفضل من غيرهما في هذه الصلاة، كما أن سبح والغاشية في صلاة الجمعة أفضل من غيرهما، والجمعة والمنافقون في صلاة الجمعة أفضل من غيرهما، لكن يجوز أن تقرأ بما تيسر كل القرآن، يمكن أن يقرأ في أي صلاة (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن) (المزمل: ٢٠) ، لو قرأ في الوتر غير سورة (قل هو الله أحد) فلا بأس؛ لأن قراءة الإخلاص ما هي إلا من باب السنية لا للوجوب.
أيضاً يوجد بعض الأئمة يتركون القنوت في الوتر عمداً، وهذا أيضاً من فقههم ليبينوا للعامة أن القنوت في الوتر ليس بواجب؛ لأن التبيين بالفعل أبلغ من التبيين بالقول.
فإذا بين الإمام للناس مثل هذه الأمور بالفعل حصل في هذا خير كثير ومعرفة لشرع الله.
وعلى هذا نقول: يجوز للإنسان في صلاة الوتر أن يقرأ (بسبح) و (الكافرون) و (الإخلاص) وأن يقرأ بغيرهما ولا حرج عليهم في ذلك.
ويجوز أيضاً أن يترك القنوت في الوتر، بل ذلك أولى من أجل أن يبين للناس أن القنوت ليس بواجب.
كيف يكون الوتر إذا أوتر الإنسان بثلاث؟
يكون على وجهين:
الوجه الأول: أن يسلم من الركعتين الأوليين، ثم يأتي بالثالثة وحدها.
...
стр. 5346
الوجه الثاني: أن يسرد الثلاث جميعاً بتشهد واحد، وهذا هو ظاهر حديث عائشة ﵂ حيث قالت: (كان النبي ﷺ يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) (١) . فظاهر قولها يصلي ثلاثاً أنه يسردها.
ولا يصلي الثلاث بتشهدين؛ لأنه لو فعل ذلك لكانت شبيهة بصلاة المغرب، وقد نهى أن تشبه صلاة الوتر بصلاة المغرب.
فإذا أوتر بخمس ففي حديث عائشة تقول: (يصلي أربعاً) فهل يسردها؟ فهم بعض الناس أن المعنى أنه يسردها، فصار يسرد اربعاً بسلام واحد وتشهد واحد، ثم يصلي أربعاً بتشهد واحد وسلام واحد، ثم يصلي ثلاثاً بتشهد واحد وسلام واحد.
وهذا وإن كان اللفظ محتملاً له، لكن ينبغي لطالب العلم أن يكون أفقه واسعاً، وأن يجمع بين أطراف الأدلة حتى لا تتناقض ولا تتنافى، فهذا الظاهر الذي هو كما قلنا يعارضه قول النبي ﷺ حين سئل عن صلاة الليل قال: "مثنى مثنى" (٢) وعلى هذا فيحمل قولها يصلي اربعاً على أنه يصلي أربعاً بتسليمتين، لكنه يستريح بعد الأربع، ثم يستأنف الأربع الأخرى بدليل قولها: "يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي" وثم في اللغة العربية تفيد التراخي، وعلى هذا فيكون المعنى أنه يسلم من ركعتين، ثم من ركعتين، ثم يستريح، ثم يأتي بركعتين، ثم ركعتين، ثم يستريح،
стр. 5347
ثم يأتي بالثلاث.
بقي قولها "ثم يصلي ثلاثاً" لماذا لا نحمل قوله "ثلاثاً" على أنه يركع ركعتين ثم يأتي بواحدة، كما حملنا "يصلي أربعاً" على أنه يأتي بركعتين ثم ركعتين؟
نقول: لأن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى" (١) .
فكان لابد من أن نقول يصلي أربعاً أي على ركعتين ركعتين، مثنى مثنى، أما الوتر، فالوتر يكون بواحدة، ويكون بالثلاث، لأن الثلاث وتر، ويكون بخمس، وبسبع، وبتسع، وبإحدى عشرة، وحيث ذكرنا الصور للوتر فلابد من أن نذكر كيفية هذه الصورة (٢) :
فالثلاث ذكرنا لها صورتين، والخمس لها صورة واحدة فقط، وهي أن يصلي الخمس جميعاً ولا يسلم إلا في آخرها، والسبع يسردها سرداً بتشهد واحد وسلام واحد.
والتسع يسردها سرداً بسلام واحد وبتشهدين بعد الثامنة يجلس ويتشهد ولا يسلم، ثم يأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم.
إذن الخمس، والسبع، والتسع، ليس لها إلا جلسة واحدة، وسلام واحد.
لكن تمتاز التسع بأن فيها تشهدين، والإحدى عشرة يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة.
وهنا سؤال: هل من المستحسن إذا كان الإنسان إماماً في
стр. 5348
رمضان أن يصلي بالناس خمساً فرداً؟
قد يقول قائل: نعم من المستحسن أن يفعل ذلك ليعلم الناس السنة؛ لأن التعليم بالفعل أبلغ من التعليم بالقول، وقد يقول قائل لا؛ لأن الإيتار بالخمس لم يفعله النبي ﷺ إلا وهو يصلي وحده في بيته.
والإيتار بالخمس أو صلاة الناس بخمس قد يشق عليهم، فلو جاء إنسان ودخل المسجد ووجد الإمام يصلي التراويح خمساً ودخل معه وهو لا يعلم، فقد يكون له شغل، وقد يكون محصوراً احتبس بوله، أو يريد أن يتغوط، أو خروج ريح ففي هذا مشقة على الناس.
ولا يخفى علينا جميعاً ما صنع النبي ﷺ بالنسبة لمعاذ بن جبل – ﵁ – فمعاذ كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، فشرع ذات ليلة بسورة البقرة وكان معه رجل من أهل المزارع ومن المعلوم أن صاحب الزرع يكون مستعجلاً متعباً يريد النوم، فلما شرع في البقرة انصرف الرجل وترك الصلاة معه وصلى وحده، فتكلم في حقه معاذ بن جبل، ولكن لما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال له: "يا معاذ أتريد أن تكون فتاناً" (١) .
ومعنى "فتاناً" يعني صد الناس عن سبيل الله؛ لأن الإمام إذا طول هذا التطويل ترك الناس الصلاة معه، فتركوا صلاة الجماعة.
...
стр. 5349
فهذا الذي يقوم الناس بخمس، أو سبع، أو تسع فرداً، قد ينفر الناس ويشق عليهم.
فالإنسان إذا صلى وحده فيصلي ما شاء، وإذا صلى بالناس فلابد أن يراعي أحوال الناس؛ لأنه ولي أمر.
وقد قال النبي ﷺ : "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فأشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به" (١) .
فالإنسان الذي له ولاية على طائفة من الناس يجب أن يراعي الناس إذا كان إماماً فليخفف، ولكن ما ميزان التخفيف المطلوب؟
ميزانه هي صلاة النبي ﷺ ، ولهذا قال أنس: "ما صليت وراء إمام قط أخف ولا أتم صلاة من صلاة النبي ﷺ " (٢) ، فالتخفيف ليس ينقرها الإنسان نقر الغراب، ولكن أن يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي.
فما تقولون في رجل صلى بالناس صلاة العيد وقرأ في الركعة الأولى سورة (ق) وفي الركعة الثانية سورة (القمر) .
هل هذا مطول أو مخفف؟
هذا مخفف؛ لأن هذا من السنة، فمن السنة أن تقرأ في صلاة العيد بسورة (ق) في الركعة الأولى، وسورة (القمر) في الركة الثانية وأحياناً بسبح والغاشية، وفي الجمعة أحياناً بسبح والغاشية
стр. 5350
وأحياناً بالجمعة والمنافقون.
إذن ينبغي للإنسان إذا كان ولياً على شيء أن يلاحظ أحوال المولى عليهم.
"حتى كان الرسول ﷺ إذا سمع بكاء الصبي خفف في صلاته مخافة أن تفتن أمه وينشغل قلبها" (١) .
وهذا من تمام الرعاية؛ لأن هذا التخفيف طارئ لعارض ولم يلاحظ للأم دائماً، ولكن لما طرأ هذا الشيء وصاح طفلها خفف الرسول ﷺ .
ومن ثم أخذ العلماء – ﵏ – أن ينبغي للإمام إذا أحس بداخل في الصلاة وهو راكع أخذ العلماء منه أنه ينبغي أن ينتظره لكن بشرط أن لا يشق على المأمومين الذين معه؛ لأنهم أحق بالمراعاة من الداخل.
ولكن كما نقول للإمام انتظر قليلاً ليدرك الداخل الركوع، نقول للداخل أيضاً لا تسرع، فبعض الناس إذا دخل ووجد الإمام راكعاً تراه يتنحنح أو يقول: اصبر إن الله مع الصابرين، أو يخبط برجليه، وهذا كله لا ينبغي.
فامش بهدوء كما قال النبي ﷺ : "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم
стр. 5351
فصلوا وما فاتكم فأتموا" (١) .
وهذه رخصة من الله، ودخل أبو بكرة – ﵁ – والنبي ﷺ راكع فأسرع وركع قبل أن يصل إلى الصف، ودخل في الصف من أجل إدراك الركوع؛ لأنه إذا أدرك الركوع، أدرك الركعة، فلما انصرف النبي ﷺ سأل من الذي فعل هذا؟ قال أبو بكرة – ﵁ – أنا يا رسول الله، قال ﷺ : "زادك الله حرصاً ولا تعد" (٢) .
وهذا من حسن التعليم منه ﷺ ، فهذا الرجل أسرع وخالف المشروع بإسراعه وركوعه قبل أن يصل إلى الصف ومع ذلك يقول الرسول ﷺ : "زادك الله حرصاً"؛ لأن النبي ﷺ علم بأنه إنما أسرع من أجل الحرص على الخير فقال: "زادك الله حرصاً".
وبهذا نعرف أن أبا بكرة – ﵁ – حينما أدرك الركوع يكون قد أدرك الركعة، وتكون هذه الحال مستثناة من قول الرسول ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٣) .
فنقول: إن فاتحة الكتاب تسقط عن الإنسان إذا أدرك الإمام راكعاً، لأن الرسول ﷺ لم يقل لأبي بكرة اقض الركعة التي لم تدرك قراءة الفاتحة فيها.
стр. 5352
وقد علم النبي ﷺ أنه إنما أسرع من أجل إدراك الركوع الذي به أدراك الركعة، فتكون هذه الصورة مستثناة من عموم قول الرسول ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
هذا وأسأل الله أن يجعلنا جميعاً من عباده المخلصين، ومن حزبه المفلحين، ومن أوليائه المتقين، وأن يجعلنا ممن يغتنمون أوقاتهم في طاعة مولاهم، وأن يتقبل منا جميعاً، إنه هو السميع العليم.
٧٨٨ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم القنوت في الفرائض ؟
فأجاب فضيلته بقوله: القنوت في الفرائض لم يرد عن النبي ﷺ إلا في أحوال مخصوصة فإن النبي ﷺ قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان الذين قتلوا القراء السبعين الذين بعثهم النبي ﷺ ثم تركه (١) وقنت ﷺ لإنجاء الله تعالى المستضعفين من المؤمنين في مكة حتى قدموا ثم تركه (٢) ، وكان ﷺ يقنت في مثل هذه الأحوال، ولكن ظاهر السنة أنه يقنت في المغرب وفي الفجر فقط. أما فقهاء الحنابلة – ﵏ – فقالوا: أنه يقنت إذا نزلت بالمسلمين نازلة في جميع الفرائض ما عدا صلاة الجمعة وعللوا ذلك – أعني ترك القنوت في صلاة الجمعة – بأنه يكفي الدعاء الذي يدعو به في الخطبة، إلا أن فقهاء الحنابلة يقولون في المشهور من مذهب الإمام
стр. 5353
أحمد إن القنوت خاص بإمام المسلمين دون غيره إلا من وكل إليه الإمام ذلك فإنه يقنت؛ يعني أنهم لا يرون القنوت لكل إمام مسجد ولكل مصل وحده؛ لأن النبي ﵊ إنما قنت ولم يأمر أمته بالقنوت، ولم يرد أن مساجد المدينة كانت تقنت في ذلك الوقت الذي كان النبي ﷺ يقنت فيه.
ولكن القول الراجح: أنه يقنت الإمام العام الذي هو رئيس الدولة، ويقنت أيضاً غيره من أئمة المساجد، وكذلك من المصلين وحدهم، إلا أني أحب أن يكون الأمر منضبطاً بحيث لا يعن لكل واحد من الناس أن يقوم فيقنت بمجرد أن يرى أن هذه نازلة وهي قد تكون نازلة في نظره دون حقيقة الواقع، فإذا ضبط الأمر وتبين أن هذه نازلة حقيقية تستحق أن يقنت المسلمون لها ليشعروا المسلم بأن المسلمين في كل مكان أمة واحدة، يتألم المسلم لأخيه ولو كان بعيداً عنه، ففي هذه الحال نقول: إنه يقنت كل إمام، وكل مصل ولو وحده.
وأما عدم أمر النبي ﷺ بذلك فإن فعله ﵊ سنة يقتدى بها، ونحن مأمورون بالاقتداء به، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب: ٢١) . فإذا فعل فعلاً يتعبد به لله فإننا مأمورون أن نفعل مثل فعله بمقتضى هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات الدالة على أنه إمامنا وقدوتنا وأسوتنا ﷺ ، لكن المهم عندي أن تكون الأمور منضبطة، وأن لا يذهب كل إنسان إلى رأيه بدون مشاورة أهل العلم ومن لهم النظر في هذه الأمور؛ لأن الشيء
стр. 5354
إذا كان فوضى تذبذب الناس واشتبه الأمر على العامة، لكن إذا ضبط وصار له جهة معينة تستشار في هذا الأمر كان هذا أحسن؛ هذا بالنسبة للأمر المعلن الذي يكون من أئمة المساجد مثلاً، أما الشيء الخاص الذي يفعله الإنسان في نفسه فهذا أمر يرجع إلى اجتهاده فمتى رأى أن في المسلمين نازلة تستحق أن يقنت لها فليقنت، ولا حرج عليه في ذلك والرسول ﵊ مثل المسلمين بالجسد الواحد فقال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (١) . والحاصل أن القنوت في الفرائض غير مشروع لا في الفجر ولا في غيرها إلا إذا نزلت بالمسلمين نازلة تستحق القنوت لها، فيشرع القنوت لكل مصل في المغرب وفي الفجر، وإن قنت في جميع الصلوات فإن هذا لا بأس به كما رآه بعض أهل العلم فإذا انجلت هذه النازلة توقف عن القنوت.
وأهم شيء أن يكون الأمر منضبطاً بحيث لا يكون فوضى وأن يرجع في ذلك إلى أهل الرأي في هذه الأشياء وهم أهل العلم.
٧٨٩ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم القنوت في صلاة الفجر؟ وما حكم القنوت في الوتر؟ وهل يصلي الإنسان الوتر كصلاة المغرب ؟
...
стр. 5355
فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال تضمن ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: القنوت في صلاة الفجر، وهذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم وهي مبنية على ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قنت شهراً يدعو لقوم أو يدعو على قوم؛ فقنت يدعو للمستضعفين من المؤمنين في مكة، وقنت يدعو على من قتلوا أصحابه القراء ﵊ قنت شهراً يدعو الله عليهم (١) . ومن تأمل سنة الرسول ﷺ وجد أن القول الصواب في هذه المسألة أنه لا قنوت في الفرائض إلا إذا نزلت بالمسلمين نازلة وحدثت حادثة تحتاج إلى الابتهال إلى الله على اجتماع، فإنه يقنت، وظاهر الأدلة أن القنوت ليس خاصاً بصلاة الفجر عند نزول النوازل بل هو عام في كل الصلوات، وعلى هذا فإذا كان القنوت في صلاة جهرية جهر به، وإن كان في صلاة سرية يسر به.
والذي نراه أن الحوادث المهمة يقنت وقت حدوثها ثم إذا صارت مستمرة فلا يقنت.
المسألة الثانية: حكم القنوت في الوتر: القنوت في الوتر سنة، لكن الاستمرار عليه دائماً ليس من السنة بل إذا قنت أحياناً فهو خير، وإذا ترك فهو خير؛ لأن القنوت علمه ﵊ ابن ابنته الحسن بن علي بن أبي طالب – ﵄ (٢) – ولكنه ﵊ لا أعلم أنه كان يقنت في وتره.
...
стр. 5356
المسألة الثالثة: قول السائل: هل يصلي الوتر كصلاة المغرب؟
فهذا لا ينبغي، فإذا أوتر الإنسان بثلاث ركعات فإنه مخير بين أن يصليها بتسليمتين يعني يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي الثالثة وحدها، أو أن يسردها جميعاً بتشهد واحد عند السلام، وأما أن يسردها بتشهدين فتشبه صلاة المغرب فهذا قد روي فيه عن النبي ﷺ حديث في النهي عنه (١) . والله أعلم.
٧٩٠ وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: عندنا إمام يقنت في صلاة الفجر بصفة دائمة فهل نتابعه؟ وهل نؤمن على دعائه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من صلى خلف إمام يقنت في صلاة الفجر فليتابع الإمام في القنوت في صلاة الفجر ويؤمن على دعائه بالخير، وقد نص على ذلك الإمام أحمد – رحمه الله تعالى -.
٧٩١ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم القنوت في صلاة الفريضة؛ والصلاة خلف إمام يقنت في الفريضة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي نرى أن لا قنوت في الفرائض إلا
стр. 5357
في النوازل، لكن من صلى خلف إمام يقنت فليتابعه درءاً للفتنة، وتأليفاً للقلوب.
٧٩٢ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم القنوت في الفرائض؟ وما الحكم إذا نزل بالمسلمين نازلة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: القنوت في الفرائض ليس بمشروع ولا ينبغي فعله، لكن إن قنت الإمام فتابعه لأن الخلاف شر.
وإن نزل بالمسلمين نازلة فلا بأس بالقنوت حينئذ لسؤال الله تعالى رفعها. حرر في ٢٤/٧/١٤٠١هـ.
٧٩٣ سئل فضيلة الشيخ – حظفه الله ورعاه -: بعض المساجد تواظب على دعاء القنوت في صلاة الفجر، والبعض الآخر لا يأتي به على الإطلاق في صلاة الفجر، ما تعليقكم يا فضيلة الشيخ؟ جزاكم الله خيراً .
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح في هذه المسألة أنه لا قنوت في صلاة الفجر؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ لم يقنت في الفرائض إلا بسبب نوازل نزلت بالأمة الإسلامية، ثم ترك القنوت ﵊ فلم يقنت حتى توفاه الله .
لكن من ائتم بإمام يقنت في صلاة الفجر فلا ينفرد عنه، بل
стр. 5358
يتابعه ويقف، ويؤمن على دعائه، هكذا نص عليه الإمام أحمد – ﵀ – وإنما نص – ﵀ – على هذا؛ لأن الخلاف شر، والخروج عن الجماعة شر.
وانظر إلى كلام ابن مسعود – رضي لله عنه – لما كره إتمام عثمان بمنى كان يصلي خلفه أربعاً، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما هذا؟ يعني كيف يصلي أربعاً وأنت تنكر على عثمان؟ فقال – ﵁: "الخلاف شر" (١) ، وهذه قاعدة مهمة.
وهي أنه ينبغي للإنسان أن لا يخالف إخوانه ولا يشذ عنهم، ولقد كان الرسول ﵊ يرسل البعوث للدعوة إلى الله أو للجهاد في سبيل الله ويأمرهم أن يتطاوعوا؛ يعني يؤمر أميرين ويقول لهما: "تطاوعا ولا تختلفا" (٢) ، يعني فليطع بعضكم بعضاً، ولا تختلفوا؛ لأن الخلاف لا شك أنه شر، وتفريق للأمة وتمزيق لشملها، وهذا الدين الإسلام له عناية كبيرة بالاجتماع وعدم التفرق وعدم التباغض.
ولهذا نهى عن كل معاملة تكون سبباً للتعادي والتباغض؛ فنهى عن البيع على بيع المسلم، ونهى عن الخطبة على خطبة
стр. 5359
المسلم، ونهى عن السوم على سوم أخيه (١) ، ونهى عن أشياء كثيرة مما يدل على أن النبي ﷺ لا يريد من أمته أن تتفرق وتتمزق. قال الله : (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: ١٠٣) .
стр. 5360
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم ...
...
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد:
...
جـ١: أشكركم على التهنئة بعيد الفطر، وأسأل الله أن يجزيكم عنا خيراً، وأن يتقبل منا ومنكم ومن جميع المسلمين، وأن يعيده علينا جميعاً بخير.
جـ٢: تابعوا إمامكم في القنوت في صلاة الفجر، وأمنوا على دعائه بالخير. وفق الله الجميع لما فيه الخير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ١٩/١٠/١٤١٢هـ.
"