فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلأ أني خشيت أن تفرض عليكم" وذلك في رمضان (١) .
فإن قيل: إن النبي ﷺ اقتصر على هذه الركعات ولم يمنع الزيادة عليها، وزيادة الركعات خير وثواب.
فالجواب: أنه إما أن يكون الخير في الاقتصار على هذه الركعات؛ لأنه هدي النبي ﷺ ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فإن كان الخير في الاقتصار عليها كان الاقتصار عليها أولى، وإما أن يكون الخير في الزيادة، وحينئذ يكون النبي ﷺ متقاصراً عن فعل الخير وراضياً بالمفضول عن الفاضل مع عدم البيان لأمته وهذا شيء مستحيل.
فإن قيل: فما الجواب عما روى مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان أنه قال: "كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة" موطأ شرح الزرقاني ص (٢٣٩) ج١.
فالجواب: أن هذا الحديث معلول ومعارض.
أما علته: فهو منقطع؛ لأن يزيد بن رومان لم يدرك عمر، كما نص على ذلك أهل الحديث كالنووي وغيره.
وأما معارضته: فقد عارضه ما رواه مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف، وهو ثقة ثبت، عن السائب بن يزيد، وهو
стр. 5427
صحابي قال: "أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة" (١) . الموطأ شرح الزرقاني ص (١٣٨) ج١.
فإن هذا الحديث أرجح من حديث يزيد بن رومان من وجوه ثلاثة:
الأول: أنه أقوم عملاً وأحسن لموافقته للعدد الثابت عن النبي ﷺ ، وما كان عمر – ﵁ – ليختار سوى الوارد عن النبي ﷺ مع علمه به، ويبعد أن يكون غير عالم به.
الثاني: أن حديث السائب بن يزيد في الإحدى عشرة منسوب إلى أمر عمر – ﵁ – فيكون من قوله، وحديث يزيد بن رومان في الثلاث والعشرين منسوب إلى زمان عمر – ﵁ فيكون من إقراره، والقول أقوى من الإقرار؛ لأنه صريح في اختياره إياه، أما الإقرار فقد يكون من باب الإقرار على الجائز لا على المختار، فأقرهم عمر على الثلاث والعشرين حيث لم يرد عن النبي ﷺ في ذلك منع، وكانوا مجتهدين في ذلك فأقرهم على اجتهادهم، وإن كان هو يختار الإحدى عشرة لأمره بها. ...
الثالث: أن حديث السائب بن يزيد في الإحدى عشرة سالم من العلة، فسنده متصل، وحديث يزيد بن رومان معلول كما سبق وأيضاً فتوثيق الراوي عن السائب بن يزيد، وهو محمد بن يوسف أقوى من توثيق يزيد بن رومان، حيث قيل في الأول: إنه ثقة ثبت،
стр. 5428
وفي الثاني ثقة فقط، وهذا من المرجحات كما في علم مصطلح الحديث.
هذا ولو فرض أن حديث يزيد بن رومان في الثلاث والعشرين ثابت عن عمر، وسالم عن العلة والمعارضة فإنه لا يمكن أن يرجح على العدد الذي واظب عليه النبي ﷺ ، ولم يزد عليه في رمضان ولا غيره. لقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩) . فأوجب الله الرد عند النزاع إلى الله يعني كتابه، وإلى رسوله في حياته وسنته بعد وفاته، وأخبر سبحانه أن هذا خير وأحسن تأويلاً – أي عاقبة -.
وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء: ٦٥) . فجعل الله التحاكم إلى الرسول ﷺ فيما شجر بين الناس من النزاع من مقتضيات الإيمان، ونفي الإيمان نفياً مؤكداً بالقسم عمن لم يحكم الرسول ﷺ ويطمئن إلى حكمه، وينقاد له انقياداً تاماً.
وكان النبي ﷺ يعلن في خطبة الجمعة فيقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ " (١) ، وهذا أمر مجمع عليه إجماعاً قطعياً بين المسلمين أن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وأن هديه خير من هدي كل أحد كائناً من كان، بل إن كان في هدي أحد خير فما هو إلا من هدي النبي ﷺ .
وكان الصحابة – ﵃ – يحذرون غاية التحذير من
стр. 5429
معارضة قول النبي ﷺ بقول غيره، أو هديه بهدي غيره، قال ابن عباس – ﵄: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر، وعمر"، بل إن عمر – ﵁ – لما ترافع إليه خصمان، قال للذي لم يرض ذكر هذا الأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، وفي شرحه تيسير العزيز الحميد ص (٥١٠) قال: هذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولاً يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة، ولا يضر ضعف إسنادها. أهـ (١) .
ولو قيل لشخص مسلم: هذا رسول الله ﷺ يصلي بالناس بإحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا آخر غيره يصلي بهم بثلاث وعشرين ركعة، أو بتسع وثلاثين، فإنه لا يسعه إلا أن يتبع رسول الله ﷺ ويأخذ بهديه؛ لأن العمل الموافق للرسول ﷺ هو الأحسن والأقوم، والعمل بالأحسن هو الذي خلق الناس، وخلقت السموات والأرض من أجله، قال الله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الملك: ٢) . وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (هود: ٧) . لم يقل سبحانه (ليبلوكم أكثر عملاً) ، ومعلوم أنه كلما كان العمل أخلص لله،
стр. 5430
وأتبع لرسول الله ﷺ كان أحسن، فالإحدى عشرة، أو الثلاث عشرة أحسن مما زاد عليها لموافقتها لما ثبت عن رسول الله ﷺ ، فتكون أولى وأفضل، لاسيما إذا اقترن بها تمهل، وخشوع، وحضور قلب، وطمأنينة يتمكن بها الإمام والمأمومون من الذكر والدعاء.
فإن قيل: إن الثلاث والعشرين هي سنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – ﵁ – وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم حيث قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (١) .
فالجواب: لعمر الله، إن عمر لمن الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، بل هو أحد الرجلين اللذين أمرنا رسول الله ﷺ بالاقتداء بهما حيث قال: "إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٢) . رواه الترمذي. بل هو الرجل الذي قال فيه النبي ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (٣) . رواه الترمذي، وهو الرجل الذي قال فيه النبي ﷺ : "لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن بك في أمتي أحد فإنه عمر". متفق عليه (٤) . ولكن ما هي سنة عمر – ﵁ – في عدد ركعات التراويح؟
...
стр. 5431
إن إثبات تعينها في ثلاث وعشرين دونه خرط القتاد، فقد سبق أن سند إثباتها – فضلاً عن تعينها – معلوم ومعارض بما هو أرجح سنداً، وأقوى دلالة وأقوم عملاً، وأن الثابت عن عمر أنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يصليا للناس بإحدى عشرة ركعة (١) .
ثم إن فرض ثبوت تعيينها بثلاث وعشرين ركعة عن عمر – ﵁ – لم يكن ذلك حجة على فعل رسول الله ﷺ ، ولا معارضاً له لدلالة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والإجماع على أنه لا يعدل بسنة رسول الله ﷺ سنة غيره كائناً من كان، ولا تعارض بها أبداً، قال الإمام الشافعي – ﵀: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها لقول أحد". أهـ.
ومن الملاحظات قوله: إن المسلمين لم يزالوا على الثلاث والعشرين من عهد الصحابة إلى زماننا هذا، فيكون إجماعاً.
فالجواب: ليس الأمر كذلك، فالخلاف موجود بين المسلمين منذ عصر الصحابة إلى اليوم، وقد ذكر في فتح الباري الخلاف ص (٢٥٣) ج٤ المطبعة السلفية وملخصه: ١١ – ١٣ – ١٩ – ٢١ – ٢٣ – ٢٥ – ٢٧ – ٣٥ – ٣٧ – ٣٩ قال: وكان ذلك يعني التسع والثلاثين في المدينة في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز، قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة ٤١ – ٤٧ – ٤٩.
стр. 5432
فإذا تبين ثبوت الخلاف بين المسلمين فالحكم في ذلك رسول الله ﷺ كما قال سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. تم ذلك في ٨/٩/٣٩٥هـ.
стр. 5433
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ حفظه الله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اطلعت اطلاعة سريعة على هذه الرسالة التي كتبتموها (.....) ولا ريب أن التحقيق في مثل هذه المسائل التي تخفى فيها السنة على كثير من الناس أمر مهم ونافع لما فيه من إحياء السنة، ومعلوم أن السنة إذا خفيت كان إظهارها واجباً، وإن كانت في الأصل سنة لما في ذلك من حفظ الشريعة وإبلاغ ما جاء به الرسول ﷺ .
والرسالة المذكورة أرجو أن لا يكون في نشرها بأس لكن عليها بعض التنبيهات.
فمنها: ما في آخر ص ١٤ من أن الاقتصار على إحدى عشرة ركعة ظناً أن هذا العدد أفضل من الزيادة عليه حيث يقع هذا من الأئمة الذين لا يعرفون رغبة من خلفهم على إحدى عشرة ركعة. قلتم: إن هذا ليس له دليل من الكتاب والسنة، بل فيه مخالفة صريحة لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ؛ لأنهم إن أطالوا فقد عصوا أبا القاسم، وإن خففوا فقد حرموا أنفسهم ومن يصلي خلفهم من التزود من العمل الذي أمر الله به ومدح المكثرين منه الذي يقضون معظم ليلهم بالقيام، والركوع، والسجود، وقراءة القرآن.
...
стр. 5434
ثم قلتم في ص ١٥ إن هذا ليس من النصيحة في الدين، ولا بعد نصيحة لله، ولا لكتابه، ولا لعامة المسلمين. أهـ.
ولا يخفى عليكم أن عائشة – ﵂ – سئلت كيف كان النبي ﷺ يصلي في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة" ثم فصلتها كما رواه البخاري وغيره. انظر الفتح ٣/٣٣ وصحيح مسلم ١/٥٠٩ (١) .
ولا يخفى أن هذا العدد هو غاية الزيادة إلا ما صح من حديث ابن عباس – ﵄ – أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة (٢) . انظر صحيح مسلم ١/٥٣١ وفصل هذه الركعات ص ٥٢٧ منه (٣) ، وفصلها في البخاري أيضاً، انظر الفتح ٢/٤٧٧، ولعل الركعتين كما في الأوليين هما الركعتان الخفيفتان اللتان يفتتح بهما صلاة الليل كما في حديث زيد بن خالد الجهني (٤) في صحيح مسلم ١/٥٣١ – ٥٣٢.
ولا يخفى أنه ربما اقتصر على السبع والتسع كما في حديث عائشة في البخاري (٥) انظر الفتح ٣/٢٠.
ولا يخفى أن العدد أحد عشرة هو المرجح عند كثير من أهل
стр. 5435
العلم، ومنهم شيخنا عبد العزيز ابن باز كما نقلتموه عنه ص ٢٢ من الرسالة، وأن الزيادة على ذلك لا حرج فيها ولا كراهية. ...
ولا يخفى أن النقص عنه جائز أيضاً لورود السنة به، لكن زيادة العدد إلى إحدى عشرة أو ثلاث عشرة مع حسن العمل أولى لتميزه بالكثرة، اللهم إلا أن يكون على المكلف نوع من المشقة فيقتصر على ما دونه تيسيراً على نفسه لقول النبي ﷺ : "اكلفوا من العمل ما تطيقون" (١) .
ولا يخفى أن النبي ﷺ كان يطيل صلاة الليل وهو إمام كما في حديث ابن مسعود – ﵁ – حين صلى مع النبي ﷺ فأطال الصلاة حتى هم أن يقعد ويترك النبي ﷺ (٢) ، انظر الفتح ٣/١٩، وصحيح مسلم ١/٥٣٧ وكما في حديث حذيفة (٣) حين صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة فقرأ النبي ﷺ البقرة، والنساء، وآل عمران، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، انظر صحيح مسلم ١/٥٣٦ – ٥٣٧.
ولا يخفى أن النبي ﷺ صلى في رمضان بأصحابه ثلاث ليال وتأخر في الرابعة كما في صحيح البخاري (٤) ، انظر الفتح ٤/٢٥٣ وصحيح مسلم ١/٥٢٤.
стр. 5436
ولا يخفى أن النبي ﷺ قام بأصحابه حين بقي سبع من شهر رمضان حتى ذهب ثلث الليل، وفي ليلة ثانية حتى ذهب شطر الليل، وفي ليلة ثالثة حتى تخوفوا الفلاح – أي السحور – أخرجه أحمد وأهل السنن، ورجاله عند أهل السنن رجال الصحيح، كما في نيل الأوطار (صلاة التراويح) (١) .
ولا يخفى التطويل بالجماعة في ذلك، وهكذا كان عمل السلف من الصحابة والتابعين كما في موطأ الإمام مالك (٢) ، انظر شرح الزرقاني ١/٢٣٨ – ٢٤٠.
والفرق بين هذا وبين حديث معاذ – ﵁ – في نهي النبي ﷺ له عن التطويل (والمراد التطويل الزائد عما جاءت به السنة) أن هذا في النفل الذي يجوز للناس التخلف عنه والخروج منه، وحديث معاذ في الفرض الذي لا يجوز لهم التخلف عنه ولا الخروج منه إلا بعذر شرعي فهم ملزمون به قصداً وإتماماً.
وأظنكم بعد هذا ستعيدون النظر فيما كتبتم حول هذا الموضوع.
ومن الأمور التي ينبه عليها قولكم ص (١٦) إن شفع المأموم صلاته خلف إمام يصلي الوتر مخالفة منهي عنها، والمتابعة مأمور بها في السنة المطهرة إلخ.
ولا ريب أن المخالفة للإمام منهي عنها، والمتابعة مأمور بها ولكن المخالفة والمتابعة بينها النبي ﷺ في قوله: "فإذا كبر
стр. 5437
فكبروا" (١) إلخ، وفي تحذيره من مسابقة الإمام.
فأما إتمام المأموم صلاته فليس بمخالفة سواه كان مسبوقاً أم لا؛ لأن الإمام أتم صلاته بالسلام فانفصل المأموم منه، ولهذا كان أهل مكة عام الفتح يصلون خلف النبي ﷺ فيتمون الصلاة بعد سلام النبي ﷺ (٢) ونص على جواز ذلك أهل العلم، ونص الإمام أحمد على جواز صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح، ومعلوم أن المأموم في هذه الحال سيقوم بعد سلام الإمام لإتمام صلاة العشاء.
وعلى هذا فإذا نوى المأموم المصلي خلف إمام يوتر صلاة نفل غير الوتر، كانت صلاته ركعتين، فيتمها بعد سلام إمامه من وتره كالمقيم خلف المسافر، ومصلي العشاء خلف مصلى التراويح.
وفي المغني ٢/١٦٤ في الكلام على الوتر: فإن صلى مع الإمام وأحب متابعته في الوتر، وأحب أن يوتر آخر الليل فإنه إذا سلم الإمام لم يسلم معه وقام فصلى ركعة أخرى يشفع بها صلاته مع الإمام، نص عليه، ثم قال عن الإمام أحمد: يشفع مع الإمام بركعة أحب إليّ أهـ. وبهذا يحصل للمأموم القيام مع الإمام حتى ينصرف مع جعل آخر صلاته بالليل وتراً.
ومنها أنكم في ص (٤٥) وهمتم من قال: إن الإحدى عشرة ركعة هو العدد الذي جاءت به السنة واتبعه على ذلك عمر بن الخطاب – ﵁ – فهو خير الهدي، وأكمله، وأتمه،
стр. 5438
وأحسنه، وقلتم: لا دليل هنا لمن فضل الإحدى عشرة على غيرها.
ومعلوم أن المقصود بتفضيل الإحدى عشرة يعني على غيرها من الأعداد الأخرى التي عليها الناس اليوم.
أما كونها أفضل من الأعداد الأخرى التي جاءت بها السنة فقد يقال به أيضاً لأنه أكثر عملاً، وقد وردت به السنة، ويحمل ما ورد دونه على حال تقتضيه إما ضعف أو نحوه كما في صحيح مسلم ١/٥١٣ – ٥١٤ أن النبي ﷺ كان يصلي تسع ركعات، فلما أسن وأخذه الحم أوتر بسبع (١) .
وقد يقال إن هذا من تنوع العبادات، والأفضل على القول الراجح في العبادات المتنوعة أن يأتي بكل نوع منها، هذا ارة، وهذا تارة ليأتي بجميع أنواع السنة.
ولكن قد ترجح الإحدى عشرة في التراويح حتى لا يحصل الاضطراب والبلبلة عند العامة، ويرجحها أيضاً أمر عمر – ﵁ – أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بها في الناس (٢) .
وقد سبق ما نقلتم عن الشيخ عبد العزيز ابن باز ص (٢٢) أن الأفضل في ذلك كله هو صلاة إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة في رمضان وغيره لكون ذلك هو الموافق لفعل النبي ﷺ في غالب أحواله. وهذا مرجح رابع.
ومنها قولكم ص (٤٦) : ومن فضل الإحدى عشرة على غيرها فقد أخذ بسنة ورد سنن (كذا) أخرى بلا دليل.
...
стр. 5439
ومن المعلوم أن هذا ليس بلازم بل إن التفضيل بين شيئين يدل على جوازهما مع رجحان أحدهما على الآخر، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، كما هو معروف عند أهل العلم.
ومنها قولكم ص (٤٧) : وليس من أوصاف حسنة (كذا) كونه قليلاً.
ومن المعلوم أن القليل إذا كان أتبع للسنة كان أحسن من الكثير، سواء كان ذلك في الكم، أو في الكيف. ألم تر أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من صوم وفطر يوم كما في قصة عبد الله بن عمرو بن العاص الثابتة في صحيح البخاري وغيره (١) .
ثم ألم تر أن تخفيف ركعتي الفجر أفضل من إطالتهما، مع أن صوم يومين وفطر يوم، وتطويل الركعتين أكثر عملاً.
وبهذا علم أن القلة من حسن العمل إذا كانت أوفق للسنة.
ومن المعلوم أن الإحدى عشرة ركعة في التراويح أوفق للسنة مما زاد عليها كما يشعر بذلك جواب عائشة – ﵂ – لمن سألها كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان (٢) ؟ وعلى ذلك تكون أحسن لاسيما أن كثيراً من الذين يصلون التراويح ثلاثاً وعشرين ركعة يأتون بها بسرعة تكاد تكون مخلة بالطمأنينة التي لا تصح الصلاة بدونها.
...
стр. 5440
أما إذا اجتمعت الكثرة والموافقة للسنة فالكثير أولى وهذا لا ريب فيه.
ومنها أنكم قلتم في ص (٤٨) : إنه يشرع في الإيتار بخمس، أو سبع، أو تسع أن تصلي مثنى مثنى، بل إن صلاتها مثنى مثنى أفضل من سردها، ثم استدللتم بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى" (١) .
ومن المعلوم أن الأحاديث الواردة في الإيتار بهذا العدد ليس فيها حديث واحد يدل على تفريق عددها مثنى مثنى، بل تدل على أن النبي ﷺ كان يقصد سردها، والسنة قولاً وفعلاً قد فرقت بين صلاة الليل وبين الوتر، وكذلك أهل العلم فرقوا بينهما حكماً، وكيفية:
أما تفريق السنة بينهما قولاً: ففي حديث ابن عمر – ﵄ – أن رجلاً سال النبي ﷺ كيف صلاة الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" (٢) . رواه البخاري، انظر الفتح ٣/٢٠.
وأما تفريق السنة بينهما فعلاً: ففي حديث عائشة – ﵂ – قالت: كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوترأيقظني فأوتر. رواه البخاري، انظر الفتح ٢/٤٨٧، ورواه مسلم ١/٥١ بلفظ: كان يصلي صلاته بالليل وأنا معترضة بين يديه فإذا بقي الوتر أيقظها
стр. 5441
فأوترت (١) . وروى ١/٥٠٨ عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها (٢) . وروى ١/٥١٣ عنها حين قال لها سعد بن هشام بن عامر: أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده، ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعناً (٣) .
وأما تفريق العلماء بين الوتر وصلاة الليل حكماً: فإن العلماء اختلفوا في وجوب الوتر، فذهب أبو حنيفة إلى وجوبه وهو رواية عن أحمد ذكرها في الإنصاف والفروع قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل له شهادة.
والمشهور من المذهب أن الوتر سنة، وهو مذهب مالك؛ والشافعي.
وأما صلاة الليل فليس فيها هذا الخلاف، ففي فتح الباري ٣/٢٧: "ولم أر النقل في القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين قال ابن عبد البر: شذ بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه". أهـ.
стр. 5442
وأما تفريق العلماء بين الوتر وصلاة الليل في الكيفية: فقد صرح فقهاؤنا الحنابلة بالتفريق بينهما فقالوا: صلاة الليل مثنى مثنى وقالوا في الوتر: إن أوتر بخمس، أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وإن أوتر بتسع جلس عقب الثامنة فتشهد، ثم قام قبل أن يسلم فيصلي التاسعة، ثم يتشهد ويسلم، هذا ما قاله صابح زاد المستقنع.
ومنها أي مما ينبه عليه في رسالتكم أن ظاهر كلامكم ص (٤٩) في العبادات الواردة على وجوه متعددة تفضيل أحد الوجوه مطلقاً على الآخر.
وهذا مسلك سلكه بعض العلماء، والصواب أن الأفضل فعل هذا تارة، وهذا تارة ليحصل له العمل بالسنتين جميعاً، إلا أن يكون ورودها على أحد الوجوه لسبب يقتضيه فيقتصر عليه حينئذ.
هذا ما أردت التنبيه عليه في رسالتكم، وأسأل الله تعالى أن يجعل عمل الجميع خالصاً لوجهه، نافعاً لعباده، إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢٢/٢/١٤٠٨هـ.
٨٣١ سئل فضيلة الشيخ: عن الرواتب التي كان النبي ﷺ يصليها؟ وعن ركعتي الضحى، وعن تهجد رسول الله ﷺ ، وعن إعادة الوتر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرواتب التي كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 5443
يصليها عشر كما في حديث ابن عمر – ﵄ (١) -: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح، هذه عشر.
وقالت عائشة – ﵂ (٢) -: "كان النبي ﷺ لا يدع أربعاً قبل الظهر" وعلى هذا فتكون الرواتب ثنتي عشرة ركعة، أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح، إلا أنه ينبغي في الركعتين قبل الصبح، أمران:
أحدهما: التخفيف (٣) .
والثاني: قراءة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) في الركعة الأولى مع الفاتحة، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الركعة الثانية مع الفاتحة، أو في الركعة الأولى مع الفاتحة قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .
(البقرة:١٣٦) .
وفي الركعة الثانية مع الفاتحة قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ
стр. 5444
الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (١) (آل عمران: ٦٤) .
وأما ركعتا الضحى ففي صحيح مسلم (٢) عن عائشة – ﵂ – قالت: "كان النبي ﷺ يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله". وأقل سنة الضحى ركعتان.
وأما تهجد رسول الله ﷺ فقد سئلت عائشة ﵂ كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة" (٣) .
فهذا ما كان يصليه النبي ﵊ في الليل إحدى عشرة ركعة، ولا يزيد على ذلك، ومع هذا فلو أن الإنسان تهجد بأكثر وزاد على إحدى عشرة ركعة فلا حرج عليه، لأن النبي ﷺ سئل كما في حديث ابن عمر – ﵄ – ما ترى في صلاة الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى" (٤) . فعلى هذا نقول عدد صلاة الليل ليس محصوراً بإحدى عشرة بل يصلي الإنسان نشاطه.
وأما إذا أوتر في أول الليل وكان من نيته أن لا يقوم في آخره، فإنه إذا قدر له أن يقوم بعد فإنه يصلي ركعتين حتى يطلع الفجر، ولا
стр. 5445
بعيد الوتر؛ لأن الوتر ختم به صلاة الليل في ظنه قبل أن ينام، ولكن ينبغي للإنسان الذي من عادته أن يقوم من آخر الليل أن يجعل وتره في آخر الليل كما ثبت فيه الحديث: أن "من طمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل" (١) .
٨٣٢ سئل فضيلة الشيخ: عن كيفية صلاة النافلة، وكم عدد ركعاتها؟ وهل لها إقامة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً .
فأجاب فضيلته بقوله: جميع النوافل ليس لها أذان ولا إقامة، وإنما الأذان والإقامة للصلوات الخمس والجمعة، أما السنن الرواتب فهي ركعتان قبل الفجر خفيفتان، يقرأ في الأولى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) . وفي الثانية (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) . أو يقرأ في الأولى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) (البقرة، الآية: ١٣٦) . إلى آخر الآية، وفي الركعة الثانية يقرأ (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: ٦٤) . وذلك بعد الفاتحة (٢) .
وفي الظهر أربع ركعات قبلها بتسليمتين، وبعدها ركعتين، وأما العصر فلا راتبة لها لا قبلها ولا بعدها، وفي المغرب يصلي
стр. 5446
ركعتين بعدها، وفي العشاء يصلي ركعتين بعدها، فهذا اثنتا عشرة ركعة.
وأما صلاة الليل فهي على ركعتين ركعتين بدون حصر. ...
وأما الوتر فأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، فإن أوتر بثلاث فله الخيار: إن شاء سلم من اثنتين وأتى بركعة ثالثة وحدها، وإن شاء سرد الثلاث جميعاً بتشهد واحد، وإن شاء أوتر بخمس سردهن جميعاً بتشهد واحد، وإن أوتر بسبع سردهن بتشهد واحد، وإن أوتر بتسع سردهن جميعاً، إلا أنه يتشهد في الثامنة، ثم يقوم ويأتي بالتاسعة ويسلم، وإن أوتر بإحدى عشرة ركعة صلى ركعتين ركعتين ويجعل الأخيرة وحدها. والله الموفق.
٨٣٣ وسئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين المسجد والمصلى، وهل أحكامهما واحدة من حيث تحية المسجد وإنشاد الضالة، والبيع، والشراء وغير ذلك؟ وما حكم تحية المسجد فيما ظهر لكم، وإن قيل بأنها سنة مؤكدة فكيف نوجه أدلة القائلين بالوجوب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الفرق بين المصلى والمسجد أن المصلى مكان صلاة فقط، والمسجد معد للصلاة عموماً كل من جاء فيه فإنه يصلي فيه، ويعرف أن هذا وقف لا يمكن بيعه ولا التصرف فيه، وأما المصلى فإنه يمكن أن يترك ولا يصلى فيه، وأن يباع تبعاً للبيت الذي هو فيه وبناء على ذلك يختلف الحكم.
فالمساجد لابد لها من تحية، ولا تمكث فيها الحائض مطلقاً
стр. 5447
ولا الجنب إلا بوضوء، ولا يجوز فيه البيع والشراء بخلاف المصلى.
أما حكم تحية المسجد فالقول بوجوبها قوي جداً لأن النبي ﷺ قطع الخطبة ليأمر من جلس أن يقوم فيصلي ركعتين (١) . ومن المعلوم أن التشاغل بصلاة الركعتين يوجب التشاغل عن الخطبة وسماع الخطبة واجب، ولا يتشاغل بشيء عن واجب إلا وهو واجب. ...
ولكن جمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة. لأنه وردت أحاديث تدل على أنها كذلك:
فالخطيب إذا دخل يوم الجمعة لا يصلي ركعتين.
وكذلك قصة الثلاثة الذين دخلوا المسجد والنبي ﷺ في أصحابه، فانقسموا، منهم من جلس في الحلقة، ومنهم من جلس وراءها، ومنهم من انصرف (٢) . ولم ينكر النبي ﷺ على من جلس في الحلقة، أو وراءها، وكذلك ظاهر حديث كعب بن مالك حين دخل المسجد بعد أن تاب الله عليه، والنبي ﷺ جالس في أصحابه فقام إليه طلحة، فظاهر القصة أن كعباً لم يصل (٣) .
والذي يظهر لي أنها ليست بواجبة، ولكنها سنة مؤكدة أقل
стр. 5448
أحوال تاركها أن يكون قد ارتكب مكروهاً.
٨٣٤ وسئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض العلماء بأن وقت السنن الرواتب القبلية والبعدية هو بدخول وقت الفريضة وينتهي بخروج وقت الفريضة، وقول بعضهم، القبلية تنتهي بقضاء الفريضة فما الراجح في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الراجح أن السنة القبلية وقتها ما بين دخول وقت الصلاة وفعل الصلاة فراتبة الظهر القبلية يدخل وقتها من أذان الظهر أي من زوال الشمس وينتهي بفعل الصلاة أي بصلاة الظهر.
والسنة البعدية يبتدئ وقتها بانتهاء الصلاة وينتهي بخروج الوقت.
ولكن إذا فات وقت السنة القبلية من إثر تفريط من الإنسان فإنه يقضيها بعد الصلاة، أما إذا أخر الراتبة القبلية عن وقتها بلا عذر فلا تنفعه ولو قضاها، لأن القول الصحيح أن كل عبادة مؤقتة بوقت إذا خرج وقتها بلا عذر لا تصح ولا تقبل.
٨٣٥ وسئل فضيلة الشيخ: هناك بعض الناس يقدمون من مناطق مختلفة ليعتكفوا العشر الأواخر من رمضان في المسجد الحرام ولكنهم يتركون السنن الرواتب، أرجو الإجابة بالتفصيل، والله يحفظكم .
стр. 5449
فأجاب فضيلته بقوله: الحقيقة أن الإنسان إذا من الله عليه أن يصل إلى هذا المسجد فإنه ينبغي له أن يكثر من الصلاة، سواء كانت من الصلاة المشروعة، أو من الصلوات الأخرى الجائزة، وأمام الإنسان الذي يكون في هذا المكان النوافل المطلقة، يعني إذا قلنا إن المسافر لا يصلي راتبة الظهر، ولا راتبة المغرب، ولا راتبة العشاء فليس معنى ذلك أن نقول: لا تصل أبداً، نقول: صل وأكثر من الصلاة، والصلاة خير موضوع، والصلاة كما قال الله : (تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) (العنكبوت: ٤٥) ولهذا نحن نحث إخواننا على أن يكثروا من نوافل الصلوات في هذا المسجد وإن كانوا مسافرين؛ لأن الرسول ﷺ كان لا يمنعه السفر من أن يتطوع بالصلاة، بل كان ﷺ يدع سنة الظهر، وسنة المغرب، وسنة العشاء فقط، وبقية النوافل باقية على استحبابها وحينئذ لا يكون في المسألة إشكال.
٨٣٦ سئل فضيلة الشيخ: هل من السنة أن يصلي الإنسان قبل المغرب ركعتين بعد الأذان؟ أفتونا جزاكم الله خير الجزاء .
فأجاب فضيلته بقوله: نعم من السنة أن يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب أي بين الأذان والإقامة فقد أمر بها النبي ﵊ ثلاث مرات، فقال: "صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب" لكنه قال في الثالثة "لمن شاء" (١) كراهية أن يتخذها الناس سنة، أي سنة راتبة، فصلاة ركعتين قبل
стр. 5450
صلاة المغرب أي بين الأذان والإقامة سنة لكنها ليست راتبة، فلا ينبغي المحافظة عليها دائماً؛ لأنه لو حافظ عليها لكانت راتبة بخلاف الركعتين بعد المغرب فإنها راتبة تسن المحافظة عليها إلا في السفر فإن المسافر لا يسن له أن يأتي براتبة الظهر، أو المغرب، أو العشاء بل إن الرسول ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة" (١) أي بين كل أذان وإقامة صلاة أي صلاة نافلة لكنها في الفجر، والظهر راتبة، وفي العصر والمغرب، والعشاء غير راتبة.
стр. 5451
رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بعض الناس يدخلون في المسجد قبل آذان صلاة المغرب فيصلون ركعتين ثم إذا جاء المؤذن وأذن قاموا وصلوا ركعتين، وكذلك الحال في صلاة العشاء فما حكم صلاة الركعتين التي بعد الأذان؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الصلاة عند دخول المسجد سنة مؤكدة في أي وقت دخل. وصلاة الركعتين بين الأذان والإقامة مشروعة أيضاً لقول النبي ﷺ : "بين كل أذانين صلاة" (١) .
حرر في ٢٣/١١/١٤١٧هـ.
стр. 5452
٨٣٧ سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: يصلي بعض الناس ست ركعات بعد المغرب، ويقولون إنها صلاة الأوابين فهل لها أصل؟ وما حكم التنفل المطلق بين المغرب والعشاء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المغرب لها سنة راتبة، وهي ركعتان كما كان رسول الله ﷺ يصلي بعدها ركعتين.
وأما ست ركعات (١) التي تسمى صلاة الأوابين فلا أعلم لها أصلاً.
وأما التنفل المطلق بين المغرب والعشاء فإنه مشروع؛ لأن جميع الأوقات التي ليست بوقت نهي كلها يشرع فيها الصلاة نفلاً مطلقاً، فإن الصلاة خير موضوع، والإكثار منها مما يقرب إلى الله تعالى، وقد مدح الله الذين هم على صلاتهم دائمون.
٨٣٨ سئل فضيلة الشيخ: هل يؤدي الإنسان راتبة الفجر بعد صلاة الفجر أو يؤخرها حتى يزول وقت النهي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذه المسألة ينبني على خلاف العلماء في جواز فعل النوافل ذات السبب في وقت النهي، فمن قال إن النوافل لا يجوز فعلها في وقت النهي ولو كانت ذات سبب، قال إن الرجل إذا فاتته سنة الفجر فلا يجوز له أن يقضيها بعد صلاة الفجر، بل يجب أن يؤخرها حتى ترتفع الشمس قيد رمح
стр. 5453
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ﵃.
والقول الثاني: أن النوافل ذوات الأسباب يجوز أن تفعل في أوقات النهي. وهذا القول هو مذهب الإمام الشافعي – ﵀ – ورواية عن الإمام أحمد – ﵀ – وبناء على هذا القول يجوز للإنسان أن يصلي سنة الفجر بعد صلاة الفجر بعد الذكر المشروع للصلاة.
وهذا القول هو الراجح لأن القاعدة: "أن كل صلاة ذات سبب فلا نهي عنها" وذلك مثل تحية المسجد، وسنة الوضوء، وكذلك صلاة الكسوف تفعل في أوقات النهي.
٨٣٩ سئل فضيلة الشيخ: هل يصلي الإنسان صلاة الاستخارة في وقت النهي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة الاستخارة إن كانت لأمر مستعجل لا يتأخر حتى يزول النهي فإنها تفعل، وإن كانت لسبب يمكن أن يتأخر فإنه يجب أن تؤخر.
٨٤٠ سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان صلاة الإشراف وقد فاتته سنة الفجر فهل تجزي عن سنة الفجر؟ وإذا صلى سنة الفجر فهل تجزي عن صلاة الإشراق ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا صلى الإنسان صلاة الإشراق وقد فاتته سنة الفجر، فإنها لا تجزئ عن سنة الفجر وإذا صلى سنة
стр. 5454
الفجر فقد نقول إنها تجزئ عن صلاة الإشراق؛ لأنه حصل المقصود فصلى الإنسان ركعتين.
وقد نقول: إنها لا تجزئ؛ لأن المقصود أن يصلي الإنسان ركعتين خاصتين بالإشراق، وهذا أحوط، وعلى هذا فيصلي سنة الفجر، ثم ركعتي الإشراق. والله أعلم.
٨٤١ وسئل فضيلة الشيخ: هل ركعتا الفجر مثل صلاة الفجر في اشتراط دخول الوقت ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ركعتا الفجر مثل صلاة الفجر فلا تصلى سنة الفجر إلا بعد طلوع الفجر، وكذلك سنة الظهر الأولى لا تصلى إلا بعد دخول وقته.
٨٤٢ سئل فضيلة الشيخ: كيف تؤدى ركعتا الفجر؟ وما هي السور التي تقرأ فيها؟ أفتونا جزاكم الله خيراً .
فأجاب فضيلته بقوله: ركعتا الفجر إذا كان المراد بهما سنة الفجر فإنها هي راتبة الفجر، وهي قبل الصلاة، ويؤديها الإنسان خفيفة، قالت عائشة ﵂ في وصف فعل النبي ﷺ لهاتين الركعتين: "كان يخففهما، حتى أقول: أقرأ بأم القرآن" (١) ، ويقرأ مع الفاتحة في الركعة الأولى بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، وفي
стр. 5455
الركعة الثانية بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (١) . أو في الأولى يقرأ: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) . (البقرة: ١٣٦) . وفي الثانية: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: ٦٤) . فإن عرف كلتا الآيتين قرأ بهما أحياناً، وإن لم يعرفهما فيقرأ بالكافرون والإخلاص، ولا حرج عليه.
وإن كان المراد بهما الفريضة فإن الأفضل التطويل؛ لأن الني ﷺ كان يطيل فيهما؛ لأنهما ركعتان، وقد قال الله تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الإسراء: ٧٨) . ويستحب أن يقرأ في فجر يوم الجمعة بـ (الم* تَنْزِيل) السجدة من الركعتين، أو: (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) (الانسان: ١) .
وليحذر من فعل بعض الناس الذين يخالفون السنة في هذا، فنجدهم يقتصرون على سورة من هاتين السورتين في الركعتين، فيقرأون: (الم* تَنْزِيل) السجدة من الركعتين: أو: (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) فيهما، وهذا خلاف السنة، فإما أن يقرأ بهما، كل سورة في ركعة أو يقرا مما سواهما.
стр. 5456
٨٤٣ وسئل فضيلة الشيخ: هل تجزئ تحية المسجد عن سنة صلاة الفجر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحية المسجد لا تجزئ عن سنة الفجر إذا نواها عن التحية وحدها، ولكن إذا نوى سنة الفجر سقطت تحية المسجد. وعلى هذا إذا دخلت المسجد ولم تصل راتبة الفجر فصل ركعتين بنية سنة الفجر، ويكفيك ذلك عن تحية المسجد؛ كما لو دخلت المسجد والإمام يصلي الفجر ودخلت معه فإن تحية المسجد تسقط عنك حينئذ، وكذلك يفعل في الأربع التي قبل الظهر.
واعلم أن الإنسان إذا دخل المسدد في أي وقت فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، حتى ولو كان الخطيب يخطب يوم الجمعة؛ فقد دخل رجل ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة فجلس، فقال له النبي ﷺ : "أصليت؟ " قال: لا. قال: "قم فصل ركعتين" (١) .
إلا إذا دخل المسجد الحرام ونيته الطواف فإنه يبدأ بالطواف كما فعل ﷺ لما دخل المسجد الحرام؛ طاف قبل. ولم يصل ركعتي تحية المسجد.
أما إذا دخله وهو لا يريد الطواف فإنه يصلي ركعتين، فتكون تحيته الركعتين كغيره من المساجد؛ فلا يجلس حتى يصليهما، فينبغي أن نعرف الفرق بين من دخله للطواف ومن دخله لغيره،
стр. 5457
ومعروف أنه إذا فرغ من الطواف سوف يصلي ركعتين خلف المقام، والله أعلم.
٨٤٤ وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: عن وقت الأربع ركعات التي ذكرها النبي ﷺ بقوله: "رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً" (١) ؟.
فأجاب فضيلته بقوله: وقت هذه الأربع ركعات بعد الأذان وقبل الصلاة.
٨٤٥ سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز تأخير السنن القبلية التي قبل صلاة الظهر بحيث نبدأ صلاة الظهر وبعد ساعة تقريباً نصلي السنن القبلية والبعدية، لأن الوقت الذي يسمح لنا بالصلاة فيه في مكان الدراسة خارج المملكة لا يكفي إلا للوضوء والصلاة فقط؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً .
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أخر إنسان السنة القبلية إلى بعد الصلاة، فإن كان لعذر فلا حرج عليه أن يقضيها بعدها وتجزئه، وإذا كان لغير عذر فإنها لا تجزئه، وما ذكرت السائلة من أن الوقت لا يتسع إلا للوضوء ولصلاة الفرض فإنه عذر، وعلى هذا فيجوز
стр. 5458
قضاء الرواتب القبلية بعد الصلاة، ولكنه في هذه الحال يبدأ أولاً بالسنة البعدية ثم يقضي السنن القبلية.
٨٤٦ وسئل فضيلة الشيخ: عن قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر لمن لم يتمكن من أدائها قبل الصلاة؟ وهل يعارض ذلك النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر لا بأس به على القول الراجح.
ولا يعارض ذلك حديث النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر؛ لأن المنهي عنه الصلاة التي لا سبب لها.
ولكن إن أخر قضاءها إلى الضحى ولم يخش من نسيانها، أو الانشغال عنها فهو أولى.
٨٤٧ وسئل فضيلة الشيخ: إذا دخل الإنسان المسجد قبل الأذان وصلى تحية المسجد، ثم أذن المؤذن فهل يشرع له أن يأتي بنافلة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الأذان لصلاة الفجر، أو الظهر فإنه إذا أتم المؤذن الأذان يصلي الراتبة ركعتين للفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وإذا كان الأذان لغيرهما فإنه يسن له أن يتطوع أيضاً لقول النبي ﷺ : "بين كل أذانين صلاة" (١) .
стр. 5459
٨٤٨ سئل فضيلة الشيخ: هل تقضى الرواتب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم تقضى الرواتب تبعاً للفرائض كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في قصة نومهم عن صلاة الصبح في السفر حيث صلى النبي ﷺ الراتبة ثم الفريضة (١) .
٨٤٩ وسئل فضيلة الشيخ: هل تقضى السنن الرواتب، ولو نسي المصلي قراءة سورة مع الفاتحة في الفريضة أو النافلة فما الحكم؟ وهل يشرع له سجود السهو ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم تقضى الرواتب تبعاً للفرائض كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في قصة نومهم عن صلاة الصبح في السفر حيث صلى النبي ﷺ الراتبة ثم الفريضة.
وإذا نسي المصلي قراءة سورة مع الفاتحة فلا شيء عليه، لأن السورة التي بعد الفاتحة لا تجب قراءتها، فغاية أمره أن يكون قد ترك سنة وترك السنة لا شيء فيه، ولا سجود عليه للسهو.
٨٥٠ سئل فضيلة الشيخ: إذا لم يتمكن الإنسان من أداء راتبة الفجر قبل صلاة الفجر فمتى يقضيها؟ وما حكم أداءها في البيت ؟
стр. 5460
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان إذا فاتته سنة الفجر قبل صلاة الفجر أن يقضيها بعد الصلاة إذا انتهى من التسبيح الوارد خلف الصلاة، وله أن يؤخر القضاء إلى الضحى، لكن إذا كان يخشى أن ينسى، أو ينشغل عنها فإنه يصليها بعد صلاة الفجر.
وأما صلاته إياها في بيته فهذا هو الأفضل لأن النبي ﷺ كان يصليها في بيته بل قد قال النبي ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (١) .
ولكن إذا علم الإنسان أن الصلاة قد أقيمت في المسجد الذي يريد أن يصلي فيه الفريضة فإنه لا يصليها في البيت لأن النبي ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٢) . وعليه أن يخرج إلى المسجد لقول النبي ﷺ : "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣) .
٨٥١ وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: هل تقضى صلاة الليل في النهار على صفتها في الليل ؟
...
стр. 5461
فأجاب فضيلته بقوله: صفة قضاءها بالنهار أن تكون شفعاً فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث صلى أربعاً، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس صلى ستاً "وكان الرسول ﵊ إذا غلبه النوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة" (١) . هذا إن كان السائل يقصد صلاة الليل النافلة.
أما إن كان قصده الفريضة مثل أن تفوته صلاة الليل فيقضيها في النهار فإنه يقضيها على صفتها كما جاءت بذلك السنة.
٨٥٢ سئل فضيلة الشيخ: عن رجل فاتته ركعة من صلاة الفجر هل يقضيها سراً أو جهراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هو مخير لكن الأفضل أن يتمها سراً لأنه قد يكون هناك أحد يقضي فيشوش عليه لو جهر.
٨٥٣ سئل فضيلة الشيخ: هل تقضى الرواتب إذا فات وقتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم الرواتب إذا ذهب وقتها نسياناً أو لنوم فإنها تقضى، لدخولها في عموم قول النبي ﷺ وعلى آله وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها فيصليها إذا ذكرها" (٢) .
стр. 5462
ولحديث أم سلمة – ﵂ – أن النبي ﷺ شغل عن الركعتين بعد صلاة الظهر وقضاهما بعد صلاة العصر (١) .
أما إذا تركها عمداً حتى فات وقتها فإنه لا يقضيها، لأن الرواتب عبادات مؤقتة والعبادات إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تقبل منه.
٨٥٤ سئل فضيلة الشيخ: هل تحية المسجد الحرام الطواف، أو تحية المسجد الحرام صلاة ركعتين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اشتهر عند كثير من الناس أن تحية المسجد الحرام الطواف، وليس كذلك، ولكن تحية الطواف لمن أراد أن يطوف، فإذا دخلت المسجد الحرام تريد الطواف فإن طوافك يغني عن تحية المسجد، لكن إذا دخلت المسجد الحرام بنية انتظار الصلاة، أو حضور مجلس العلم، أو ما أشبه ذلك فإن تحيته أن تصلي ركعتين كغيره من المساجد لقول النبي ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٢) . وهذا يشمل المسجد الحرام، وأما إذا دخلت للطواف فإن الطواف يغني عن التحية؛ لأن النبي ﷺ دخل المسجد الحرام للطواف فلم يصل التحية.
стр. 5463
٨٥٥ سئل فضيلة الشيخ: هل تتداخل ركعتا الطواف مع الراتبة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم هذه المسألة مبني على القول في ركعتي الطواف، فإن قلنا: إن الشارع له غرض في ركعتين خلف المقام مستقلتين، فإنها لا تجزئ عن الراتبة؛ لأنها أيضاً مقصودة بذاتها، فلابد حينئذ من صلاة ركعتين خلف المقام، وصلاة راتبة.
وإذا قلنا: إن الشارع قصد صلاة ركعتين بقطع النظر عن كونهما للطواف أو لأي شيء آخر فيجزئ حينئذ أن تتداخل.
والذي يترجح عندي أنه لابد من صلاة ركعتين لكل واحد منهما للطواف، وللراتبة.
٨٥٦ سئل فضيلة الشيخ: هل قيام الليل كله مخالف للسنة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان يديم ذلك ويقوم الليل كله فهو مخالف للسنة، لما ثبت في الصحيحين من حديث النفر الثلاثة الذين أتوا يسألون عن عمل النبي ﷺ فلما أخبروا بذلك، فكأنهم تقالوا العمل، فقال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام، فأنكر النبي ﷺ ذلك وقال: "أقوم وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (١) . وهذا يدل
стр. 5464
أن قيام الليل كله دائماً خلاف السنة.
وكذلك عندما أخبر النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أنا أصوم أبداً وأقوم أبداً، فمنعه من ذلك (١) .
وأما قيام بعض الليالي فقد جاءت به السنة، كما ورد أن النبي ﷺ كان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل" (٢) .
٨٥٧ سئل فضيلة الشيخ: هل صلاة نصف الليل تكفي عن صلاة الضحى؟ فإن رغبتي أن أصلي نصف الليل والضحى معاً فهل يجوز؟ وأحياناً إذا صليت العشاء صليت بعدها الوتر خوفاً من أن يغلبني النوم فلا أصلي وأحياناً أقوم نصف الليل وأصلي الوتر مرة أخرى زيادة على صلاتي له بعد صلاة العشاء فما رأيكم في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجمع بين صلاة الليل وصلاة الضحى لا بأس به فإن النبي ﷺ لما ذكر أنه يصبح على كل سلامى من الناس صدقة، وعدد ما عدده ﵊ من أنواع الصدقات قال: "ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" (٣) وهذا
стр. 5465
دليل على أن ركعتين في الضحى سنة؛ لأنها تجزئ عن كل الصدقات التي تلزم الإنسان على كل عضو من أعضاءه، وكل مفصل، فالجمع بين صلاة الليل وصلاة الضحى لا بأس به.
وأما كونها توتر من أول الليل وآخره فإن هذا خطأ فإن الوتر ركعة في آخر الليل كما قال النبي ﵊ قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (١) وقوله: "لا وتران في ليلة" (٢) بل وتر واحد، وعلى هذا فنقول إذا أوترت في أول الليل وهي تخشى أن لا تقوم من آخره، ثم يسر لها القيام في آخر الليل فإنها تصلي مثنى، مثنى ولا تعيد الوتر مرة أخرى، ولكن إذا كانت تطمع أن تقوم من آخر الليل فإن الأفضل أن تؤخر الوتر إلى آخر الليل عند قيامها، فإن لم تقم ولم توتر فإنها تقضي الوتر في النهار، ولكنها تقضيه شفعاً فإذا كان من عادتها أن توتر بثلاث فتصلي أربعاً، وإذا كان من عادتها أن تصلي أربعاً وتوتر بركعة فتصلي ست ركعات، وهكذا تشفع الوتر؛ لأن النبي ﷺ كان إذا غلبه النوم، أو الوجع صلى في النهار ثنتي عشرة ركعة" (٣) .
...
٨٥٨ سئل فضيلة الشيخ: عن السنن الرواتب مثل سنة الظهر الأربع القبلية هل يجوز للإنسان أن يصليها أربعاً سرداً ؟
...