(٣٤٣) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عما ابتلي به الناس اليوم من وجود الصور بأشياء من حاجاتهم الضرورية ؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: ما ابتلي به الناس اليوم من وجود الصور بأشياء من حاجاتهم الضرورية، فأرى أنه إذا أمكن مدافعتها فذاك، وإن لم يكن فإن فيها من الحرج والمشقة والعسر مما ارتفع عن هذه الأمة، بمعنى أنه يوجد في بعض المجلات وفي بعض الصحف التي يقتنيها الإنسان لما فيها من المنافع والإرشاد والتوجيه, فأرى أن مثل هذا ما دام لم يقصد الصورة نفسها فلا بأس أن يقتنيها لا سيما إذا كانت الصورة مغلقة لا تبرز ولا تبين.
(٣٤٤) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عن نشر صور المشوهين الأفغان ؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: نشر صور المشوهين الأفغان مصلحة في الحقيقة وهي أنها توجب اندفاع الناس بالتبرع لهم، لكن أقول: إن هذا قد يحصل بدون نشر هذه الأشياء أو ربما يمكن أن نضع شيئًا على الوجه بحيث لا يتبين الرأس؛ لأن الرأس إذا قطع لا تبقى صورة كما جاء في الحديث «ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا إلا سويته» وهذا ظاهره أن المراد بالصورة حتى صورة التلوين وإن لم يكن لها ظل؛ لأنه لم يقل: إلا كسرتها، والطمس إنما يكون لما كان ملونًا.
وكذلك أيضًا حديث عائشة في البخاري حينما «دخل ﵊ فوجد نمرقة فيها صورة فوق على الباب, وعرفت في وجهه الكراهية، وقال ﵊: "إن أصحاب هؤلاء الصور يعذبون» ، فهذا دليل على أنه يشمل الصورة التي لها ظل والتي ليس لها ظل وهذا هو الصحيح.
стр. 562
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ..... حفظه الله -تعالى-، وجعله من عباده الصالحين، وأوليائه المؤمنين المتقين، وحزبه المفلحين، آمين.
وبعد فقد وصلني كتابكم الذي تضمن السلام والنصيحة، فعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله عني على نصيحتكم البالغة التي أسأل الله -تعالى- أن ينفعني بها.
ولا ريب أن الطريقة التي سلكتموها في النصيحة هي الطريقة المثلى للتناصح بين الإخوان، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان، والمؤمن مرآة أخيه، ولا يؤمن أحد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
ولقد بلغت نصيحتكم مني مبلغًا كبيرًا بما تضمنته من العبارات الواعظة والدعوات الصادقة، أسأل الله أن يتقبلها، وأن يكتب لكم مثلها.
وما أشرتم إليه -حفظكم الله- من تكرر جوابي على إباحة الصورة المأخوذة بالآلة: فإني أفيد أخي أنني لم أبح اتخاذ الصورة -والمراد صورة ما فيه روح من إنسان أو غيره- إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه، كالتابعية، والرخصة، وإثبات الحقائق ونحوها.
وأما اتخاذ الصورة للتعظيم، أو للذكرى، أو للتمتع بالنظر إليها، أو التلذذ بها فإني لا أبيح ذلك، سواء كان تمثالًا أو رقمًا وسواء كان مرقومًا
стр. 563
باليد أو بالآلة، لعموم قول النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة» . وما زلت أفتي بذلك وآمر من عنده صور للذكرى بإتلافها، وأشدد كثيرًا إذا كانت الصورة صورة ميت.
وأما تصوير ذوات الأرواح من إنسان أو غيره فلا ريب في تحريمه، وأنه من كبائر الذنوب، لثبوت لعن فاعله على لسان رسول الله ﷺ وهذا ظاهر فيما إذا كان تمثالًا -أي مجسمًا- أو كان باليد. أما إذا كان بالآلة الفورية التي تلتقط الصورة ولا يكون فيها أي عمل من الملتقط من تخطيط الوجه وتفصيل الجسم ونحوه، فإن التقطت الصورة لأجل الذكرى ونحوها من الأغراض التي لا تبيح اتخاذ الصورة فإن التقاطها بالآلة محرم تحريم الوسائل، وإن التقطت الصورة للضرورة أو الحاجة فلا بأس بذلك.
هذا خلاصة رأيي في هذه المسألة، فإن كان صوابًا فمن الله وهو المانّ به، وإن كان خطأ فمن قصوري أو تقصيري، وأسأل الله أن يعفو عني منه، وأن يهديني إلى الصواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 564
البدعة
стр. 565
(٣٤٥) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله تعالى-: عن البدعة ؟
فأجاب قائلًا: البدعة قال فيها رسول الله ﷺ : «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» . وإذا كان كذلك فإن البدع سواء كانت ابتدائية أم استمرارية يأثم من تلبس بها لأنها كما قال الرسول ﵊: «في النار» ؛ أعني أن الضلالة هذه تكون سببًا للتعذيب في النار، وإذا كان الرسول ﵊ حذر أمته من البدع؛ فمقتضى ذلك أنها مفسدة محضة لأن الرسول ﷺ عمم ولم يخص قال: «كل بدعة ضلالة» .
ثم إن البدع في الحقيقة هي انتقاد غير مباشر للشريعة الإسلامية؛ لأن معناها أو مقتضاها أن الشريعة لم تتم، وأن هذا المبتدع أتمها بما أحدث من العبادة التي يتقرب بها إلى الله كما زعم.
فعليه نقول: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، والواجب الحذر من البدع كلها وألا يتعبد الإنسان إلا بما شرعه الله ورسوله ﷺ ، ليكون إمامه حقيقة؛ لأن من سلك سبيل بدعة فقد جعل المبتدع إمامًا له في هذه البدعة دون رسول الله ﷺ .
(٣٤٦) وسئل: عن معنى البدعة وعن ضابطها؟ وهل هناك بدعة حسنة؟ وما معنى قول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة» ؟
стр. 566
فأجاب بقوله: البدعة شرعًا ضابطها" التعبد لله بما لم يشرعه الله"، وإن شئت فقل: "التعبد لله - تعالى- بما ليس عليه النبي ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون" فالتعريف الأول مأخوذ من قوله- تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ . والتعريف الثاني مأخوذ من قول النبي ﵊: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور» فكل من تعبد لله بشيء لم يشرعه الله، أو بشيء لم يكن عليه النبي ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون فهو مبتدع سواء كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أو فيما يتعلق بأحكامه وشرعه. أما الأمور العادية التي تتبع العادة والعرف فهذه لا تسمى بدعة في الدين وإن كانت تسمى بدعة في اللغة، ولكن ليست بدعة في الدين وليست هي التي حذر منها رسول الله ﷺ .
وليس في الدين بدعة حسنة أبدًا، والسنة الحسنة هي التي توافق الشرع، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسنة أي يبدأ العمل بها، أو يبعثها بعد تركها، أو يفعل شيئًا يسنه يكون وسيلة لأمر متعبد به فهذه ثلاثة أشياء:
الأول: إطلاق السنة على من ابتدأ العمل ويدل له سبب الحديث فإن النبي ﷺ حث على التصدق على القوم الذين قدموا عليه ﷺ وهم في حاجة وفاقة، فحث على التصدق فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي ﵊، فقال النبي ﷺ :
стр. 567
«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» فهذا الرجل سن سنة ابتداء عمل لا ابتداء شرع.
الثاني: السنة التي تركت ثم فعلها الإنسان فأحياها فهذا يقال عنه: سنها بمعنى أحياها وإن كان لم يشرعها من عنده.
الثالث: أن يفعل شيئًا وسيلة لأمر مشروع مثل بناء المدارس وطبع الكتب فهذا لا يتعبد بذاته ولكن لأنه وسيلة لغيره فكل هذا داخل في قول النبي ﷺ : " «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» . والله أعلم.
(٣٤٧) وسئل فضيلة الشيخ: كيف يتعامل الإنسان الملتزم بالسنة مع صاحب البدعة؟ وهل يجوز هجره ؟
فأجاب بقوله: البدع تنقسم إلى قسمين:
بدع مكفرة، وبدع دون ذلك. وفي كلا القسمين يجب علينا نحن أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام ومعهم البدع المكفرة وما دونها إلى الحق؛ ببيان الحق دون أن نهاجم ما هم عليه إلا بعد أن نعرف منهم الاستكبار عن قبول الحق؛ لأن الله -تعالى- قال للنبي ﷺ : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فندعو أولًا هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته، والحق مقبول لدى كل ذي فطرة سليمة، فإذا وجد العناد والاستكبار فإننا نبين باطلهم، على أن بيان باطلهم في غير مجادلتهم أمر واجب.
стр. 568
أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة، فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجره، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره؛ إن كان في هجره مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي ﷺ : «لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث» فكل مؤمن وإن كان فاسقًا فإنه يحرم هجره ما لم يكن في الهجر مصلحة، فإذا كان في الهجر مصلحة هجرناه؛ لأن الهجر حينئذ دواء، أما إذا لم يكن فيه مصلحة أو كان فيه زيادة في المعصية والعتو، فإن ما لا مصلحة فيه تركه هو المصلحة.
فإن قال قائل: يرد على ذلك أن النبي ﷺ هجر كعب بن مالك وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك؟
فالجواب: أن هذا حصل من النبي ﷺ ، وأمر الصحابة بهجرهم لأن في هجرهم فائدة عظيمة، فقد ازدادوا تمسكًا بما هم عليه حتى إن كعب بن مالك ﵁ جاءه كتاب من ملك غسان يقول: فيه بأنه سمع أن صاحبك -يعني الرسول ﷺ قد جفاك وأنك لست بدار هوان ولا مذلة فالحق بنا نواسك. فقام كعب مع ما هو عليه من الضيق والشدة وأخذ الكتاب وذهب به وأحرقه في التنور. فهؤلاء حصل في هجرهم مصلحة عظيمة، ثم النتيجة التي لا يعادلها نتيجة أن الله أنزل فيهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الآيتان.
стр. 569
(٣٤٨) وسئل فضيلة الشيخ: كيف نرد على أهل البدع الذين يستدلون على بدعهم بحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» .... " إلخ ؟
فأجاب بقوله: نرد على هؤلاء فنقول: إن الذي قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» . هو الذي قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» . وعلى هذا يكون قوله: «من سن في الإسلام سنة حسنة» . منزلًا على سبب هذا الحديث، وهو أن النبي ﷺ حث على الصدقة للقوم الذين جاءوا من مضر في حاجة وفاقة فجاء رجل بصرة من فضة فوضعها بين يدي النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» . وإذا عرفنا سبب الحديث وتنزل المعنى عليه؛ تبين أن المراد بسن السنة سن العمل بها، وليس سن التشريع لأن التشريع لا يكون إلا لله ورسوله، وأن معنى الحديث من سن سنة أي ابتدأ العمل بها واقتدى الناس به فيها، كان له أجرها وأجر من عمل بها، هذا هو معنى الحديث المتعين، أو يحمل على أن المراد «من سن سنة حسنة» من فعل وسيلة يتوصل بها إلى العبادة واقتدى الناس به فيها، كتأليف الكتاب،
стр. 570
وتبويب العلم، وبناء المدارس، وما أشبه هذا مما يكون وسيلة لأمر مطلوب شرعًا. فإذا ابتدأ الإنسان هذه الوسيلة المؤدية للمطلوب الشرعي وهي لم ينه عنها بعينها، كان داخلًا في هذا الحديث.
ولو كان معنى الحديث أن الإنسان له أن يشرع ما شاء، لكان الدين الإسلامي لم يكمل في حياة رسول الله ﷺ ، ولكان لكل أمة شرعة ومنهاج، وإذا ظن هذا الذي فعل هذه البدعة أنها حسنة فظنه خاطئ؛ لأن هذا الظن يكذبه قول الرسول ﵊: «كل بدعة ضلالة» .
(٣٤٩) وسئل - حفظه الله-: عن حكم إظهار الفرح والسرور بعيد الفطر وعيد الأضحى؟ وبليلة السابعة والعشرين من رجب؟ وليلة النصف من شعبان؟ ويوم عاشوراء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما إظهار الفرح والسرور في أيام العيد عيد الفطر أو عيد الأضحى فإنه لا بأس به إذا كان في الحدود الشرعية، ومن ذلك أن يأتي الناس بالأكل والشرب وما أشبه هذا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله » يعني بذلك الثلاثة الأيام التي بعد عيد الأضحى المبارك وكذلك في العيد فالناس يضحون ويأكلون من ضحاياهم ويتمتعون بنعم الله عليهم، وكذلك في عيد الفطر لا بأس بإظهار الفرح والسرور ما لم يتجاوز الحد الشرعي.
أما إظهار الفرح في ليلة السابع والعشرين من رجب، أو ليلة النصف من شعبان أو في يوم عاشوراء، فإنه لا أصل له وينهى عنه ولا
стр. 571
يحضر الإنسان إذا دعي إليه لقول النبي ﷺ : «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» . فأما ليلة السابع والعشرين من رجب فإن الناس يدعون أنها ليلة المعراج التي عرج بالرسول ﷺ فيها إلى الله وهذا لم يثبت من الناحية التاريخية وكل شيء لم يثبت فهو باطل، والمبني على الباطل باطل، ثم على تقدير ثبوت أن ليلة المعراج ليلة السابع والعشرين من رجب، فإنه لا يجوز لنا أن نحدث فيها شيئًا من شعائر الأعياد أو شيئًا من العبادات؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ وأصحابه فإذا كان لم يثبت عمن عرج به ولم يثبت عن أصحابه الذين هم أولى الناس به وهم أشد الناس حرصًا على سنته وشريعته؛ فكيف يجوز لنا أن نحدث ما لم يكن على عهد النبي ﷺ في تعظيمها، ولا في إحيائها، وإنما أحياها بعض التابعين بالصلاة والذكر لا بالأكل والفرح وإظهار شعائر الأعياد.
وأما يوم عاشوراء فإن النبي ﷺ سئل عن صومه فقال: " «يكفر السنة الماضية» يعني التي قبله وليس في هذا اليوم شيء من شعائر الأعياد، وكما أنه ليس فيه شيء من شعائر الأعياد فليس فيه شيء من شعائر الأحزان أيضًا؛ فإظهار الحزن أو الفرح في هذا اليوم كلاهما خلاف السنة ولم يرد عن النبي ﷺ في هذا اليوم إلا صيامه. مع أنه ﷺ أمر أن نصوم يومًا قبله أو يومًا بعده حتى نخالف اليهود الذين كانوا يصومونه وحده.
(٣٥٠) وسئل فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي ؟
стр. 572
فأجاب قائلًا:
أولًا: ليلة مولد الرسول ﷺ ليست معلومة على الوجه القطعي، بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول وليست ليلة الثاني عشر منه، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لا أصل له من الناحية التاريخية.
ثانيًا: من الناحية الشرعية فالاحتفال لا أصل له أيضًا لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي ﷺ أو بلغه لأمته، ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظًا لأن الله -تعالى- يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . فلما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس من دين الله، وإذا لم يكن من دين الله فإنه لا يجوز لنا أن نتعبد به لله ونتقرب به إليه، فإذا كان الله تعالى - قد وضع للوصول إليه طريقًا معينًا وهو ما جاء به الرسول ﷺ ، فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟ هذا من الجناية في حق الله أن نشرع في دينه ما ليس منه، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ .
فنقول:هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجودًا قبل موت الرسول ﵊، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله - تعالى - يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول ﷺ فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية
стр. 573
الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول ﵊، إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول ﵊، وإظهار محبته وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي ﷺ وكل هذا من العبادات؛ محبة الرسول ﵊، عبادة بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين. وتعظيم الرسول ﵊ من العبادة، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي ﷺ من الدين أيضًا لما فيه من الميل إلى شريعته، إذًا فالاحتفال بمولد النبي ﷺ من أجل التقرب إلى الله وتعظيم رسوله ﷺ عبادة وإذا كان عبادة فإنه لا يجوز أبدًا أن يحدث في دين الله ما ليس منه، فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم، ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة ما لا يقره شرع ولا حس ولا عقل فهم يتغنون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول ﵊، حتى جعلوه أكبر من الله -والعياذ بالله- ومن ذلك أيضًا أننا نسمع من سفاهة بعض المحتفلين أنه إذا تلا التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله " ولد المصطفى" قاموا جميعًا قيام رجل واحد يقولون: إن روح الرسول ﷺ حضرت فنقوم إجلالًا لها وهذا سفه، ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا لأن الرسول ﷺ كان يكره القيام له؛ فأصحابه وهم أشد الناس حبًّا له وأشد منا تعظيمًا للرسول ﷺ لا يقومون له لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي فكيف بهذه الخيالات؟!
وهذه البدعة -أعني بدعة المولد- حصلت بعد مضي القرون الثلاثة
стр. 574
المفضلة وحصل فيها ما يصحبها من هذه الأمور المنكرة التي تخل بأصل الدين فضلًا عما يحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات.
(٣٥١) وسئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين ما يسمى بأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- والاحتفال بالمولد النبوي حيث ينكر على من فعل الثاني دون الأول ؟
فأجاب بقوله: الفرق بينهما حسب علمنا من وجهين:
الأول: أن أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- لم يتخذ تقربًا إلى الله وإنما يقصد به إزالة شبهة في نفوس بعض الناس في هذا الرجل، ويبين ما من الله به على المسلمين على يد هذا الرجل.
الثاني: أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لا يتكرر ويعود كما تعود الأعياد، بل هو أمر بين للناس وكتب فيه ما كتب، وتبين في حق هذا الرجل ما لم يكن معروفًا من قبل لكثير من الناس ثم انتهى أمره.
(٣٥٢) وسئل: عن حكم إقامة الأسابيع كأسبوع المساجد وأسبوع الشجرة ؟
فأجاب بقوله: هذه الأسابيع لا أعلم لها أصلًا من الشرع، وإذا اتخذت على سبيل التعبد وخصصت بأيام معلومة تصير كالأعياد فإنها تلتحق بالبدعة؛ لأن كل شيء يتعبد به الإنسان لله وهو غير
стр. 575
وارد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ فإنه من البدع. لكن الذين نظموها يقولون: إن المقصود بذلك هو تنشيط الناس على هذه الأعمال التي جعلوا لها هذه الأسابيع وتذكيرهم بأهميتها. ويجب أن ينظر في هذا الأمر وهل هذا مسوغ لهذه الأسابيع أو ليس بمسوغ؟
(٣٥٣) وسئل أيضًا: عن حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم ؟
فأجاب قائلًا: إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح، وربما يكون منشئها من غير المسلمين أيضًا، فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله ، والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام؛ وهي عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع "يوم الجمعة" وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها وباطلة في شريعة الله لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . أي مردود عليه غير مقبول عند الله وفي لفظ " «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز في العيد الذي ذكر في السؤال والمسمى عيد الأم، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد؛ كإظهار الفرح والسرور وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به وأن يقتصر على ما حده الله - تعالى- ورسوله ﷺ في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله -تعالى- لعباده فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضًا ألا يكون إمعة يتبع كل ناعق بل ينبغي أن يكون شخصيته بمقتضى شريعة الله - تعالى- حتى
стр. 576
يكون متبوعًا لا تابعًا، وحتى يكون أسوة لا متأسيًا، لأن شريعة الله -والحمد لله- كاملة من جميع الوجوه كما قال الله - تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ . والأم أحق من أن يحتفى بها يومًا واحدًا في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها، وأن يعتنوا بها، وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله في كل زمان ومكان.
(٣٥٤) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إقامة أعياد الميلاد للأولاد أو بمناسبة الزواج ؟
فأجاب بقوله: ليس في الإسلام أعياد سوى يوم الجمعة عيد الأسبوع، وأول يوم من شوال عيد الفطر من رمضان، والعاشر من شهر ذي الحجة عيد الأضحى، وقد يسمى يوم عرفة عيدًا لأهل عرفة وأيام التشريق أيام عيد تبعًا لعيد الأضحى.
وأما أعياد الميلاد للشخص أو أولاده، أو مناسبة زواج ونحوها فكلها غير مشروعة، وهي للبدعة أقرب من الإباحة.
(٣٥٥) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم أعياد الميلاد ؟
فأجاب بقوله: يظهر من السؤال أن المراد بعيد الميلاد عيد ميلاد الإنسان، كلما دارت السنة من ميلاده أحدثوا له عيدًا تجتمع فيه أفراد العائلة على مأدبة كبيرة أو صغيرة.
стр. 577
وقولي في ذلك أنه ممنوع لأنه ليس في الإسلام عيد لأي مناسبة سوى عيد الأضحى، وعيد الفطر من رمضان، وعيد الأسبوع وهو يوم الجمعة وفي سنن النسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان لأهل الجاهلية، يومان في كل سنة يلعبون فيهما فلما قدم النبي ﷺ ، المدينة قال: "كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد بدلكم الله بهما خيرًا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى» . ولأن هذا يفتح بابًا إلى البدع مثل أن يقول: قائل: إذا جاز العيد لمولد المولود فجوازه لرسول الله ﷺ أولى، وكل ما فتح بابًا للممنوع كان ممنوعًا. والله الموفق.
(٣٥٦) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إقامة حفل توديع للكافر عند انتهاء عمله؟ وحكم تعزية الكافر؟ وحكم حضور أعياد الكفار ؟
فأجاب بقوله: هذا السؤال تضمن مسائل:
الأولى: إقامة حفل توديع لهؤلاء الكفار -لا شك- أنه من باب الإكرام أو إظهار الأسف على فراقهم، وكل هذا حرام في حق المسلم؛ قال النبي ﷺ : «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» والإنسان المؤمن حقًا لا يمكن أن يكرم أحدًا من أعداء الله -تعالى- والكفار أعداء الله بنص القرآن قال الله -تعالى-: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ .
стр. 578
المسألة الثانية: تعزية الكافر إذا مات له من يعزى به من قريب أو صديق. وفي هذا خلاف بين العلماء، فمن العلماء من قال: إن تعزيتهم حرام، ومنهم من قال: إنها جائزة. ومنهم من فصل في ذلك فقال: إن كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامهم، وكف شرهم الذي لا يمكن إلا بتعزيتهم، فهو جائز وإلا كان حرامًا.
والراجح أنه إن كان يفهم من تعزيتهم إعزازهم وإكرامهم كانت حرامًا وإلا فينظر في المصلحة.
المسألة الثالثة (١) : حضور أعيادهم ومشاركتهم أفراحهم، فإن كانت أعيادًا دينية كعيد الميلاد فحضورها حرام بلا ريب قال ابن القيم ﵀: لا يجوز الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم. والله الموفق.
(٣٥٧) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم استئجار قارئ ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت ؟
فأجاب بقوله: هذا من البدع وليس فيه أجر لا للقارئ ولا للميت، ذلك لأن القارئ إنما قرأ للدنيا والمال فقط وكل عمل صالح يقصد به الدنيا فإنه لا يقرب إلى الله ولا يكون فيه ثواب عند الله، وعلى هذا فيكون هذا العمل - يعني استئجار شخص ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت - يكون هذا العمل ضائعًا ليس فيه سوى إتلاف المال على الورثة فليحذر منه فإنه بدعة ومنكر.
стр. 579
(٣٥٨) وسئل -حفظه الله تعالى-: عن حكم المآتم ؟
فأجاب قائلًا: المآتم كلها بدعة سواء كانت ثلاثة أيام، أو على أسبوع، أو على أربعين يومًا، لأنها لم ترد من فعل السلف الصالح ﵃ ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ولأنها إضاعة مال، وإتلاف وقت وربما يحصل فيها شيء من المنكرات من الندب والنياحة ما يدخل في اللعن؛ فإن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة.
ثم إنه إن كان من مال الميت -من ثلثه أعني- فإنه جناية عليه لأنه صرف له في غير الطاعة، وإن كان من أموال الورثة فإن كان فيهم صغار أو سفهاء لا يحسنون التصرف فهو جناية عليهم أيضًا، لأن الإنسان مؤتمن في أموالهم فلا يصرفها إلا فيما ينفعهم، وإن كان لعقلاء بالغين راشدين فهو أيضًا سفه، لأن بذل الأموال فيما لا يقرب إلى الله أو لا ينتفع به المرء في دنياه من الأمور التي تعتبر سفهًا، ويعتبر بذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، والله ولي التوفيق.
(٣٥٩) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التلاوة لروح الميت ؟
فأجاب قائلًا: التلاوة لروح الميت يعني أن يقرأ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول: أن ذلك غير مشروع وأن الميت لا ينتفع به أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال.
القول الثاني: أنه ينتفع بذلك وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو فلانة من المسلمين، سواء كان قريبًا أو غير قريب.
стр. 580
والراجح: القول الثاني لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت، كما في حديث سعد ابن عبادة ﵁ حين تصدق ببستانه لأمه، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ : «إن أمي افْتُلِتَت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال النبي ﷺ : "نعم» وهذه قضايا أعيان تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز وهو كذلك، ولكن أفضل من هذا أن تدعو للميت، وتجعل الأعمال الصالحة لنفسك لأن النبي ﷺ قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . ولم يقل: أو ولد صالح يتلو له أو يصلي له أو يصوم له أو يتصدق عنه بل قال: - «أو ولد صالح يدعو له» والسياق في سياق العمل، فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت لا أن يجعل له شيئًا من الأعمال الصالحة، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح، أن يجد ثوابه له مدخرًا عند الله .
أما ما يفعله بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة، مثل أن يحضروا قارئًا يقرأ القرآن بأجرة، ليكون ثوابه للميت فإنه بدعة ولا يصل إلى الميت ثواب؛ لأن هذا القارئ إنما قرأ لأجل الدنيا ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا فإنه لا حظ له منها في الآخرة كما قال الله - تعالى-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة لإخواني الذين يعتادون مثل هذا
стр. 581
العمل أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثوابه وحينئذ يكون أكلًا للأموال بالباطل ولم ينتفع الميت بذلك.
(٣٦٠) وسئل أيضًا: عن حكم الاجتماع عند القبر والقراءة؟ وهل ينتفع الميت بالقراءة أم لا ؟
فأجاب بقوله: هذا العمل من الأمور المنكرة التي لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وهو الاجتماع عند القبر والقراءة.
وأما كون الميت ينتفع بها فنقول: إن كان المقصود انتفاعه بالاستماع فهذا منتفٍ، لأنه قد مات وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث:"صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . فهو وإن كان يسمع إذا قلنا بأنه يسمع في هذه الحال فإنه لا ينتفع، لأنه لو انتفع لزم منه ألا ينقطع عمله، والحديث صريح في حصر انتفاع الميت بعمله بالثلاث التي ذكرت في الحديث.
وأما إن كان المقصود انتفاع الميت بالثواب الحاصل للقارئ، بمعنى أن القارئ ينوي بثوابه أن يكون لهذا الميت، فإذا تقرر أن هذا من البدع فالبدع لا أجر فيها «كل بدعة ضلالة» كما قال النبي ﷺ ولا يمكن أن تنقلب الضلالة هداية، ثم إن هذه القراءة في الغالب تكون بأجرة، والأجرة على الأعمال المقربة إلى الله باطلة، والمستأجر للعمل الصالح إذا نوى بعمله الصالح -هذا الصالح من حيث الجنس وإن كان من حيث النوع ليس بصالح كما سيتبين إن شاء الله- إذا نوى بالعمل
стр. 582
الصالح أجرًا في الدنيا، فإن عمله هذا لا ينفعه ولا يقربه إلى الله ولا يثاب عليه لقوله -تعالى-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فهذا القارئ الذي نوى بقراءته أن يحصل على أجر دنيوي نقول له: هذه القراءة غير مقبولة، بل هي حابطة ليس فيها أجر ولا ثواب وحينئذ لا ينتفع الميت بما أهدي إليه من ثوابها لأنه لا ثواب فيها، إذًا فالعملية إضاعة مال، وإتلاف وقت، وخروج عن سبيل السلف الصالح ﵃ لا سيما إذا كان هذا المال المبذول من تركة الميت وفيها حق قصر وصغار وسفهاء فيأخذ من أموالهم ما ليس بحق فيزاد الإثم إثمًا. والله المستعان.
(٣٦١) وسئل فضيلة الشيخ -حفظه الله تعالى-: عن حكم إهداء القراءة للميت ؟
فأجاب بقوله: هذا الأمر يقع على وجهين:
أحدهما: أن يأتي إلى قبر الميت فيقرأ عنده، فهذا لا يستفيد منه الميت؛ لأن الاستماع الذي يفيد من سمعه إنما هو في حال الحياة حيث يكتب للمستمع ما يكتب للقارئ، هنا الميت قد انقطع عمله كما قال النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» .
الوجه الثاني: أن يقرأ الإنسان القرآن الكريم تقربًا إلى الله ويجعل ثوابه لأخيه المسلم أو قريبه فهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم:
стр. 583
فمنهم من يرى أن الأعمال البدنية المحضة لا ينتفع بها الميت ولو أهديت له؛ لأن الأصل أن العبادات مما يتعلق بشخص العابد، لأنها عبارة عن تذلل وقيام بما كلف به وهذا لا يكون إلا للفاعل فقط، إلا ما ورد النص في انتفاع الميت به فإنه حسب ما جاء في النص يكون مخصصًا لهذا الأصل.
ومن العلماء من يرى أن ما جاءت به النصوص من وصول الثواب إلى الأموات في بعض المسائل، يدل على أنه يصل إلى الميت من ثواب الأعمال الأخرى ما يهديه إلى الميت.
ولكن يبقى النظر هل هذا من الأمور المشروعة أو من الأمور الجائزة؛ بمعنى هل نقول: إن الإنسان يطلب منه أن يتقرب إلى الله بقراءة القرآن الكريم، ثم يجعلها لقريبه أو أخيه المسلم، أو أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها.
الذي نرى أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها، وإنما يندب إلى الدعاء للميت والاستغفار له وما أشبه ذلك مما نسأل الله -تعالى- أن ينفعه به، وأما فعل العبادات وإهداؤها فهذا أقل ما فيه أن يكون جائزًا فقط وليس من الأمور المندوبة، ولهذا لم يندب النبي ﷺ أمته إليه بل أرشدهم إلى الدعاء للميت فيكون الدعاء أفضل من الإهداء.
(٣٦٢) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم قراءة القرآن الكريم على القبور؟ والدعاء للميت عند قبره؟ ودعاء الإنسان لنفسه عند القبر ؟
стр. 584
فأجاب بقوله: قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة، ولم ترد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه؛ وإذا كانت لم ترد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه فإنه لا ينبغي لنا نحن أن نبتدعها من عند أنفسنا؛ لأن النبي ﷺ قال فيما صح عنه: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» والواجب على المسلمين أن يقتدوا بمن سلف من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان حتى يكونوا على الخير والهدى؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ » . وأما الدعاء للميت عند قبره فلا بأس به، فيقف الإنسان عند القبر ويدعو له بما يتيسر، مثل أن يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم أدخله الجنة، اللهم افسح له في قبره، وما أشبه ذلك.
وأما دعاء الإنسان لنفسه عند القبر فهذا إذا قصده الإنسان فهو من البدع أيضًا؛ لأنه لا يخصص مكان للدعاء إلا إذا ورد به النص؛ وإذا لم يرد به النص، ولم تأت به السنة فإنه -أعني تخصيص مكان للدعاء- أيًا كان ذلك المكان يكون تخصيصه بدعة.
(٣٦٣) وسئل فضيلة الشيخ: هل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ يدل على أن الثواب لا يصل إلى الميت إذا أهدي له ؟
فأجاب بقوله: قوله - تعالى-: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ المراد -والله أعلم- أن الإنسان لا يستحق من سعي غيره شيئًا، كما لا يحمل
стр. 585
من وزر غيره شيئًا، وليس المراد أنه لا يصل إليه ثواب سعي غيره؛ لكثرة النصوص الواردة في وصول ثواب سعي الغير إلى غيره وانتفاعه به إذا قصده به، فمن ذلك:
١ - الدعاء:فإن المدعو له ينتفع به بنص القرآن الكريم والسنة، وإجماع المسلمين، قال الله -تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فالذين سبقوهم بالإيمان هم المهاجرون والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم هم التابعون فمن بعدهم إلى يوم الدين؛ وثبت عن رسول الله ﷺ أنه أغمض أبا سلمة، وقال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له في قبره، ونور له فيه» . وكان ﷺ يصلي على أموات المسلمين، ويدعو لهم، ويزور المقابر، ويدعو لأهلها، واتبعته أمته في ذلك حتى صار هذا من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام؛ وصح عنه ﷺ أنه قال: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» ... "
وهذا لا يعارض قول النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم لأن المراد به عمل الإنسان نفسه، لا عمل غيره له؛ وإنما جعل دعاء الولد الصالح من عمله؛ لأن الولد من كسبه
стр. 586
حيث إنه هو السبب في إيجاده، فكأن دعاؤه لوالده دعاء من الوالد نفسه -بخلاف دعاء غير الولد لأخيه، فإنه ليس من عمله -وإن كان ينتفع به-؛ فالاستثناء الذي في الحديث من انقطاع عمل الميت نفسه لا عمل غيره له، ولهذا لم يقل: انقطع العمل له، بل قال: "انقطع عمله". وبينهما فرق بين.
٢ - الصدقة عن الميت: ففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ «أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها (ماتت فجأة) ، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم".» وروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة ﵁؛ والصدقة عبادة مالية محضة.
٣ - الصيام عن الميت: ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» والولي هو الوارث؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ولقول النبي ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» متفق عليه؛ والصيام عبادة بدنية محضة.
٤ - الحج عن غيره: ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأحج عنه؟ قال: "نعم".» وذلك في حجة الوداع. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ «أن امرأة من جهينة قالت للنبي ﷺ : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال:" نعم،»
стр. 587
«حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» .
فإن قيل: هذا من عمل الولد لوالده؛ وعمل الولد من عمل الوالد كما في الحديث السابق: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» ... " حيث جعل دعاء الولد لوالده من عمل الوالد؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما:أن النبي ﷺ لم يعلل جواز حج الولد عن والده بكونه ولده، ولا أومأ إلى ذلك؛ بل في الحديث ما يبطل التعليل به؛ لأن النبي ﷺ شبهه بقضاء الدين الجائز من الولد، وغيره؛ فجعل ذلك هو العلة أعني كونه قضاء شيء واجب عن الميت.
الثاني: أنه قد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على جواز الحج عن الغير، حتى من غير الولد: فعن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة." قال: "من شبرمة"؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال:" حججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» . قال في البلوغ: رواه أبو داود وابن ماجه. وقال في الفروع: إسناده جيد احتج به أحمد في رواية صالح، لكنه رجح في كلام آخر أنه موقوف؛ فإن صح المرفوع فذاك؛ وإلا فهو قول صحابي لم يظهر له مخالف؛ فهو حجة، ودليل على أن هذا العمل كان من المعلوم جوازه عندهم؛ ثم إنه قد ثبت حديث عائشة في الصيام: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» . والولي هو الوارث سواء كان ولدًا أم غير ولد؛ وإذا جاز ذلك في الصيام مع كونه عبادة محضة فجوازه بالحج المشوب بالمال أولى، وأحرى.
٥ - الأضحية عن الغير: فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: «ضحى النبي ﷺ »
стр. 588
«بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى، وكبر ووضع رجله على صفاحهما» . ولأحمد من حديث أبي رافع ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فيذبح أحدهما ويقول:"اللهم هذا عن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ". ثم يذبح الآخر ويقول: "هذا عن محمد وآل محمد» . قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن، وسكت عنه في التلخيص.
والأضحية عبادة بدنية قوامها المال، وقد ضحى النبي ﷺ عن أهل بيته، وعن أمته جميعًا؛ وما من شك في أن ذلك ينفع المضحى عنهم، وينالهم من ثوابه؛ ولو لم يكن كذلك لم يكن للتضحية عنهم فائدة.
٦ - اقتصاص المظلوم من الظالم بالأخذ من صالح أعماله: ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها؛ فإنه ليس ثم دينار، ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته؛ فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ قال: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار» .
فإذا كانت الحسنات قابلة للمقاصة بأخذ ثوابها من عامل إلى غيره كان ذلك دليلًا على أنها قابلة لنقلها منه إلى غيره بالإهداء.
٧ - انتفاعات أخرى بأعمال الغير: كرفع درجات الذرية في الجنة
стр. 589
إلى درجات آبائهم، وزيادة أجر الجماعة بكثرة العدد، وصحة صلاة المنفرد بمصافة غيره له، والأمن والنصر بوجود أهل الفضل، كما في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه «أن النبي ﷺ رفع رأسه إلى السماء -وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء-، فقال: " النجوم أمنة للسماء؛ فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي؛ فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» . وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " «يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فيفتح لهم به؛ ثم يبعث البعث الثاني، فيقولون: هل فيكم من رأى أصحاب النبي ﷺ فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثالث، فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أصحاب النبي ﷺ ثم يكون البعث الرابع، فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أحدًا رأى أصحاب النبي ﷺ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به» .
فإذا تبين أن الرجل ينتفع بغيره وبعمل غيره، فإن من شرط انتفاعه أن يكون من أهله، وهو المسلم؛ فأما الكافر فلا ينتفع بما أهدي إليه من عمل صالح، ولا يجوز أن يهدى إليه، كما لا يجوز أن يدعى له ويستغفر له، قال الله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن
стр. 590
جده العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو بن العاص أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فسأل النبي ﷺ فقال: «إنه لو كان مسلمًا فأعتقتم، أو تصدقتم عنه، أو حججتم بلغه ذلك» . وفي رواية: «فلو كان أقر بالتوحيد، فصُمتَ، وتصدقت عنه نفعه ذلك» . رواه أحمد وأبو داود.
فإن قيل: هلا تقتصرون على ما جاءت به السنة من إهداء القرب، وهي: الحج، والصوم، والصدقة، والعتق؟
فالجواب: أن ما جاءت به السنة ليس على سبيل الحصر، وإنما غالبه قضايا أعيان سئل عنها النبي ﷺ فأجاب به، وأومأ إلى العموم بذكر العلة الصادقة بما سئل عنه وغيره، وهي قوله: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته» . ويدل على العموم أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» . ثم لم يمنع الحج، والصدقة، والعتق، فعلم من ذلك أن شأن العبادات واحد، والأمر فيها واسع.
فإن قيل: فهل يجوز إهداء القرب الواجبة؟
فالجواب: أما على القول بأنه لا يصح إهداء القرب إلا إذا نواه المهدي قبل الفعل، بحيث يفعل القربة بنية أنها عن فلان، فإن إهداء القرب الواجبة لا يجوز لتعذر ذلك، إذ من شرط القرب الواجبة أن ينوي بها الفاعل أنها عن نفسه قيامًا بما أوجب الله -تعالى- عليه؛ اللهم إلا أن تكون من فروض الكفايات، فربما يقال: بصحة ذلك، حيث ينوي الفاعل القيام بها عن غيره، لتعلق الطلب بأحدهما لا بعينه.
وأما على القول بأنه يصح إهداء القرب بعد الفعل ويكون ذلك إهداء لثوابها بحيث يفعل القربة ويقول: اللهم اجعل ثوابها لفلان، فإنه
стр. 591
لا يصح إهداء ثوابها أيضًا على الأرجح؛ وذلك لأن إيجاب الشارع لها إيجابًا عينيًا دليل على شدة احتياج العبد لثوابها، وضرورته إليه، ومثل هذا لا ينبغي أن يؤثر العبد بثوابه غيره.
فإن قيل: إذا جاز إهداء القرب إلى الغير فهل من المستحسن فعله؟
فالجواب: أن فعله غير مستحسن إلا فيما وردت به السنة، كالأضحية، والواجبات التي تدخلها النيابة؛ كالصوم والحج، وأما غير ذلك فقد قال شيخ الإسلام في الفتاوى (ص ٣٢٢-٣٢٣ج٢٤) مجموع ابن قاسم: "إن الأمر الذي كان معروفًا بين المسلمين في القرون المفضلة أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها، ويدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك، لأحيائهم وأمواتهم"، قال: "ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعًا، وصاموا، وحجوا، أو قرءوا القرآن الكريم يهدون ذلك لموتاهم المسلمين، ولا لخصوصهم (١) . بل كان عادتهم كما تقدم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريقة السلف، فإنها أفضل وأكمل". ا. هـ.
وأما ما روي أن رجلًا قال: «يا رسول الله إن لي أبوين، وكنت أبرهما في حياتهما فكيف البر بعد موتهما؟ فقال: "إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك، وتصدق لهما مع صدقتك» . فهو حديث مرسل لا يصح. وقد ذكر الله -تعالى- مكافأة الوالدين بالدعاء، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ . وعن أبي أسيد ﵁ «أن رجلًا سأل النبي ﷺ : هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما،»
стр. 592
«والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» . رواه أبو داود وابن ماجه. ولم يذكر النبي ﷺ من برهما أن يصلي لهما مع صلاته، ويصوم لهما مع صيامه.
فأما ما يفعله كثير من العامة اليوم حيث يقرءون القرآن الكريم في شهر رمضان أو غيره، ثم يؤثرون موتاهم به ويتركون أنفسهم فهو لا ينبغي لما فيه من الخروج عن جادة السلف، وحرمان المرء نفسه من ثواب هذه العبادة، فإن مهدي العبادة ليس له من الأجر سوى ما يحصل من الإحسان إلى الغير. أما ثواب العبادة الخاص فقد أهداه، ومن ثم كان لا ينبغي إهداء القرب للنبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ له ثواب القربة التي تفعلها الأمة؛ لأنه الدال عليها والآمر بها، فله مثل أجر الفاعل، ولا ينتج عن إهداء القرب إليه سوى حرمان الفاعل نفسه من ثواب العبادة.
وبهذا تعرف فقه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حيث لم ينقل عن واحد منهم أنه أهدى شيئًا من القرب إلى النبي ﷺ مع أنهم أشد الناس حبًا للنبي ﷺ وأحرصهم على فعل الخير، وهم أهدى الناس طريقًا وأصوبهم عملًا؛ فلا ينبغي العدول عن طريقتهم في هذا وغيره؛ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
(٣٦٤) وسئل فضيلته: عن الحكمة من الطواف؟ وهل الحكمة من تقبيل الحجر التبرك به ؟
فأجاب بقوله: الحكمة من الطواف بينها النبي -صلى الله عليه
стр. 593
وسلم- حين قال: «إنما جعل الطواف بالبيت والصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» فالطائف الذي يدور على بيت الله -تعالى- يقوم بقلبه من تعظيم الله -تعالى- ما يجعله ذاكرًا الله - تعالى- وتكون حركاته بالمشي والتقبيل، واستلام الحجر، والركن اليماني، والإشارة إلى الحجر ذكرًا لله تعالى؛ لأنها من عبادته، وكل العبادات ذكر لله -تعالى- بالمعنى العام؛ وأما ما ينطق به بلسانه من التكبير، والذكر، والدعاء فظاهر أنه من ذكر الله تعالى.
وأما تقبيل الحجر فإنه عبادة حيث يقبل الإنسان حجرًا لا علاقة له به سوى التعبد لله - تعالى- بتعظيمه واتباع رسول الله ﷺ في ذلك كما ثبت أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال حين قبل الحجر: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» وأما ما يظنه بعض الجهال من أن المقصود بذلك التبرك به فإنه لا أصل له؛ فيكون باطلًا.
وأما ما أورده بعض الزنادقة من أن الطواف بالبيت كالطواف على قبور أوليائهم، وأنه وثنية فذاك من زندقتهم وإلحادهم؛ فإن المؤمنين ما طافوا به إلا بأمر الله، وما كان بأمر الله فالقيام به عبادة لله -تعالى-، ألا ترى أن السجود لغير الله شرك أكبر، ولما أمر الله -تعالى- الملائكة أن يسجدوا لآدم كان السجود لآدم عبادة لله - تعالى -، وكان ترك السجود له كفرًا.
وحينئذ يكون الطواف بالبيت عبادة من أجلِّ العبادات؛ وهو ركن في الحج؛ والحج أحد أركان الإسلام؛ ولهذا يجد الطائف بالبيت إذا كان المطاف هادئًا من لذة الطواف وشعور قلبه بالقرب من ربه ما يتبين به علو شأنه وفضله، والله المستعان.
стр. 594
(٣٦٥) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التمسح بالكعبة والركن اليماني طلبًا للبركة ؟
فأجاب قائلًا: ما يفعله بعض الجهلة من التمسح بالكعبة، أو الركن اليماني، أو الحجر الأسود طلبًا للبركة فهذا من البدع؛ فإن ما يمسح منها يمسح تعبدًا لا تبركًا، قال عمر ﵁: عندما قبل الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» فالأمر مبني على الاتباع لا على الابتداع؛ ولهذا لا يمسح من الكعبة إلا الركن اليماني والحجر الأسود؛ فمن مسح شيئًا سواهما من الكعبة فقد ابتدع؛ ولهذا أنكر ابن عباس ﵄ على معاوية ﵁ استلام الركنين الآخرين.
(٣٦٦) سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز التبرك بثوب الكعبة والتمسح به، فبعض الناس يقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية أجاز ذلك ؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: التبرك بثوب الكعبة والتمسح به من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ولما طاف معاوية بن أبي سفيان ﵁ بالكعبة، وجعل يمسح جميع أركان البيت، يمسح الحجر الأسود، ويمسح الركن العراقي، والركن الشامي، والركن اليماني، أنكر عليه عبد الله بن عباس، فأجاب معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فأجابه ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقد رأيت النبي ﷺ يمسح الركنين يعني
стр. 595
الحجر الأسود واليماني. وهذا دليل على أنه يجب علينا أن نتوقف في مسح الكعبة وأركانها، على ما جاءت به السنة؛ لأن هذه هي الأسوة الحسنة في رسول الله ﷺ ، وأما الملتزم الذي بين الحجر الأسود والباب، فإن هذا قد ورد عن الصحابة ﵃ أنهم قاموا به فالتزموا ذلك، والله أعلم.
أما ما قاله السائل أن هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فنحن نعلم أنه ﵀ من أشد الناس محاربة للبدع؛ وإذا قدر أنه ثبت عنه فليس قوله حجة على غيره؛ لأن ابن تيمية ﵀ كغيره من أهل العلم يخطئ ويصيب، وإذا كان معاوية ﵁ وهو من الصحابة أخطأ فيما أخطأ فيه من مسح الأركان الأربعة حتى نبهه عبد الله بن عباس في هذا فإن من دون معاوية يجوز عليه الخطأ؛ فنحن أولًا: نطالب هذا الرجل بإثبات ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وإذا ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه ليس بحجة؛ لأن أقوال أهل العلم يحتج لها ولا يحتج بها، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها: "كل أهل العلم أقوالهم يحتج لها ولا يحتج بها إلا إذا حصل إجماع المسلمين" فإن الإجماع لا يمكن الخروج عنه، بل لا يمكن الخروج عليه.
(٣٦٧) سئل فضيلة الشيخ: عن بطاقة أرسلت إليه فيها أذكار مرتبة من بعض الصوفية ؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: اطلعت على صورة البطاقة ومن أجل العدل وبيان الحق أجبت عما فيها على سبيل الاختصار بما يلي:
١ - تضمنت هذه البطاقة الحث على ذكر الله تعالى؛ وهذا حق، ولكن ذكر
стр. 596
الله -تعالى- عبادة يتقرب بها إليه فيجب التمشي فيها على ما شرعه الله ؛ ولا يتم ذلك إلا بالإخلاص لله -تعالى- والاتباع لرسول الله ﷺ وبذلك تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ ولا يكون الاتباع إلا إذا كانت العبادة مبنية على الشرع في سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.
وإذا كان كذلك فإن الذكر الموجود في البطاقة لا يتضمن ما ذكر فلا يصح أن يكون قربة إلى الله -تعالى-، أو ذكرًا مرضيًا عنده، كما هو ظاهر لمن رآه، فأين في شريعة الله هذا النوع من الذكر الذي رتبوه؟! وأين في شريعة الله هذا العدد الذي عينوه؟! وأين في شريعة الله هذا الزمن الذي خصصوه بحيث يكون هذا في الليل، وهذا في النهار؟! وأين في شريعة الله تقديم الفاتحة عند البدء بهذا الذكر البدعي؟!
٢ - تضمنت هذه البطاقة قراءة الفاتحة لحضرة النبي ﷺ ؛ فإن أرادوا بحضرته ذاته وأن يقرأ الإنسان الفاتحة، ويهدي ثوابها للنبي ﷺ فهذه بدعة لم يفعلها الصحابة ﵃ وهو من جهل فاعله، فإن النبي ﷺ يناله من الأجر على العمل مثل ما ينال فاعله من أمته؛ لأنه هو الدال عليه؛ ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله -بدون أن يهدي إليه الفاعل- وإن أرادوا أن النبي ﷺ يحضر بذاته فهو أدهى وأمر؛ وهو أمر منكر وزور؛ فالنبي ﷺ لا يحضر، ولن يخرج من قبره إلا عند البعث، قال الله - تعالى -: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾
стр. 597
وقال - تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ وهذا عام لجميع المخاطبين؛ وأشرف المخاطبين بذلك رسول الله ﷺ ؛ ولهذا قال الله له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾
١ - تضمنت هذه البطاقة من أسماء الله -تعالى- (هو) ، وفسره بأنه حاضر لا يغيب. والقول بأن (هو) من أسماء الله قول باطل مبني على الجهل، والعدوان؛ أما الجهل فلأن (هو) ضمير لا يدل على معنى سوى ما يتضمنه مرجع ذلك الضمير، وأسماء الله تعالى كلها حسنى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وهل أحد إذا دعا يقول: يا هو اغفر لي؟ وهل أحد يقول في البسملة: بسم هو بدلًا عن اسم الله - تعالى-؟ وأما العدوان فلأن إثبات اسم لله - تعالى- لم يسم به نفسه عدوان على الله -تعالى-، وقول عليه بلا علم؛ وهو حرام؛ لقوله تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
ثم إن تفسير (هو) بـ (حاضر لا يغيب) كذب على اللغة العربية، فإن كلمة (هو) ضمير غيبة، وليس ضمير حضور؛ ومن فسره بما يدل على الحضور فهو من أجهل الناس باللغة العربية، ودلالات ألفاظها، إن كان
стр. 598
الذي حمله على ذلك الجهل، أو من أعظم الناس افتراء إن كان قد قصد التقول على الله، وعلى اللغة العربية
. ٢- فسر اسم الله (الواحد) : بأنه الذي لا ثاني له.
والصواب: لا شريك له؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وقولنا: "لا شريك" كما أنه هو الوارد، فهو أبلغ مما جاء في هذه البطاقة.
٣ - فسر اسم (العزيز) : بأنه الذي لا نظير له، وهو قصور؛ والصواب: الغالب الذي لا يغلبه أحد.
٤ - فسر اسم (القيوم) : بأنه القائم بأسباب مخلوقاته.
والصواب: القائم بنفسه وعلى غيره: قال الله -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ فهو قائم بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وهو قائم على غيره: فكل أحد محتاج إلى الله وتفسيره بالقائم بأسباب مخلوقاته قاصر جدًا.
٧ - ذكر في هذه البطاقة البدعية صيغة صلاة على رسول الله ﷺ ما أنزل الله بها من سلطان وهي: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد، عدد ما في علم الله، صلاة دائمة بدوام ملك الله".
٨ - ذكر في هذه البطاقة البدعية أنه يتأكد الصلاة عليه عقب كل صلاة مكتوبة ثلاث مرات بصيغة ذكرها وهي: "اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله، وصحبه عدد حروف القرآن حرفًا حرفًا، وعدد كل حرف ألفًا ألفًا، وعدد صفوف الملائكة صفًا صفًا، وعدد كل صف ألفًا ألفًا، وعدد الرمال ذرةً ذرةً، وعدد كل ذرة ألفَ ألفِ مرةٍ، عدد ما أحاط به علمك، وجرى به قلمك، ونفذ به حكمك، في برك،
стр. 599
وبحرك، وسائر خلقك، عدد ما أحاط به علمك القديم من الواجب، والجائز، والمستحيل، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه مثل ذلك".
وهاتان الصيغتان بدعيتان باطلتان مخالفتان لما علمه النبي ﷺ أمته، حيث «قالوا: يا رسول قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» . وبهذا علم أن الأذكار، والصلوات البدعية مع بطلانها، وفسادها تستلزم الصد باعتبار حال فاعلها عما جاءت به الشريعة من الأذكار، والصلوات الشرعية؛ فحذار حذار أيها المؤمن من البدع؛ فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كما قال النبي ﷺ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
(٣٦٨) وسئل: عن حكم وضع العروس قدمها في دم خروف مذبوح ؟
فأجاب بقوله: ليس لهذه العادة من أصل شرعي وهي عادة سيئة؛ لأنها:
أولًا: عقيدة فاسدة لا أساس لها من الشرع.
ثانيًا: أن تلوثها بالدم النجس سفه؛ لأن النجاسة مأمور بإزالتها، والبعد عنها.
وبهذه المناسبة أود أن أقول لإخواني المسلمين: إن من المشروع أن الإنسان إذا أصابته النجاسة فليبادر بإزالتها، وتطهيرها؛ فإن هذا هو هدي
стр. 600
النبي ﷺ : فإن الأعرابي لما بال في المسجد أمر النبي ﷺ أن يراق على بوله ذنوبٌ من ماء؛ وكذلك الصبي الذي بال في حجر النبي: دعا النبي ﷺ بماء فأتبعه إياه أي أتبعه بول الصبي؛ وتأخير إزالة النجاسة سبب يؤدي إلى نسيان ذلك، ثم يصلي الإنسان وهو على نجاسة؛ وهذا وإن كان يعذر به على القول الراجح، وأنه لو صلى بنجاسة نسي أن يغسلها فصلاته صحيحة؛ لكن ربما يتذكر في أثناء الصلاة؛ وحينئذ إذا لم يمكنه أن يتخلص من النجاسة مع الاستمرار في صلاته فلازم ذلك أنه سوف يقطع صلاته، وينصرف، ويبتدئها من جديد.
على كل حال هذه العادة السيئة التي وقع السؤال عنها فيها تلوث المرأة بالنجاسة الذي هو من السفه، فإن الشرع أمر بالتخلص من النجاسة وتطهيرها، ثم إنني أخشى أن يكون هناك عقيدة أخرى وهي أن يذبحوه إما لجن، أو شياطين، أو ما أشبه ذلك؛ فيكون هذا نوعًا من الشرك؛ ومعلوم أن الشرك لا يغفره الله والله المستعان.
(٣٦٩) وسئل فضيلة الشيخ عن حكم وضع التمر على الطعام لئلا تأتيه الحشرات ؟
فأجاب قائلًا: هذا الفعل وهو وضع التمر على الطعام لئلا تصيبه الحشرات لا أعلم له أصلًا من الشرع، ولا أصلًا من الواقع؛ فإن الحشرات تأتي إلى ما يلائمها؛ فمنها ما يلائمه التمر، وتأتي حوله، وتأكل منه، ومنها ما يلائمها الدسم، فتأتي إليه، وتطعم منه؛ ولا أصل لهذا الذي يفعل؛ وإذا لم يكن له أصل من الشرع، ولا أصل من الواقع، فإنه لا ينبغي للإنسان أن